(باب الستر)
هو - بفتح السين - مصدر ستره يستره: إذا غطاه، وبالكسر: واحد الستور والأستار.
[ ١ / ٤٤٩ ]
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٢٦ - قال عمر بن أبي سَلَمة - ﵁ -: رأيتُ رسول الله - ﷺ - يُصلِّي في ثَوْبٍ واحِدٍ مُشْتَمِلًا بهِ في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ واضعًا طَرَفَيْهِ على عاتِقَيْهِ.
"من الصحاح":
" قال عمر بن أبي سلمة: رأيت رسول الله - ﷺ - يصلي في ثوب واحد"؛ أي: إزار طويل.
"مشتملًا به": بأن لفَّه ببدنه.
"في بيت أم سلمة واضعًا طرفيه على عاتقيه"؛ يعني: مُتَّزرًا ببعضه، ومُلقيًا طرفيه على عاتقيه، فكان بمنزلة الإزار والرداء.
العاتق: ما بين المنكب إلى أصل العنق.
وهذا يدل على جواز الصلاة في ثوب واحد إذا كان يستر ما بين سرته وركبته.
* * *
٥٢٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكُمْ في ثوبٍ واحدٍ ليسَ على عاتِقَيْهِ مِنْه شيءٌ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يصلينَّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء"، وهذه الجملة المنفية حال؛ يعني: من صلَّى في ثوب واسع ينبغي له أن يلقي طرفيه على عاتقيه مخالفًا بينهما؛ ليكون آمنًا عن انكشاف عورته، ومن صلى ولم يفعل ذلك لا تصحُّ صلاته عند أحمد؛ لظاهر الحديث، والجمهور على صحتها؛ لأن النهي للتنزيه.
[ ١ / ٤٥٠ ]
٥٢٨ - وعنه: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا صلَّى أحدُكُمْ في ثَوْبٍ فلْيُخالِفْ بطرفَيْهِ على عاتِقَيْهِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلى أحدكم في ثوب، فليخالفْ بطرفيه"؛ يعني: فليتزرْ بأحد طرفيه، وليطرحْ طرفه الآخر "على عاتقيه"، فهذا هو المخالفة، هذا إذا كان الثوب واسعًا، فإن ضاق شدَّه على حقويه.
* * *
٥٢٩ - عن عائشة ﵂: أن النَّبيَّ - ﷺ - صَلَّى في خَميصةٍ لها أَعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نَظرةً، فلمَّا انصرفَ قال: "اذهَبُوا بخَميصَتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنْبجانِيَّةِ أبي جَهْمٍ، فإنَّها ألهتْني آنِفًا عنْ صلاتي".
وفي روايةٍ: "كنتُ أنظُرُ إلى عَلَمِها وأنا في الصَّلاةِ، فأخافُ أن تَفْتِنَني".
"وعن عائشة ﵂: أن النبي - ﵊ - صلَّى في خميصة": وهي كساء أسود من صوفٍ مربع له علمان، أو خزٍّ معلم في طرفيه، فإن لم يكن معلَّمًا فليس بخميصة؛ فقول عائشة: "لها أعلام" على وجه البيان أو التأكيد.
"فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم": وهو ابن حذيفة بن غانم القرشي العدوي.
"وائتوني بأنبجانية أبي جهم": وهي كساء غليظ من صوف بغير عَلَم، منسوب إلى الأنبجان، وهو اسم بلد، وأصحاب الحديث يروونها بكسر الياء، وأهل اللغة يفتحونها.
"فإنها": فإن الخميصة "ألهتني آنفًا"؛ أي: شغلتني في هذه الساعة "عن
[ ١ / ٤٥١ ]
صلاتي"، ومنعتني الحضورَ فيها.
قيل: إنما بعثها - ﵊ - إلى أبي جهم؛ لأن أرسل إليه - ﷺ - تلك الخميصة بالهدية، فلمَّا كره الصلاة معها لما وجد فيها من الرعونة، ردَّها على صاحبها، وطلب منه بدلها؛ ليطيبَ قلبه.
"وفي رواية: كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"؛ أي: تمنعني عن الصلاة.
وفي الحديث: إشارةٌ إلى حفظ البصر في الصلاة عما يفتن.
* * *
٥٣٠ - عن أنس - ﵁ - قال: كانَ قِرامٌ لعائشةَ ﵂ سَتَرَتْ بهِ جانبَ بَيْتِها، فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "أَمِيطي عنَّا قِرامَكِ، فإنَّهُ لا تزالُ تصاوِيرُهُ تَعْرِضُ في صَلاتي".
"وعن أنس - ﵁ - أنه قال: كان قِرام لعائشة": وهو - بكسر القاف - سترٌ رقيق فيه رقم ونقوش، وقيل: من الصوفِ ذي ألوان.
"سترت به جانب بيتها، فقال النبي - ﵊ -: أميطي عنا قِرامك"؛ أي: أبعديه وارفعيه من تلقاء وجهي.
"فإنه": الضمير للشأن أو للقرام.
"لا تزال تصاويره": جمع تصوير؛ بمعنى: الصورة.
"تعرض"؛ أي: تظهر لي "في صلاتي": وتشغلني منها، وفيه إيذان بأن لصور الأشياء الظاهرة تأثيرًا في النفوس الزكية.
[ ١ / ٤٥٢ ]
٥٣١ - وعن عُقْبة بن عامِر - ﵁ - قال: أُهدِيَ لرسولِ - ﷺ - فَرُّوجُ حَريرٍ، فلبسَهُ، ثمَّ صلَّى فيهِ؛ ثمَّ انصرَفَ فنزعَهُ نزعًا شديدًا كالكارِهِ لهُ، ثم قال: "لا يَنْبَغي هذا للمُتَّقينَ".
"وعن عقبة بن عامر أنه قال: أُهدي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَرُّوجُ حرير": بفتح الفاء وتشديد الراء: القباء الذي فيه شقٌّ من خلفه، قيل: المهدي هو مقوقس صاحب الإسكندرية، وقيل: أكيدر صاحب دومة الجندل؛ على اختلاف القولين.
"فلبسه"؛ أي: النبي - ﵊ - ذلك الفروج.
"ثم صلَّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعًا شديدًا كالكارِهِ له"؛ لما رأى فيه من الرعونة.
"ثم قال: لا ينبغي"؛ أي: لا يليق.
"هذا للمتقين": قيل: إنه كان قبل البعثة، وقيل: إنه كان بعد البعثة وقبل التحريم، ويجوز أن يُحمَل على أول التحريم؛ لأنه جاء في رواية أخرى أنه - ﵊ - صلَّى في قباء ديباج، ثم نزعه وقال: "نهاني عنه جبرائيل ﵇".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٣٢ - قال سَلَمة بن الأَكْوَع: قلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي رجُلٌ أَصيدُ، أفاُصلِّي في القَميصِ الواحِدِ؟ قال: "نعمْ وازْرُرْه ولو بشَوْكةٍ".
"من الحسان":
" قال سلمة بن الأكوع: قلت: يا رسول الله! إني رجل أَصِيدُ": المشهور
[ ١ / ٤٥٣ ]
أنه من (الاصطياد)، وفي رواية: (أَصْيَد)، وهو الذي في رقبته علةٌ، لا يمكنه الالتفات معها.
"أفأصلِّي في القميص الواحد؟ قال: نعم، وازرره"؛ أي: اجعله مزرورًا؛ أي: شد جيبه.
"ولو بشوكة"؛ أي: بقصٍّ، هذا إذا كان القميصُ واسعًا تظهر منه عورته عند الركوع.
* * *
٥٣٣ - وقال: "إنَّ الله لا يقبَلُ صَلاةَ رجُلٍ مُسبلٍ إزارَهُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله لا يقبل"؛ أي: لا تقعُ عنده كاملةً.
"صلاة رجلُ مسبلٍ إزاره" حتى وصل إلى الأرض من غاية طوله، يفعل ذلك تكبرًا واختيالًا بين يدي الله، فكره الشافعي إطالة الذيل في الصلاة كما في غيرها، وجَوَّز مالك ذلك قال: لأن المصلي قائم في موضع واحد، فلا يكون في طول ذيله تكبر؛ بخلاف الماشي، والنهيُ عن ذلك لئلا يتشبث به عند النهوض فيعثر؛ أو يشتغل بإمساكه وتشميره المانع عن الحضور.
* * *
٥٣٤ - وقال: "لا تُقْبَلُ صَلاةُ حائضٍ إلَاّ بِخِمارٍ".
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُقبلَ صلاةُ حائض": أراد بها: الحرةُ التي بلغت سنَّ الحيض، [وأنها] جارٍ عليها القلم.
[ ١ / ٤٥٤ ]
"إلا بخمار"؛ أي: بمقنعة؛ يعني: لا يجوز كشف الرأس للحرة البالغة في الصلاة.
قيل: الأصوب أن يراد بالحائض: مَنْ شأنُها الحيضُ؛ ليتناول الصغيرة أيضًا؛ فإن ستر رأسها شرط صحة صلاتها أيضًا، وفيه دليل على أن رأسها عورة بخلاف الأمة.
* * *
٥٣٥ - وعن أُمِّ سَلَمة: أنَّها سألتْ رسولَ الله - ﷺ -: أتُصلِّي المرأَةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ ليسَ عليها إزارٌ؟ قال: "إذا كانَ الدِّرْعُ سابغًا يُغطِّي ظُهورَ قَدَمَيْها"، ووقفَه جماعةٌ على أُمِّ سَلَمة.
"وعن أم سلمة: أنها سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أتصلي المرأة في درع؟ ": وهو القميص، وقيل: قميصٌ لا كمَّ له.
"وخمار، ليس عليها إزار"؛ أي: ليس تحت قميصها إزار ولا سراويل.
"قال: إذا كان الدرعُ سابغًا"؛ أي: واسعًا بحيث "يغطي"؛ أي: يستر "ظهور قدميها" = جازت صلاتها، يدل على أنهما عورةٌ يجب سترهما.
"ووقفه جماعة على أم سلمة"؛ يعني: قال بعض أصحاب الحديث: إن هذه عبارة أم سلمة، لا عبارة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
* * *
٥٣٦ - عن أبي هريرة - ﵁ -: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - نهى عَنِ السَّدْلِ في الصَّلاةِ، وأنْ يُغطِّي الرجُلُ فاهُ".
"عن أبي هريرة - ﵁ -: أن النبي - ﵊ - نهى عن السدلِ
[ ١ / ٤٥٥ ]
في الصلاة": قيل: هو إرسال اليد، وقيل: إرسال الثوب حتى يصيب الأرض من الخيلاء، وقيل: من غير أن يضمَّ جانبيه، وقيل: أن يتلحَّف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، كانت اليهود تفعله في صلاتهم، فنهى عن التشبه بهم.
"وأن يغطي الرجل"؛ أي: يستر "فاه"، وكان من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، وجعل أطرافها تحت أعناقهم؛ كيلا يصيبهم حر وبرد، فنهوا عنه في الصلاة؛ لمنعه عن القراءة على نعت الكمال، فإن عرض له تثاؤبٌ، جاز التغطية بثوبه، أو يده اليسرى؛ لحديث ورد فيه.
* * *
٥٣٧ - وقال: "خالِفُوا اليَهودَ، فإنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ في نِعالِهِمْ ولا في خِفافِهِمْ".
"عن يعلى بن شدَّاد بن أوس، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خِفافهم"؛ يعني: يجوز الصلاة فيهما إذا كانا طاهرين.
* * *
٥٣٨ - قال أبو سعيد الخُدريُّ - ﵁ -: بينما رسولُ الله - ﷺ - يُصَلِّي بأصحابهِ إذْ خَلَعَ نعلَيْهِ فوضعَهُما عَنْ يَسارِ؛، فلمَّا رأى ذلكَ القومُ ألقَوْا نِعالَهمْ، فلمَّا قضَى رسولُ الله - ﷺ - صلاتَهُ قال: "ما حَمَلَكُمْ على إلقائكُمْ نِعَالِكُمْ؟ "، قالوا: رأَيْناكَ ألقيتَ نعلَيْكَ، فقال: "إنَّ جِبريلَ أتاني فأخبَرَني أنَّ فيهما قَذَرًا"، وقال: "إذا جاءَ أحدُكُم المسجِدَ فلْيَنْظُرْ فإنْ رأَى في نعلَيْه قَذَرًا فلْيَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهِما"، وفي روايةٍ: "خَبَثًا".
[ ١ / ٤٥٦ ]
"قال أبو سعيد الخدري: بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلعَ نعليه"؛ أي: نزعهما من رجليه.
"فوضعهما عن يساره": فيه تعليم للأمة بوضع النِّعالِ على اليسار دون اليمين.
"فلما رأى ذلك القومُ ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فقال: إن جبرائيل أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا": وهو ما يكرهه الطبعُ من النجاسة وغيرها.
استدل بهذا من صحَّح صلاة الجاهل بنجاسة ثوبه حملًا للقذرِ على النجاسة؛ لأنه - ﵊ - لم يستأنفْ تلك الصلاة، ومن رأى خلافه حمل القذرَ على ما تكرهه الطباعُ عرفًا كالنخامة والبزاق، فإخباره إياه بذلك؛ كيلا تتلوث ثيابه بشيء مستقذر عند السجود.
"إذا جاء أحدكم المسجد، فلينظر فإن رأى في نعليه قذرًا، فليمسحه" بالأرض؛ صيانة للمسجد عن الأشياء القذرة.
"وليصلِّ فيهما": فيه دليل على أن النعل إذا أصابته نجاسة، فمسحت بالأرض حتى ذهب أثرها، جازت الصلاة فيه.
* * *
٥٣٩ - وقال: "إذا صَلَّى أحدُكُمْ فلا يَضَعْ نعلَيْهِ عَنْ يمينِهِ، ولا عَنْ يَسارِهِ فيكونَ على يمينِ غَيْرِهِ، إلَاّ أنْ لا يكونَ عن يَسارِهِ أحدٌ، ولْيَضَعْهُما بينَ رِجْلَيْهِ، أو لِيُصَلِّ فيهِما".
"عن أبي هريرة: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
[ ١ / ٤٥٧ ]
صلَّى أحدكم فلا يضعْ" بالجزم جواب (إذا).
"نعليه عن يمينه، ولا عن يساره، فيكونَ" - بالنصب جواب النهي - "على يمين غيره، إلا أن [لا] يكون على يساره أحد"، فيضعهما عن يساره.
"وليضعهما بين رجليه": إن لم يكن وضعهما عن يمينه أو يساره، "أو ليصلِّ فيهما": إن كانا طاهرين.
* * *