عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله -ﷺ- كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ بغسل يديه، ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يدخل أصابعه في الماء، فيخلل بها أصول شعره، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات بيديه، ثم يفيض الماء على جلده كله.
عن مالك عن بن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله -ﷺ- كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة.
عن مالك عن نافعٍ أن عبد الله بن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه، ونضح في عينيه، ثم غسل يده اليمنى ثم اليسرى، ثم غسل رأسه، ثم أغتسل وأفاض عليه الماء.
عن مالك أنه بلغه أن عائشة سئلت عن غسل المرأة من الجنابة، فقالت: لتحفن على رأسها ثلاث حفنات من الماء، ولتضغث رأسها بيديها.
يقول -رحمه الله تعالى-:
باب: العمل في غسل الجنابة
يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [(٦) سورة المائدة] يعني اغتسلوا، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ﴾ [(٤٣) سورة النساء].
[ ٧ / ٢١ ]
فيقول بعد هذا: "حدثني يحيى عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله -ﷺ- كان إذا اغتسل" هل نقول: إذا أراد، أو إذا فرغ، أو إذا شرع؟ شرع اغتسل، يعني شرع بالغسل من الجنابة، يعني بسبب الجنابة فـ (من) سببية "بدأ بغسل يديه" بدأ بغسل يديه ثم بعد ذلكم يغسل فرجه، كما عند مسلم والترمذي والشافعي وغيرهم "ثم توضأ كما يتوضأ للصلاة" مخرج للوضوء اللغوي "ثم يدخل أصابعه في الماء فيخلل بها" أي بالأصابع "أصول شعر رأسه" والتخليل مستحب، ولا يجب اتفاقًا "ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات" ففيه استحباب التثليث في الغسل، قال النووي: ولا نعلم فيه خلافًا، يعني التثليث، يعني كونه يفرغ على رأسه ثلاثًا، يغسل شقه الأيمن ثلاثًا، والأيسر كذلك، مستحب، فيقول النووي: لا نعلم فيه خلافًا إلا ما تفرد به الماوردي، فقال: لا يستحب التكرار في الغسل، يعني يعمم البدن بدون تكرار "بيديه، ثم يفيض" يعني يُسيل الماء على جلده كله، استدل بهذا من لا يشترط الدلك "يفيض" يعني يُسيل "الماء على جلده" فيستدل بهذا الجمهور على أن الدلك لا يدخل في مسمى الغَسل ولا الغُسل، المالكية يقولون: الدلك من مسمى الغسل، بينما الجمهور لا يقولون: الدلك، يعني لا يقولون بلزومه ولا أشتراطه لصحة الغسل، ومثله الوضوء، واللغة فيها ما يدل على ذلك، يقال: غسله العرق، غسله المطر يعني إذا وصل إلى بدنه، ولو لم يحصل معه دلك.
يقول ابن عبد البر: هذا أحسن حديث روي في ذلك، يعني الغسل، يعني حديث عائشة -﵂-.
ثم قال: "وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله -ﷺ- كان يغتسل من إناء هو الفرق من الجنابة" يعني بسببها، الفرق قال ابن التين: بتسكين الراء، يكون إيش؟ الفرْق، ورويناه بفتحها، وجوز بعضهم الأمرين، قال النووي: الفتح أفصح وأشهر، وزعم الباجي أنه الصواب، يعني الفتح.
[ ٧ / ٢٢ ]
ولعل مستنده ما حكاه الأزهري عن ثعلب وغيره الفرَق بالفتح والمحدثون يسكنونه، وكلام العرب بالفتح، يدل على أنه لا يوجد سكون، يعني أيهما أولى أن يقال: أفصح وإلا هو الصواب؟ يعني كونه أفصح لا ينفي أن يوجد لغة غير فصيحة بالسكون، وكونه هو الصواب يدل على أن ما عداه خطأ.
حكى ابن الأثير أن الفرَق بالفتح ستة عشر رطلًا، والفرْق بالإسكان مائة وعشرون رطلًا، وهو غريب، كلام غريب، وعند مسلم قال سفيان: الفرق ثلاثة آصع، قال النووي: وكذا قال الجماهير، ثلاثة آصع، يعني كم رطل؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه؟
طالب:. . . . . . . . .
لكنه إذا كان من مادة واحدة ما يتغير، نعم الماء، الماء وزنه واحد، فإذا قورن وزنه بكيله، نعم ما تقول: الفرق ثلاثة آصع من كل شيء، أو ستة عشر رطلًا من كل شيء، لكن من الماء ما يتغير، الماء وزنه واحد، فما الفرق بين ثلاثة آصع كما قال سفيان في صحيح مسلم، وهو قول الجماهير كما قال النووي، وما ذكره أهل العلم من أنه ستة عشر رطلًا؟ لأن الصاع خمسة أرطال، نعم، وإيش؟ وثلث، إذًا الثلاثة الآصع ستة عشر رطلًا.
ما جاء عنه -﵊- من أنه كان يغتسل بالصاع، وهنا يغتسل من إناء هو الفرَق من الجنابة، يعني جاء في الحديث حديث في الصحيح، في البخاري وغيره أنه يغتسل هو وعائشة من إناء هو الفرق، فلا إشكال، وأيضًا كونه يغتسل من هذا الإناء الذي فيه ثلاثة آصع لا يختلف مع كونه يغتسل بالصاع؛ لأنه لا يلزم أن يستوعب جميع ما في هذا الإناء، فلا اختلاف بين هذا وذاك.
يقول: "وحدثني عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا اغتسل من الجنابة" يعني بسببها "بدأ فأفرغ على يده اليمنى" أفرغ صب على يده اليمنى، يعني يكفئ الإناء باليسرى، فيصب على اليمنى "فيغسلها، ثم غسل فرجه" المعلوم أنه بشماله "ثم مضمض واستنثر" وقد مضى الكلام على حكم المضمضة والاستنشاق، وما قيل في حكمهما من قبل أهل العلم، وبعض من يقول بالاستحباب في الوضوء يقول بالوجوب في الغسل "ثم غسل وجهه" هذا من؟ ابن عمر "ثم نضح في عينيه" يعني رش الماء في عينيه، وهذا من اجتهاداته وشذائذه واحتياطه وتحريه.
[ ٧ / ٢٣ ]
يقول ابن عبد البر: لم يتابع ابن عمر على النضح في العينين أحد، وله شذائذ حمله عليها شدة التحري، ولا شك أن الزيادة على ما جاء عن النبي -﵊- ولو كان الحامل عليها التحري والتثبت والاحتياط، نعم، هذا لا يبرر الزيادة على ما جاء في الشرع، يعني بعض أهل العلم أثر عنهم أنهم يزيدون في الوضوء على الثلاث، بل على الأربع إلى أن يصلون إلى حد العشر مرات.
جاء في ترجمة ابن دقيق العيد، وترجمة الحافظ العراقي أنهم يزيدون، ويقول المترجمون: إن ذلك لا يخرجهم إلى حيز الابتداع، بل الحامل على ذلك الاحتياط، لكن هل الاحتياط في مثل هذا؟! يعني شيخ الإسلام -﵀- فيما نقله عنه ابن القيم يقول: الاحتياط إذا أدى إلى ترك مأمور، أو فعل محظور، فالاحتياط في ترك هذا الاحتياط، يقول: هذا لا يدخلهم إلى حيز الوسوسة والابتداع، لا، هذا احتياط، ما هو بصحيح، يعني كون الشخص أعمى هل يبرر له العمى وعدم الإبصار أن يغسل العضو أكثر من ثلاث مرات، يقول: أنا ما بقي شيء، بقي بقعة، أنا استوعبت العضو ما استوعبت، فأنا با احتاط، المبصر معروف الذي يرى العضو وأنه استوعبه بالماء، لكن الكفيف يقول: أنا با أغسل يدي، إلى أن أجزم أني عممت العضو بالماء، له ذلك أو ليس له ذلك؟
الذي يقول: أنا لا أدري وأنا با أغسل حتى أقطع أني غسلت العضو كاملًا؛ لأنه يقول: احتمال في بقعة أنا ما أدري عنها، هل استوعبت أو ما استوعبت؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٧ / ٢٤ ]
إيه، لكن هل تعتبر غسلة وهو شاك في استيعاب العضو؟ هذا الذي ينبهنا إلى مثل هذا أني حضرت وضوء بعض الكبار، الكبار يعني، مكفوفي البصر، ويزيد على المشروع بحجة أنه أعمى، ومع ذلكم إذا خشي ألا يسبغ فقطعًا سوف يسبغ بالثلاث، وإذا كان التردد بين الثلاث، وما زاد عليها، فليقتصر على الثلاث، ولو افترضنا أنه ما أتم غسله في الأولى والثانية، ثم عممه في الثالثة؛ لأنه إذا شك هل غسل العضو مرتين أو ثلاث يجعله مرتين أو ثلاث؟ يجعلها ثلاث، لماذا؟ نعم؛ لأنه إن كان في الحقيقة غسلها ثلاثًا ثم أراد أن يزيد رابعة من باب قطع الشك خرج إلى حيز البدعة، لكن إن كان في الحقيقة غسلها اثنتين ولم يزد على ذلك فهو ما زال في دائرة السنة، هذا في الصلاة في التردد ركعتين وإلا ثلاث يبني على ما استيقن، لكن الوضوء ليش؟ لماذا نفرق بين الوضوء والصلاة؟ نعم؟ هذا تردد هل صلى ركعتين وإلا ثلاث؟ نعم؟ نقول: يبني على الأقل لأنه متيقن، لماذا؟ لأن الأقل ليس بشرع، لو تبين في الحقيقة أنه استيقن على الأقل، لكن لو توضأ مرتين أو ثلاث لا شك أنه مرتين، اجعلها ثلاث؛ لأنه لو فرض أنها مرتان شرعية، النبي -﵊- توضأ مرتين مرتين، لكن لو فرض أنها في الحقيقة ثلاث وزدت رابعة خرجت إلى حيز البدعة، فكونك تتردد بين بدعة وسنة الزم السنة ولو كانت أقل.
طالب:. . . . . . . . .
أي يبني على الأقل لأنه مستيقن؛ لأن الصلاة باطلة لو نقص ركعة، لكن الوضوء لو نقص مرة ما بطل.
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، لو. . . . . . . . . الصلاة فيها نصوص؛ لأنك لو نقصت من العدد بطلت صلاتك، الوضوء لو نقصت من ثلاث ما بطل، وسنة النبي -﵊- توضأ مرتين مرتين، فكونك تتردد بين سنة وبدعة غير كونك تتردد بين صلاة صحيحة وصلاة باطلة، فهمت القصد؟ إيه.
ويبقى أنه هذا الشك يبني عليه شك آخر، ثم بعد ذلك يخرج عن حيز السنة إلى الوسوسة؛ لأن مثل هذا الاحتياط في القدر اللي دونه مجزئ، لا سيما إذا تكرر مع الإنسان عليه أن يقطع؛ لئلا يوسوس، كل بدايات الموسوسين من هذا، بدايات الموسوسين كلها بسبب هذا.
[ ٧ / ٢٥ ]
نعم هذه تسأل تقول: عليها قضاء من رمضان، هل تصوم ست من شوال قبل القضاء أم بعده؟
لا، تصوم ما عليها من واجب، ثم تتنفل بما شاءت، هذا هو المرجح وإن كان
طالب:. . . . . . . . .
لا، لا، خلاص خرج وقتها، خرج وقتها.
يقول: إذا احتاج العضو إلى غسل أكثر لوجود أوساخ تحتاج إلى إزالتها؟
الأولى أن يغسل هذه الأوساخ قبل شروعه في الوضوء؛ لئلا يلتبس المشروع بغيره.
طالب:. . . . . . . . .
إيه، غسل يده اليمنى، قبل ..، ما هو بغسل الوضوء، الغسل من أجل إدخالها في الإناء، أفرغ على يده اليمنى أمال الإناء فغسل يده اليمنى، ثم اللي ، قبل الشروع في المطلوب، ما هو بغسل الوضوء هذا، ما هو بغسل الذراع، غسل الكف، إيه.
"ثم غسل فرجه، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه، ونضح في عينيه " يعني رش الماء في عينيه، وهذا من احتياطه، ولم يتابعه عليه أحد "ثم غسل يده اليمنى ثم اليسرى" مع المرفقين، هذا الوضوء، معروف هذا الوضوء الذي يتقدم على الغسل "ثم اليسرى، ثم غسل رأسه" يعني مسح برأسه "ثم اغتسل" ولم يذكر غسل الرجلين؛ لأنه جاءت السنة بتقديم غسل الرجلين مع الوضوء، توضأ وضوءه للصلاة، وجاء تأخير غسل الرجلين بعد الغسل والانتقال من المكان، لا سميا إذا كان المكان فيه طين وما أشبهه.
"وأفاض عليه الماء" هذا تفسير لـ (اغتسل) "ثم اغتسل وأفاض عليه الماء" هذا عطف تفسيري.
ثم قال: "وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عائشة سئلت عن غسل المرأة من الجنابة، فقالت: لتحفن على رأسها ثلاث حفنات من الماء، ولتضغث رأسها بيديها".
عن مالك أنه بلغه، في شرح الزرقاني قال: بلاغاته صحيحة، قال سفيان: إذا قال مالك: بلغني فهو إسناد قوي.
[ ٧ / ٢٦ ]
"أن عائشة سئلت عن غسل المرأة من الجنابة، فقالت: تحفن على رأسها ثلاث حفنات" والحفنات جمع حفنة مثل سجدة وسجدات، والحفنة ملئ اليدين من الماء، الحفية والحثية بمعنى واحد "ولتضغث رأسها" قال ابن الأثير: الضغث: معالجة الشعر باليد عند الغسل، كأنها تخلط بعضه ببعض؛ ليدخل فيه الماء، يعني تحركه تخلط بعضه ببعض، لكي يدخل الماء إلى أصوله "بيديها" "قال مالك: ليداخله الماء، وليصل إلى البشرة" ليصل إلى بشرة الرأس، لكن هل يلزم نقض الشعر؟ يقول الإمام مالك: اغتسال المرأة من الحيض كاغتسالها من الجنابة، فلا يلزمها نقض الشعر، وقد أنكرت عائشة على عبد الله بن عمرو أمره النساء أن ينقضن رؤوسهن عند الغسل، وشددت النكير عليه في ذلك، حتى قالت: فليأمرهن بإيش؟ بحلق رؤوسهن، وجاء الأمر بنقض الشعر، لكنه مصروف على سبيل الاستحباب، وقد أنكرت عائشة على عبد الله بن عمرو، جاء النقض في حديث لعائشة، وجاء عدمه في حديث لأم سلمة، ولذا يحمل بعضهم النقض على الشعر الكثيف الكثير، وعدمه على الشعر الخفيف؛ لأن هذه صغيرة السن شعرها كثير، وهذه كبيرة شعرها خفيف فلا يحتاج إلى نقض، لكن إنكار عائشة على عبد الله بن عمرو يدل على أنه غير لازم، نعم.