قال الإمام يحيى -رحمه الله تعالى-:
كتاب صلاة الليل:
باب: ما جاء في صلاة الليل:
عن مالك عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن جبير عن رجل عنده رضًا أنه أخبره أن عائشة -رضي الله تعالى عنها- زوج النبي -ﷺ- أخبرته أن رسول الله -ﷺ- قال: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة».
عن مالك عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- زوج النبي -ﷺ- أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله -ﷺ- ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، فإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح".
عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- زوج النبي -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا نعس أحدكم في صلاته فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه».
عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه بلغه أن رسول الله -ﷺ- سمع امرأة من الليل تصلي فقال: «من هذه؟» فقيل له: هذه الحولاء بنت تويت، لا تنام الليل، فكره ذلك رسول الله -ﷺ- حتى عُرفت الكراهية في وجهه، ثم قال: «إن الله -﵎- لا يمل حتى تملوا، اكلفوا من العمل ما لكم به طاقة».
[ ١٩ / ١ ]
عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- كان يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم: «الصلاة الصلاة» ثم يتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [(١٣٢) سورة طه].
عن مالك أنه بلغه أن سعيد بن المسيب كان يقول: يكره النوم قبل العشاء، والحديث بعدها.
عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- كان يقول: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين"، قال مالك -﵀-: "وهو الأمر عندنا".
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب صلاة الليل:
[ ١٩ / ٢ ]
يعني: كتاب الصلاة التي ظرفها الليل، وصلاة الليل من أفضل الأعمال، وهي دأب الصالحين، يقول الله -جل وعلا-: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [(٧٩) سورة الإسراء] ويقول -جل وعلا-: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [(١٦) سورة السجدة]، ويقول -جل وعلا-: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر]، المقابلة تقتضي أن يكون أهل القيام هم الذين يعلمون، وأهل الغفلة والنوم هم الذين لا يعلمون، فدل على أن العلم هذا الوصف الشريف إنما يستحقه من يعمل به، والذي لا يعمل به يستحق ضده، وهو عدم العلم ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [(٩) سورة الزمر] هذا هو الباعث للمسلم على قيام الليل، ثم ذيل الآية بقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] وهم أهل القيام والعمل ﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] وهم أهل الغفلة والنوم، وإن حصلوا ما حصلوا من العلوم؛ لأن العلم الحقيقي هو ما نفع، أما العلم الذي لا ينفع فليس بعلم في الحقيقة، وإن حصل منه صاحبه ما حصل، وإن أدرك به من أمور الدنيا ما أدرك، «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، فالذين يحملون العلم ويستحقون هذا الوصف الشريف هم العدول، هم الذين يعملون بالعلم، أما الذي لا يعمل بعلمه ما الفائدة من علمه؟ لا فائدة، وجوده مثل عدمه، بل هو وبال على صاحبه، قد يقول قائل: إن هذه نافلة، فكيف يسلب الوصف مَن ترك النافلة؟ ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [(٩) سورة الزمر] هذه نافلة، كما قال النبي -﵊- عن عبد الله بن عمر: «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل» فالمدح إنما عُلق على القيام، فكان عبد الله -﵁- لا ينام من الليل إلا قليلًا، فهذا وصف أهل العلم، وهذا شأن أهل العلم، شأنهم العمل بما علموا، وما تعلموا، أما الذي لا
[ ١٩ / ٣ ]
يعمل فليس من أهل العلم بهذه الآية، والله المستعان.
﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] و(ما) هذه ويش تصير؟ الهجوع ويش هو؟ الهجوع: النوم، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] هذا هو المراد أنهم يقومون قليلًا؟ لا ينامون قليلًا؟ أو أن هجوعهم قليل؟ قليلًا من الليل الذي يهجعونه، ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [(١٧) سورة الذاريات] أي الذي يهجعونه، يعني الذي ينامونه؟ احتمال.
الامتثال من قبل عبد الله بن عمر الصحابي المؤتسي الممتثل «نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل» فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلًا، وقد عُرف بهذا، عُرف بسرعة الامتثال، «يا عبد الله كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» ماذا قال عبد الله؟ فكان عبد الله يقول: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح".