[ ٩ / ١٢ ]
عن مالك عن زيد بن أسلم أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ- فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «لتشد عليها أزارها، ثم شأنك بأعلاها».
عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي -ﷺ- كانت مضطجعة مع رسول الله -ﷺ- في ثوب واحد، وإنها قد وثبت وثبة شديدة، فقال لها رسول الله -ﷺ-: «مالك؟ لعلك نفستِ» يعني الحيضة، فقالت: نعم، قال: «شدي على نفسك إزارك، ثم عودي إلى مضجعك».
عن مالك عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: "لتشد إزارها على أسفلها، ثم يباشرها إن شاء".
عن مالك أنه بلغه أن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار سئلا عن الحائض هل يصيبها زوجها إذا رأت الطهر قبل أن تغتسل؟ فقالا: "لا حتى تغتسل".
يقول -رحمه الله تعالى-:
باب: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض
يعني ما يحل للرجل أن يستمع به من زوجته حال حيضها، الرجل ممنوع من قربان الزوجة حتى تطهر، بل حتى تتطهر، والنهي عن قربانها، هل النهي عن قربانها مثل النهي عن قربان الصلاة حال السكر أو النهي عن قربان الفواحش؟ ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ﴾ [(١٥١) سورة الأنعام] ﴿لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى﴾ [(٤٣) سورة النساء] ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [(١٨٧) سورة البقرة] أو يختلف؟ لأن مفهوم الاقتراب من الشيء والقرب منه نعم يقتضي المباعدة عنه، فهل الرجل مأمور بمباعدة المرأة؟ لا ليس مأمور بمباعدتها، بل النصوص كما عندنا هنا "في ثوب واحد" ينام مع زوجته في ثوب واحد، فراش واحد، لحاف واحد، وبدنها طاهر، ويباشرها في غير موضع الحرث، والتعبير بالنهي عن القرب للتنفير من معاشرتها حال حيضها في موضع الحرث، أما إذا ضمن الإنسان من نفسه أنه لن يقارف ما حرم عليه فلا مانع؛ لأن بعض الناس مجرد ما تكون زوجته بجواره، لا يملك نفسه، مثل هذا يأمر بالابتعاد عنها، حتى عن مضاجعتها، إذا كان لا يملك نفسه.
[ ٩ / ١٣ ]
"حدثني يحيى عن مالك عن زيد بن أسلم أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ-" عن زيد بن أسلم تابعي "أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ-" يحكي قصة لما يحضرها، فهو مرسل، ولذا يقول ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ مسندًا، يعني متصلًا، فالمسند عند ابن عبد البر المتصل، ومنهم من يقول: المسند المرفوع، ومنهم من يجمع بينهما، لا يطلق على الخبر مسندًا إلا إذا كان مرفوعًا متصلًا "أن رجلًا" في سنن أبي داود عن عبد الله بن سعد، قال: سألت رسول الله -ﷺ-، سألت رسول الله -ﷺ- فعرفنا المبهم عبد الله بن سعد الأنصاري "فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «لتشهد عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها» " «ثم شأنك» أي دونك «أعلاها» فاستمتع به، وجعل المئزر من باب سد الذريعة، واتقاء الشبهة، وإلا لو باشرها فيما دون الممنوع، ولو لم تشد المئزر، يجوز وإلا ما يجوز؟ لكن شد المئزر من باب سد الذريعة.
مقتضى هذا الخبر «لتشد عليها أزارها، ثم شأنك بأعلاها» مع قوله -﵊- «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» هذا الخبر يدل على أن ما فوق الإزار وتحت الإزار وهو محدد بما بين السرة والركبة عند كثير من أهل العلم، فيستدلون بمثل هذا على أنه لا يجوز الاستعمال، أو مباشرة ما بين السرة والركبة، لكن أباح كثير من السلف من الصحابة والتابعين، وهو مذهب أحمد والثوري أن يستمتع من زوجته بما دون الفرج، ولو كان تحت السرة وفوق الركبة، المقصود أنه لا يكون في موضع الحرث، وأما ما جاء في مثل هذا الخبر أن ما دون الإزار هو المستمتع به، هذا محمول عند أحمد ومن معه أنه على الاستحباب والاحتياط؛ لئلا يحوم حول الحمى، فيقع فيه، وهذا هو الظاهر رجحه النووي وغيره.
[ ٩ / ١٤ ]
ثم بعد هذا قال: "وحدثني عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي -ﷺ- كانت مضطجعة نائمة مع رسول الله -ﷺ- في ثوب واحد" وفيه جواز ذلك لمن أمن من الوقوع في المحرم "وأنها وثبت وثبة شديدة" قفزت خوفًا من وصول شيء من الأذى إلى رسول الله -ﷺ- أو تقذرت نفسها، ورأت أن ظرفها لا يناسب مضاجعة النبي -﵊- "وثبت وثبة شديدة، فقال لها رسول الله -ﷺ-: «ما لك؟» " أي أيُ شيء حدث لك؟ «لعلك نفست» بفتح النون وكسر الفاء، أي حضتِ، وأما الولادة فبضم النون، يعني نُفست، وقال الأصمعي وغيره: بالوجهين فيهما، في الولادة والحيض، نَفستِ ونُفستِ.
وأصل النفاس خروج الدم الذي هو يسمى نفس، نعم تسيل النفوس، يعني تسيل الدماء، ومنه قول الفقهاء: ما لا نفس له سائلة، يعني لا دم له سائل.
«لعلك نفست» يعني الحيضة، وهذا تفسير من بعض الرواة "فقالت: نعم" نفستُ، يعني حضتُ "قال: «شدي على نفسك إزارك، ثم عودي إلى مضجعك» " شدي على نفسك أزارك؛ لئلا تلوث الفراش، وتلوث الضجيع، ثم عودي إلى موضع النوم والضجوع.
يقول ابن عبد البر: لم يختلف رواة الموطأ في إرسال هذا الحديث، ولا أعلم أنه روي بهذا اللفظ من حديث عائشة ألبتة، ويتصل معناه من حديث أم سلمة، نعم القصة حصلت لأم سلمة، كما في الصحيحين وغيرهما، في الصحيحين وغيرهما أن أم سلمة نُفست أو نَفست حاضت، وهي مضطجعة معه -﵊- فانسلت، المقصود أن القصة حصلت لأم سلمة، وهنا عن عائشة، والخبر مرسل، ولا يضر الإرسال عند مالك وأبي حنيفة، ويضر عند غيرهم.
والحديث فيه جواز النوم مع الحائض في ثيابها والاضطجاع معها في لحاف واحد، فما جاء في ديننا وسط بين ما كان عليه اليهود والنصارى، فاليهود لا يضاجعونها ولا يساكنونها ولا يجالسونها، والنصارى يباشرونها في موضع الحرث، وديننا منع موضع الأذى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [(٢٢٢) سورة البقرة] يعني قذر، الحائض ممنوعة من الصلاة والصيام على ما سيأتي؛ لما تلبست به من هذا الأذى، ومقتضى منعها، والحيضة ليست بيدها كما هو معلوم.
[ ٩ / ١٥ ]
هل يكتب لها ما كانت تعمله قبل حيضها أو لا يكتب؟ نعم، وكونها أمر خارج عن إرادتها، وهي تنوي الاستمرار في العبادة والطاعة لولا هذا المانع القسري، وهو أذى ابتليت به، والمسألة خلافية بين أهل العلم، هل يكتب لها أو لا يكتب؟
لو جئنا إلى التائب من الذنب توبة نصوح، بدلت سيئاته حسنات، فكيف بمن لا ذنب له؟ نعم؟ فكيف بمن لا ذنب له؟ من امتنع عن فعل الطاعة وترك الصلاة والصيام ثم تاب، نعم، تبدل سيئاته حسنات، فيكف بمن منعت مع نية ..، مع أن في نيتها وقرارة نفسها أن لو مكنت لفعلت، قالت: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم.
طالب:. . . . . . . . .
ويش فيه؟
طالب:. . . . . . . . .
لا هو ما يشكل على هذا إلا وصف الحائض -المرأة عمومًا- بأنها ناقصة عقل ودين، ونقص الدين كون الحيض يأتيها، يأتيها العذر فتمكث الأيام لا تصوم ولا تصلي، فلو كان يكتب لها لما وصفت بالنقص.
طالب:. . . . . . . . .
قيام إيش؟ يعني نظير من عجز عن الفعل، على كل حال المسألة خلافية، ومن قصد الخير أصابه -إن شاء الله تعالى-، فلن يحرمه، لكن مع ذلك من قصد الخير صادقًا لم يحرمه -إن شاء الله تعالى-.
طالب:. . . . . . . . .
امتثالًا، الامتناع امتثالًا، على كل حال المسألة لن ينحسم الخلاف فيها.
يقول: "وحدثني عن مالك عن نافع أن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أرسل إلى عائشة يسألها هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: يشد إزارها -تربطه على أسفلها- ثم يباشرها فيما دون الجماع إن شاء" فأفتته بما كان يصنعه -﵊- مع نسائه، تقول: "كان يأمرني فأتزر ويباشرني وأنا حائض".
[ ٩ / ١٦ ]
"وحدثني عن مالك أنه بلغه أن سالم بن عبد الله" أحد الفقهاء السبعة على قول، وسليمان بن يسار أيضًا منهم "سئلا عن الحائض هل يصيبها زوجها إذا رأت الطهر قبل أن تغتسل؟ " رأت الطهر، رأت علامة الطهر، إما بالقصة البيضاء أو بالجفاف قبل أن تغتسل "فقالا -أي كل منهما-: لا" أي: لا يصيبها "حتى تغتسل" ﴿حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [(٢٢٢) سورة البقرة] حتى يطهرن، أي: انقطع الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [(٢٢٢) سورة البقرة] الآن ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ [(٢٢٢) سورة البقرة] هذا الغاية، ومقتضى ذلك أنها تقرب ولو لم تتطهر؛ لأن الغاية حتى يطهرن، لكن دخول الغاية وعدم دخوله ليس بقطعي، فجاء في النصوص ما يدل على الدخول، وجاء في النصوص ما يدل على عدمه، فجاء التوضيح بعد ذلك، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [(٢٢٢) سورة البقرة] نعم يعني تطهرن بعد أن طهرن، هذا قدر زائد على مجرد الطهر، وهو التطهر من فعلها بالغسل فأتوهن، فالجملة الثانية مفسرة للمراد من الجملة الأولى "لا حتى تغتسل؛ لقوله -جل وعلا-: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [(٢٢٢) سورة البقرة] " وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد، وجمهور الفقهاء، وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده جاز وطؤها قبل الغسل، لكن إن انقطع الدم قبل أكثر الحيض ستة أيام، سبعة، ثمانية، تسعة، حتى تغتسل، دليله على ذلك؟ ابن عبد البر –رحمه الله تعالى- لما ذكر كلام أبي حنيفة قال: هذا تحكم لا وجه له، على كل حال هو قول مرجوح، فلا يجوز للزوج أن يقرب زوجته حتى تطهر، تغتسل، الكفارة ما ورد فيها الخبر ضعيف دينار أو نصفه، ضعيف، نعم.
أحسن الله إليك.