عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا رعف انصرف فتوضأ، ثم رجع فبنى ولم يتكلم.
عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يرعف فيخرج فيغسل الدم عنه، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى.
عن مالك عن يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي أنه رأى سيعد بن المسيب رعف وهو يصلي فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي -ﷺ- فأتي بوضوء فتوضأ، ثم رجع فبنى على ما قد صلى.
يقول -﵀-:
باب: ما جاء في الرعاف
الرعاف مصدر رعف كنصر رعف يرعف كنصر ينصر، ومنع يمنع، رعف يرعَف، وكرم رعُف، أي خرج الدم من أنفه رعفًا ورعافًا، والرعاف هو الدم بعينه، الرعاف كما يطلق على الخروج خروج الدم يطلق أيضًا على الدم نفسه.
[ ٦ / ٢٠ ]
يقول: "حدثني يحيى عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر كان إذا رعَف -أو رعُف- انصرف من صلاته" يعني إذا رعف وهو في الصلاة أنصرف منها فتوضأ، والأصل أن الوضوء يحمل على حقيقته الشرعية، لكن سيأتي ما يدل على أن الإمام مالك يريد به الوضوء اللغوي، يعني مجرد غسل الدم؛ لأن الرعاف لا ينقض الوضوء عنده "ثم رجع فبنى على صلاته" السابقة، صلى ركعة ثم رعف ينصرف ويغسل الدم ويرجع فيصلي ما بقي من صلاته، إذا لم يتكلم، يبني، أما إذا تكلم فقد بطلت صلاته، والكلام في البناء على ما مضى من صلاته خاص بالرعاف عند الإمام مالك دون غيره من الأحداث، على أن الرعاف ليس بحدث عند مالك، إنما يخرج ويغسل الدم ويعود فيبني على ، وهذا خاص بالرعاف عند مالك؛ لما جاء عن من ذكر، ابن عمر وابن عباس وسعيد كلهم رأوا البناء في الرعاف خاصة.
وقال أبو حنيفة: يبني في سائر الأحداث، ودليله حديث؟ ها؟ عائشة، دليله حديث عائشة، لكنه ضعيف، ولذا يرى كثير من أهل العلم أنه إذا أحدث يستأنف، يستأنف صلاته، ولا يبني على ما مضى، من أحدث وهو في صلاته فليتوضأ، نعم؟
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟
طالب:. . . . . . . . .
وليبني على ما مضى، حديث عائشة معروف ، أكثر أهل العلم وكثير من أهل العلم لا يرون البناء، بل لا بد من الاستئناف؛ لأنه من بانصرافه وبحدثه فعل ما يبطل الصلاة، يعني إذا كانت الحركة الكثيرة تبطل الصلاة، فالمشي والذهاب والوضوء يبطل الصلاة، أيضًا الحدث: «لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ» ومعلوم أن حديث عائشة ضعيف، مضعف عند أهل العلم، فإذا أحدث الإنسان يستأنف صلاته من جديد.
[ ٦ / ٢١ ]
يقول: "وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يرعف ويخرج فيغسل الدم عنه" والمراد بقوله: فتوضأ في خبر ابن عمر "فيغسل الدم عنه، ثم يرجع فيبني على ما قد صلى" لأن وضوءه لم ينتقص عند مالك، ولم يحصل منه مناف، الرعاف ليس بناقض، لكن ذهابه إلى محل الغسل، مكان الوضوء لا شك أنه مناف، وبعضهم يقول: إذا استدبر القبلة بطلت صلاته، يعني رعف أو أحدث على القول الآخر، ثم ذهب فغسل الدم أو توضأ ثم عاد إلى صلاته يلزم من ذلك استدبار القبلة وإلا ما يلزم؟ يلزم منه وإلا ما هو بلازم؟ هاه؟
طالب:. . . . . . . . .
ما يلزم، لكن إن فعل بطلت صلاته، إن استدبر القبلة بطلت صلاته، وإلا ليس بلازم، تكون أماكن الوضوء في جهة القبلة فيذهب إليها، ثم ينحرف عنها يمينًا أو شمالًا وهو مستقبل القبلة، ويكمل صلاته، وعرفنا أن القول المرجح أنه لا يبني على صلاته، بل يستأنف، وهذا أحفظ للصلاة، وأحوط في إبراء الذمة، وخروج من عهدة الواجب بيقين.
[ ٦ / ٢٢ ]
يقول: "وحدثني عن مالك يزيد بن عبد الله بن قسيط الليثي أنه رأي سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي فأتى حجرة أم سلمة" لأنها أقرب موضع إلى المسجد؛ ليقل المشي في أثناء الصلاة "زوج النبي -ﷺ- فأتي بوضوء فتوضأ" أي غسل الدم، وهذا هو رأي الإمام مالك، أن الوضوء المذكور في هذه الأخبار كله وضوء لغوي وليس بشرعي، يعني توضأ وضوءًا لغويًا يعني بمجرد غسل الدم "ثم رجع فبنى على ما قد صلى" فأفاد فعل هؤلاء أن الرعاف ليس بناقض للوضوء، وأنه إذا خرج لغسله ولم يتكلم، ولم يجاوز أقرب مكان، يعني صارت حركته ومشيه وذهابه ومجيئه بقدر الحاجة، أفاد فعل هؤلاء ابن عمر وابن عباس وسعيد أن الرعاف ليس بناقض للوضوء، وهذا كله على ما جرى عليه الإمام مالك -﵀-، وإلا انصرف وتوضأ ابن عمر، وسيعد أيضًا أتي بوضوء فتوضأ الاحتمال قائم أنه الوضوء الشرعي أو اللغوي، لكن هذا ما فهمه الإمام مالك أنه وضوء لغوي، وأنه إذا خرج لغسله ولم يتكلم ولم يجاوز أقرب مكان يبني على ما صلى، ومسألة نقض الوضوء بالرعاف مسألة تقدمت عند الإمام مالك -﵀-، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبرٍ أو نوم، وعلى هذا ما يخرج من البدن من غير السبيلين، ولو كان فاحشًا فإنه لا ينقض الوضوء عنده، مالك والشافعي لا ينقض الوضوء إلا ما خرج من السبيلين، وذهب أبو حنيفة وأحمد وإسحاق والثوري وغيرهم إلى أن الرعاف والفصد والحجامة، وكل نجس يخرج من الجسد يرونه حدث ينقض الطهارة، وهذا سبق الكلام فيه، نعم.
أحسن الله إليك.