بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم وفق شيخنا لما تحب وترضى.
قال الإمام يحيى -رحمه الله تعالى-: كتاب الصلاة: باب ما جاء في النداء للصلاة:
عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: كان رسول الله -ﷺ- قد أراد أن يتخذ خشبتين يضرب بهما ليجتمع الناس للصلاة، فأري عبد الله بن زيد الأنصاري، ثم من بني الحارث بن الخزرج خشبتين في النوم، فقال: إن هاتين لنحو مما يريد رسول الله -ﷺ-، فقيل: ألا تؤذنون للصلاة؟ فأتى رسول الله -ﷺ- حين استيقظ فذكر له ذلك فأمر رسول الله -ﷺ- بالأذان.
عن مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن».
عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا».
عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه وإسحق بن عبد الله أنهما أخبراه أنهما سمعا أبا هريرة -﵁- يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة».
[ ١١ / ١ ]
عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري ثم المازني عن أبيه أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال له: "إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة"، قال أبو سعيد: "سمعته من رسول الله -ﷺ-".
عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط، حتى لا يسمع النداء، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى؟».
عن مالك عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: "ساعتان يفتح لهما أبواب السماء، وقل داعٍ ترد عليه دعوته: حضرة النداء للصلاة، والصف في سبيل الله".
وسئل مالك -رحمه الله تعالى- عن النداء يوم الجمعة، هل يكون قبل أن يحل الوقت؟ فقال: "لا يكون إلا بعد أن تزول الشمس".
وسئل مالك -رحمه الله تعالى- عن تثنية الأذان والإقامة، ومتى يجب القيام على الناس حين تقام الصلاة؟ فقال: "لم يبلغني في النداء والإقامة إلا ما أدركت الناس عليه، فأما الإقامة فإنها لا تثنى، وذلك الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا، وأما قيام الناس حين تقام الصلاة فإني لم أسمع في ذلك بحد يقام له إلا أني أرى ذلك على قدر طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف ولا يستطيعون أن يكونوا كرجل واحد".
وسئل مالك -﵀- عن قوم حضور أرادوا أن يجمعوا المكتوبة فأرادوا أن يقيموا ولا يؤذنوا؟ قال مالك: "ذلك مجزئ عنهم، وإنما يجب النداء في مساجد الجماعات التي تجمع فيها الصلاة".
وسئل مالك -﵀- عن تسليم المؤذن على الإمام ودعائه إياه للصلاة، ومن أول من سُلم عليه؟ فقال: "لم يبلغني أن التسليم كان في الزمان الأول".
[ ١١ / ٢ ]
قال يحيى: وسئل مالك عن مؤذن أذن لقوم ثم انتظر هل يأتيه أحد فلم يأته أحد فأقام الصلاة، وصلى وحده، ثم جاء الناس بعد أن فرغ أيعيد الصلاة معهم؟ قال: "لا يعيد الصلاة، ومن جاء بعد انصرافه فليصل لنفسه وحده".
وسئل مالك -﵀- عن مؤذن أذن لقوم ثم تنفل فأرادوا أن يصلوا بإقامة غيره؟ فقال: "لا بأس بذلك إقامته وإقامة غيره سواء".
قال مالك -﵀-: "لم تزل الصبح ينادى لها قبل الفجر فأما غيرها من الصلوات فإنا لم نرها ينادى لها إلا بعد أن يحل وقتها".
وعن مالك أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائمًا، فقال: "الصلاة خير من النوم"، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.
وعن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أنه قال: "ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة".
وعن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- سمع الإقامة وهو بالبقيع فأسرع المشي إلى المسجد.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في كتاب الصلاة:
الكتاب مضى الكلام عليه، والصلاة: أصلها الدعاء ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [(١٠٣) سورة التوبة] أي أدعو لهم، وهي في الاصطلاح: عبارة عن أقوال وأفعال مخصوصة، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم، ومثل الصلاة لا يعنى المتقدمون بتعريفها كالطهارة والزكاة وغيرها، ولذا لا تجدون في كتب المتقدمين تعاريف للأمور الظاهرة، وإنما يعنى المتأخرون؛ لأنه يتوقع في المتأخرين من آحاد المتعلمين من لا يعرف الحد الذي هو التعريف لهذه الأمور الواضحة، وهم يذكرون هذه الحدود؛ لأنهم سوف يبنون الأحكام على هذه الحدود، إذ الأحكام فرع عن التصورات، فيتصورون المحدود، ويذكرون الحد الجامع المانع، ثم يذكرون ما يتعلق به من حكم.
[ ١١ / ٣ ]
على كل حال الصلاة ليست بحاجة إلى تعريف إلا إذا وردت في نص محتمل، إذا وردت في نص محتمل في مثل قوله -﵊- في إجابة الداعي إلى الوليمة: «فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصلِ» نحتاج إلى بيان هذه الصلاة؟ ما المراد بالصلاة هنا؟ هل هي الدعاء، أو يصلي ركعتين ويمشي؟ نعم الأكثر على أنه الدعاء، الصلاة اللغوية، نعم، وقال بعضهم بأن المقصود الصلاة الشرعية؛ لأنها هي المرادة إذا أطلقت، يصلي ركعتين ويمشي، فمثل هذا يحتاج إلى أن يتكلم فيه، تكلم فيه الشراح، تكلم فيه أهل العلم؛ لأنه محتمل.
الوضوء: جاء في النصوص، بعض النصوص يراد به -وهو الأصل- الوضوء الشرعي، وفي بعضها ما يدل على أن المراد به الوضوء اللغوي، على كل حال إذا احتيج إلى التعريف عرف، إذا خشي خفاء الأمر على المتعلم يبين، وإلا بيان البينات، وإيضاح الواضحات ليس من طريقة المتقدمين، ما تجد في كتب الأئمة تعاريف أبدًا، ما تجد فيها تعاريف، حدود، لغة واصطلاح، ما تجدون مثل هذا، كتاب الصلاة أول ما يبدءون في كتب المتأخرين في تعريف الصلاة، نعم قد يحتاج في بعض المواضع إلى التعريف مثلما ذكرنا، أما عند عدم الحاجة فلا داعي لتكثير الكلام، وتسويد الأوراق بمثل هذا اتباعًا للسلف.