عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: أوتي رسول الله -ﷺ- بصبي فبال على ثوبه، فدعا رسول الله -ﷺ- بماء فأتبعه إياه.
عن مالك عن ابن شهاب عن عبيدة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أم قيس بنت محصنة أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله -ﷺ- فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا رسول الله -ﷺ- بماء فنضحه ولم يغسله.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-:
باب: ما جاء في بول الصبي
الصبي يجمع على صبيان، أي ما حكمه؟ أو ما جاء في حكمه.
"حدثني يحيى عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: أوتي رسول الله -ﷺ- بصبي فبال على ثوبه" فبال على ثوبه، الضمير يعود على ثوب من؟ في ثوبه ثوب النبي -﵊- أو ثوب الصبي نفسه؟ نعم، يقول ابن شعبان وهو من كبار المالكية: الضمير يعود على الصبي، الصبي بال على ثوبه، ثوب نفسه، لكن هذا قول غريب، والصواب أنه بال على ثوب النبي -﵊-.
"أوتي رسول الله -ﷺ- بصبي" ويأتي في الحديث الذي يليه: لم يأكل الطعام، وهو وصف مؤثر لا بد منه "فبال على ثوبه، فدعا رسول الله -ﷺ- فأتبعه إياه" أتبعه بإسكان المثناة، أي أتبع رسول الله -ﷺ- البول الذي على الثوب الماء، يصبه عليه، زاد مسلم: "فأتبعه ولم يغسله" وسيأتي في الحديث اللاحق التصريح بأنه نضحه ولم يغسله.
[ ١٠ / ٢٠ ]
الحديث الذي يليه يقول: "وحدثني عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أم قيس" قال ابن عبد البر: اسمها جذامة، وقال السهيلي: اسمها آمنة، وهي أخت عكاشة بن محصن الذي اشتهر بحديث السبعين الألف "بنت محصن الأسدية، أنها أتت بابن لها صغير" يقول ابن حجر: لم أقف على أسمه "لم يأكل الطعام" والمراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه، والتمر الذي يحنك به، والدواء ونحوه، ما عدا ذلك لا يستقل به، إذا كان يعطى مع اللبن شيء يسير لا يغنيه عن اللبن، يلعق عسل، أو يهرص له تمر، أو ما أشبه ذلك، لكنه لا يغنيه عن اللبن، فهو داخل فيما يدل عليه الحديث من حكم.
"لم يأكل الطعام، إلى رسول الله -ﷺ- فأجلسه" في بعض الروايات أنه جيء به ليحنك يوم ولادته، فأجلسه إيش معنا أجلسه؟ يجلس؟ يعني وضعه؛ لأنه في يوم ولادته لا يجلس "في حجره، فبال على ثوبه" أي ثوب النبي -﵊-، وسبق أن ذكرنا قول ابن شعبان من المالكية، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
إيه، لكن ويش الفائدة من ..؟ يعني الداعي إلى غسل الثوب؟ المقصود أن الغسل والرش إنما يطالب به المكلف للصلاة، يعني لو استمر الصبي وثوبه نجس ويش يضر؟
على كل حال المقصود ثوب النبي -﵊- سواء قلنا بهذا أو ذاك.
"فدعا رسول الله -ﷺ- بماء فنضحه ولم يغسله" عندنا صبي هل تلحق به الصبية؟ وهو صبي هل يلحق به الكبير؟ يعني هل تلحق الأنثى بالذكر؟ وهل يُلحق الكبير بالصغير؟ النص في الصبي، وهو الذكر الصغير، والوصف لم يأكل الطعام المعتبر.
وأخرج الإمام أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بإسناد صحيح عن علي -﵁- مرفوعًا: "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية" وله شاهد من حديث لُبَابَة بنت الحارث، أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وغيره، من حديث أبي السمح عند أبي داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة أيضًا، فالفرق ثابت، يعني تنصيص على التفريق بين الذكر والأنثى ثابت.
[ ١٠ / ٢١ ]
التفريق بين الكبير والصغير أيضًا يدل عليه قوله: "لم يأكل الطعام" والوصف بكونه صبي، وإن قال بعضهم: يرش من بول الذكر كبيرًا كان أو صغيرًا، ومنهم من نظر إلى السن فقال: يرش من بول الصغير ذكرًا كان أو أنثى، لكن النص وارد في الصبي من الذكور، الصغير من الذكور الذي لم يأكل الطعام.
ففي الحديث فوائد عظيمة، هذا الصبي جيء به ليحنكه النبي -﵊-، والتحنيك حصل منه -﵊- مرارًا، يحضر الصحابة أولادهم للنبي -﵊- ليحنكهم، والشُّراح يقولون: فيه مشروعية إحضار الصبيان لأهل الخير والفضل من أجل تحنيكهم، من أجل التبرك بهم، لكن هذا القول ليس بصحيح، أولًا: مثل هذا أو التبرك خاص بمن جعل الله فيه البركة، وهو النبي -﵊-، ولذا لا يعرف أن أحدًا من الصحابة أحضر ولده لأبي بكر مثلًا ليحنكه، أو لعمر وما أشبه ذلك.
إن كان هذا التحكنيك ينفع الصبي من الناحية الطبية يتولاه من يتولاه، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم ليس بصحيح إلا إذا كان من الناحية الطبية نافع، فلا يلزم أن يتولاه أهل الصلاح.
طالب:. . . . . . . . .
لا، ما يلزم إن كان القصد به التبرك فهو خاص بالنبي -﵊-.
فيه الندب إلى حسن المعاشرة، والتواضع والرفق بالصغار، وفيه أيضًا الفرق بين بول الغلام والجارية، كما ذكرنا فيرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية، وفي المسألة أقوال أصحها ما ذكر، وهو قول علي وعطاء والحسن والزهري وأحمد وإسحاق وغيرهم، وهو المصحح المرجح عند الشافعية.
[ ١٠ / ٢٢ ]
والثاني النضح فيهما، يعني في الذكر والأنثى، وبه قال الأوزاعي، وحكي عن مالك والشافعي، يعني ملحظ هذا القول بغض النظر عن النصوص التي ذكرناها، وفيها التفريق بين الذكر والأنثى، يعني من خلال نصوص الباب، وفيها التنصيص على العلة "لم يأكل الطعام" كأنهم شموا من هذه العلة أن الطعام له أثر في البول، وإذا كان التخفيف الوارد في الحديث من أثر الطعام فلا فرق بين الذكر والأنثى، نعم، إذا كان هذا التخفيف بسبب الطعام لم يأكل الطعام إذًا الأنثى مثله، إذا لم تأكل الطعام، لكن النصوص التي سقناها من حديث علي -﵁- ولبابة بنت الحارث والسمح كلها تفرق بالنص بين الذكر والأنثى، وهي كلها مصححة.
والقول الثالث: هما سواء في وجوب الغسل، وبه قال الحنفية، وهو المعروف عند المالكية.
هنا يقول: قال محمد بن الحسن: قد جاءت رخصة في بول إذا كان لم يأكل الطعام، وأمر بغسل الجارية وغسلهما جميعًا أحب إلينا.
الثالث: هما سواء في وجوب الغسل، وبه قال الحنفية، يقول: وغسلهما جميعًا أحب إلينا، وهو قول أبي حنيفة، قالوا: وبهذا نأخذ، نتبعه إياه غسلًا حتى ننقيه، نعم؟ وهو قول أبي حنفية.
على كل حال إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، فالنصوص صحيحة وصريحة، ولسنا بحاجة إلى أقوال تخالف هذا النصوص، مع أن هؤلاء أئمة كبار، يعني لا أحد يتطاول عليهم لمجرد قول مرجوح، أو لرأي رأوه، هم أئمة مجتهدون إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.
بول الصبي مع كونه ينضح ما جاء من النصوص في التخفيف في تطهيره، هل في ذلك ما يدل على طهارته؟ هو نجس على كل حال، لكنها نجاسة مخففة، يكفي فيها النضح كالمذي، ولا يفهم من حديثي الباب طهارته، وسبب التفريق بين بول الصبي وبول الصبية ما ذكره بعضهم أن النفوس تتعلق بالصبي أكثر من تعلقها بالصبية، فيكثر حمل الصبي، ويشق التحرز من بوله، هذا قول، ومنهم من قال: إن بول الصبي ينتشر، ويشق غسل جميع الثوب من أجله، بينما بول الصبية لا ينتشر موضعه واحد، فغسله متيسر، وعلى كل حال هذه علل مستنبطة، والعبرة بالنص، النضح أصله الرش، وجاء التصريح به "يرش من بول الغلام" نعم.
أحسن الله إليك
[ ١٠ / ٢٣ ]