عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: دخل أعرابي المسجد فكشف عن فرجه ليبول، فصاح الناس به حتى علا الصوت، فقال رسول الله -ﷺ-: «اتركوه» فتركوه فبال، ثم أمر رسول الله -ﷺ- بذنوب من ماء فصب على ذلك المكان.
عن مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يبول قائمًا.
وسئل مالك عن غسل الفرج من البول والغائط، هل جاء فيه أثر؟ فقال: بلغني أن بعض من مضى كانوا يتوضؤون من الغائط، وأنا أحب أن أغسل الفرج من البول.
يقول -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في البول قائمًا وغيره
"حدثني يحيى عن مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري أنه قال: دخل أعرابي" اختلف في أسمه فقيل: هو ذو الخويصرة اليماني، وقيل: ذو الخويصرة التميمي، رأس الخوارج، يعني الذي قال للنبي -﵊-: اعدل، وقال بعضهم: هو عيينة بن حصن، وقيل: الأقرع بن حابس، وعلى كل حال هي أقوال، وجاءت بعض الآثار التي يمكن تفسير المبهم بها، مع أن بقائه مبهمًا أولى، سترًا عليه.
"دخل أعرابي" هذا الأعرابي روى الترمذي من طريق ابن عيينة في أوله: أنه دخل المسجد فصلى، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي -﵊-: «لقد تحجرت واسعًا» فلم يلبث أن بال في المسجد، هذه الراوية تدل على أنه لما دخل صلى، ثم قال ما قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، وكل هذا قبل البول، ثم لم يلبث أن بال، هذه الراوية، لكن المناسب لقوله: "اللهم ارحمني ومحمدًا" أن يكون قبل البول وإلا بعده؟ بعد البول، المناسب أن يكون بعد البول، لما قام إليه الصحابة وكادوا أن يهموا به، وزجروه، والنبي -﵊- يقول: دعوه، دعوه، اتركوه، يناسب أن يقول: اللهم ارحمني ومحمدًا، لكن راوية الترمذي على كل حال هي مقدمة على مجرد التوجيه، وإن كان المعنى واضح.
"دخل أعرابي المسجد، فكشف عن فرجه ليبول، فصاح الناس به" هل بال قائمًا أو قاعدًا هذا الرجل؟ لأن الترجمة: باب ما جاء في البول قائمًا، الحديث ليس فيه دلالة صريحة.
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٠ / ٢٤ ]
فكشف، طيب فكشف يعني العطف بالفاء التي تقتضي التعقيب، دخل فكشف، يعني لو كان دخل فجلس، ثم كشف واضح، يعني أنه ..، يعني لو قيل: ثم كشف، يعني في فرصة في وقت لئن يجلس وكذا، يعني العطف بالفاء يشم منه -وإن كان ليس بصريح- أنه بال قائمًا؛ لأنها تقتضي التعقيب، لكن لو قال: ثم كشف عرفنا أنه صار في مدة بعد دخوله.
على كل حال في البول قائمًا حديث حذيفة عند السبعة، من فعله -﵊-، ولا إشكال فيه، وسيأتي ذكره -إن شاء الله تعالى-.
"فكشف عن فرجه ليبول، فصاح الناس به -زجرًا له- حتى علا الصوت" ارتفع، وفي راوية: فزجره الناس، وأخرى: "فتناوله الناس" يعني تناولوه بالكلام، وشددوا عليه، فقال رسول الله -ﷺ-: «اتركوه» لا شك أنه فعل منكرًا، واشترك الجميع في الإنكار عليه امتثالًا لقوله -﵊-: «من رأي منكم منكرًا فليغيره بيده» ولذا ما أنكر عليهم إلا من جهة ..، يعني ما أنكر عليهم أنهم أنكروا، أنكر عليهم لما يترتب على هذا الإنكار من منكر أعظم منه "فقال رسول الله -ﷺ-: «اتركوه» " يعني اتركوه يبول، يعني لئلا يؤدي قطع البول إلى ضرر كبير يحصل له، وقد يغلبه البول قبل الخروج من المسجد فيودي إلى انتشار النجاسة، وتوسع رقعتها، اتركوه "فتركوه، فبال في المسجد" يعني أكمل البول "ثم أمر رسول الله -ﷺ-" الآن العبارة: فكشف عن فرجه ليبول فصاح الناس به حتى علا الصوت، فقال: «اتركوه» فتركوه، فبال، يعين ظاهر هذه السياق أنه لم يبل بعد، أدركوه قبل أن يبول، فقال النبي -ﷺ-: اتركوه يبول، لكن الروايات الأخرى تدل على أنهم أنكروا عليه بعد أن باشر البول؛ لأنه لو لم يباشر البول ما في أثر مترتب على الإنكار، نعم ليس فيه أثر مترتب على الإنكار، لكن لما باشر البول يترك، أما قبل أن يباشر لا يترك، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ١٠ / ٢٥ ]
ما هو من أجل العورة، الإنكار منصب على أنه بال في المسجد، كما في بعض الروايات، باشر البول، "فبال، ثم أمر سول الله -ﷺ-" لما انتهى الرجل من بوله "بذنوب" دلو ملئ من الماء "فصب" وفي رواية: فأهريق "على ذلك المكان، ثم قال -﵊-: «إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» " هم ما جاءوا بشيء، يعني في بادئ الأمر أنكروا منكر، وإنكار المنكر واجب، لكن باعتبار الأثر المترتب على هذا الإنكار من منكر أعظم منه، اتجه الأمر بتركه، وهذه قاعدة إنكار المنكر واجب باليد مع الاستطاعة، أو باللسان مع عدمها، أو بالقلب مع عدم استطاعة الإنكار باللسان، هذا هو الأصل، لكن إذا كان يترتب على هذا الإنكار منكر أعظم منه فإنه حينئذٍ عاد على حسب الأثر المترتب عليه، أحيانًا قد يصل إلى درجة التحريم، على حسب الأثر المترتب عليه، إذا كان ينكر المنكر بيده بأعظم مما يستحقه المرتكب، شخص فعل منكر محرم، لكن ضربه ضربًا أكثر مما يستحق، لا يجوز له ذلك، إذا كان الضرر المترتب على الإنكار متعدٍ للمنكِر وغيره أيضًا لا يجوز.
إذا كان الضرر والأثر المترتب على الإنكار لازم للشخص نفسه، للمنكر، فالمسألة دائرة بين عزيمة ورخصة، له أن يترخص، ما دام يوجد ضرر، وإن ارتكب العزيمة فالأمر إليه.
«فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين» فالرفق الرفق، والرفق ما دخل في شيء إلا زانه، والخبر مرسل عند الإمام -رحمه الله تعالى-؛ لأنه يروي عن يحيى بن سعيد، ويحيى بن سعيد يروي قصة لم يشهدها، وهو موصول عند الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- من طريق عبدان، عن عبد الله، عبدان اسمه إيش؟ نعم، عبد الله بن عثمان العتكي، عن عبد الله ابن إيش؟ ابن المبارك.
قال: "أخبرني يحيى بن سعيد، قال: سمعت أنس بن مالك" ورواه أيضًا من طريق خالد وسليمان بن بلال عن يحيى، مخرج وموصول من طرق عند الإمام البخاري وغيره، فالحدث صحيح، وفي الحديث: ارتكاب أخف الضررين، وتحصيل أعظم المصلحتين، وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع؛ لأنه مجرد ما انتهى صبوا عليه الماء، وهنا مبادرة إلى إزالة المفسدة عند زوال المانع.
[ ١٠ / ٢٦ ]
وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة، وأنه لا يشترط حفر الأرض، ولا نقل تربتها، مجرد ما يصب عليها الماء يطهر، وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، يعني لو قيل بنجاستها لقلنا: إنه بمجرد صب الماء تتوسع رقعة النجاسة، لكن الغسالة طاهرة، وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن فعله على جهة العناد والإصرار، وإذا عرف أنه فعل ذلك على جهة العناد والإصرار فإنه يعاقب العقاب المناسب.
يعني وجد في مسجد من المساجد المصاحف -نسأل الله السلامة والعافية- كلها مفتوحة، وقد مر عليها شخص وبال عليها، نقول: مثل هذا يرفق بالجاهل؟ لا، ليس من هذا النوع أبدًا، على كل حال إذا حقق معه، وعرف القصد والهدف -الله المستعان- يلقى الجزاء المناسب، والشرع لن يضيق بالحكم المناسب له.
طالب:. . . . . . . . .
الأصل التراب، والسجاد يكرر عليه صب الماء ويفرك؛ لأنه يتشرب أكثر.
فيه رأفة النبي -ﷺ- وحسن خلقه، وفيه أيضًا تعظيم المساجد، وأنها أنما بنيت للذكر والصلاة، وتنزيهها عن الأقذار.
يقول: "وحدثني عن مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: رأيت عبد الله بن عمر يبول قائمًا" لأن مذهبه جواز ذلك بلا كراهة، وبذلك قال أبوه وزيد بن ثابت وسعيد بن المسيب وابن سيرين والنخعي وأحمد.
حديث حذيفة عند السبعة أن النبي -﵊- انتهى إلى سباطة قوم فبال قائمًا، استدل به أهل العلم على جواز البول قائمًا، شريطة أن يستتر ويأمن الرشاش ألا يرتد إليه بوله، لا بد أن يستتر؛ لئلا تنكشف عورته أمام الناس، ولا بد أن يأمن الرشاش، فإذا تحقق الشرطان جاز البول قائمًا.
طالب:. . . . . . . . .
ولو فرض ثبوته عنها هذا حسب علمها، لكن حذيفة رأى وحفظ قصة معروفة عند أهل العلم، وكرهه تنزيهًا أكثر العلماء، كراهة تنزيه، وأجابوا عن حديث حذيفة أنه لم يجد -﵊- مكانًا يصلح للقعود.
[ ١٠ / ٢٧ ]
وبعضهم قال: إن هذا سببه وجع كان في مأبضه باطن الركبة، ومنهم من يقول: إن العرب تستشفي بالبول قائمًا من وجع الصلب، على كل حال هذه علل مستنبطة، والحديث نص في الجواز، فلا داعي للتضييق، وما في شك أن الجلوس أستر، ويغلب على الظن أنه ما يرتد إليه بوله، ولا رشاش، نعم، لكن فعله -﵊- لبيان الجواز، ولا يمنع أنه إذا فعل شيئًا لبيان الجواز أن يكون غيره أكمل منه وأفضل.
"قال يحيى: وسئل مالك عن غسل الفرج من البول والغائط هل جاء فيه أثر؟ " يعني لو وجه هذا السؤال لطالب في الابتدائي، أن مالك نجم السنن، إمام دار الهجرة، إمام متبوع، صاحب سنة وأثر، لو سئل أصغر طلاب العلم هذا السؤال: عن غسل الفرج من البول والغائط هل جاء فيه أثر؟ ماذا يقول؟ وماذا قال مالك -﵀-؟ "بلغني أن بعض من مضى كانوا يتوضؤون من الغائط" إيش يدل؟ على أي شيء؟ "بلغني أن بعض من مضى كانوا يتوضؤون من الغائط، وأنا أحب أن أغسل الفرج من البول أيضًا" يعني وإن جاز في الحجر، يعني عبارة، عبارة تدل على ورع، عبارة تدل على تمام الورع، حفظ عنه أنه سئل عن أربعين مسألة، وأجاب عن أربع أو ثمان أكثر ما قيل، وقال في الباقي: لا أعلم، والسائل يقول له: مالك، مالك إمام دار الهجرة، وقد جاءه من بعيد، قال: اذهب إلى العراق وقل لهم: إن مالك يقول: لا أدري.
وآحاد الطلاب وصغارهم يستنكف ويستكبر أن يقول: لا أدري، والله المستعان، نعم، هات السواك على شان ما نتأخر.
أحسن الله إليك.