(باب أحكام المياه)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٢٤ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا يَبُولَّنَ أحدكُمْ في الماء الدَّائِم الذي لا يَجري ثمَّ يغتَسِلُ فيهِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدَّائم"، أي: الرَّاكد.
"الذي لا يجري" صفة ثانية للماء مؤكّدة للأولى.
[ ١ / ٣٠٤ ]
"ثم يغتسلُ فيه"، وهذا لأنَّ الماء الواقف إن كان دون القُلَّتين ينجس، فلا يجوز الاغتسال منه، وإن كان قُلَّتين فلعلَّه يتغيَّرُ به فيصير نَجِسًا بالتغير، وكذا إن كَثُرَ غايةَ الكثرة، إذ لو جُوِّزَ البول فيه لبال واحدٌ بعد واحد فيتغيَّر من كثرة البول.
* * *
٣٢٥ - وقال: "لا يَغتسِلُ أحدكمْ في الماء الدَّائم وهو جُنُبٌ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وقال: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"، وهذا النهي إنما يكون في الماء الذي دون القلتين؛ لأنه يصير مستعملًا باغتسال الجنب، فحينئذ قد أفسدَ الماء على الناس لأنه لا يصحُّ الاغتسال والتوضّؤ منه بعد ذلك.
* * *
٣٢٦ - وقال جابر: نَهى رسولُ الله - ﷺ - أنْ يُبالَ في الماءَ الرَّاكِدِ.
"وقال جابر - ﵁ -: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبال في الماء الرَّاكد"؛ أي: الواقف.
* * *
٣٢٧ - وقال السَّائب بن يَزيد: ذهَبَتْ بي خالَتي إلى النبيِّ - ﷺ - فقالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابن أُخْتِي وَجِع، فَمسحَ برأْسي، فدعا لي بالبَرَكةِ، ثم توضَّأ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئهِ، ثمَّ قُمْتُ خلفَ ظهرِهِ، فنظرتُ إلى خاتَم النّبوَّةِ بينَ كتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
"وقال السَّائب بن يزيد: ذهبت بي خالتي إلى النبي - ﵊ -، فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وَجِع" بكسر الجيم؛ أي: مريضٌ.
[ ١ / ٣٠٥ ]
"فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضَّأ فشربْتُ من وَضوئه" بفتح الواو؛ أي: من ماء وضوئه.
عدمُ نهيه - ﵊ - عن شربه يدلُّ على طهارة الماء المستعمَل، والمانع: حملُهُ على التَّداوي، أو على أنه شرب من فَضْلِ وضوئه، لا ما انفصل من أعضاء وضوئه.
"ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة": وهو طابعه الذي خُتمت به النبوة، وهو أثرٌ كان"بين كتفيه مثلَ" نصب على نزع الخافض؛ أي: كمِثْلِ.
"زر الحَجَلَة" (الزرُّ) بتقديم الزاي المكسورة على الراء المشددة: واحدُ الأزرار التي يُشَدُّ بها على ما يكون في حَجَلَةِ العَرُوس، وهي بيتٌ كالقُبّة يُستَرُ بالثياب ويكون له أزرار كِبار.
وقيل: بتقديم الراء المهملة على الزاي: بمعنى البَيْض، والحَجَلَة هي القَبَجَة، وهي طائر معروف، وبيضها فيه نقوش تضرب إلى الحمرة؛ أي: شَبَّه خاتم النبوة بزر حجل العروس، أو بيض القَبَج، كان ذلك عَلَما من أعلام النبوة نُعِتَ به في الكتب المنزلة يُعلَم به أنه النبي الموعود، المُبَشَرِ به فيها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٢٨ - عن ابن عمر - ﵁ -: أن رسولَ الله - ﷺ - قال: "إذا كانَ الماءُ قُلَّتيْنِ لَمْ يَحْمِل نَجسًا"، ويروى: "فإنَّه لا يَنْجُس".
"من الحسان":
" عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: إذا كان الماء قُلَّتين"، (القُلَّة):
[ ١ / ٣٠٦ ]
جَرة كبيرة معروفة بالحِجاز تَسَع مئتين وخمسين رَطْلًا بالبغدادي، فالقُلَّتان خمس مئة رَطْل، وقيل: ست مئة رطل.
"لم يحمِلْ نَجَسًا"؛ أي: لا يقبَلُ نجاسة، بل يدفعها عن نفسه، يقال: فلان لا يحمِلُ ضَيمًا؛ أي: يمتنع عن قَبوله: إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه.
"ويروى: فإنه لا ينجُسُ"، وهذا بشرط ألا يتغيَّر بها، فإن تغيَّر بها ينجس؛ لقوله - ﵊ -: "خُلِقَ الماء طَهورًا لا ينجِّسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه".
وهذا الحديث يدلُّ بمنطوقه على أنَّ الماء البالغ قُلَّتين لا ينجس بملاقاة النجاسة، وبمفهومه يدلّ على أن ما دونه ينجس بالملاقاة وإن لم يتغيَّر، فمن قال بحجيّة المفهوم كالشافعي خص عمومَ واحدٍ من الحديثين بالأخرى؛ يعني: خصَّ عموم منطوق الأول بمنطوق الثاني، وعموم منطوق الثاني بمفهوم الأول، ومن لم يقل بحجيَّته أَجْرَى الثاني على عمومه، والظاهر أنه يكون مخصصًا للأول عنده.
* * *
٣٢٩ - وقال أبو سعيد الخُدرِيّ - ﵁ -: قيلَ: يا رسولَ الله! أنتوضَّأ مِنْ بِئْرِ بُضاعَةَ، وهِيَ بئرٌ تُلْقَى فيها الحِيَضُ ولُحومُ الكلابِ والنتنُ؟ فقالَ - ﷺ -: "إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ".
"وقال أبو سعيد الخدري: قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بُضاعَةَ" بضم الباء وأجيز كسرها، وحكي أيضًا: بالصاد المهملة، دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطنٌ من الخزرج.
"وهي بئر": معروفة بالمدينة.
[ ١ / ٣٠٧ ]
"تُلْقَى فيها الحِيَض" بكسر الحاء وفتح الياء: جمع حِيْضة - بكسر الحاء وسكون الياء - وهي الخِرْقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض.
"ولحوم الكلاب والنَّتن"؛ وهو الرائحة الكريهة، والمراد به هنا: الشيء المنِتنُ كالعَذِرَةِ والجِيْفَة.
قيل: كانت السيول تَكْسَحُ الأقذار من الطرق والأفنية، وتحملُها وتلقيها في هذه البئر، وكان ماؤها كثيرًا سيَّالًا يجري بها، فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة.
"فقال رسول الله - ﷺ -: إن الماء طهور لا ينجِّسه شيء" قيل: الألف واللام في (الماء) للعهد الخارجي، فتأويله: أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماءُ بئر بُضَاعة طاهر؛ لأنه أكثر من قُلَّتين، فلا يخالف حديث ابن عمر.
قال أبو داود: مددْتُ فيه ردائي، فإذا عرضُهُ ستَّةُ أَذْرُعٍ.
* * *
٣٣٠ - ورُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "خُلِقَ الماءُ طَهورًا لا يُنجِّسُهُ إلَاّ ما غيَّرَ طعمَهُ أو ريحَهُ".
"وروي عن النبي - ﵊ - " في جواب السؤال المذكور "أنه قال: خُلِقَ الماء طَهورًا لا ينجِّسُه شيء إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو ريحه"، قاس الشافعى اللونَ على الطَّعْمِ والريح المنصوص عليهما في الحديث.
* * *
٣٣١ - وقال أبو هريرة - ﵁ -: "سألَ رجل رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله! إنَّا نركبُ البحرَ، ونحمِلُ مَعَنَا القليلَ مِنَ الماء، فإنْ تَوَضَّأنَا بهِ عَطِشْنَا، أفنتوضَّأ بماء البحر؛ فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: " هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، والحِلُّ مَيْتَتُهُ".
[ ١ / ٣٠٨ ]
"وقال أبو هريرة: سألَ رجلٌ رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضَّأنا به عَطِشْنَا، أفتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هو"؛ أي: البحر.
"الطَّهور ماؤه"؛ أي: المطهِّر؛ لأنهم سألوه عن تطهير مائه لا عن طهارته، وهذا يدل على أن التوضؤ بماء البحر جائز مع تغير طعمه ولونه، ولما سُئِلَ النبي - ﷺ - عن ماء البحر وعَلِمَ جهلَهُم بحكم مائه، قاسَ جهلهم بحلّ صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فزاد في الجواب: "والحل مِيْتَتُهُ": فالحوت حلال بالاتفاق، والسرطان أيضًا في أصحِّ القولين، وكذلك ما يعيش في الماء والبَر، فأما ما لا يعيش في البر ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن جميعه حلال، والثاني: حرام، والثالث: ما يؤكَل شبهه في البَر يؤكَل، وما لا فلا.
* * *
٣٣٢ - عن أبي زيد، عن عبد الله بن مَسْعود - ﵁ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ لَهُ ليلةَ الجن: "ما في إداوَتك؟ "، قال: قلت: نبَيذٌ، قال: "تمرةٌ طيبة وماءٌ طَهُور"، فتوضَّأ مِنْهُ.
قال الإمام: هذا ضعيف، وأبو زيد مجهولٌ، وقد صحَّ:
"وعن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: أن النبي - ﵊ - قال له ليلةَ الجن"، وهي الليلة التي جاءت الجِنُّ رسول الله - ﷺ -، وذهبوا به إلى قومهم ليتعلموا منه الدين، وكان معه - ﵊ - عبد الله بن مسعود، وفي رواية: معه زيد بن ثابت.
"ما في إداوتك؟ "؛ أي: أيُّ شيءٍ في مِطْهَرتك.
[ ١ / ٣٠٩ ]
"قال"؛ أي: ابن مسعود.
"قلت: نبيذٌ"، وهو التمر أو الزبيب المنبوذ؛ أي: المُلْقَى في الماء.
"قال: تمرة طيبة وماء طَهور فتوضأ منه"، يدل على أن التوضُّؤ بنبيذ التمر جائزٌ، وبه قال أبو حنيفة خلافًا للشافعي إذا تغيَّر.
"وهذا ضعيفٌ، وأبو زيد مجهول، وقد صح": * * *
٣٣٣ - عن عَلْقمة، عن عبد الله بن مَسْعُود - ﵁ - قال: لَمْ أكُنْ ليلةَ الجنّ مَعَ رسولِ الله - ﷺ -.
"عن علقمةَ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجنِّ مع رسول الله - ﷺ - "، فلم يكن ما رُوي عنه ثابتًا، ولئن ثبتَ فلم يكن نبيذًا متغيرًا، بل كان ماء مُعَدًا للشرب، كانوا يفعلون ذلك ليجتذب ملوحة مائهم فيكون أوفقَ وأنفع لأمزجتهم.
* * *
٣٣٤ - عن كبْشَة بنت كعْب بن مالك - ﵁ -، وكانت تحت ابن أبى قَتادة: أنَّ أبا قتادة دخلَ عليها، فسكبَتْ لهُ وَضوءًا، فجاءتْ هِرَّةٌ تشربُ مِنْهُ، فأصغَى لها الإناءَ، قالت: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتعجبين يا بنتَ أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إنَّ رسولَ الله - ﷺ - قال: "إنِّها لَيْسَتْ بنجَسٍ، إنَّها مِنَ الطَّوَّافينَ عليكُمْ والطَّوافاتِ".
"وعن كبشة - ﵂ - بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة"؛ أي: كانت زوجته، وكان اسم ابن أبي قتادة عبد الله.
[ ١ / ٣١٠ ]
"أن أَبا قَتادة دخل عليها"؛ أي: على كبشة.
"فسكبتْ له"؛ أي: صبَّت لأبي قَتادة.
"وَضوءًا" بفتح الواو؛ أي: ماءً الوضوء في إناء.
"فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء"؛ أي: أمالَه إليها ليسهُلَ عليها شربُه منه.
"قالت: فرآني" أبو قتادة "أنظر إليه، فقال: أتعجبين يَا ابنة أخي" شربَها من وَضوئي؟ وهذا على عادة العرب، فإن بعضهم يقول لبعض: يَا أخي، وإن كانا ابني عمين "فقالت: قلت: نعم، فقال:
إن رسول الله - ﷺ - قال: إنها"؛ أي: الهرة.
"ليست بنجَس إنها"؛ أي: لأنها "من الطَّوَافين عليكم"؛ أي: في منازلكم، ويقع عليها ثِيابكم وأبدانكم، فلو كانت نَجِسَة لأُمرتم بالمجانبة عنها وإخراجها من البيوت.
"أو الطَّوافات"، شك من الراوي، شبَّهها بالمماليك وخَدَمَة البيت الذين يطوفون للخِدْمة، قال تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]، وألحقها بهم لأنها خادمة أَيضًا حيث تقتلُ المؤذِيات، أو لأن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساتهم، وهذا يدل على أن سُؤْرها طاهر، وبه قال الشَّافعيّ، وعند أبي حنيفة مكروه.
* * *
٣٣٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - يتوضَّأُ بفَضْلِها.
[ ١ / ٣١١ ]
"وعن عائشة أنها قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - يتوضأ بفضلها"؛ أي: فضلِ الهرة؛ أي: بما بقي في الإناء بعد شربها.
* * *
٣٣٦ - وقال جابر: سُئِلَ رسولُ الله - ﷺ -: أنتوضَّأُ بما أفْضَلَتِ الحُمُر؟ قال: "نعم، وبما أَفْضَلَتِ السِّباعُ كُلُّها".
"وقال جابر: سُئِلَ رسول الله - ﷺ -: أنتوضَّأ بما أَفْضَلَتِ الحُمُر؟، جمع حمار؛ أي: أبقت من فُضَالة مشروبها.
"قال: نعم، وبما أفضلتِ السباع كلُّها" و(ما) في كلا الموضعين موصولة، وهذا يدل على أن سُؤْر السباع طاهر، وبه قال الشَّافعيّ إلَّا سُؤْرَ الكلب والخنزير، وعند أبي حنيفة سُؤْرُ كلِّها نَجِس.
* * *
٣٣٧ - وقالت أُمّ هانئ: اغتسلَ هو - تعني: رسولَ الله - ﷺ - وَمَيْمُونة في قَصْعَةٍ فيها أثرُ العَجين.
"قالت أم هانئ" بالهمزة؛ هي أخت علي بن أبي طالب.
"اغتسلَ رسول الله - ﷺ - هو وميمونةُ في قَصْعَة فيها أثرُ العجين"؛ وهو الدقيق المعجون بحيث لم يكن أثرُه في تلك القَصْعة كثيرًا مغيرًا للماء، فإنْ كان كثيرًا مغيرًا للماء جازت الطهارةُ به أَيضًا عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي.
* * *
[ ١ / ٣١٢ ]