أحسن الله إليك:
"عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج كلهم يحدثونه عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر».
يقول الإمام مالك -﵀- يروي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، ويروي أيضًا عن بسر بن سعيد وعن الأعرج، الثلاثة كلهم يحدثونه عن أبي هريرة، والإمام البخاري يروي الخبر من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن هؤلاء الثلاثة، عن عطاء بن يسار وعن بسر بن سعيد وعن الأعرج، كلهم عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- قال: «من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر».
[ ٢٥ ]
«أدرك» يعني تمكن من فعل هذه الركعة قبل طلوع الشمس، وأضاف إليها أخرى بعد طلوع الشمس أدرك صلاة الصبح في وقتها، وهل تكون كلها أداء أو يكون ما في الوقت أداء وما بعد الوقت قضاء؟ قولان لأهل العلم، والمرجح أنها أداء، مادام أدرك جزءًا منها في الوقت فهي أداء، ومثلها العصر إذا أدرك ركعة قبل غروب الشمس وأضاف إليها ثلاث ركعات بعد الغروب، يكون مدركًا للعصر، وهذا ما يدل عليه الحديث، وهذا من فضل الله -جل وعلا-، وسعة فضله ورحمته، وإلا القياس أن يكون ما أدركه في الوقت أداء وما أدركه بعد الوقت قضاء، والحديث يدل على أن من أدرك أقل من ركعة ..، أدرك أقل من ركعة كبر للإحرام وقرأ الفاتحة ثم طلعت الشمس أو قرأ الفاتحة وما بعدها، والمراد بالركعة هنا الكاملة بقيامها وركوعها وسجدتيها، فإذا أدرك الركعة كاملة أدرك الوقت، وبهذا قال جمع من أهل العلم، وهو ما يدل عليه الحديث، جاء في الصحيح: «من أدرك سجدة» «من أدرك سجدة» بدل ركعة، وبهذا يستدل من يقول: إنه يدرك الوقت بإدراك أي جزء من الصلاة، وهذا نسبه النووي للجمهور، يعني لو كبر قبل طلوع الشمس ثم طلعت الشمس يكون مدرك، ومثله -هذا بالنسبة للصبح- ومثله بالنسبة لصلاة العصر، والحديث الذي معنا نص في الركعة، وبعد الحديث الذي ذكرناه في الصحيح: «من أدرك سجدة» جاء بعده عن الراوي: "والسجدة إنما هي الركعة" ومعلوم أن السجدة تطلق ويراد بها الركعة، والسجود يطلق على الركوع، ﴿ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [(١٥٤) سورة النساء] يعني هل يتصور أن يدخلونه سجد وإلا ركوع؟ والعكس تطلق الركعة ويراد بها السجدة ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [سورة ص: ٢٤] يعني ساجد، والحديث صريح في الدلالة على أنه لا يدرك الوقت إلا إذا أدرك ركعة كاملة، وإن نسب النووي للجمهور أنه يدرك الوقت بإدراك أي جزء من الصلاة، فإذا صلى ركعة قبل أن تطلع الشمس ثم أضاف إليها الأخرى ولو بعد طلوع الشمس يكون مدركًا للوقت، وعرفنا أن مثل هذا العمل لا ينبغي للمسلم اعتماده، أن يعتمد مثل هذا ويؤخر الصلاة حتى لا يبقى من وقتها إلا دقيقة أو دقيقتين ثم بعد ذلك يصلي، لا، إنما يصلي الصلاة لوقتها، مقتديًا بالنبي -عليه
[ ٢٦ ]
الصلاة والسلام-، حيث ينادى بها مع جماعة المسلمين هذا الأصل، لكن من غلبته عيناه أو انشغل بأمر لا يستطيع تركه، وفي تركه حرج ومشقة، مثل هذا الأمر فيه سعة ولله الحمد، والنبي -﵊- نام عن صلاة الصبح ولم يوقظه إلا حر الشمس، وهذا أيضًا من رحمة الله -جل وعلا- بعباده، وإلا لو تصورنا مثلًا أن النبي -﵊- ما حصل له هذا الموقف، ما فاتته صلاة قط، كيف يهنأ للمسلم عيش وهو يفوته ما يفوته في كل يوم أو في كل أسبوع أو في كل شهر؟ والناس يتفاوتون في حرصهم على الخير، لكن من رحمة الله -جل وعلا- بعباده أن نام النبي -﵊- عن هذه الصلاة، فنومه -﵊- فيه تسلية لمن يحصل له مثل هذا، وإلا كثير من الناس ما يحتمل مثل هذا الحدث، لحرصهم على الخير، ولذا لا ينبغي للمسلم أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، ويجعل صلاته على خطر، ولو أدرك الوقت بإدراك ركعة، لا يعرض صلاته للخطر، لكن لو حصل له ما يمنعه مما لا يستطيع دفعه فالدين فيه فسحة ولله الحمد، والأصل أن الصلاة تصلى في أول وقتها إلا ما استثني من صلاة الظهر في حال الحر الشديد، وصلاة العشاء الأفضل تأخيرها ما لم يشق على المأمومين وهكذا.
الإدراك: عندنا إدراك وقت كما هنا، وإدراك ركعة، يدرك الوقت بإدراك ركعة على الخلاف الذي ذكرناه، وتدرك الركعة بإدراك الركوع خلافًا لمن لا يسقط الفاتحة عن المسبوق قول أبي هريرة وقال به بعض العلماء، لكن عامة أهل العلم على أن الركعة تدرك بالركوع، والمسبوق تسقط عنه الفاتحة، إدراك تكبيرة الإحرام وإدراك الجماعة، عندنا الإدراكات: إدراك الوقت كما هنا، إدراك الركعة بإدراك الركوع، إدراك تكبيرة الإحرام بأي شيء؟ نعم؟ قبل إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
لا، قبل أن يشرع بالركن الذي يليها وهو القراءة، ومنهم من يقول: تفوت التكبيرة بفوات الركن الثاني وهو الفاتحة، ولذا جاء عن بلال أنه يقول: "لا تسبقوني بآمين"، المقصود أن ..، لعل الإنسان أن يحرص أن يكبر قبل أن يشرع الإمام في القراءة ليدرك تكبيرة الإحرام.
[ ٢٧ ]
إدراك الجماعة: إدراك الجماعة منهم من يقول: يدركها إذا أدرك أي جزء من الصلاة، وهذا قول الأكثر، ولذا عند الفقهاء من كبر قبل سلام إمامه التسليمة الأولى أدرك الجماعة ولو لم يجلس، وجمع من أهل التحقيق يرون أنه لا يدرك الجماعة إلا إذا أدرك ركعة؛ لأن ما دون الركعة لا يسمى صلاة، وهذا يأتي -إن شاء الله تعالى-، لكن استطراد بمناسبة الإدراك، نعم.
[ ٢٨ ]
هنا ملاحظة: مذهب الحنفية له ارتباط في هذا الحديث، عند الحنفية أنه إذا كبر لصلاة الصبح ثم طلعت عليه الشمس ما الحكم عندهم؟ ها؟ تبطل الصلاة عندهم، إذا طلعت عليه الشمس تبطل صلاته، بينما الشق الثاني من الحديث لو كبر قبل غروب الشمس ثم غربت عليه الشمس ما تبطل صلاته، ما الفرق بين المسألتين؟ نعم هو في صلاة الصبح دخل وقت النهي، وفي صلاة العصر خرج وقت النهي والفرق ظاهر، ولذا لا يصححون حتى الفريضة عندهم في وقت النهي اللي هو المضيق، ويستدلون بكونه -﵊- لما انتبه وقد طلعت عليه الشمس أخر الصلاة حتى انتقل إلى مكان آخر، هم يقولون: لكي يخرج وقت النهي وترتفع الشمس، لكن إذا عرفنا أنه لم يوقظه -﵊- إلا حر الشمس يكون حينئذ وقت النهي قد خرج بلا شك، وقت النهي قد خرج، وكونه -﵊- انتقل لأن قضاء الفوائت يجب فورًا، كونه انتقل من المكان إلى مكان آخر بينت العلة في النص "لأنه مكان حضر فيه الشيطان" وعلى هذا من فاتته الصلاة في مكان نام عن صلاة هل ينتقل إلى غيره لأنه مكان حضر فيه الشيطان؟ هل يشرع له أن ينتقل أو نقول: إن النبي -﵊- عرف أنه حضر الشيطان؟ نعم، أنت افترض أن شخص ما عنده إلا غرفة واحدة وين ينتقل؟ يصلي في الشارع وإلا وين يروح؟ نعم، وإذا تصورنا أن مع الأسف الشديد بيوت كثير من المسلمين لا تفارقها الشياطين، وين بيصلي هذا؟ البيت الذي فيه كلب أو صورة هذا لا تدخله الملائكة، وإذا كان المكان يخلو من الملائكة من يخلفه، البيت الذي تستعمل فيه المنكرات من معازف ومزامير ورقية الشيطان، يعني المسألة تحتاج إلى إعادة نظر، كثير من المسلمين تساهل، تسامح إلى حد غير مرضي، ولا تجد فرق في حياته بينه وبين غيره، مع الأسف أنه يوجد بين ..، عند بعض طلاب العلم مثل هذه الأشياء، توسعوا توسعًا غير مرضي، وعللوا لأنفسهم، واسترسلوا في استعمال المباحات حتى وقعوا في الشبهات ثم المحرمات، والله المستعان، فعلينا أن نحرص الحرص الشديد أن نطهر بيوتنا من هذه الآلات الجالبة للشياطين، الطاردة للملائكة، والله المستعان، نعم.
[ ٢٩ ]