(باب تطهير النجاسات)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٣٨ - عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا شرِبَ الكلْبُ في إناءَ أحدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا شربَ الكلبُ في إناء أحدِكم فليغسِلْه سبعا"، وفيه حجةٌ لمالك حيث يغسله سبعًا من غير تراب.
* * *
٣٣٩ - وقال: "طُهُورُ إناءَ أحدِكُمْ إذا وَلَغَ فيهِ الكلبُ أنْ يغسلَهُ سَبع مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ"، رواه أبو هريرة - ﵁ -.
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: طُهور إناء أحدكم"، بضم الطاء، بمعنى التطهير أو الطهارة.
"إذا ولغ فيه الكلب"؛ أي: شرب منه بلسانه.
"أن يغسله سبع مراتٍ أُولاهن بالتراب"؛ أي: معه.
وفي رواية أخرى: "أُخراهن بالتراب"، فيجب استعمال التُّراب في مرة من السبعة أيةَ مرةٍ كانت، وهذا لأن التُّراب طَهور في التيمم، والماء طَهور، فيجب استعمال الظهورين في ولوغ الكلب؛ لكون نجاسته أغلظَ النجاسات، ولو ولغ كلبان أو كلب واحد سبع مرات، فالصحيح أنَّه يكفي للجميع سبعٌ،
[ ١ / ٣١٣ ]
وهذا مذهب الشَّافعيّ.
وعند أبي حنيفة: يغسل من ولوغه ثلاثًا بلا تقصير كسائر النجاسات.
* * *
٣٤٠ - وقال أبو هريرة: قامَ أعرابيٌّ، فبالَ في المَسْجد، فتناوَلَهُ النَّاسُ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: "دَعُوهُ، وأهريقُوا على بَولهِ سَجْلًا - أَوْ ذَنُوبًا - مِنْ ماءٍ، فإنَّما بُعِثتمْ مُيَسِّرينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرين".
ويُروى: أنَّه دَعاهُ فقال: "إنَّ هذهِ المساجِدَ لا تَصْلُحُ لشيءٍ مِنْ هذا البَوْلِ ولا القَذَرِ، وإنَّما هِيَ لِذِكْرِ الله، والصَّلاةِ، وقراءَةِ القُرآن"، أو كما قالَ رسولُ الله - ﷺ -.
"وقال أبو هريرة: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناولَه"؛ أي: فأخذه الناس" ليضربوه.
"فقال النَّبِيُّ - ﵊ -: دَعُوه"؛ أي: اتركوه فإنَّه معذور؛ لأنه لم يعلم عدمَ جواز البول في المسجد.
"وأَهَريقوا"؛ أي: صبُّوا "على بوله سَجْلًا" بفتح السين: هو الدلو الذي فيه الماء قل أو كثر.
"أو ذَنوبًا" بفتح الذال: هو الدلو الملأى، قيل: (أو) فيه للشك من الراوي، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون للتخيير؛ يعني: خيَّرهم بين أن يُهْرِقوا فيه سَجْلًا غير ملآن، أو ذَنوبًا ملآنَ.
"من ماء"، قيل: (من) زائدة للتأكيد؛ لأن السَّجْل والذَّنْوب لا يكونان إلَّا من الماء.
وقيل: للتبيين؛ لاحتمال أن يكونا من ماء وغيره، وهذا قول مَن يجوِّز
[ ١ / ٣١٤ ]
التطهير بغير الماء.
والحديث يدل على أن الأرض إذا أصابها نجاسةٌ مائعة فصُبَّ عليها الماء حتَّى غلبها طَهُرت، وبه قال الشَّافعيّ.
وعند أبي حنيفة: لا تطهير حتَّى يُحفَر ذلك التُّراب، فإن وقع عليها الشَّمس وجفَّت وذهبت أثرُها طَهُرَت عنده من غير حفر ولا صبِّ ماء، وعلى أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغيَّر، وإن لم تكن مُطهَّرة، ولولاه لكان المصبوب على البول أكثرَ تنجيسًا للمسجد من البول نفسه.
"إنما بُعثتم ميسِّرين": مسهِّلين على النَّاس.
"ولم تُبعثوا معسِّرين"، فعليكم بالتيسير أيتُها المِلة.
"ويروى: أنَّه دعاه"؛ أي: النَّبِيّ - ﵊ - ذلك الأعرابي.
"فقال: إن هذه المساجد لا تصلح"؛ أي: لا تليق "لشيء من هذا البول"، اسم الإشارة فيه للتحقير.
"ولا القذَر"، وهو بفتح الذال المعجمة: ما يتنفَّر منه الطبع كالنجاسات والأشياء المنتنة، فذِكْرُه بعد البول يكون تعميمًا بعد التخصيص.
"إنما هي"؛ أي: المساجد "لذِكْرِ الله والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله - ﷺ -" شك من الراوي أنَّه - ﵊ - قال هذه الكلمات، أو قال شيئًا آخر مثلَها.
* * *
٣٤١ - قالت أسماءُ بنت أبي بكر: سألتِ امرأةٌ رسولَ الله - ﷺ -: أرأَيْتَ إحدانا إذا أصابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ؟ فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "إذا أصابَ ثَوْبَ إحْداكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثمَّ لتَنْضَحْهُ بماءً، ثمَّ تُصلِّي فيه".
[ ١ / ٣١٥ ]
وفي رواية: "حُتِّيه، ثم اقْرُصيهِ، ثم اغسِليهِ بالماء".
وفي روايةٍ: "ثُمَّ رُشِّيهِ بالماءِ، وصلِّي فيه".
"قالت أسماء بنت أبي بكر - ﵂ -: سألت امرأةٌ رسولَ الله - ﷺ -، قالت: يَا رسول الله! أرأَيتَ"؛ أي: أخبر.
"إحدانا"؛ أي: عن حال إحدانا بحذف المضاف.
"إذا أصابَ ثوبَها الدمُ من الحِيضة"، - بكسر الحاء؛ أي: الخِرْقَة، وقد يكون اسمًا من الحَيْض ونوعًا منه، ويفرَّق بينهما بالقرائن السابقة، وبالفتح المرة، تريد أنها يصيبها من دم الحيض شيءٌ.
"كيف تصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إذا أصاب ثوبَ إحداكن الدمُ من الحَيْضة فلتقرُصْه": فلتمسحه بيدها مسحًا شديدًا قبل الغُسْل حتَّى تتفتَّت.
"ثم لتنضَحْه"؛ أي: لتغسِلْه "بماءٍ" بأن تصبَّه عليه شيئًا فشيئًا حتَّى يذهبَ أثرُه تحقيقًا لإزالة النجاسة.
"ثم لتصلِّ فيه"؛ أي: في ذلك الثوب، فإنَّه لا بأس بعد هذا؛ لأن إزالة لون الدم متعسِّر، وفيه دليل على تعيُّن الماء في إزالة النجاسة.
"وفي رواية: حُتِّيه"؛ أي: حكيه.
"ثم اقرُصِيه"، والقَرْصُ أبلغُ من الحتِّ؛ لأنه الدلك بأطراف الأصابع والأظفار، مع صبِّ الماء.
"ثم اغسليه بالماء وصلِّي فيه".
* * *
٣٤٢ - عن سُليمان بن يَسار قال: سأَلتُ عائشةَ عن المَنيِّ يُصيبُ الثَّوبَ، فقالت: كنتُ أغسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ الله - ﷺ -، فيخرُجُ إلى الصَّلاةِ وأثَرُ
[ ١ / ٣١٦ ]
الغَسْلِ في ثَوْبهِ.
"وعن سليمان بن يَسَار أنَّه قال: قال: سألت عائشة عن المَنيِّ يصيب الثوب، فقالت: كنت أغسِلُه من ثوب رسول الله - ﷺ -، فيخرج إلى الصلاة وأثرُ الغَسْل في ثوبه"، وفيه دليل على نجاسة المَنِيِّ، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
* * *
٣٤٣ - وعن عَلقمة والأسود، عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ أفركُ المنيَّ مِن ثَوْبِ رسولِ الله - ﷺ -، ثمَّ يُصَلِّي فيه.
"وعن علقمةَ والأسود، عن عائشة أنها قالت: كنت أفرُكُ المَنِيِّ"؛ أي: أدلكُه وأمسحه "من ثوب رسول الله - ﷺ -"، حتَّى يذهبَ أثره.
"ثم يصلي فيه"، وفيه دليل على طهارة المَنِيِّ، وهو مذهب الشَّافعيّ وأَحمد، إذ لو كان نجسًا لما طهر الثوب بفرْكِه إذا يبسَ كالعَذِرَة.
وحديث غَسله لا ينافي حديث فَرْكه؛ لأنه للاستحباب والنظافة، كما يُغسل الثوب من النُّخَامة والمُخَاط جمعًا بينهما.
* * *
٣٤٤ - عن أُمِّ قَيْس بنت مِحْصَن ﵂: أنَّها أتت بابن لها غيرٍ لمْ يكُل الطَّعامَ إلى رسولِ الله - ﷺ -، فأجْلَسَهُ رسولُ الله - ﷺ - في حَجْرِه، فبالَ على ثَوْبهِ، فدعا بماءٍ فنضَحَهُ ولم يغسِلْهُ.
"عن أم قيس بنت مِحْصَن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله - ﷺ -، فأجلَسه رسول الله - ﵊ - في حَجْرِه"؛ أي: قدَّامَه.
[ ١ / ٣١٧ ]
"فبال" ذلك الابن "على ثوبه" ﵊.
"فدعا بماء"؛ أي: طلبه، "فنضحه"؛ أي: أسألَ الماء على ثوبه حتَّى غلبَ عليه، "ولم يغسِلْه"؛ أي: لم يبالغ في الغَسْل بالرش والدَّلْك لانعدام عفونة بوله.
* * *
٣٤٥ - وعن ابن عبَّاس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا دُبغَ الإِهابُ فقدْ طَهُرَ".
"عن ابن عباس أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا دُبغَ الإهاب" وهو الجلد الغير المدبوغ.
"فقد طَهُرَ"، وهذا بعمومه حُجة على مالك في قوله: جلد الميت لا يطهر بالدباغ.
وعلى الشَّافعيّ في قوله: جِلد الكلب لا يطهر بالدباغ، واستثنى بعمومه الآدميَّ تكريمًا له، والخنزيرَ لنجاسة عينه.
* * *
٣٤٦ - وقال عبد الله بن عبَّاس - ﵄ - تُصُدِّقَ على مَولاةٍ لمَيْمُونةَ بشاةٍ، فماتَتْ، فَمَرَّ بها رسولَ الله - ﷺ - فقال: "هَلَاّ أَخَذْتُمْ إهابَهَا فدبَغْتُمُوهُ فانتفَعْتُمْ بهِ؟، فقالوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فقال: "إنَّما حَرُمَ أكْلُها".
"وقال عبد الله بن عباس: تُصُدِّقَ"؛ أي: دُفعت صدقة.
"على مولاةٍ"؛ أي: عتيقةٍ.
الميمونة بشاةٍ، فماتت، فمرَّ بها رسول الله - ﷺ - فقال: هلَاّ"؛ أي: لمَ
[ ١ / ٣١٨ ]
لا "أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حَرُمَ"؛ أي: من الميتة.
"أَكْلُها" وأما جلدها فيجوزُ دباغتُه، ويطهر بها حتَّى يجوز استعماله في الأشياء الرطبة، والوضوء منه والصلاة معه وعليه.
* * *
٣٤٧ - وقالت سَوْدَة ﵂ زَوجُ النَّبِيّ - ﷺ -: ماتَتْ لنا شاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَها، ثم ما زِلْنَا ننَبذُ فيهِ حتَّى صارَ شَنًّا.
"وقالت سَوْدَة زوج النَّبِيّ - ﷺ -: ماتت لنا شاة فدبَغْنا مَسْكَها" - بفتح الميم -: أي: جِلدها.
"ثم ما زلنا ننبذ فيه"؛ أي: نتخذ فيه نقيعًا من تمر وغيره ليَحْلُو.
"حتَّى صارت شَنًّا" - بفتح الشين -؛ أي: سِقاء خَلَقًا، يعني: عتيقًا بكثرة الاستعمال، وهو أشدُّ تبريدًا للماء من الجديد، وفيه بيان طهارة الجلد المدبوغ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٤٨ - عن لُبابة بنت الحارِث قالت: كانَ الحُسَيْنُ بن عليٍّ - ﵄ - في حَجْرِ رسولِ الله - ﷺ -، فَبَالَ، فقلتُ: أعْطِنِي إزارَكَ حتَّى أغسِلَهُ، قال: "إنَّما يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأنثى، ويُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ".
وفي روايةٍ: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجاريَةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلامِ".
"من الحسان":
" عن لُبابةَ بنت الحارث أنها قالت: كان الحسين بن عليّ - ﵄ - في حَجْر
[ ١ / ٣١٩ ]
رسول الله - ﷺ -، فبال فقلت: أعطنِي إزاركَ حتَّى أَغسِلَه، قال: إنما يُغسَل"؛ أي: الثوبُ، على وجه المبالغة في الغَسل، وبالدَّلْك مع الإجراء.
"من بول الأنثى، ويُنْضَح"؛ أي: يصَبُّ عليه الماء بحيث يصل الماءُ إلى جميع موارده من غير إجراء.
"من بول الذَّكر".
"وفي رواية: يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام"، بحيث يكون الماءُ أكثرَ منه.
قيل في حَدِّه: ليكن الماء مثلَ البول، وظاهر الحديث يدل على الفرق بين بولهما، وهو أن بوله كالماء رقةً وبياضًا، وبولها أصفر ثخين، وتكثر نجاسته بمخالطة رطوبة فرجها، وهي نَجِسة، ولأن المذكور أقوى مزاجًا من الإناث، والرخاوة غالبةٌ على أمزجتهن، فتكون الفضلات الخارجة منهن أشدَّ احتياجًا إلى الغسل.
وأيضًا مَسَّت الحاجة إلى التَّخفيف في حق الصبيان؛ لأن العادة جرت بحملهم في المجالس دون الجواري.
وفي الحديث: إشارة إلى قول علي بن أبي طالب، وعطاء، والحسن البَصْرِيّ، والشافعي، وأَحمد، وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه أنَّه يُغسل بولهما معًا كسائر النجاسات الغير المرئية.
* * *
٣٤٩ - وقال: "إذا وَطِيءَ بنعْلِهِ أحدُكُم الأَذَى فإنَّ التُّرابَ لهُ طَهُورٌ".
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إذا وَطِيءَ"؛ أي: ضرب ومسح.
"بنعله أحدُكم الأذى"؛ أي: النجاسة.
[ ١ / ٣٢٠ ]
"فإن التُّراب له طَهُورًا" فلو مسحه على الأرض فدلكَه بها حتَّى يذهبَ أثرُها جازت الصلاة به.
وبه ذهب الأَوْزَاعِيّ، وأبو ثور، والشافعي في قوله القديم.
وقال في الجديد: لا بد من غَسله بالماء، ويُؤول الحديث بأنه إذا وَطِيء نجاسة يابسة فتثبَّتَ (١) بنعله غبارُها يزول بالمشي على مكان طاهر.
وقال أبو حنيفة: يطهر بالدَّلْك إذا جَفَّت النجاسة عليه؛ بخلاف الرطبة.
* * *
٣٥٠ - وسألتِ امرأةٌ أُمَّ سَلَمَة ﵂ فقالت: إنِّي أُطيلُ ذَيْلي، وأَمشي في القَذرِ، فقالتْ أُمُّ سلمَةَ: قال رسولُ الله - ﷺ -: "يُطَهِّرُهُ ما بَعْدَهُ".
"وسألت امرأة"، قيل: هي أم ولد إبراهيم بن عبد الرَّحْمَن.
"أم سلمة فقالت: إنِّي أُطيل ذيلي وأمشي في المكان القَذِر"؛ أي: في مكان ذي قذر.
"فقالت أم سَلَمة: قال رسول الله - ﷺ -: يطهِّرُه"؛ أي: الذيلَ.
"ما بعده"؛ أي: المكان الذي بعد المكان القَذِر بزوال ما تَثَبَّتَّ بالذيل من القذر يابسًا.
فيؤوَّل الحديث بأن السؤال جرى فيما جُرَّ من الثياب على القَذَر اليابس عند تثبُّت شيء منه بها، وإلا فالإجماع انعقد على أن الثوب لا يطهُر بغير الغَسْل إذا أصابته نجاسة.
* * *
_________________
(١) في "م". "فتشبث".
[ ١ / ٣٢١ ]
٣٥١ - عن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِب - ﵁ - قال: نَهى رسولُ الله - ﷺ - عَنْ لُبْسِ جُلودِ السّباعِ والرُّكوبِ عليها.
"عن المِقدام بن مَعْدِي كرب أنَّه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن لبس جلود السِّباع والركوبِ عليها"؛ لأنه من دَأْب السلاطين، وسُنَن الجبابرة، وعمل المشركين، وفيه تكبُّر وزينة لا يَليق هذا بالصلحاء، فيكون نهيَ تنزيه، أو لنجاسة ما عليها من الشعر؛ لأن شعرها لا يطْهُر بالدباغ كما هو ظاهرُ مذهب الشَّافعيّ، فالنهي للتحريم.
* * *
٣٥٢ - وعن أبي المَليح عن أَبيه - ﵄ -: أنَّ النبيَّ - ﷺ - نهى عن جُلُودِ السِّباعِ أنْ تُفْتَرشَ.
"وعن أبي المَليح" بفتح الميم: اسمه عامر.
"عن أَبيه" اسمه أسامة.
"أن النَّبِيّ - ﵊ - نهى عن جلود السباع أن يُفْتَرشَ"؛ أي: يُبسَط ويجلَسَ عليه لِمَا بيَّنَّا.
* * *
٣٥٣ - ورُوي عن أبي المَليح - ﵁ -: أنَّهُ كَرِهَ ثَمنَ جُلُودِ السِّباعِ.
"وروي عن أبي المَلِيح أنَّه"؛ أي: النَّبِيّ ﵊.
"كرِه ثمنَ جلود السباع"؛ يعني: كُرِه بيعُها وشراؤُها، وذلك قبل الدباغ لنجاستها قبلَه، وأما بعده فيجوز.
* * *
[ ١ / ٣٢٢ ]
٣٥٤ - وعن عبد الله بن عُكَيْم قال: أتانا كتابُ رسولِ الله - ﷺ -: "أنْ لا تنتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهابٍ ولا عَصَبٍ".
قيل: هذا فيما لم يُدبغ لِمَا رُوي:
"وعن عبد الله عُكَيم أنَّه قال: أتانا كتاب رسول الله - ﷺ - أن لا تَنتفِعوا من المَيْتَة بإهاب ولا عَصَب"، فـ (أنْ) هذه مفسِّرة أو مخفَّفة، ذهب بعض أهل الحديث إلى أنَّه ناسخ للأحاديث الواردة في الدباغ، وجمهور العلماء على خلافه؛ لأنه لا يقاوم الأحاديثَ الواردة في هذا الباب صحةً.
ثم إنه لم يَلْقَ النَّبِيّ - ﷺ -، والظاهر حكايته حالة.
"قيل: هذا فيما لم يدبغ لِمَا رُوي": * * *
٣٥٥ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - أَمَرَ أنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبغَتْ.
"عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - أمرَ أن يُسْتَمتَعَ بجلود الميتة إذا دُبغَت".
* * *
٣٥٦ - وعن مَيْمُونة ﵂ قالت: مرَّ على رسولِ الله - ﷺ - رِجالٌ يَجُرُّون شاة، قال: "لو أخذْتُمْ إهابَهَا"، قالوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فقال: "يُطَهِّرُهُ الماءُ والقَرَظُ"، ويُروى: "دِباغُها طُهُورُها".
"وعن ميمونة أنها قالت: مر على رسول الله - ﷺ - رجالٌ يجزُون شاةً، فقال: لو أخذتم إهابَها"؛ أي: لو أخذتموها فدبغتموها لكان حَسَنًا، فـ (لو) للشرط بحذف الجواب، وقيل: للتمني، يعني: ليتكم أخذتم إهابها فانتفعتم به.
[ ١ / ٣٢٣ ]
"قالوا: إنها ميتة، فقال: يُطَهّره الماء والقَرَظ" بفتح القاف والراء: ورق السَّلَم يُدْبَغ به، يعني: يطهّره خلطُ القَرَظ بالماء ودباغة الجلد به.
"ويروى: دِباغُها طُهورها" وهذا يدل على عدم وجوب استعمال الماء بعد الدباغ وفي أثنائه، وهو أحد قولَي الشَّافعيّ.
* * *