الشيخ: عبد الكريم الخضير
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في حديث المجامع السابق لم يُذكر عن المرأة شيء، لم يتعرض لذكرها في طرق الحديث؛ لكن النساء شقائق الرجال، إذا حصل منها شيء من المفطرات بطوعها واختيارها لزمها ما يلزم الرجل، فالمجامع والمرأة مجامَعة، والرجل محصِن والمرأة محصنة، يعني كما أن الإحصان تترتب عليه آثاره بالنسبة للرجل، والأمر كذلك بالنسبة للمرأة، وإن كان هذا اسم فاعل وهذا اسم مفعول، نقول: كذلك المجامِع دلت النصوص على أنه تلزمه الكفارة والمجامَعة تلزمها أيضًا الكفارة، هذا إذا كانت مطاوعة، أما إذا كانت مكرهة فالمكره لا تكليف عليه، لكن ليعلم القدر من الإكراه الذي يرتفع به التكليف، وهذا معروف عند أهل العلم.
وعن عائشة وأم سلمة -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -ﷺ-: "كان يصبح جنبًا من جِماع ثم يغتسل ويصوم" متفق عليه، وزاد مسلم في حديث أم سلمة: "ولا يقضي".
اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٦٤ / ١ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: وعن عائشة وأم سلمة أمي المؤمنين -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -﵊- كان يصبح جنبًا من جماع ثم يغتسل ويصوم، وحديث أم سلمة عند مسلم: ولا يقضي يصوم صيامًا صحيحًا كاملًا، ولو لم يغتسل إلا بعد طلوع الصبح، وهذا جاء رجل يسأل أم سلمة، جاءت امرأة أرسلها زوجها تسأل أم سلمة فأخبرتها أن النبي -﵊- كان يفعل ذلك، فقال الرجل النبي -﵊- غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يعني له أن يفعل مثل هذا لكن لسنا مثله، فردها إلى أم سلمة مرةً ثانية، فجاءت والنبي -﵊- عندها، فقال: «ألم تخبريها؟» قالت: أخبرته، ومثل هذا عن عائشة، وجاء إلى مروان أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مع أبيه فذكر له أن أبا هريرة يقول: "من أصبح جنبًا فلا صيام له" فأقسم مروان على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن يذهب إلى أمي المؤمنين فيسألهم عن ذلك، فأخبرته أن النبي -﵊- كان يصبح جنبًا من جماعٍ من غير احتلام ثم يغتسل ويصوم، لما رجع إلى مروان قال: "عزمت عليك أن تذهب إلى أبي هريرة فتخبره بما قالت أما المؤمنين" فاعتذر عبد الرحمن بن الحارث، اعتذر كيف يواجه صحابي بمثل هذا الاستدراك؟ هذا أدب مع الكبار، نعم الحق لا بد من بيانه؛ لكن يتولاه من هو على مستوى البيان بالنسبة لهذا الصحابي الكبير، يعني إذا أردت أن تستدرك على كبير فليكن بالأسلوب المناسب، وليكن الذي يستدرك عليه في مستواه، اعتذر عبد الرحمن بن حارث بن هشام فأقسم عليه مروان، ومروان ولي أمر، لا يمكن عصيانه، كان أمير على المدينة من قبل معاوية -رضي الله تعالى عنه-، فذهب فتحدث معه ساعة، يعني انبسط معه ساعة، بخلاف من إذا سمع بعض المشايخ يقرر مسألة قال: لا يا شيخ، هذه حصلت، حصلت بحضرة الكبار الله المستعان. يقول لا يا شيخ، طالب علم صغير لا يا شيخ، هذا تحدث مع أبي هريرة ساعة علشان إيش؟ ينفتح القلب، ويسلك مع المسلك، بعض الناس يصير عنده مثلما يقولون بالأسلوب العصري: دبلوماسية يستطيع أن يدخل إلى القلب من غير جرح للشعور، وبعض الناس أبدًا ما يهمه، تحدث معه ساعة لا شك
[ ٦٤ / ٢ ]
أن هذا من أدب السلف، ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أراد أن يسأل عمر عن المرأتين التي تظاهرتا عن النبي -﵊- يقول: مكثت سنة، يتحيّن فرصة فحجّ عمر فحجّ معه ابن عباس، وفي أثناء الحج مال عمر عن الطريق فمال معه ابن عباس، وحمل معه الإداوة، وصب عليه الماء فوجد الفرصة مناسبة، فلا بد من مثل هذا الأدب مع الكبار، وليس معنى هذا أن يضيع الحق، ويميع الحق بهذا العذر، لا، البيان لا بد منه؛ لكن نسلك الأساليب المناسبة ليكون الحق مقبولًا، فتحدث معه ساعة، ثم أخبره وصل الحديث إلى هذه المسألة، كنت عند مروان فأرسلني إلى أمهات المؤمنين، وكذا، وأقسم علي أن أذهب إلى أبي هريرة، ولولا قسمه لما جئت، يعني ما هو أنت مثلك الذي يستدرك عليه، فقال أبو هريرة: لم أسمعه من النبي -ﷺ-، وإنما أخبرني به مخبر، وهو الفضل بن عباس.
ومنهم من يثبته نص عن النبي -﵊- أن من أصبح جنبًا فلا صيام له؛ لكنه منسوخ بهذا، على كل حال وجد الخلاف القديم من أبي هريرة، ومن يقول بقوله، ثم ارتفع الخلاف، فأجمع أهل العلم على أن من أصبح جنبًا سواء كان من جماع كما هنا أو من احتلام، ونفي الاحتلام في النص من جماعٍ من غير احتلام إنما هو تصريح بما هو مجرد توضيح؛ لأن قوله من جماع يعني أنه من غير احتلام، وأيضًا الاحتلام الجمهور على أنه لا يحدث من الأنبياء؛ لأنه من تلاعب الشيطان، ومنهم من أثبته لهذا النص؛ لأنه لو لم يكن حاصل ما احتجنا إلى نفيه، والجمهور على أنه لا يحصل من الأنبياء؛ لأنه من تلاعب الشيطان، من أصبح جنب والسبب كان قبل طلوع الصبح لا بد من هذا، السبب الموجب للغسل قبل طلوع الصبح، يعني جامع قبل طلوع الصبح؛ لكنه لم يغتسل إلا بعد طلوع الصبح.
[ ٦٤ / ٣ ]
امرأة طهرت من حيضها أو نفاسها قبل طلوع الصبح، ثم لم تتمكن من التطهر إلا بعد طلوع الصبح الصيام صحيح، انعقد الإجماع بعد الخلاف القديم وارتفع الخلاف، على الخلاف المعروف عند أهل العلم في الإجماع بعد الخلاف هل ينعقد أو لا ينعقد؟ المقصود أن هذا هو حكم المسألة: من أصبح جنبًا كان السبب الجنابة الذي يملكه الشخص الذي هو بطوعه واختياره، قبل طلوع الصبح ولم يغتسل إلا بعد طلوع الصبح صيامه صحيح ومن حصل له السبب الموجب من غير اختياره كالاحتلام فلا أثر له على الصيام، ولو كان في أثناء الصيام، نام بعد صلاة الظهر فاحتلم، نام بعد صلاة الصبح إذًا ما له أثر، لا أثر له على الصيام، يغتسل ويكمل صومه ولا أثر له على الصيام.
وهذه مسألة يسأل عنها كثيرًا ويخفى حكمها على كثير من الشباب، وهي استعمال العادة السرية كثير منهم يستعملها في رمضان، وكثير منهم لا يغتسل بعدها، على كل حال هي مفطرة وموجبة للغسل، إذا خرج المني دفقًا بلذة فهي مفطرة، وهي موجبة للغسل أيضًا.
"ثم يغتسل ويصوم" متفق عليه، وزاد مسلم في حديث أم مسلمة: "ولا يقضي" لا يلزمه القضاء لأن صيامه صحيح.
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي -ﷺ- قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» [متفق عليه].
[ ٦٤ / ٤ ]
حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي -ﷺ- قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليّه» (صيام) نكرة في سياق الشرط فتعمّ جميع الصيام، سواء كان الصيام من رمضان أو كفارة أو نذر، (من مات وعليه) كلمة (عليه) تدل على أنه مما يلزمه هذا الصيام، فلا يدخل في مثل هذا التطوع، عادة هذا الرجل أن يصوم يوم عرفة، مات يوم العيد وما صام يوم عرفة نصوم عنه يوم عرفة؟ لا، لكن في الواجب الذي يلزمه بدليل قوله: «وعليه» لأن من أساليب الإيجاب (عليه صيام) نكرة في سياق الشرط فتعمّ، و(من) هذه من صيغ العموم، كل من مات وعليه صيام أي صيام صام عنه وليه، بهذا قال جمع من أهل العلم أن من لزمه صيام ولم يتمكن منه فإن وليه يقوم مقامه، ومنهم من يخص هذا الصيام الذي يقبل النيابة بالنذر فقط، لا ما وجب بأصل الشرع، ما وجب بأصل الشرع لا يقبل النيابة، "فلا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد"، لكن ما أوجبه الإنسان على نفسه مثل هذا قدر زائد على ما أوجبه الشرع فمثله يقبل النيابة، وهذا هو المعروف عند الحنابلة ويرجحه شيخ الإسلام وابن القيم ويرون أنه هو الجاري على القواعد، ويؤيده ما جاء في بعض الروايات: «من مات وعليه صيام نذر صام عنه وليه» في بعض الروايات وهي في الصحيح وعندنا صيام مطلق كما هنا وفي الروايات الأخرى مقيد بكونه نذر، وحمل المطلق على المقيد في مثل هذا متعيّن؛ لأنه يتفق معه في الحكم والسبب، يتفق معه في الحكم والسبب؛ لكن إن جعلناه كما قال بعضهم أنه من باب العموم والخصوص، صيام عام والنذر خاص، من باب العموم والخصوص فلا أثر للخاص؛ لأنه ذكر الحكم فيه بحكمٍ موافق للعام، فيكون من باب الاهتمام بهذا الخاص نصّ عليه، وإن كان فردًا من أفراد العام الذي يشمله النص المذكور هنا، وعلى كل حال كما يقول ابن القيم وقبله شيخ الإسلام: الجاري على قواعد الشرع أن العبادات البدنية الواجبة بأصل الشرع لا تقبل النيابة، بخلاف ما أوجبه الإنسان على نفسه هذا يقبل.
[ ٦٤ / ٥ ]
«صام عنه وليّه» الولي القريب، منهم من يخصه بالوارث، ومنهم من يخصه بالعاصب، ومنهم من يقول: من تبرع بحيث لو تبرع الأب عاد مع وجود الأدنى صح ذلك، المقصود أنه يصام عنه، والتنصيص على الولي لأن الغالب على الولي هو الذي يحرص على براءة ذمة قريبه، والقول الثالث في هذه المسألة أن الصوم لا يقبل النيابة كالصلاة، وهو المعروف عند المالكية والحنفية، لا يقبل النيابة، بل من مات وعليه صوم فالكفارة، البدل، لتعذر الأصل؛ لكن الحديث صحيح وصريح في أنه يصوم عنه وليّه، إن قيدناه بالنذر كما يقول الإمام أحمد وهو رأي شيخ الإسلام وهو الجاري على القواعد فهو متجه، وإلا في الأصل العموم، والروايات المقيدة فيها قوة.
باب صوم التطوع وما نهي عن صومه:
عن أبي قتادة الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية» وسئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذلك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، وأنزل عليّ فيه» [رواه مسلم]، وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر» [رواه مسلم].
وعن أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفًا» [متفق عليه، واللفظ لمسلم].
وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله -ﷺ- استكمل صيام شهرٍ قط إلا رمضان، وما رأيته في شهرٍ أكثر منه صيامًا في شعبان" [متفق عليه، واللفظ لمسلم].
وعن أبي ذرٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: "أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام، ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر" [رواه النسائي والترمذي وصححه ابن حبان].
[ ٦٤ / ٦ ]
وعن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» [متفق عليه، واللفظ للبخاري] زاد أبو داود: «غير رمضان».
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن صيام يومين، يوم الفطر، ويوم النحر" [متفق عليه].
وعن نبيشة الهذلي -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب، وذكرٍ لله -﷿-» [رواه مسلم].
وعن عائشة وابن عمر -﵃- قالا: "لم يرخَّص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي" [رواه البخاري].
[ ٦٤ / ٧ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: باب صوم التطوع وما نهي عن صومه، ما عدا رمضان، كما دلت على ذلك النصوص، وما يوجبه الإنسان على نفسه فهو تطوع، حديث ضمام بن ثعلبة الذي جاء يستفهم عن شرائع الإسلام، وأن رسولَ رسولِ الله -ﷺ- أخبرهم أن الله فرض عليهم صوم شهرٍ من كل عام، قال: فهل عليّ غيره؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» فما عدا ذلك تطوع، والتطوع لا شك أنه مما ترفع به الدرجات، وتكسب به الحسنات، وتكفر به السيئات، ويكمل به ما نقص من الواجب، وفي حديث عرض الأعمال إذا وجد فيها نقص من الفرائض قيل: «انظروا هل لعبدي من تطوع؟» يعني فيكمل به هذا النقص، فليحرص المسلم لا سيما طالب العلم الذي ينبغي أن يكون قدوة من الإكثار من التطوع والتعبد في مثل هذه العبادات التي تزكو بها النفوس، وتصفو بها القلوب من الصلاة والصيام والحج والعمرة وغيرها، والأذكار وتلاوة القرآن، كل هذه على طالب العلم أن يعنى بها، نعم بعض طلاب العلم ينشغل بالأمور الذي يتعدى نفعها، وينسى مثل هذه الأمور، والنفع المتعدي عند أهل العلم في الجملة أفضل من النفع القاصر، في الجملة وليس على إطلاقه، وإلا فأعظم أركان الإسلام نفعه قاصر، الصلاة أفضل من الزكاة كما هو معروف، فعلى طالب العلم أن ينوع من العبادات، وتنوع العبادات في شرعنا من مزايا هذه الشريعة، ولها مصالح عظيمة جدًا، ولو لم يكن فيها إلا اختبار المكلف هل يذعن أو لا؟ لأن بعض الناس يسهل عليه أن يتطوع بالصلاة، مستعد يصلي مائة ركعة؛ لكن يشق عليه أن يصوم لحظة، ما يمكن، ما يصبر، ما يستطيع أن يصوم يوم مثلًا، بينما عنده استعداد يصلي ألف ركعة، وبعض الناس يصوم شهر، وما عنده استعداد يبذل درهم؛ لكن جاءت العبادات متكاملة منها البدنية، ومنها المالية، ومنها المشتركة بينهما لاختبار المكلفين، والذي ما تعود الصيام يصعب عليه ويشق عليه؛ لكن إذا جاهد نفسه وتعود عليه يتلذذ به، وقل مثل هذا في بقية العبادات، صوم التطوع وما نهي عن صومه يندرج تحته حيث جمع المؤلف في هذا الباب الأيام التي يشرع صومها والأيام التي يكره صومها، والأيام التي يحرم صومها.
[ ٦٤ / ٨ ]
عن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية» يكفر سنتين الماضية والباقية، وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال: «يكفر السنة الماضية» فصوم يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء؛ لأنه يكفر سنتين، كونه يكفر الذنوب الماضية متصور؛ لكن يكفر الذنوب المستقبلة، استشكله بعض أهل العلم، ولا إشكال؛ لأن الذنوب المكفرة بهذه الأعمال إنما هي الصغائر هي التي تكفرها هذه الأعمال؛ لأنه جاء القيد «ما لم تغشَ كبيرة» «ما اجتنبت الكبائر» ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [(٣١) سورة النساء] فدل على أن الذنوب المكفَرة هي الصغائر.
[ ٦٤ / ٩ ]
يوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة، وقبله ثمانية أيام، هي أفضل أيام العام، «ما من أيامٍ العمل الصالح فيها خير وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر» قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» فهي أفضل أيام العام على الإطلاق، وأما بالنسبة لليالي فليالي عشر رمضان أفضل عند أهل العلم من ليالي عشر ذي الحجة، صيام العشر باستثناء العيد الذي يحرم صومه، يوم عرفة منصوص عليه بالتحديد وبالتعيين، وأنه يكفر السنة الماضية والباقية، وبقية الأيام صيامها يشمله قوله -﵊-: «ما من أيامٍ العمل الصالح فيها خير وأحب إلى الله من هذه الأيام العشر» وثبت بالنصوص الصحيحة والصريحة أن الصيام من أفضل الأعمال، بل هو على رأس ما يعد من الأعمال الصالحة، «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا» وهو عمل صالح، فيدخل في قوله: «ما من أيامٍ العمل الصالح ..» يدخل فيه الصيام، فيشرع ويسنّ صيام التسعة أيام من شهر ذي الحجة، وثبت عن النبي -﵊- فيما قاله الإمام أحمد أنه كان يصوم العشر، وفي صحيح مسلم من حديث عائشة أنه ما صام العشر، والنفي عندها على حسب أو على حد علمها، والمثبت مقدم على النافي، ولنفترض أن النبي -﵊- ما صام العشر، فالذي يخصنا بالنسبة للاقتداء به قوله -﵊-، إذا ثبتت المقدمة ثبتت النتيجة، ثبت أن الصيام عمل صالح فهو من أفضل الأعمال في هذه الأيام، وأيضًا حث النبي -﵊- على كثيرٍ من الأعمال، ولم يفعلها، ثبت عنه أنه قال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» وفي رواية: «تعدل حجةً معي» وما ثبت أنه اعتمر في رمضان، نقول: نترك العمرة في رمضان؛ لأنه ما اعتمر؟ ما نترك، فالذي يهمنا من سنته قوله، كونه ما فعل لأمرٍ من الأمور، نعم من كان بمنزلته -﵊- بحيث يعوقه الصيام عما هو أهم من تصريف شؤون العامة يكون الصيام بالنسبة له مفضول، لو افترض شخص يحتاجه الناس، الأمة بحاجته، بأمس الحاجة إليه، وهو ممن لا يستطيع الجمع بين
[ ٦٤ / ١٠ ]
الصيام وغيره من الأعمال، نقول له: صم واجلس في بيتك أو في مسجدك واترك أمر العامة؟ لا، هذا بالنسبة له الاشتغال بأمر العامة أفضل من الصيام، لو مثلًا ولي الأمر أو كبير علماء الأمة الذي الناس كلهم بحاجته إذا صام جلس في بيته أو في مسجده وما استطاع أن يستقبل الناس وشق عليه نقول له: يا أخي لا تصوم أفضل لك.
فالنبي -﵊- ينظر إليه وما ثبت عنه من قوله وفعله بعدة اعتبارات، ينظر إليه باعتبار أنه الإمام الأعظم، ويجب أن يقتدي به ويأتسي به من هذه الحيثية الإمام الأعظم، الملوك والأمراء وغيرهم، ولاة الأمر، وباعتباره المفتي يقتدي به من يتولى الإفتاء، وباعتباره قاضي -﵊- يقتدي به من يتولى القضاء، وباعتباره إمام يقتدي به الأئمة، وباعتبار الأسوة والقدوة وهذا هو الأصل، لو جاء شخص قال: أنا بجلس في بيتي حتى تكون الساعة إحدى عشر ونصف مع زوال الشمس أدخل المسجد يوم الجمعة هذا أفضل وإلا يجي في الساعة الأولى؟ يقول: ما ثبت أن النبي -ﷺ- دخل قبل الزوال، أنا مأنا بداخل قبل الزوال، نقول: لا هذا في حق الأئمة، وأنت باعتبارك مأموم مطالب بالمبادرة، بالتهجير، يقول: قال النبي -﵊- ثبت عنه أنه يقول: سمع الله لمن حمده. أنا بقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وأنا مأموم، نقول: لا، هذا باعتباره إمام؛ لأنه يقول: فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، فالذي يخصك قوله: ربنا ولك الحمد.
[ ٦٤ / ١١ ]
المقصود أن هذه المسألة تحتاج إلى شيء من البسط والأمثلة والتنظير لأنها تلتبس على كثيرٍ من الناس، ويشاع في مثل هذه الأيام أن صيام العشر بدعة، وهذا ليس بصحيح، نعم من احتاجه الناس وصار بمثابة النبي -﵊- الأمور كلها منوطة به لا شك أن مثل هذا نفعه العام المتعدي ويكتب له أجر الصيام إضافةً إلى أن النبي -﵊- قد يترك العمل الفاضل رحمةً بالأمة، يعني يتصور لو أن النبي -﵊- ما حصل منه هذه النصوص المتعارضة تقول عائشة: ما صام، مع حثه على الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر، يمكن كل الناس بيصومون وينزون في بيوتهم، ممكن، تصور لو أن النبي -﵊- اعتمر في رمضان مع قوله -﵊-: «عمرة في رمضان تعدل حجة» إيش يصير وضع الناس لو تظافر القول مع الفعل؟ كان يقتتل الناس على العمرة في رمضان، وتبقى أن العمرة في رمضان سنة وتعدل حجة، وإن قال بعض أهل العلم أنه خاص بتلك المرأة، كما أشارت إليه رواية أبي داود؛ لكن القول الذي لا وجه له ومع الأسف أنه كتب في بعض الصحف القول الذي لا وجه له قول من يقول: نعم العمرة في رمضان تعدل حجة؛ لكن ما هو كل سنة، وش اللي ما هو كل سنة؟ يعني القول بأن هذا النص خاص بالمرأة هذا له وجه، وقال به من أهل العلم المعتبرين؛ لكن ما هو كل سنة؟ وش الحد؟ يعني كود يصدر نظام يحدد العمرة في رمضان يصير هو الشرع؟ ما هو كل سنة؟ على شان إيش؟ المسألة مسألة شرعية، النبي -ﷺ- قال هذا الحديث، وأهل العلم إما أن يقولوا للجميع، وهذا قول عامة أهل العلم، ومنهم قال خاص بالمرأة، وقل مثل هذا القول ولك سلف، أما أن يقال: تعدل كل حجة؛ لكن ما هو كل سنة، ما أدري كيف من أي قاعدةٍ ينطلق مثل هذا الكلام؟ صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية، منهم من يقول أن الشخص ما حصل منه في السنة الماضية من الصغائر يكفر، ويحال بينه وبين الذنوب في السنة اللاحقة، أو يوفق للتوبة إن حصلت منه، ولسنا بحاجة إلى مثل هذا ما دام التكفير للصغائر فهذه أعمال عظيمة تأتي على الصغائر إيش المانع؟ بالوعد الصادق، وسئل عن صوم يوم عاشوراء فقال:
[ ٦٤ / ١٢ ]
«يكفر السنة الماضية» وسئل -﵊- عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، أو أنزل عليّ فيه» يوم ولدت فيه، لا شك أن ولادة النبي -﵊- بالنسبة للعالمين وهو رحمة للعالمين أنها خير، بالنسبة للناس كلهم؛ لأنه رحمة، فولادته ولادة رحمة؛ لكن من تعظيمه والفرح بولادته اتباعه، فلا نحدث في دينه ما لم يشرعه، يوم ولدت فيه، وش يلزمنا من هذا اليوم الذي ولد فيه؟ نبتدع عبادات نتقرب بها إلى الله -﷿- فرحًا بهذا اليوم؟ لا، هذا يغضب النبي -﵊-، «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» لكن مثل هذا الصيام شكرًا لله -جل وعلا- الذي وجدت ولادة هذه الرحمة، رحمة للعالمين، هو الرحمة المهداة، لا شك أن هذا من شكر هذه النعمة، ولا نتعبد بغير ما ورد؛ لأن بعض الناس يقول: ما دام يشرع صيامه لأنه يوم المولد لماذا لا نظهر هذا الفرح؟ نظهر هذا الفرح وفرحنا هذا من باب حبه وتعظيمه -﵊-، نعم نفرح بولادته لكن لا نزيد على ما شرعه؛ لأن مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله أن لا يعبد الله إلا بما شرع، سئل عن يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه، وأنزل علي فيه» وسئل عن الاثنين مع الخميس فقال: «يومان ترفع فيهما الأعمال، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» وما جاء في يوم الاثنين أكثر.
[ ٦٤ / ١٣ ]
وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر» [رواه مسلم]، حديث أبي أيوب أن رسول الله -ﷺ- قال: «من صام رمضان» الشرط: من صام رمضان، فالذي لا يصوم رمضان لا ينفعه صيام الست، ومقتضى الشرط أنه لا بد من استكمال صيام رمضان قبل الست؛ لأنه قال: «ثم أتبعه» يعني بعد صيام رمضان كاملًا يتبعه ستًا من شوال، فعلى هذا لا بد من أن يقضي ما أفطره في رمضان ثم بعد ذلك يتبعه الست، قد يقول قائل: وقد قيل: القضاء وقته موسع، وهذه الست وقتها مضيق، عليه خمسة أيام من رمضان أفطرها في سفر، ثم لما بقي ستة أيام من شوال بحيث لا تتسع إلا لهذه الست يقول: وقت القضاء إلى آخر شعبان، وهذه الست يفوت وقتها، مقتضى قوله -﵊- ثم أتبعه أنه لا يتطوع بالست حتى يكمل رمضان، ثم يتبعه، وهذا قال به جمع من أهل العلم، وهو مقتضى ظاهر الحديث، ومنهم من يقول: الوقت موسع، لك أن تتطوع في الوقت الموسع، دخل وقت صلاة الظهر، كم وقت صلاة الظهر ثلاث ساعات، لك أن تصلي ما شئت قبل الفريضة؛ لكن التنظير غير مطابق، افترض المسألة في شخصٍ دخل عليه وقت الظهر وفي ذمته صلاة الفجر مثلًا، هل يتطوع قبل أن يصلي الفجر؟ لا، المقصود أن المسألة خلافية بين أهل العلم، وأكثر ما يستندون إليه فعل عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه يكون عليها من رمضان ما تستطيع أن تقضيه إلا في شعبان لمكانة النبي -﵊-، ويبعد أن تسمع مثل هذه النصوص يوم عرفة يكفر السنة الماضية والباقية وعاشوراء ما تصوم عرفة ولا عاشوراء، يبعد أن لا تتطوع مثل هذه التطوعات، ومقتضى هذا أن تقدم مثل هذه التطوعات على القضاء، يعني ومن باب أولى صيام الست؛ لكن ظاهر الحديث يدل على أنه لا يصح التطوع قبل أن تؤدى الفريضة، وابن رجب ذكر هذه المسألة في قواعده، وذكر لها نظائر كثيرة، فليرجع إليها.
[ ٦٤ / ١٤ ]
«من صام رمضان ثم أتبعه ستًا» ستًا الأصل أن يقول ستةً؛ لأنها تمييز مذكر، قال: «ستًا» والنحاة صرحوا بأنه يجوز الوجهان إذا لم يذكر التمييز، يجوز الوجهان، (ثم أتبعه ستًا) وصحّفت هذه الكلمة، صحفها الصولي فقال: (شيئًا من شوال) لكن الروايات الصحيحة الثابتة ستًا، من شوال كان كصيام الدهر. الحديث يدل على استحباب صيام الست من شوال، وهو حديث صحيح صريح قال به الجمهور، قالوا بمقتضاه، وأن صيام الست مستحب، وقال الإمام مالك صيام الست ليس بمشروع؛ لأنه نص في موطئه أنه لم يرَ أحد من أهل العلم والفضل يصومها، وما دام العمل على خلافها عند أهل المدينة فلا تشرع، والعمل عندهم حجة؛ لكن إذا ثبت النص لا كلام لأحد، لا مالك ولا غير مالك، ولا أهل المدينة ولا أهل مكة، ما دام النص ثابتًا، فقول الإمام مالك -﵀- مرجوح، ومع ذلكم يبقى إمام، ويبقى أنه نجم السنن، وإمام دار الهجرة ليس هذا قدح في الإمام؛ لكن الحق أحب إلينا منه -﵀-.
[ ٦٤ / ١٥ ]
«كان كصيام الدهر» شهر رمضان على عشرة أشهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، والست عن ستين يومًا فرمضان مع الست اثنا عشر شهر، فمن صام رمضان وأتبعه ست كمن صام اثنا عشر شهر، واثنا عشر شهر من كل سنة هذا هو الدهر، وصيام رمضان وإتباعه بالست ممدوح؛ لكن هل المشبّه به ممدوح صيام الدهر، لا صام من صام الأبد، جاء النهي عنه، إذًا هو ممدوح وإلا ليس بممدوح؟ وإن كان في حديث حمزة الأسلمي السابق إني أسرد الصوم استدل به بعض أهل العلم على جواز صيام الدهر؛ لكن باستثناء ما حرم صيامه من العيدين والتشريق، صيام الدهر ليس بممدوح، بل جاء التحذير منه، والتنفير منه، كيف نشبه الممدوح بالمذموم؟ «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر»؟ في الأجر، فيه أجر لو صام الشخص الدهر كامل؟ يعني لو كان مشروعًا، يعني لا شك أن التشبيه يأتي في النصوص ولا يراد به مطابقة المشبه بالمشبه به من كل وجه، مثلًا يأتي الوحي إلى النبي -﵊- أحيانًا مثل صلصلة الجرس، الوحي محمود والجرس مذموم؛ لكن وجه الشبه من وجهٍ دون وجه، يشبه به من الوجه الذي فيه المطابقة، وهو أنه له صوت متدارك وقوي، وأما مسألة الإطراب والطنين فهذه المذمومة لا يشبه به، وقل مثل هذا في تشبيه رؤية الباري برؤية القمر من وجهٍ دون وجه، وقل مثل هذا في تشبيه السجود على اليدين ببروك البعير، وقل مثل هذا في أمثلة كثيرة جدًا، (كان كصيام الدهر) رواه مسلم.
طالب:. . . . . . . . . وحديث أيضًا: «من صام ثلاثة أيام من كل شهر فكأنما صام الدهر» هنا دهر وهنا دهر، فمن صام من شوال ثلاثة أيام بالأشهر الباقية، هل. . . . . . . . .؟
أليس بحاجة إلى مزيد فضل؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٤ / ١٦ ]
طيب أنت أجل قل مثل هذا في الصلوات الخمس ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة كفارات لما بينهن، قال: أنا يكفيني واحد يكفر وخلاص، أنت مأمور بالإكثار من الطاعات، وعلك أن تنجو، هذا يقول: ثلاثة أيام من كل شهر كصيام الدهر، من أبدأ؟ ما لازم أن أصوم هذه الأيام؟ وإلا أصوم رمضان وستة أيام من شوال، وليست بحاجة إلى أن أصوم من كل شهر، أنت مرغب في هذا، مرغب في عشر ذي الحجة، مرغب بإيش؟ بعاشوراء، مرغب في صيام الأشهر المحرم، في شعبان على ما سيأتي، كلها مرغب فيها، وعلك أن تنجو، وعلى كل حال فضل الله -جل وعلا- واسع، فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة إلى ألفي ألف ضعف، كما جاء في المسند، وإن كان ضعيف؛ لكن فضل الله لا يحد، والحسنات آحاد، ولذا يقول أهل العلم: "خاب وخسر من زادت آحاده على عشراته" نحن بأمس الحاجة إلى هذه المكفرات، فالإنسان يطلب النجاة، وبعد النجاة يطلب رفع الدرجات، ومع ذلك يتوسط في أمره، يكون خائف، أنت ضامن أن هذه الأعمال التي عملتها مقبولة؟ ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [(٦٠) سورة المؤمنون] الصحابة يتصدقون ويصومون ويحجون ويصلون ويجاهدون ومع ذلك قلوبهم وجلة؛ لأن عائشة سألت: هم الذين يزنون هم الذين .. لا يا ابنة الصديق، هؤلاء الذين يأتون بالأعمال الصالحة لكن قلوبهم وجلة أنت ما تدري وش اللي يقبل وش اللي يرد؟ فعلى الإنسان أن يكثر ويحسن الظن بربه، ويكون خائفًا من خطيئته ويتوسط في أموره، يتوسط لا يوسع الرجاء بحيث يعتمد على عمله ويتكل عليه ناسيًا ربه وناسيًا غضبه، وأنه شديد العقاب، ولا أيضًا يقنط من رحمة الله، وييأس ويصاب، بعض الناس هم بين طرفي نقيض، شخص إذا جلس يذكر الله له ربع ساعة نصف ساعة انتظر التسليم من الملائكة عيانًا، هذا موسع في الرجاء، وشخص آخر يتعبد سبعين سنة يقول: ما في يوم من الأيام سألت الله الجنة، يكفيني أن أستعيذ من النار، أنا لست بكفءٍ للجنة، فلا هذا ولا هذا، دين الله وسط بين الغالي والجافي.
فعلى الإنسان أن يعمل ويترك الأمر بيد الله، يعمل لله -جل وعلا- مخلصًا متبعًا لنبيه -﵊-، ومع ذلك يرجو ربه ويخاف ذنبه.
[ ٦٤ / ١٧ ]
طالب: نعلم أن الفريضة
بلا شك.
طالب: وصيام رمضان صيام. . . . . . . . .
هذا مجرد تمثيل من وجهٍ دون وجه، يعني أقل المضاعفات العشر، فالشهر أقل ما يقال فيه: أنه عن عشرة أشهر، إلى أضعافٍ كثيرة، هذه أمور بيد الله -جل وعلا-، بعض الناس ما يستحق شيء بالنسبة لصيامه، ما يتترب عليه أجر ولا أثر؛ لكن ما يؤمر بإعادته؛ لأنه أمسك عن الطعام والمفطرات في المدة المحددة، وبعض الناس صيامه يلحقه بالمنازل العالية، والله المستعان.
وعن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ما من عبدٍ» ويشمل الذكر والأنثى، اللهم إلا إذا قلنا: أن المراد في سبيل الله الجهاد، والمرأة ليس عليها جهاد، «ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله» (يومًا) يستوي في ذلك اليوم الطويل واليوم القصير واليوم الشديد الحر، واليوم الشديد البرد واليوم المعتدل، المقصود أنه يصوم يوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس، وإذا زادت المشقة زاد الأجر؛ لأن المشقة التابعة للعبادة يرتب عليها الأجر العظيم من الله -جل وعلا-، أما المشقة لذاتها فليس فيها أجر إلا إذا ثبتت تبعًا للعبادة، «ما من عبدٍ يصوم يومًا في سبيل الله» منهم من قال في سبيل الله في الجهاد، وهو في الظاهر من صنيع البخاري أن هذا هو الراجح عنده؛ لأنه أدخله في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الصوم في سبيل الله، باب من أبواب الجهاد، ومن أهل العلم من يقول: في سبيل الله لوجه الله خالصًا لوجه الله، وفضل الله واسع، «إلا باعد الله بذلك اليوم عن وجهه النار سبعين خريفًا» سبعين سنة؛ لأن الخريف فصل من الفصول الأربعة، ولن يمر عليه سبعين خريف إلا وقد مر عليه سبعين شتاء وسبعين صيف وسبعين ربيع، إذًا سبعين سنة، الصوم في الجهاد مرغّب فيه بهذا النص، وهو الظاهر منه، لكن إذا ترتّب عليه الإضعاف بحيث يضعف أمام العدو فالفطر أفضل، إنكم ملاقو العدو غدًا، أمرهم بالفطر وذكر العلة، إنكم ملاقو العدو غدًا، فإذا كان يضعفه الجهاد عن ملاقاة العدو فالفطر في حقه أفضل، ويكتب له ما نواه وقصده -إن شاء الله تعالى-.
[ ٦٤ / ١٨ ]
يقول: وعن عائشة -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم" الرسول -﵊- يتسنّى له أحيانًا أن يسرد الصيام، ويغتنم هذه الأوقات التي يكون فيها العمل عليه أخف، وأحيانًا لا يتسنّى له ذلك وينشغل بالأمور العامة فيسرد الفطر، "ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله -ﷺ- استكمل صيام شهرٍ قط إلا رمضان" يعني ما في شهر صامه من أوله إلى آخره إلا أن يكون شهر رمضان، وما رأيته في شهرٍ أكثر منه صيامًا في شعبان، يكثر من الصيام في شهر شعبان، مع أنه جاء النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين، وجاء أيضًا: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» وسيأتي الكلام عليها، وجاء أيضًا: «أفضل الصيام صيام شهر الله المحرم» وهذا من الترغيب بالقول والفعل.
فالنبي -﵊- يرغب في صيام شهر الله المحرم بقوله: وثبت من فعله أنه كان يكثر من الصيام في شعبان، وعلى كل حال الصيام في شعبان يسنّ الإكثار منه، وأيضًا الصيام والإكثار منه في شهر الله المحرم مطلوب، جاءت العلة في الإكثار من صيام شعبان في حديث لا يسلم من مقال، وهو أنه شهر يغفل عنه بين رجب ورمضان، بين رجب وهو أحد الأشهر الحرم، وبين رمضان فيغفل الناس عنه، واستغلال الغفلات مطلوب، هناك أوقات مثلًا يغفل الناس فيها عن العبادة والذكر وكذا، ينبغي أن يستغلها الإنسان؛ لأنه إذا نظر إليه وهو على عبادة والناس منصرفون عنها لا شك أن هذه مزيّة له، لا أقول: نظر البشر، المسألة في نظر الله -جل وعلا-، الناس كلهم لاهون منشغلون بأعمالهم في ديناهم في نومهم في لهوهم في كذا، والشخص هذا جالس يذكر الله، أو يتعبد أو يتعلم أو يعلِّم، فاستغلال أوقات الغفلات جاءت به بعض النصوص.
منهم من يرى أن المفاضلة بين قوله -﵊-: «أفضل الصيام صيام شهر الله المحرم» بالنسبة للأشهر الحرم، وتفضيل الصيام في شعبان بالنسبة لغيرها.
[ ٦٤ / ١٩ ]
وعن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- قال: "أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام، ثلاثة عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" رواه النسائي والترمذي وصححه ابن حبان، وقد جاء من طرق عديدة عن أبي ذر وأبي هريرة وغيرهما، أما الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأنها كصيام الدهر، فقد أوصى بها النبي -﵊- أبا هريرة، "أوصاني خليلي -ﷺ- بثلاث ومنها: صيام ثلاثة أيام من كل شهر" وأيضًا في حديث أبي ذر: "أوصاني" وأوصى أبا الدرداء، المقصود أنها وصية النبي -﵊- أن يصام من كل شهر ثلاثة أيام؛ لأن من صام ثلاثة أيام كأنما صام الشهر كاملًا، والحسنة بعشر أمثالها، كون هذه الأيام هي البيض هو الذي جاء فيه هذا الحديث وهو حديث ماثل يعني قابل للاحتجاج؛ لأنه حسن، وجاء عنه -﵊- أنه كان يصوم الاثنين والخميس من أسبوع والاثنين من الأسبوع الذي يليه، المقصود أن الأمر فيه سعة، فإن صام ثلاثة اثنينات ثلاثة من أيام الخميس، حصل له أنه صام ثلاثة أيام، إن صام البيض أيضًا حصل له أنه صام ثلاثة أيام من كل شهر، وامتثل هذا الأمر الوارد في هذا الحديث: "أمرنا رسول الله -ﷺ- أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام " الخ، وأكمل من ذلك كله أن يصوم ما حُث عليه، وما جاء فضله من الأيام البيض والاثنين والخميس والعاشر وعاشوراء وستة أيام من شوال إضافةً إلى رمضان، ويكثر من الصيام في المحرم وفي شعبان يجمع الجميع، وأفضل من ذلك كله صيام داود، يصوم يومًا ويفطر يومًا.
[ ٦٤ / ٢٠ ]
وعن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» [متفق عليه، واللفظ للبخاري]، زاد أبو داود: «غير رمضان» رمضان مستثنى شرعًا، ليس للزوج أن يمنع الزوجة، وليس للسيد أن يمنع الرقيق، وليس للوالد أن يمنع الولد، وليس للأم أن تمنع الولد، هذا أمر شرعي، فرض إلهي ليس لأحدٍ فيه كلام، فالأمور المفترضة في الشرع ليس لأحدٍ أن يتدخل فيها، يعني لو أن موظف مثلًا في دائرة حكومية لما أذن المؤذن توضأ وخرج إلى المسجد قال له المدير: لا يا أخي أنا ما أسمح لك تصلي معنا، أو لا تصلي إلا إذا طلعت، صل في بيتك، نقول: هذه أمور مستثناة شرعًا لا طاعة لأحدٍ فيها، يعني وما يفتى به من أنه يُصلى في مقر العمل تبعًا للمصلحة الراجحة خشية تفلت طلاب، تفلت موظفين، هذه قضايا خاصة؛ لكن الأصل أن ما وجب بأصل الشرع ليس لأحدٍ فيه مدخل، فليس للزوج أن يمنع زوجته من الصيام، وليس له أن يمنعها من الصلاة، ولذا في صحيح البخاري عن الحسن صبي أراد أن يصلي في المسجد فمنعته أمه، قال: "ليس له أن يطيعها" لأن هذا أمر شرعي، طيب أمه منعته شفقًا عليه أراد أن يخرج إلى الفجر ما يتصور أن المسألة مثلما عندنا الآن الليل والنهار ما في فرق، ظلام دامس، الكبير يستوحش ما هو الصغير، فإذا رأت في وقت الحسن في وقت هذا الكلام وما بعده إلى وقتٍ قريب، أرادت أمه أن تمنعه قال: "ليس لها أن تمنعه" طيب احتمال يجنن الصبي هذا، هذا ما هو مكلف، الحسن يقول: "ليس لها أن تمنعه" على كل حال المسألة تحتاج إلى موازنة بين المصالح والمفاسد، الآن متصور أن في طريق الصبي هذا إلى المسجد شباب عندهم شيء من الانحراف احتمال أن يؤثروا عليه، والأب ما هو حاضر، هل الأفضل أن يصلي في البيت ولا يخرج لمثل هؤلاء الشباب أو يذهب إلى المسجد والأمر لله؟ وقل: مثل هذا إذا ذهب الصبي مثلًا العصر إلى حلقة تحفيظ القرآن مثلًا، وملاحظ أن في الشوارع شباب نبي نروح هنا، نبي نمر البقالة، نبي نروح بيت فلان، والصبي سهل التأثير عليه، فيخشى عليه من مثل هذا، فيقال: لا تصلي في المسجد صل في البيت؛ لأنه يخشى عليك أن يجتالك إخوان
[ ٦٤ / ٢١ ]
الشياطين، المسألة مسألة غلبة ظن، وموازنة بين المصالح والمفاسد، وهذا بالنسبة لمن لا يتسنى له أن يصحب الابن، أما من يتسنى له أن يصحب ابنه إلى هذه المواضع هذا ما له عذر؛ لكن بعض الناس ما يتيسر له، هو في عمله مثلًا والولد بيطلع والشارع مليان من هذا الشباب الذين احتمال يجتالونه، والمسألة موازنة، والصلاة لا يقدم عليها شيء، ويحرص بقدر الإمكان على التسديد والمقاربة والتحذير، والله المستعان.
طالب: بالنسبة لقضاء رمضان. . . . . . . . .؟
قضاء رمضان الموسع يعني له أن يمنعها حتى يضيق عليها الوقت مثل عائشة؛ لكن رمضان مضيق، قد تقول الزوجة: أنا زوجي حاضر؛ لكن ليس له بي أدنى حاجة، ترى الزوجة كبيرة في السن، ومعفاة من كثير من الحقوق وجالسة تتعبد، وزوجها حاضر لا يريدها في شيء، لا لحاجة بيته ولا لحاجته الخاصة، له أن يمنع أو ليس له أن يمنع؟ لها أن تصوم من غير إذنه أو ليس لها أن تصوم؟ إذا علمت أنه لا يكره ذلك ما تحتاج هذا إذن عملي؛ لكن إذا منعها له أن يمنعها، لعموم الحديث، ويبقى أن منعها من جهةٍ أخرى ليس له أن يتعنّت فيما لا حاجة له به، يعني له أن يمنعها لمصلحته، أو لمصلحتها، امرأة كبيرة ومريضة ويتعبها الصيام له أن يمنعها لمصلحتها، كما أن له أن يمنعها لمصلحته وإذا انتفت مصلحة الطرفين فمنعها تعنّت.
يقول: وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله -ﷺ- نهى عن صيام يومين، يوم الفطر ويوم النحر، صيام هذين اليومين، يوم عيد الفطر، ويوم عيد الأضحى حرام بالإجماع، ولهذا النص ولا يجوز ولا يصح، فلو صامه عن قضاء ما أجزأ، ولو نذر أن يصوم يوم العيد لم ينعقد النذر عند الجمهور؛ لأنه نذر معصية، من نذر أن يعصي الله فلا يعصي، وعند الحنفية ينعقد؛ لكن لا يجوز أن يصومه، يصوم يوم مكانه، نقول: محل النذر وهو يوم العيد ليس بمحلٍ للصيام، كما لو نذر أن يصوم الليل مثلًا، يتعبد بصيام الليل، نقول لا: الليل ليس بمحلٍ للصيام.
[ ٦٤ / ٢٢ ]
وعن نبيشة الهذلي، يقال له: نبيشة الخير -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أيام التشريق أيام أكلٍ وشرب وذكر لله -﷿-» أيام أكل وشرب، وهذا خبر يتضمن النهي، متضمن للنهي، وعند أهل العلم أن النهي إذا جاء بصيغة الخبر كان أبلغ من النهي الصريح، أيام أكلٍ وشرب وذكرٍ لله -﷿-، وهل هذا النهي تحريم أو تنزيه؟ هل هو نهي تحريم وإلا تنزيه؟ الأصل في النهي التحريم، وقال به جمع من أهل العلم، وأنها ملحقة بالعيد، حكمها حكمه، وإن لم تكن بمنزلته في قوة التحريم لأنه خفف في أمرها بالنسبة لمن لم يجد الهدي، وأما يوم العيد فلا يصام بحال، وما جاء فيه الاستثناء، ما دخله الاستثناء، أخف حكمًا مما لم يدخله استثناء، ولذا جاء عن عائشة وابن عمر -﵄- قالا: "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي" رواه البخاري، الذي لم يجد الهدي يلزمه صيام ثلاثة أيامٍ في الحج وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله، صيام ثلاثة أيام في الحج الأصل أن تكون قبل عرفة، فالذي لا يجد الهدي يحرم بالحج متى؟ بحيث يتمكن من صيام الثلاثة أيام قبل يوم عرفة، على الخلاف في صوم يوم عرفة على ما سيأتي، يصوم السادس والسابع والثامن، فيحرم قبل السادس لتكون أيامه في الحج، فليكن صومه في الحج في الثلاثة أيام، لكن عنده نفقة وعنده دراهم يستطيع أن يشتري بها هدي، في يوم عرفة سرق المبلغ الذي معه ليشتري به الهدي، الآن ما بقي عنده أن يصوم من أيام الحج إلا أيام التشريق، فيصوم أيام التشريق، ولذا جاء لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن يجد الهدي، رواه البخاري، والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والأسئلة كثيرة جدًا والوقت ما يكفي.
[ ٦٤ / ٢٣ ]