(باب السترة)
وهي ما يُستر به كائنًا ما كان، وقد غلب على ما ينصبه المصلي قدامه من عصا أو سوط أو غير ذلك مما يظهر به موضع سجود المصلي؛ كيلا يمر مارٌّ بينه وبين موضع سجوده.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٤٠ - قال ابن عمر: كانَ النبيُّ - ﷺ - يَغْدُو إلى المُصَلَّى وَالعَنَزَةُ بينَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ بالمُصَلَّى بينَ يَدَيْهِ، فيُصلِّي إِليها.
"من الصحاح":
" قال ابن عمر: كان رسول الله - ﵊ - يغدو إلى المصلى والعنزة"؛ أي: رمح قصير.
"بين يديه، تُحمل وتُنصب"؛ أي: تُغرز بالمصلى بين يديه؛ ليعرف موضع سجوده، "فيصلِّي إليها"، وهذا يدل على أن المصلي ينبغي أن يبينَ
[ ١ / ٤٥٨ ]
موضع صلاته بسجادة، أو يقف قريبا من أُسطُوانة المسجد، أو يغرز عصًا، أو يخط خطًا مثل شكل المحراب.
* * *
٥٤١ - عن عَون بن أبي جُحَيْفة، عن أبيه قال: رأيتُ رسول الله - ﷺ - بِالأَبْطَح في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أدَمٍ، ورأيتُ بلالًا أخذَ وَضُوءَ رسولِ الله - ﷺ -، ورأيتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذلك الوَضوءَ، فمَنْ أصابَ منهُ شيئًا تمسَّحَ بِهِ، ومَنْ لم يُصِبْ أخذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صاحبهِ، ثُمَّ رأيتُ بلالًا أخذَ عَنَزةً فَرَكَزَها، وخرجَ النَّبيُّ - ﷺ - في حُلَّةٍ حمراءَ مُشَمِّرًا صلَّى إلى العَنَزَةِ بالنَّاسِ الظُّهْرَ ركعتَيْنِ، ورأيتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بين يَدَي العَنَزةِ.
"وعن عون بن أبي جُحيفة، عن أبيه: أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالأَبطح" بفتح الهمزة: مسيلٌ واسع فيه رقاق الحصى لغةً، وهنا علم للمسيل الذي ينتهي إليه السيلُ من وادي منى.
"في قبة حمراء من أَدَم": جمع أديم.
"ورأيت بلالًا أخذ وَضوءَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: الماء الذي يتوضأ به رسول الله - ﷺ -.
"ورأيت الناس يبتدرون"؛ أي: يسرعون.
"ذلك الوَضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسَّح به"؛ أي: مسح به وجهه وأعضاءه؛ لينال بركته ﵊.
"ومن لم يصبْ أخذ من بلل يد صاحبه": قيل: هذا يدل على أن ماء الوضوء طاهر، وقيل: هذا من خصائصه ﵊، ولهذا حجمه أبو طيبة، فشرب في مه ﵊.
[ ١ / ٤٥٩ ]
"ثم رأيت بلالًا أخذ عنزة، فوكزها"؛ أي: غرزها في الأرض.
"وخرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حُلَّة حمراء": (الحلة): إزار ورداء، ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين.
قيل: تأويله أنه لم تكن تلك الحلة حمراء جميعها، بل كان فيها خطوط حمر؛ لأن الثوب الأحمر من غير أن يكون فيه لون آخر مكروه للرجال؛ لما فيه من المشابهة بالنساء.
"مشمرًا": أذيالها.
"وصلَّى إلى العنزة بالناس الظهر ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة".
* * *
٥٤٢ - عن نافع، عن ابن عمر: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يُعَرِّضُ راحلتَهُ فيُصلِّي إلَيْهَا، قلتُ: أفَرَأَيْت إذا هَبَّتِ الرِّكابُ؟ قال: كانَ يأخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فيُصلِّي إلى آخِرَتِهِ.
"وعن نافع، عن ابن عمر: أنه قال: كان النبي - ﵊ - يعرض راحلته"، أي: يُنيخُها بين يديه بالعرض حتى تكون معترضة بينه وبين المارة، "فيصلي إليها".
قال نافع: "قلت: أفرأيتَ"؛ أي: أخبرني يا ابن عمر "إذا هبت الركاب"؛ أي: إذا قامت الإبل للسير، فبأي شيء يستر للصلاة؟
"قال: كان يأخذ الرحل فيعدِّله": بتشديد الدال؛ أي: يسويه، وينصبه بين يديه.
[ ١ / ٤٦٠ ]
"فيصلي إلى آخرته": بالمد؛ أي: آخرة الرجل، وهي خلفه.
* * *
٥٤٣ - وقال رسول الله - ﷺ -: "إذا وضَعَ أحدَكُمْ بينَ يدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، ولا يُبالِ مَنْ مرَّ وراءَ ذلك".
"وعن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرةِ الرحل": وهي - بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء - خشبة عريضة يستند إليها الراكب من خلفه.
"فليصلِّ، ولا يبال بمن مرَّ وراء ذلك".
* * *
٥٤٤ - قال رسول الله - ﷺ -: "لو يَعلَمُ المارُّ بينَ يَدَي المصلِّي ماذا عليهِ لكانَ أنْ يقفَ أربعينَ خيرًا له مِنْ أَنْ يَمُرَّ بينَ يَدَيْهِ" قال الراوي: لا أدري أقال: "أربعينَ يومًا، أو شهرًا، أو سنةً".
"عن أبي جُهيم، عن النَّبيِّ - ﵊ - أنه قال: لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه"؛ أي: أي شيء عليه من الإثم بسبب مروره بين يديه.
"لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرَّ بين يديه.
قال الراوي: لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة".
ذكر الطحاوي في "مشكل الآثار": أن المراد أربعون سنة، واستدل بحديث أبي هريرة عن النَّبيِّ - ﵊ -: "لو يعلم الذي يمرُّ بين يدي أخيه معترضًا وهو يناجي ربه تعالى، لكان أن يقفَ مكانه مئة عام خيرًا من
[ ١ / ٤٦١ ]
الخطوة التي خطاها".
ثم قال: هذا الحديث متأخر عن حديث أبي جهيم؛ لأنَّه فيه زيادةُ الوعيد، وذلك لا يكون إلَّا بعد ما أوعدهم بالخفيف.
* * *
٥٤٥ - وقال: "إذا صَلَّى أحدَكُمْ إلى شيءٍ يستُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرادَ أحدٌ أنْ يجتازَ بينَ يدَيْهِ فليَدْفَعْهُ، فَإنْ أبي فلْيُقَاتِلْهُ فَإنمَّا هو شَيْطانٌ".
"عن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صَلَّى أحدكم إلى شيء يستره من النَّاس، فأراد أحد أن يجتاز": من الجواز؛ أي: يعبر.
"بين يديه فليدفعه" بالإشارة، أو وضع اليد على نحره.
"فإن أبي، فليقاتله": أراد به الدفع بعنف، لا القتل؛ فإن قتله عمدًا بظاهر الحديث؛ ففي العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، هذا إذا أراد المرور بينه وبين السترة، وإن لم يكن بين يديه سترة، فليس له الدفع؛ لأنَّ التفريطَ منه بتركها.
"فإنما هو شيطان"؛ أي: يفعل فعلَ الشيطان: لأنَّ تشويشَ المصلي فعلُهُ، أو جعله شيطان"؛ لأنَّ الشيطانَ هو المارد من الإنس والجن.
وفيه دليل: على أن العمل اليسير لا يبطل الصَّلاة.
* * *
٥٤٦ - عن أبي هُرَيرَةَ - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -[قال]: "تَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكَلْبُ، وَيَقي ذلك مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ".
"وعن أبي هريرة، عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال:
[ ١ / ٤٦٢ ]
تقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ": المراد بقطعها هذه الأشياء: شغلُها قلبَ المصلي عن الخشوع والحضور، ولسانه عن التلاوة والذكر، وبدنه عن محافظة ما يجب من أمر الصَّلاة، لا بطلانها، بدليل الأحاديث الثلاثة بعدُ، وعليه الجمهور، وذهب بعض إلى بطلانها؛ لظاهر الحديث.
"ويقي"؛ أي: يحفظ ويدفع.
"ذلك"؛ أي: القطع.
"مثل مؤخرة الرحل": يكون سترة بين يديه، فلا يضره المرورُ وراءها.
* * *
٥٤٧ - قالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يُصلِّي مِنَ اللَّيْلِ وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينهُ وبينَ القِبْلَةِ كاعْتراضِ الجَنازَةِ.
"وقالت عائشة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي من الليل وأنا معترضة": (الاعتراض): صيرورة الشيء حائلًا بين شيئين، ومعناه هنا: أنا مضطجعة.
"بينه وبين القبلة، كاعتراض الجنازة": والغرض منه بيان أن المرأة لا تقطع الصَّلاة إذا مرت أو اضطجعت بين يدي المصلي.
* * *
٥٤٨ - وقال عبد الله بن عباس - ﵁ -: أقبلتُ راكبًا على أتانٍ وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتِلامَ، ورسولُ الله - ﷺ - يُصلِّي بالنَّاسِ بمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنَزَلَتُ، وأرسَلْتُ الأتانَ تَرتَعُ، ودخلتُ الصفَّ، فلمْ يُنْكِرْ ذلكَ عليَّ أحَدٌ.
[ ١ / ٤٦٣ ]
"وقال عبد الله بن عباس - ﵁ -: أقبلت"؛ أي: جئت.
"راكبًا على أتان"؛ أي: حمارة.
"وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام"؛ أي: قاربت البلوغ.
"ورسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي بالنَّاس بمنى إلى غيرِ جدارٍ"؛ أي: إلى غير سترة؛ أي: استقبل إلى الصحراء، ولم يكن بين يديه سترة.
"فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد"، والغرض منه: أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصَّلاة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٤٩ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا صلَّى أحدُكُم فليَجْعَلْ تِلقاءَ وجهِهِ شيئًا، فإن لمْ يجدْ فليَنْصِبْ عصَاه، فإن لمْ يَكُنْ معهُ عصًا فليَخْطُطْ خطًّا، ثمَّ لا يضُرُّهُ ما مرَّ أمامَهُ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلي أحدكم، فليجعلْ تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد، فلينصبْ عصاه، فإن لم يكن معه عصاه، فليَخطُطْ خطًا": قيل: يخط من عند قدمه خطًا طويلًا نحو القبلة، سُئِل أحمد عنه فقال: هكذا؛ يعني: عرضًا مثل الهلال.
وقيل: يخط عند موضع سجوده خطًا على العرض مثل جنازة موضوعة بين يديه.
[ ١ / ٤٦٤ ]
قيل: والأول هو المختار استحبابًا.
قال سفيان بن عيينة: رأيت شريكًا صلَّى بنا، فوضع قلنسوته بين يديه.
"ثم لا يضره ما مر أمامه".
* * *
٥٥٠ - وقال - ﷺ -: "إذا صلَّى أحدَكُمْ إلى سُتْرَة فلْيَدْنُ منها، لا يقطَعِ الشيطانُ عليهِ صلاتَه".
"عن أبي سهل بن أبي حَثْمة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صَلَّى أحدكم إلى سترة، فليدنُ منها"؛ أي: فليقرب من السترة، والدنو منها بقدر إمكان السجود، وقيل؛ أدناه أن يكون بين المصلي وبينها ثلاثة أذرع، وبه قال الشَّافعي وأحمد.
"لا يقطعْ الشيطان": بالجزم جواب الأمر، والمراد منه هنا: المار بينه وبين سترته؛ أي: حتَّى لا يشوش "عليه صلاته".
* * *
٥٥١ - وقال المِقْداد بن الأسْوَد: ما رأيتُ رسول الله - ﷺ - يُصلِّي إلى عمودٍ ولا عُودٍ، ولا شجرةٍ إلَّا جعلَهُ على حاجبهِ الأيمنِ أو الأيسر، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا.
"وقال المقداد بن الأسود: ما رأيت رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي إلى عودٍ، ولا عمود، ولا شجرة، إلَّا جعلَهُ على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُدُ له صَمْدًا": من باب (طلب)؛ أي: لا يطلب مقابلته؛ لئلا
[ ١ / ٤٦٥ ]
يشابه فعلُهُ عبادةَ الأصنام في التوجُّه إليها كلَّ التوجه، بل يجعلها مائلًا عن يمينه أو يساره.
* * *
٥٥٢ - وقال الفضل بن عباس: أَتانا رسولُ الله - ﷺ - ونحنُ في باديةٍ لنا ومعه عباس، فصلَّى في صحراءَ ليسَ بينَ يدَيْهِ سُترةٌ، وحمارةٌ لنا وكلْبةٌ تعبَثان بينَ يدَيْهِ، فما بالَى بذلك.
"وقال الفضل بن عباس: أتانا رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلَّى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ": التاء فيهما للوحدة أو للتأنيث.
"تعبثان"؛ أي: تلعبان "بين يديه، فما بالى بذلك"؛ أي: ما التفت إليه، وما اعتدَّ به، والغرضُ منه بيانُ أن مرور الحمار والكلب بين يدي المصلي لا يقطع الصَّلاة.
* * *
٥٥٣ - وقال رسول الله - ﷺ -: "لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، وادْرَؤُوا ما استطَعتُمْ، فإنَّما هو شَيطانٌ".
"وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: لا يقطع الصَّلاة"؛ أي: لا يبطلها "شيء": مر بين يدي المصلي.
"وادرؤوا"؛ أي: ادفعوا المارَّ "ما استطعتم، فإنما هو شيطان": قيل: حديث القطع بمرور المرأة وغيرها منسوخٌ بهذا الحديث.
* * *
[ ١ / ٤٦٦ ]