شرح حديث: (العمرة إلى العمرة ..) وحديث: عائشة -﵂- قالت: قلت: "يا رسول الله أعلى النساء جهاد .. "وحديث: أنس -﵁- قال: قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ .. وحديث: .. فرفعت إليه امرأة صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ وحديث: إن فريضة الحج على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا وحديث: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ وحديث: (أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى ..) وحديث: (لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ..) وحديث: "لبيك عن شبرمة" وحديث: (إن الله كتب عليكم الحج ..).
الشيخ/ عبد الكريم الخضير
طالب: يقول الحافظ ابن حجر -﵀- في كتابه (بلوغ المرام) كتاب الحج: باب فضله وبيان من فرض عليه، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» [متفق عليه].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فقد قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: كتاب الحج، ونظرًا لضيق الوقت فلا مقدمات، ولا إجابة على كثير من الأسئلة إلا ما تمس إليه الحاجة، فالمدة خمس أيام، والقدر المقرر شرحه طويل، ولو لم يكن في هذه الأحاديث إلا حديث جابر في صفة حجة النبي -﵊- لما كفاه الوقت المقرر؛ لكن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه، لا أقول: جله، أقول: بعضه، فكتاب الحج والكتاب سبق الكلام عنه مرارًا فيما تقدم من كتب، والحج بفتح الحاء وكسرها لغتان وقراءتان، الحج مصدر حج يحج حجًا ويعرفونه في اللغة: بأنه القصد، وفي اصطلاحهم: قصد بيت الله الحرام لأداء النسك الأكبر، واقتصر الحافظ ككثير من المؤلفين على الحج، والعمرة داخلة في الحج، وإلا فالكتاب معقود للنسكين الحج والعمرة، ولذا يعدل بعضهم عن الحج إلى المناسك وهي أشمل.
[ ٦٧ / ١ ]
الحج ركن من أركان الإسلام بالإجماع، ومن مبانيه العظام، ففي حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان» تقدم ما في تقديم الحج على الصيام أو العكس في الدورة السابقة في شرح كتاب السير، ولا أرى ما يدعو إلى إعادته؛ لأنه كلام فيه شيء من التفصيل والطول وقد مضى.
[ ٦٧ / ٢ ]
الحج جاء في شأنه والتشديد والتأكيد في أمره ما جاء من نصوص الكتاب والسنة، ولو لم يرد فيه إلا ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] والجملة التي تليها ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] هذا مما يشدد ويؤكد ويبين أهمية هذا الركن؛ لأن ارتباط جمل القرآن وعطف بعضها على بعض ليس عبثًا أن يعطف قوله --جل وعلا--: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ على بيان فرض الحج، ولذا يرى بعض أهل العلم أن الذي لديه مقدرة باستطاعته الحج ولم يحج أنه يكفر، فيه رواية عند الحنابلة الإمام أحمد ينصرها، بعض المالكية كبقية الأركان؛ لكن الجمهور على أنه لا يكفر تارك الأركان الثلاثة، والخلاف في الصلاة؛ لكن جاء فيها من النصوص الخاصة ما جاء «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» بين العبد أو المرأة والكفر ترك الصلاة، المقصود أن تارك الأركان الثلاثة على خطر عظيم، وإن كان الجمهور على أنه لا يكفر، سمعنا هذا أن الإنسان كونه لا يكفر، ولا يخرج من الدين بالكلية أن الأمر سهل لا، جاء عن عمر -رضي الله تعالى عنه- أنه كتب إلى الأنصار: "أن ينظروا من كان ذا جده فلم يحج أن تضرب عليه الجزية" ويروى أيضًا مرفوعًا «من استطاع الحج ولم يمت فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا» لكن رفعه ضعيف جدًا، بل أدخله ابن الجوزي في الموضوعات، ولا يصل إلى حد الوضع، المقصود أنه ضعيف مرة، فشأن الحج كغيره من الأركان عظيم جدًا، وكثير من الشباب المكلفين الذين لديهم الاستطاعة، بل الذين لا يكلفهم الحج شيئًا يتبرع أبوه أن يحج به، ومع ذلك يقول: والله السنة هذه ربيع نريد نستغل الوقت، وليس هناك دراسة ويروح رحلة أو نزهة، أو يتعلل بدراسة وبعض الشباب مع الأسف أنهم طلاب الكليات الشرعية، يقول: والله تسليم البحث في أول الدراسة بعد الحج، ولا أستطيع أن أحج، وكل هذا من إيثار الفانية، يا أخي لماذا تدرس أنت؟! تترك فريضة من فرائض الإسلام، ركن من أركان الإسلام تقول: تسليم البحث في أول الدراسة! هذه سمعناها مرارًا، فضلًا عمن يقول: هذه الأيام ربيع ولا
[ ٦٧ / ٣ ]
أستطيع، لما يجي الحج في سنة ما فيها ربيع نحج، مع أن الحج لا يكلفه شيء البتة، كثير من الشباب يتبرع آباؤهم أن يحجوا بهم، ومع ذلك يتعللون بهذه الأعذار الواهية، فالحذر الحذر، والمبادرة المبادرة، الآن تستطيع أن تحج ما يدريك عن المستقبل، يمكن يجي وقت من الأوقات لا سمح الله ما تستطيع، أمن الطريق الذي نعيشه ونتفيؤه نعمة لا يقدرها إلا من عرف ما كان عليه الناس في الزمن الماضي، تصلي المغرب في هذه البلاد وتصلي الفجر في البيت الحرام، وأنت مرتاح، مرتاح جدًا، تتصل بمن تريد، تأكل ما تشاء، وتشرب ما شئت، وتقرأ إن شئت، وتسمع إن شئت، وتنام أيضًا وأنت في الطريق، فعلى من كلف أن يبادر، ويتعين هذا في حق طلاب العلم مهما كانت أعذارهم، إذا كان يستطيع فعليه أن يبادر، على خلاف بين أهل العلم في الحج، هل هو على الفور أو على التراخي؟ وهل كان فرضه سنة ست أو تسع أو عشر خلاف؟ لكن الذي رجحه ابن القيم أنه فرض سنة تسع، وكثير من أهل العلم يرون أنه على التراخي؛ لكن ومع ذلك على الإنسان أن يتعجل بالحج؛ لأنه لا يدري ما يعرض له، وكونه فرض سنة تسع على القول المرجح والنبي -﵊- لم يحج سنة تسع، إنما بعث أبا بكر وعليًا وحجا بالناس، وحج -﵊- في السنة التالية سنة عشر لأمور، والنبي -﵊- يتلقى أفعاله وأقواله من الوحي، فمضمون أنه يحج من قابل؛ لكن أنت ما يدريك أن تعيش إلى قابل أو لا؟ وأيضًا النبي -﵊- قدم بين يديه أبا بكر وعلي ليأذنا في الناس: "أن لا يحج بعد العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان" كانوا يطوفون عراة، والنبي -﵊- لا يطيق رؤية هذه المناظر، وكل إنسان سوي لا يطيق هذه المناظر، إلا بعد أن استمرأ الناس، وألفوا هذه المناظر، كما ألفها أهل الجاهلية، في وسائل الإعلام تجد من يتعلل بمشاهدة الأخبار، وسماع الأخبار، ويرى المومسات من غير أن يتمعر وجهه، ويرى العراة، وأشباه العراة من غير أن يتأثر، النبي -﵊- لم يحج في السنة التاسعة مع أنه فرض، وبعث أبا بكر وعلي فحجا بالناس، وبلغاهما ما ينبغي تبليغه عن النبي -عليه الصلاة
[ ٦٧ / ٤ ]
والسلام-، فحج النبي -﵊- من قابل، من أهل العلم من يرى أن النبي -﵊- لم يحج في السنة التاسعة؛ لأن الحج في هذه السنة لم يكن في وقته المحدد له شرعًا، بسبب النسيء الذي يفعله العرب في جاهليتهم؛ لكنه في السنة العاشرة استدار الزمان، فصادفت الحجة وقتها المحدد لها شرعًا، منهم من يقول هذا، حج النبي -﵊- قبل ذلك، قبل حجة الوداع، قبل أن يفرض الحج، ووقف مع الناس في عرفة، واستغرب الناس وقوفه مع عامة الناس وهو من الحمس، ولذا جاء في حديث جبير بن مطعم لما أضل دابته وبحث عنها، فرأى النبي -﵊- واقفًا بعرفة فاستغرب، وهذه في حجة سابقة على حجة الوداع، وهل حج مرة أو مرتين؟ مسألة خلافية بين أهل العلم، أعني قبل فرض الحج، وأما بعد فرضه فلم يحج إلا حجة الوداع، الحجة التي ودع فيها الناس -﵊-.
[ ٦٧ / ٥ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى-: بيان فضله، وبيان من فرض عليه، عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» جاء في الصلاة نظير ذلك «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» وفي رواية: «ما لم تغش كبيرة» ولنعلم أن هذه العبادات المكفرة المراد بها العبادات التي تؤدى على مقتضى نظر الشارع، بحيث يؤتى بها على المقتضى الشرعي بأركانها وشروطها وواجباتها، أما الصلاة التي لم يخرج منها صاحبها إلا بعشرها، ما الذي يرجى منها؟! هذه كما ألمح شيخ الإسلام إلى أنها إن كفرت نفسها فبها ونعمت، فلنحرص على أن نؤدي العبادات التي تؤتي ثمارها، وتترتب عليها آثارها، الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [(١٨٣) سورة البقرة] ومع ذلك بعد أن يسلم من صلاته يزاول المحرمات، هل هذا خُلْفٌ في الخبر؟ لا؛ لكن المراد بالصلاة الصلاة التي أديت كما أمر بإقامتها، والصيام المورث للتقوى هو الذي يؤدى بواجباته وآدابه وسننه، ليس المراد من الصيام مجرد الإمساك، ثم بعد ذلك افعل ما شئت، ذكرنا في الدورة الماضية أن ممن اعتزل الدنيا على حد زعمه، وانقطع وتفرغ للعبادة من يفطر على الخمر، هل هذا الصيام يورث التقوى؟ لا والله، الصلاة التي ينشغل صاحبها عنها بالتخطيط لبعض الأمور المحرمة، أما الأمور المباحة قد لا يسلم منها أحد، القلب لا بد أن يعمر بذكر الله --جل وعلا-- لكي يقبل على الله، أما إذا عمر بالقيل والقال والشبهات والمكروهات والاسترسال في المباحات فضلًا عن المحرمات ينشغل؛ لأن القلب ما سمي قلب إلا لتقلبه، تحرص أشد الحرص على أن يجتمع قلبك في أضيق الظروف والأحوال في ليالي العشر وأنت معتكف ما تستطيع، تريد أن تجمع قلبك وتستحضر الذكر والصلاة والتلاوة ما تجد شيء؛ لأنك طول العام في القيل والقال، ومثل هذا لا يعان على اجتماع القلب، فمثل هذه العبادات التي فيها هذا الانصراف القلبي يندر أن تترتب عليها آثارها، يترتب عليها بقدر ما يستحضر منها، وما عدى ذلك فات الشخص تسعة أعشار الأجر، تسعة أعشار صلاته هذه
[ ٦٧ / ٦ ]
مشغولة أو معمورة بالخطرات، بالخواطر والهواجس، ولذا لا يترتب من آثارها في إصلاح النفس إلا بقدر ما حضر من قلبه، وبقدر نيته، وبقدر إتباعه للنبي -﵊-، وهذا الموضوع يطول.
المقصود أن في قوله -﵊-: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» الجمهور على أن الذنوب المكفرة بهذه العبادات هي الصغائر، وأما الكبائر لا بد فيها من التوبة، «كفارة لما بينهما» يستدل بهذا من يرى من أهل العلم أن تكرار العمرة مشروع، ولا حد لأقل مدة بين عمرتين، ولا كراهة في ذلك، ولا تحديد، وإن كان الإمام مالك يرى كراهة التكرار، ومنهم من يرى أنها لا تكون إلا في السنة مرة واحدة، كما حصل للنبي -﵊-، ومنهم من يرى التكرار لا يكون إلا بعد نبات الشعر، المقصود أن هذه أقوال لا دليل عليها، ومجرد فعله -﵊- أو تركه للفعل لا يقتضي التخصيص؛ لأنه قد يحث على الشيء ولا يفعل رفقًا بالأمة، حث على العمرة في رمضان وبين أنها تعدل حجة، ومع ذلك ما اعتمر في رمضان، هل نقول: أن العمرة في رمضان ليست مشروعة؟ لا مشروعة؛ لكن ينبغي أن يلاحظ مع ذلك أن تنوع العبادات من مقاصد الشرع، يعني ما ينشغل الإنسان كل يوم يأخذ عمرة ويعطل العبادات الأخرى، الأمر الثاني: أنه لا يفوت بهذا العمل الصالح ما هو أهم منه من أعمال، فإذا وازن الإنسان بين أمور دينه ودنياه فلا أحد يمنعه من عبادة جاء الحث عليها، والإكثار من التعبد ليس ببدعة، وإن زعم بعضهم ذلك.
[ ٦٧ / ٧ ]
«العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» الحج المبرور يقول أهل العلم: هو الذي لا يخالطه إثم، ومنهم من يرى أن الحج المبرور هو المقبول، طيب وما يدريك عن القبول؟ قال: هناك علامات وأمارات في القبول بأن تكون حال الإنسان بعد العبادة أفضل من حاله قبلها، هذا مؤشر إلى أن عبادته مقبولة؛ لكن ماذا عن الذين يستغلون أيام العيد التي تعقب هذه العبادات العظيمة بارتكاب المحرمات، هذه أمارة على عدم القبول، والدين -ولله الحمد- فيه فسحة، توسع المباحات في الأعياد لا بأس به؛ لكن ارتكاب المحرمات دليل والعلم عند الله -جل وعلا- على عدم القبول، الحج المبرور الذي لا يخالطه إثم، أو هو المقبول، وأمارة القبول أن تكون حال الحاج بعد الحاج أفضل من حاله قبله «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» كثير من الناس يقول: الحج أربعة أيام لو الإنسان يخيط الفم خياطة، ما يتكلم أبدًا، أربعة أيام ما يضره؛ لكن مثل من استغل طول العام بالقيل والقال يعان على حفظ النفس وحفظ اللسان هذه الأربعة الأيام؟ ما يمكن، كل إنسان يجد هذا من نفسه، يعني الشخص الذي يستثقل بعض الناس؛ لأنهم لا يقعون في بعض الأمور التي يزاولها كثير من الناس في مجالسهم، إما دلالة على خير، وتوجيه ونصح وإرشاد، أو ذكر، أو سكوت، مثل هذا يستثقله كثير من الناس، ويزعمون أنه ثقيل، وقد لا تتسع له مجالسه، ويعتذرون إذا أراد أن يزورهم، ويتعللون إذا طلب زيارتهم، بينما الشخص الذي ما شاء الله يكون خفيف هو صاحب القيل والقال والنكت والتفكه بأعراض الناس، يعني مثل هذا إذا كان عاش على هذه العيشة هل يستطيع أن يمسك عن الكلام في الأربعة الأيام؟ ما يمكن، والتجربة أكبر برهان.
[ ٦٧ / ٨ ]
«والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» جاء في حديث جابر عند أحمد أنه -ﷺ- سئل عن الحج فقال: «إطعام الطعام، وإفشاء السلام» ولكن الحديث فيه ضعف، ولا شك أن إطعام الطعام مطلوب، وإفشاء السلام جاءت النصوص بالحث عليه، فهو مما يعين على بر الحج، والخبر ضعيف، والعمرة: الزيارة، والمراد بها زيارة البيت للطواف والسعي، المقصود أنه لأداء النسك الأصغر، زيارة البيت لأداء النسك الأصغر، المكون من طواف وسعي، وحلق أو تقصير.
وعن عائشة -﵂- قالت: قلت: يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» رواه أحمد وابن ماجه، واللفظ له وإسناده صحيح، وأصله في الصحيح، وعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: أتى النبي -ﷺ- أعرابي فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «لا، وأن تعتمر خير لك» رواه أحمد والترمذي، والراجح وقفه، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف عن جابر -﵁- مرفوعًا: «الحج والعمرة فريضتان».
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- في الحديث السابق عرفنا أن النبي -ﷺ- لم يحج إلا مرة واحدة بعد فرض الحج، وهي حجة الوداع، وأما بالنسبة للعمرة فقد اعتمر النبي -﵊- كم؟ أربع مرات، الأولى: الحديبية، والثانية: القضاء، والثالثة: الجعرانة، والرابعة: التي مع حجه -﵊-، وكلها في القعدة، كما في حديث عائشة في الصحيح الذي استدركت فيه على ابن عمر حينما زعم أن النبي -﵊- اعتمر في رجب، قالت: إنه ما اعتمر النبي -﵊- إلا وهي معه، وما اعتمر في رجب قط، وإن كان بعضهم يجعل المثبت مقدم على النافي، ويقول أن النبي -﵊- اعتمر في رجب لقول ابن عمر، وتكون عائشة -﵂- نسيت هذه العمرة؛ لكن الجمهور على أنه لم يعتمر في رجب، موافقة لعائشة -رضي الله تعالى عنها-.
[ ٦٧ / ٩ ]
يقول: وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قلت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ تسأل لتشارك في الجهاد، لما ورد في الجهاد في فضله، وأنه ذروة سنام الإسلام، ومصدر عز المسلمين، فتريد أن تشارك، على النساء جهاد؟ قال: «نعم عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» والجهاد وبذل الجهد واستفراغ الوسع في طاعة الله -﷿- لا سيما ما فيه مشقة كالجهاد الشرعي الاصطلاحي، والحج والعمرة فيهما بذل جهد ومشقة فهي جهاد، وكلما يحتاج إلى معالجة مع النفس ومجاهدة فهو جهاد؛ لكن هنا يقول: «عليهن جهاد» هذه الصيغة تدل على الوجوب ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] صيغة وجوب عند أهل العلم «عليهن جهاد لا قتال فيه» والمقصود أنه لا قتال ولا مقاتلة مقصودة لذاتها، كما هو شأن الجهاد، وإن حصل قتل وموت في الحج بسبب زحام وشبهه، هذا ليس بقتال ولا مقاتلة، في السنوات الأخيرة بعض ما يتطلبه الحج من أعمال قريبة من القتال، من ذهب ليرمي الجمرة ضحى يوم العيد مثلًا، أو بعد الزوال في الثاني عشر جهاد؛ لكنه لا قتال فيه مقصود لذاته بسل السيوف وشبهها، وإن حصل فيه ما يحصل في القتال من موت، والله المستعان.
[ ٦٧ / ١٠ ]
«عليهن جهاد» ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ﴾ [(٧) سورة النحل] وشخص من المترفين من أبناء الملوك قال: أحج بدون شق الأنفس، ما يلزم، أنا ابن ملك، تيسر له جميع أسباب ووسائل الراحة، فحمل في هودج، والناس يحتفون به من يمين وشمال، وبينما هو سائر إذ مر بشجرة فأخذت إحدى عينيه، والآن يعلن عن بعض الحملات أنها بالراحة التامة، وييسرون ويوفرون بعض وسائل الراحة؛ لكن الخبر لن يتخلف، لا بد من شق الأنفس، مهما بذلت من الأموال، لا بد من المشقة في الحج «عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» أما وجوب الحج بالإجماع، والعمرة محل خلاف بين أهل العلم، يستدل بهذا الحديث من يقول: بوجوب العمرة، وسيأتي في حديث لاحق أن الحج والعمرة فريضتان؛ لكنه ضعيف، ومما يستدل به لوجوب العمرة الأمر بالإتمام ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] وفيه أيضًا على ما سيأتي «حج عن أبيك واعتمر» كل هذا مما يستدل به من يقول: بوجوب العمرة، وهو المرجح.
يقول: "رواه الإمام أحمد وابن ماجه، واللفظ له، وإسناده صحيح، وأصله في الصحيح" يعني صحيح البخاري من حديث عائشة قالت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل الأعمال أفلا نجاهد؟ قال: «لا، لكن أفضل الجهاد حج مبرور» لماذا أورد الحافظ رواية أحمد وابن ماجه وترك رواية البخاري؟ نعم ليس فيه ذكر للعمرة، ولذا قال: أصله في الصحيح، لو كان فيه ذكر العمرة لصار في الصحيح؛ لكن إذا وجدت أصل القصة، أو بعض ما يشهد لشيء من جمل الحديث في الصحيح صار أصله في الصحيح، كما هنا.
[ ٦٧ / ١١ ]
يقول: "وعن جابر بن عبد الله -﵄- قال: أتى النبي -ﷺ- أعرابي فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: «لا، وأن تعتمر خير لك» رواه أحمد والترمذي، والراجح وقفه، هو على كل حال هو ضعيف مرفوعًا وموقوفًا، هو ضعيف، ويستوي في ذلك المرفوع والموقوف، ولو صح لكان نصًا في أن العمرة ليست بواجبة؛ لكنه لم يصح، كما أن الحديث الذي يليه أيضًا ضعيف جدًا، والراجح وقفه، وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف عن جابر مرفوعًا: «الحج والعمرة فريضتان» وعلى كل حال لا يوجد في الباب أصرح من الآية: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] والحديث السابق: «عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة» وفيه أيضًا: «حج عن أبيك واعتمر» وما عدا ذلك فهو ضعيف، وحكم العمرة مسألة خلافية بين أهل العلم فالحنفية والمالكية يقولون: بسنيتها، وهي واجبة عند الحنابلة، ولا يعني أن وجوبها مثل وجوب الحج، يأثم من تركها؛ لكن ليس مثل وجوب الحج، الحج ركن من أركان الإسلام، والعمرة كما سمعنا مختلف فيها، غاية ما هنالك أن من تركها يأثم، والشافعية قولهم كقول الحنابلة أنها واجبة يأثم تاركها، ومن لا يقول بالوجوب يقول: أن الآية ليست أمر بالحج والعمرة، ليس فيها الأمر بالحج والعمرة، إنما فيها الأمر بالإتمام، والنسك إذا شرع فيه لزم إتمامه، الحجة الثانية واجبة أم نفل؟ نفل؛ لكن من دخل فيها لزمه إتمامها، الثانية نفل اتفاقًا، ومع ذلك من دخل فيها لزمه الإتمام، ويحتجون بمثل الحديث الذي سبق حديث جابر على ضعفه، ومعهم أيضًا الأصل الأصل عدم الوجوب الأصل عدم الوجوب فلا بد من ناقل عن هذا الأصل، وسمعنا أدلة من يقول بالوجوب المسألة كما ذكرنا خلافية؛ لكن المرجح عند أهل التحقيق وجوبها.
وعن أنس -﵁- قال: قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال -ﷺ-: «الزاد والراحلة» رواه الدارقطني، وصححه الحاكم، والراجح إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أيضًا وفي إسناده ضعف.
[ ٦٧ / ١٢ ]
نعم يقول -رحمه الله تعالى-، وعن أنس -رضي الله تعالى عنه- قال: قيل: يا رسول الله، ما السبيل؟ المشار إليه في قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [(٩٧) سورة آل عمران] ما السبيل؟ قال: «الزاد والراحلة» يعني كل من وجد زاد وراحلة يلزمه الحج؟ أو مما تتطلبه الاستطاعة الزاد والراحلة؟ يعني هل تفسير السبيل بالزاد والراحلة يعني على فرض ثبوته وإلا فهو ضعيف؛ لأنه من طريق مرسل، وطريق آخر من حديث ابن عمر في سنده متروك، تفسير السبيل بالزاد والراحلة هو تفسير بالمثال أو تفسير بالمطابقة؟ يعني من وجد زاد وراحلة يلزمه الحج، افترضنا أن شخص وجد زاد وراحلة؛ لكنه لا يثبت على هذه الراحلة يلزمه الحج أو لا يلزمه؟ نعم طيب شخص بمكة ويستطيع أن يصل إلى المشاعر بنفسه من غير راحلة، هل نقول: لا يلزمه إلا أن يجد راحلة؟ يلزمه ولو لم يجد راحلة، فعلى كل حال الخبر ضعيف؛ لكن جل الناس لا يتمكن من أداء الحج إلا بالزاد والراحلة، وهي مما يتطلبه الوجوب، وعلى كل الحال الوجوب إما بالنفس أو بالغير؛ لأنه قد يجد زاد وراحلة، يجد نفقة، يجد قدرة واستطاعة للحج لا بنفسه، عنده زاد وراحلة؛ لكن لا يثبت على الراحلة، كما سيأتي في حديث من سألت عن أبيها الذي لا يثبت على راحلة، فلا يلزم من وجود الزاد والراحلة القدرة والاستطاعة بالنفس، كما أنه لا يلزم من عدمهما عدم القدرة على الحج، كما نظرنا فيمن لا يحتاج إلى راحلة من أهل مكة مثلًا، بل من المسلمين من حج على الأقدام من أقاصي الدنيا، والخلاف في المفاضلة بين الركوب والمشي إلى الحج معروف بين أهل العلم، النبي -﵊- حج على رحل، كما في الصحيح: "حج النبي -﵊- على رحل، وحج أنس على رحل ولم يكن شحيحًا" لا شك أن الرحل مركوب متواضع، وهكذا ينبغي أن تكون حال المسلم لا سيما في مواطن العبادة، أن يسلك هذا المسلك، مسلك التواضع بينما تجد كثيرًا من الناس العكس يبالغون في الترفه، وإذا اعتمر بحث عن الفنادق الراقية، وإذا أراد أن يحج بحث عن الحملات الغالية، يبالغون مبالغ خيالية، ويوفر لهم على حد زعمهم ما يفتخرون به، إذا رجعوا إلى أهليهم، هذا لا شك أنه ينافي المقصود من
[ ٦٧ / ١٣ ]
العبادة التي فيها العبودية واستشعار الذل والخضوع لله --جل وعلا--.
لا شك أنه ينبغي على ولي الأمر أن يحد من هذه المبالغات التي توجد في بعض الحملات، تجد في إعلاناتهم توفير كل ما يطلبه الحاج، وشاركوا بعض الناس يعني حتى في أقسام النساء ما يوجد عندهن في بيوتهن وفي دوائرهن فيما بينهن يوفرون أكلات الضحى، وأكلات العصر، وأكلات مدري إيش؟ يعني شيء عندهم فيه مبالغة حقيقة؛ والله المستعان.
فالإشارة في الحديث إلى أن النبي -﵊- حج على رحل، وحج أنس على رحل ولم يكن شحيحًا، دليل على أن التواضع مطلوب في كل حال، لا سيما في مواطن العبادات، ومنهم من يفضل المشي إلى العبادة، والرجال قدموا على الركبان ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [(٢٧) سورة الحج] نعم قدموا على الركبان، فيرى بعضهم أن المشي أفضل؛ لكن لا أفضل من عمله -﵊- وما أختاره من الركوب، ولا شك أن الزاد أمر لا بد منه، إن لم يتيسر له الزاد عاش عالة على الناس، وكثير من المتصوفة الذين يظهرون التوكل على الله --جل وعلا-- ويقطعون الفيافي والمفاوز بدون زاد يزعمون أنهم يتوكلون على الله -جل وعلا- ومع ذلك إذا حضر وقته تكففوا الناس يسألوهم، هؤلاء توكلوا على الناس، والله المستعان.
وعلى كل حال الحديث ضعيف، وليس السبيل هو الزاد والراحلة لا طردًا ولا عكسًا، فقد يجب الحج من غير راحلة، وقد لا يجب مع وجود الراحلة، أعني وجوبه بالنفس، منهم من يرى أن هذا الحديث جاء من طرق متعددة ومتباينة، وفيها الموصول، وفيها المرسل، وبعضها يشد بعضًا، فيجعله من قبيل الحسن لغيره، ويجعله من باب التفسير بالمثال، يعني أهم ما يحتاج إليه في هذا السفر الزاد والراحلة، ببعض الأفراد، بل هي من أهم ما يحتاج إليه، كتفسير القوة بالرمي، القوة تتنوع المأمور بإعدادها، ليست الرمي وحده، وإنما الرمي وغير الرمي، والتنصيص على الرمي للعناية به، وهنا من أولى ما يهتم به في هذا الباب الراحلة التي تنقله من مكان إلى آخر، والزاد الذي يبلغه.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ١٤ ]
ولأن الاستطاعة شرط لوجوب الحج ولزومه فمن استطاع لزمه أن يحج، والذي لا يستطيع لا يلزمه الحج، ولا يلزمه السؤال، بل ولا قبول الهبة لما فيها من المنة، وبعض الناس يحرص على الحج للمرة الثانية والثالثة والعاشرة بالمنن، يقول: نحج وإذا وصلنا هناك تيسرت الأمور، فتجده إما أن يحرج أناس يجلس معهم، أو مع بعض الدوائر الحكومية من غير إذنهم، وأحيانًا يكون بغير رضاهم، أو بإذن من لا يملك الإذن، إذا جاء شخص وأعطاك مبلغ، وقال: حج، هذا فيه منة وإلا ما فيه منة؟ فيه منة، لا يلزمك أن تحج من أجل هذه المنة، فكيف أن تبدأ الناس، وتؤذي الناس، وتحرج الناس، والله -جل وعلا- قد عفاك، وأنت معذور؛ لأن كثير من الناس يتصرفون تصرفات غير لائقة، لا تليق به، كثير منهم، بس أنت وصلنا هناك، هذا بداية السؤال، وصلنا إلى مكة ويسهل الله، وإذا راح أحرج الناس، مثل ما ذكرنا، وأحيانًا الدوائر الحكومية تحرج بكثير من أمثال هؤلاء، وهناك أعمال قد لا يرضون اطلاع كثير من الناس عليها، ومع ذلك يحرجهم، وقد يستأذن أدنى واحد فيهم، وقد لا يملك الإذن، وهو من الأصل معافى، لو اتجه إلى عبادات أخرى يتقرب بها إلى الله -جل وعلا- بغير هذه الطريقة؛ لأن أصل السؤال ممنوع، فكيف إذا سألت سؤال تتوصل به إلى عبادة؟ وبعض الناس يرتكب بعض المحرمات من أجل تحصيل نفل، فيتأذى ويؤذي، ويعرض نفسه وغيره لارتكاب بعض ما حرم الله، ومع ذلك يزعم أنه يتطلب ما رتب على الحج المبرور، بعض الناس يتحايل على أن يصرف له مبلغ باسم انتداب، وهو يريد يحج، مصروف الانتداب إلى جهة ما من أجل عمل، يترك هذا العمل ويحج، بعضهم يتحايل لاستخراج المال من بيت المال بأي طريقة كانت من أجل أن يحج، هذه مخالفات، هذا فساد في التصور، تريد أن تتقرب إلى الله -جل وعلا- بما حرم الله عليك، بعضهم يترك العمل الواجب، موظف يترك العمل ومع ذلك لماذا؟ يريد أن يعتمر، ليس معنى هذا أن الموظف خلق من أجل هذه الوظيفة، وصارت له كالظل، بمعنى أنه لا يتركها البتة، لا، يستأذن ممن يملك الإذن، والمسألة عرفية، نعم طلب براءة الذمة هو الأصل؛ لكن إذا كان المسئول يملك الإذن ليوم أو يومين أو أكثر أو أقل، إذا كان يملك ممن منحه
[ ٦٧ / ١٥ ]
وخوله ولي الأمر بالإذن لمن تحت يده في اليوم واليومين، يستفيد منها في دينه أو دنياه لا بأس، والإجازة الاضطرارية تتفاوت فيها وتتباين أنظار الناس، منهم من يجعلها من حق الموظف، له خمسة أيام خمسة أيام لو يجلس في البيت، ومنهم من يفهم من مسماها اضطرارية أنها في حال الضرورة، والضرورة معروفة عند أهل العلم بأنها ما لا تبقى الحياة بدونها، والمسألة من خلال ما عرف من المسئولين أنها لا هذا ولا هذا، لا تأخذ إجازة اضطرارية وتجلس في البيت وتقول: من حقي، ولا تنتظر إلى أن تصل حد الهلاك وتقول: إجازة اضطرارية، كأن الاضطرار هنا معناه الحاجة، فإذا دعت الحاجة لمثل هذه الإجازة فلا بأس، ليس معناها الضرورة المعروفة عند أهل العلم التي تتوقف عليها الحياة، لا، وهذا كالإقرار من ولاة الأمر في هذا الباب، لا ينتظرون إلى أن يشرف المرء إلى الهلاك ثم يأخذ هذه الإجازة، بناء على أنها ضرورية واضطرارية، لا، إنما المقصود بها الحاجة، فإذا دعت الحاجة إليها لا مانع من أن تمنح لمستحقها.
إذا حج بدابة مسروقة أو مغصوبة أو مال مسروق، لا شك أنه ارتكب محرم، والحج صحيح وإلا غير صحيح؟ هذا شخص وقف عند بقالة ترك السيارة شغالة مر واحد قال: والله أنا بحاجة إلى راحلة، تبلغني إلى بيت الله، فأخذ هذه السيارة وامتطاها إلى تلك الأماكن المقدسة، وأدى الحج، فلما رجع بحث عن صاحبها سلمه إياها، الحج صحيح وإلا غير صحيح؟
إذا حججت بمال أصله سحت فما حججت ولكن حجت العير
على كل حال الجهة منفكة عند أهل العلم، وعندهم أن الحج صحيح مع الإثم، ورواية عند الإمام أحمد وهو مقتضى قول الظاهرية أن الحج ليس بصحيح.
وعن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- لقي ركبًا بالروحاء، فقال: «من القوم؟» قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ فقال: «رسول الله» فرفعت إليه امرأة صبيًا فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» [رواه مسلم].
[ ٦٧ / ١٦ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- وعن ابن عباس -﵄- أن النبي -﵊- لقي ركبًا بالروحاء، محل قريب من المدينة، يبعد عنها ما يقرب من خمسين كيلو، أو يزيد قليلًا، لقي ركبًا بالروحاء فقال: «من القوم؟» يقول النبي -﵊-: «من القوم؟» قالوا: المسلمون، وهم من المسلمين، فهو من العام الذي أريد به الخصوص، فقالوا: من أنت؟ ما عرفوا النبي -﵊- إما لكونهم لم يتقدم رؤية له -﵊-، أو لأن الوقت ليل في ظلام ما رأوه، المقصود أنهم سألوا عنه: من أنت؟ قال: «رسول الله» -﵊-، وبعض الناس يأنف أن يقال له: من أنت؟ كأنه يفترض في الناس كلهم أن يكون معروفًا لديهم، يستثقل أن يقال له: من أنت؟ ووجد الإنكار حتى من بعض طلاب العلم أنه يستثقل أن يسأل عنه من أنت؟ بعد أن صار علم، كيف يسأل عنه؟ والرسول -﵊- قالوا له: من أنت؟ قال: «رسول الله» فرفعت إليه امرأة صبيًا، صبي صغير لم يكلف، سواء كان مميزًا أو غير مميز؛ لكن رفعه يدل على أنه صغير جدًا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم» يعني حجه صحيح؛ «ولك أجر» فإن كان هذا الصبي مميز يلقن النية، ويأتي بما يستطيع فعله، وإن كان غير مميز ينوى عنه، ويدخل في النسك، ويجرد إن كان ذكرًا، ويفعل به ما يفعله الكبير مما يستطاع، والذي لا يستطاع يعني تأتي لصبي غير مميز وتقول له: صل ركعتين، الذي لا يستطاع يسقط، فدل على أن الصبي نسكه صحيح، حجه صحيح، عمرته صحيحة، ولمن أدخله في النسك، ونوى عنه، وطاف به، وسعى به، له الأجر، فإذا أدخل في النسك لزمه الإتمام، ولزم وليه أن يتم ما أدخله فيه، هذه مسألة يكثر السؤال عنها، يحرمون للصبي أو للصبية فإذا وصلوا وجدوا زحام تركوه، قالوا: هذا الصبي غير مكلف ما يلزم، بل يلزم ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة] بطوعكم واختياركم أدخلتوه في النسك، أتموا، ويترتب على ذلك ما يترتب على نسك الكبير، من ارتكاب لمحظورات وغيرها، فلا يحلق شعره، ولا يقص ظفره، ولا يلبس مخيط، كل ما يجتنبه الكبير يجتنبه هذا الصغير، يكثر سؤال بعض العوائل
[ ٦٧ / ١٧ ]
يذهبون في أوقات الزحام الشديد بأطفالهم، ويدخلونهم في النسك، ثم إذا رأوا الزحام ألبسوهم ثيابهم، ورجعوا بهم إلى بلدانهم، وهم ما زالوا محرمين؛ لأنه يلزمهم الإتمام في قول جماهير أهل العلم؛ لكنه إذا حج الصبي وقلنا: أن حجه صحيح ولوليه الأجر، فإن هذه الحجة لا تجزئه ولا تسقط عنه حجة الإسلام، بل إذا بلغ -كما سيأتي- عليه أن يحج حج الفريضة.
[ ٦٧ / ١٨ ]
إذا أدخل الصبي في النسك وارتكب محظور أو فعل به أهله ما يفعله كثير من الناس مما ذكرناه آنفًا، وجدوا زحام فلبسوه الثياب، ورجعوا به إلى بلدهم، ثم قيل لهم: لا بد ..، هو الآن محرم يجرد من المخيط، ويلبس الإحرام، ويطاف به ويسعى، ويكمل نسكه، التكاليف تكاليف الإرجاع إلى مكة على من؟ نعم هم يقولون: لا ينوي عنه إلا وليه في المال، أو وصيه؛ لأنه يتحمل مسئوليات، يعني الآن افترضنا صبي وارث عنده مال وله حج بهذا الحديث، ثم ارتكب ما ارتكب من المحظورات، يفترض أن مثله يطأ، أهل العلم يقررون أن من بلغ العاشرة يطأ، أو حلق شعره، أو قصر أظفاره، ارتكب محظور، أو قتل صيد، ما يترتب على هذه المحظورات؟ هل هي على الصبي أو على وليه الذي أدخله في النسك؟ أجرة إرجاعه إلى مكة على من؟ في مال الصبي وإلا في مال وليه الذي أحرم له؟ يعني كونهم يشترطون أن الذي يحرم له وليه في المال؛ لأن وليه في المال ينفق عليه من هذا المال، ومن ضمن النفقة ما يتطلبه ما أذن به شرعًا، فهي على كلامهم من مال الصبي؛ لكن لو أحرم له، وأدخله في النسك غير وليه، يعني أمه أدخلته في النسك، وهي ليس لها أن تتصرف من ماله، أو أخوه مع وجود الأب الذي هو ولي المال، تكون التبعات كلها على من أدخله في النسك، بعض الأسر إذا اعتمروا بالأطفال وزع هؤلاء الأطفال، كلهم يدخلون في النسك، فلان حجه لجده فلان، وفلان لجدته فلانة، وفلان حجه لعمته فلانة وفلان عمرته لكذا باعتبار أن هذا الطفل ما جرى عليه قلم التكليف لا يكتب له حسنات ولا عليه سيئات، ما حكم هذا العمل؟ في الحديث: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر» وإذا حج المكلف عن غيره أو اعتمر وأهدى ثواب عمرته لغيره معروف عند أهل العلم الحكم؛ لكن هذا يقولون: لا مكتوب له شيء ولا عليه شيء، وما دام هذا الأجر ثبت، وهذا الصبي لا يكتب له أجر لماذا لا نصرفها لشخص ينتظر هذا الثواب وهذا الأجر كالجد والجدة والعم والعمة والخال والخالة والأب والأم مثل هذا العمل شرعي وإلا غير شرعي؟ الآن لو أن الولي الذي أحرم لهذا الصبي قال: اللهم اجعل حجتي أو عمرتي أجرها لفلان لأبي أو لأمي، «حج عن أبيك واعتمر» ما فيه إشكال، وهذا الولي قال: هذا الصبي
[ ٦٧ / ١٩ ]
الذي أدخلناه في النسك له حج؛ لكن الحج أجره لمن؟ للصبي نفسه؟ «ولكِ أجر» ولكن له حج، إيش معنى له حج؟ يعني أجر بدون حج أو الأجر بثوابه؟ وهذا الثواب هل يصرف للطفل الذي لم يجر عليه قلم التكليف أو أين يذهب؟ أنا أريد أن أقرر مسألة يفعلها كل الناس، إذا حجوا بالصبيان قالوا: فلان حجته لفلان، وجد فلان وفلانة حجتها لجدتها فلانة، وهكذا، فهل يصل هذا الثواب إلى المهدى إليه أو لا يصل؟ باعتبار أن الحج يقبل النيابة «حج عن أبيك واعتمر» والعمرة كذلك، فهل هذا العمل شرعي أم أنه ليس شرعي؟ نحن لا ننظر إلى أن الرسول فعل أو ما فعل، ننظر من أصل المسألة الحج يقبل بالنيابة فهذا حجه صحيح، وعمرته صحيحة لكن لا يجري عليه قلم التكليف، لماذا لا يصرف هذا الحج إلى من يحتاج إلى مثل هذا الأجر؟
طالب:. . . . . . . . .
وين؟
طالب:. . . . . . . . .
هو ليست المسألة أن الحج فرض نقول: يريد ينوب، هذا ثواب رتب على هذا الحج الذي حجه من لم يجر عليه قلم التكليف، وليس بحاجة إلى هذا الأجر؛ لأنه لم يجر عليه قلم التكليف، فبدلًا من أن يكون هذا الأجر له صاحب وإلا ماله صاحب؟ يعني غير المكلف المرفوع عنه القلم ما معنى رفع القلم؟
طالب:. . . . . . . . .
غير المكلف يعني لم يجرِ عليه قلم التكليف، ومرفوع عنه القلم، يعني لا يكتب له ولا عليه، هذا الأصل، ما معنى له حج؟ حج بدون ثواب، وثوابه لمن؟
طالب: للصبي.
للصبي؟ ما كلف إلى الآن الصبي.
طالب:. . . . . . . . .
في أنه إيش؟ أجر إيش؟ إدخاله وأيضًا ما يفعل معهم متعب الطفل، ما معني له حج؟ يعني هل نقول: أن حجه من باب التمرين؟ يعني إذا أمرنا الطفل بالصلاة لسبع وصلى الطفل تكتب له حسنات وإلا ما تكتب أو مجرد تمرين؟ هو مجرد تمرين عند أهل العلم، وكذلك الحج مجرد تمرين، إذًا هل له أجر أو ما له أجر؟ وإذا ثبت له أجر هل يستطيع وليه أن يهديه إلى غيره يهدي هذا الأجر؟
طالب:. . . . . . . . .
الطفل طفل مرفوع باليد له حج.
طالب:. . . . . . . . .
ما يفرق ترى، له عشر أو عشرين.
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟ يعني إذا ما ثبت الأجر للطفل فلن يثبت لغيره من باب أولى.
[ ٦٧ / ٢٠ ]
طالب: يا شيخ يثبت للطفل الأجر -والله أعلم- لكن ليس لوليه يأخذ هذا الأجر فيهديه لغيره.
لا هو الذي يظهر أن المهدى هو الأجر المرتب على إدخال الطفل المنصوص بقوله: «ولكِ أجر» الأجر الذي ملكه الولي بقوله -﵊-: «ولكِ أجر» هو المهدى، وليس المراد الحج ولا العمرة، إنما الأجر المرتب على إدخال هذا الصبي في النسك هذا الذي يظهر.
فيما يذكر في فضل الحج مما هو في معنى حديث: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» الآية الأولى التي قرأها الإمام وفقه الله ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] معنى الآية أن من حج واتقى الله في حجه فلا إثم عليه، يعني فقد ارتفع الإثم عنه سواء تعجل أو تأخر، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه شريطة أن يتقي الله -جل وعلا-، فلا يرفث ولا يفسق كما في الحديث، ومثله إذا تأخر، يعني الظاهر من الآية المتبادر الذي يفهمه الناس كلهم من هذه الآية أن الآية فيها التخيير والتسوية بين التعجل والتقدم؛ لكن هل يكفي أن نقول: من ذكر الله في هذه الأيام يرتفع عنه الإثم لا بأس أن يتقدم ولا بأس أن يتأخر ويكفي هذا؟ هل يكفي أن يقال: من حج لا إثم عليه في حجه؟ يعني تأمل معنى الآية: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] يعني لا حرج عليه في تعجله هذا المقصود؟ من تعجل في يوم فلا إثم عليه لأنه تعجل؟ بسبب تعجله ما عليه إثم؟ وكذلك إذا تأخر ما عليه إثم؟ وهل يحج الإنسان ليرتفع عنه إثم الحج؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ٢١ ]
كيف؟ نعم هو يرجو ثواب الله -جل وعلا- بهذا الحج، الآية مطابقة لحديث: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ارتفع عنه الإثم السابق شريطة أن يتقي الله في حجه، من تأخر ارتفع عنه الإثم شريطة أن يتقي الله في حجه، فيكون معنى الآية معنى الحديث، وعلى هذا يعني الآية بظاهرها لا فرق فيها بين التعجل والتأخر، فلا يؤخذ من الآية تفضيل التأخر، إنما يؤخذ تفضيله من فعل النبي -﵊-، وهو أنه لم يتعجل، فيكون التأخر أفضل من التعجل، وأما الآية ففيها أن من اتقى الله -جل وعلا- في حجه ارتفع عنه الإثم، وهو معنى قوله: «رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه» يعني هل هذا المعنى هو الظاهر الذي يفهمه الناس من هذه الآية؛ لأن قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ [(٢٠٣) سورة البقرة] جاءت بعد من تأخر، فالذي يفهمه الناس من هذه الآية أن التأخر أفضل من التعجل، ما فيها دلالة على هذا؛ لأن (لمن اتقى) يرتفع الإثم عن الحاج إذا اتقى الله -جل وعلا- في حجه، سواء تعجل أو تأخر؛ لأن السياق واحد، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى، هل نقول: لا إثم عليه إذا تأخر شريطة أن يتقي ولا نشترط هذا في التعجل؟ لا، إذ لا يرتفع عنه الإثم إلا إذا اتقى الله -جل وعلا- فلم يرفث ولم يفسق، فيكون معنى الآية هو معنى الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الحافظ ابن حجر -﵀-: وعنه -﵄- قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله -ﷺ- فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، وجعل النبي -ﷺ- يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الحج على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، أفحج عنه؟ قال: «نعم» وذلك في حجة الوداع" [متفق عليه واللفظ للبخاري].
[ ٦٧ / ٢٢ ]
يقول المؤلف -رحمه الله تعالى- وعنه يعني ابن عباس صحابي الحديث السابق يقول: وعنه -﵄- يعني الضمير المجرور يعود إلى ابن عباس، والترضي عنه وعن أبيه، وهذا إنما يحسن إذا ذكر الابن مع الأب يعود الضمير إلى الاثنين، أما هنا ما ذكر إلى واحد، على كل حال الأصل أن يقال: عن ابن عباس -﵄- وإلا إذا قال: وعنه -﵁- لتتحد الضمائر، تقول: مثلًا عن أبي هريرة وابن عمر -﵃- أنهما قالا، الضمائر غير متحدة، فالترضي عن الثلاثة ابن عمر وعمر وأبو هريرة، والخبر عن اثنين فقط، وهذا ما فيه لبس؛ لكن تقول: وعنه -﵄- الذي يقرأ الخبر على انفراده فيه لبس، قال: كان الفضل بن عباس رديف رسول الله -ﷺ-، وهذا في حجة الوداع في أي وقت؟ السنة العاشرة؛ لأن حجة الوداع ما تجي غير العاشرة؛ لكن رديف النبي -ﷺ- في أي ظرف من ظروف الحج؟ في انصرافه من مزدلفة إلى منى.
طيب كان الفضل بن عباس رديف رسول الله -ﷺ-، يعني ركب معه على دابته، والإرداف على الدابة إذا كانت تطيق لا بأس به، رديف رسول الله -ﷺ- فجاءت امرأة من خثعم، خثعم قبيلة معروفة من قبائل العرب، وهل هي بطن من جهينة أو قبيلة مستقلة؟ أو من جهينة من يقال لهم: فخذ يقال لهم: خثعم غير القبيلة الكبيرة المعروفة، مسألة يشير إليها بعض أهل العلم، خثعم الآن ترجع إلى ماذا؟
طالب:. . . . . . . . .
إلى ماذا؟ أكيد، وإلا لا؟
طالب:. . . . . . . . .
شمران ترجع إلى خثعم، طيب وهناك الارتباط بجهينة مع الغامدية غامد، يعني مع أن غامد قبيلة كبيرة جدًا بعضهم يقول: غامد من جهينة، يقول: امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، في بعض الروايات: "كانت وضيئة" ويستدل بهذا بعض من يتتبع المتشابه ليرد به المحكم.
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ٢٣ ]
من نصوص الحجاب يقول: كيف ينظر إليها وتنظر إليه وهي متحجبة، النظر لا يلزم أن يكون إلى البشرة كثير من الناس يستهويهم الحجم، الطول والعرض، ويمكن النظر إلى الطول والعرض، ولو كانت متحجبة، والمحرمة لا تلبس القفازين فيبدو من بشرتها الوضاءة، ولو كان وجهها مغطى، المقصود أنه ليس فيه دليل على عدم الحجاب، والنصوص المحكمة تدل على وجوب الحجاب، وأن وجه المرأة عورة، يجب ستره، وفي حديث الإفك: "وكان يعرفني قبل نزول الحجاب" في حديث عائشة تبين أنه إذا حاذوا الرجال سدلت إحداهن جلبابها، المقصود أن أدلة الحجاب المحكمة كثيرة جدًا، ومن يتتبع المتشابه يقول: أن الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، مع أن الواجب على الطرفين الغض غض البصر، بعض الناس يقول: إذا كانت متحجبة فالبصر يغض عن من؟ يغض عن مثل هذه، النبي -﵊- يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فلا يجوز النظر إلى النساء، ولو كن متحجبات نظر شهوة وتلذذ، أما مجرد نظرة عابرة من غير شهوة ولا تلذذ
[ ٦٧ / ٢٤ ]
ومن غير حاجة، الحاجة إذا دعت الحاجة لذلك شريطة أن تؤمن الفتنة لا بأس، النساء يتولين البيع والشراء مع الرجال؛ لكن مع الاحتشام التام، وتؤدي المرأة شهادتها عند القضاة؛ لكن لا يعني هذا أنها تفتن الناس ومثل هذا النص الذي معنا، وقد استدل به من يستدل على أن الوجه ليس بعورة، وأنه لا يلزم حجبه؛ لكن ليس هناك ما يدل على أنها كاشفة للوجه أبدًا، والرجال كما يستهويهم الوجه يستهويهم أيضًا الحجم، ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبي -ﷺ- وهو يصرف وجه الفضل إنكار وتغيير باليد يصرفه بيده -﵊- إلى الشق الآخر، فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج، يعني هذه العبادة المفروضة من قبل الله -جل وعلا- على عباده أدركت أبي شيخًا، أدركته وإلا هو أدرك الفريضة؟ نعم، عندنا مدرِك ومدرَك، المدرِك هو اللاحق، والمدرَك هو السابق، وهذا الشيخ الكبير بلغ هذا السن قبل فرض الحج، ففريضة الحج أدركت هذا الشخص بعد أن كبر أدركته حال كونه شيخًا كبيرًا، لا يثبت على الراحلة، فدل على أن مجرد وجود الزاد والراحلة لا يكفي في وجوب الحج بالنفس، بل لا بد أن يكون ممن يثبت على الراحلة، في بعض الروايات إن شددته خشيت عليه، الآن الشخص الذي لا يثبت على الراحلة كيف يشد؟ يحتاج إلى شد مثل شد العفش، شخص ما يثبت مثل العفش، وإذا شد مثلما يشد العفش يخشى عليه، فمثل هذا تقول: أفأحج عنه؟ قال: نعم، يعني وضع السيارات يختلف عن وضع الرواحل، مهما ثبت المركب على الراحلة إلا أنه عرضة لأن يتخلخل فيسقط من عليه، إذا كان لا يثبت، في أول الأمر أول ما جاءت المراكب المريحة من السيارات وغيره، كان كثير من الناس لا يستطيع الركوب، والسفر على السيارة، يتصور هذا ولا ما يتصور؟ يدوخ من ركوب السيارة؛ لكن الآن صار عادي، أفأحج عنه؟ قال: «نعم» يعني مع وجود الزاد والراحلة تحج عنه، وذلك في حجة الوداع، فالحج على المكلف الذي لا يستطيعه مجزئ إذا كان ميئوسًا من الاستطاعة، ويحج عنه إن وجد من يتبرع من يحج عنه من أهله أو من غيرهم، وإلا فمن ماله؛ لأن هذا حق الله ودين الله، كما سيأتي في الحديث الذي يليه، فإذا تبرع الابن أو البنت
[ ٦٧ / ٢٥ ]
فالحج يقبل النيابة ويصح حج المرأة عن الرجل، كما في هذا الحديث، ويصح حج الرجل عن المرأة في بعض الروايات: إن أمي نذرت قال: رجل أمي نذرت أفأحج عنها؟ قال: «نعم» كما سيأتي فيصح حج الرجل عن المرأة والمرأة عن الرجل، ولا فرق، وهما أمام التكليف في هذه العبادة سيان، فإذا كان الشخص المكلف لا يثبت على الراحلة صار ذلك له عذر في النيابة، والحج كما ذكرنا يقبل بالنيابة، فقال: «نعم حجي عنه» في بعض الروايات أن السائل رجل والمسئول عنه امرأة، في بعض الروايات فيحمل هذا على تعدد القصة إذا كان الحج يقبل النيابة، وهنا النيابة مع وجود الحاجة إليها، وهذا في حج الفريضة، حج الفريضة الأصل أن يباشرها الإنسان بنفسه، يباشر الفريضة إذا كان لا يستطيع ينيب غير الفريضة، يعني إذا حج أحد عن أحد في فريضة ما أجزأ إلا إذا كان عاجزًا عنها؛ لكن في غير الفريضة حج حجة الإسلام، ويستطيع أن يحج فناب عنه أحد أولاده فحج عنه، يعني هذه مسألة مسألة الباب فيمن لا يستطيع الحج في الفرض يحج عنه في النفل، وهو لا يستطيع يعني من باب أولى إذا كان لا يستطيع والمسألة نفل فإذا جاز في الفريضة جاز في النافلة، إذا كان يستطيع في الفريضة لا يجوز النيابة، وفي النافلة هل يحج عنه ولا ما يحج عنه؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ٢٦ ]
نافلة، الأب حج مرارًا وقال: هذه السنة سأرتاح، حج عني يا فلان، أو قال: أحج عنك يا أبي يقبل وإلا ما يقبل مع القدرة؟ عند الحنابلة والحنفية النفل فيه سعة يقبل النيابة المطلقة؛ لأن النفل مبني على التوسعة، الناس الآن ينيبون في الحج؛ لأنه يوجد ناس يحجون بأجور زهيدة جدًا، طلاب مغتربون في مكة مثلًا بإمكانه أن يحج عنك أو عن أبيك أو عن من شئت بثلاثمائة ريال، عمرة في رمضان مائة ريال، حاصل هذا، بمائة ريال عمرة في رمضان، فهل نقول: أن هذا فيه سعة باعتباره نفل، وفضل الله واسع، ونتعرض لهذه النفحات ما دام الإنسان حج الفريضة ويريد الثواب، فهل نقول: مثل ما يقول الحنفية والحنابلة بأن الأمر فيه سعة، وأصل الحج الفريضة يقبل النيابة، فكيف بالنافلة؟ أو نقول: ندور مع النصوص؟ العاجز يناب عنه، غير العاجز يتولى العبادة بنفسه لأنه إيش البديل إذا قلنا: ما يقبل النيابة؟ البديل لا شيء، نعم إما أن تدفع هذا المبلغ الزهيد ليحج عنك أو عن أبيك أو يعتمر عنك أو عن أبيك في رمضان أو لا شيء، جالس أنت، ليس بالخيار أنك تحجج عنك أو تحج بنفسك بالأشكال أفضل، فمن رأى أن النفل مبناه على التوسعة، وأن الأصل في هذه العبادة أنها تقبل النيابة أجاز ذلك، ومنهم من قال: أن النيابة جاءت عند العجز عنه عن القيام بالعمل فهي تبقى النيابة وهي على خلاف الأصل فيما ورد فيه النص، منهم من يرى أن هذه العبادة كالصلاة لا تقبل النيابة أصلًا حتى مع العجز، ولا يجزئ أحد يحج عن أحد، كما أنه لا يجزئ أن يصلي أحد عن أحد، وأن ما حصل في هذا الحديث خاص بصاحبة القصة؛ لكن الأصل عدم الخصوصية، وإن جاء زيادة بلفظ: «حجي عنه، وليس لأحد بعدك» لأن إسنادها ضعيف، يعني لو صحت هذه الزيادة لصارت نصًا في الباب، ولا اجتهاد لأحد مع النص؛ لكنها ضعيفة، فمن رأى أن المسألة فيها سعة في النفل وأراد أن يبر بوالديه ويحج عنهما أو يحجج عنهما فالأمر -إن شاء الله- فيه سعة.
[ ٦٧ / ٢٧ ]
وعنه -﵁- أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي -ﷺ- فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» [رواه البخاري].
[ ٦٧ / ٢٨ ]
يقول: وعنه يعني ابن عباس -﵄- أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي -﵊- فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها» العبادات الواجبة إما أن يكون وجوبها بأصل الشرع كالفرائض التي افترضها الله -جل وعلا- على عباده، أو تكون مما أوجبها الإنسان على نفسه، ومضى الكلام على هذه المسألة في الصيام «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» وعرفنا أن القول المرجح أنه في صيام النذر؛ لأنه جاء في بعض الروايات «من مات وعليه صوم نذر» فما أوجبه الإنسان على نفسه يقبل النيابة، ما وجب بأصل الشرع لا يقبل النيابة، أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ والحديث السابق وجبت بأصل الشرع؛ لأنها قالت: إن فريضة الله، فهل نقول: أن النيابة في الحج أوسع منها في الصيام، كما أن النيابة في الصيام أوسع من الصلاة؟ وماذا عن الزكاة؟ لو وجبت زكاة على شخص فتبرع أحدهم بإخراجها عنه تبرأ ذمته أو لا تبرأ؟ نعم، وأما العباس فهي علي ومثلها، الصلاة لا يصلي أحد عن أحد، هي أضيق العبادات في النيابة، يليها الصيام «من مات وعليه صوم صام عنه وليه» وفرق العلماء بين ما وجب بأصل الشرع، وما أوجبه الإنسان على نفسه، فجعلوا ما وجب بأصل الشرع مثل الصلاة وإن حمله بعضهم على إطلاقه؛ لكن شيخ الإسلام حمله على النذر، كما جاء في بعض الروايات هو الموافق للقواعد الشرعية، ثم الحج أوسع من الصيام، فالفريضة تقبل النيابة عند العجز والنفل الذي هو النذر والنذر، كما في هذا الحديث قالت: إن ِأمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله فالله أحق أن بالوفاء» فديون الله كالنذور والكفارات تجب على المكلف، وتجب في ماله إذا مات قبل إخراجها، ولذا ينص أهل العلم في الحقوق المتعلقة بتركة الميت خمسة يقولون: الأول مئونة التجهيز، والثاني: الديون المتعلقة بعين التركة، كالديون التي فيها رهن لأعيان التركة، أو لبعضها، الثالث: الديون المطلقة، سواء كانت لله -جل وعلا- كالكفارات والنذور، أو كانت للمخلوقين، والخلاف بين أهل العلم أيهما مقدم إذا
[ ٦٧ / ٢٩ ]
كان الدين لمخلوق أو لله -جل وعلا-؟ هنا يقول: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء».
طالب:. . . . . . . . .
كيف؟ يعني مبني على المسامحة، وحق المخلوق مبني على المشاحة؛ لكن ما معنى قوله: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» نعم هذا دين ثبت على هذه المرأة، هذا النذر يعني عموم النصوص تدل على أن حقوق العباد مبنية على المشاحة، وأنه لا بد من أدائها بخلاف حقوق الله -جل وعلا- مبنية على المسامحة، هذا الذي يجعل الأكثر على أن حقوق العباد عند ضيق التركة عن وفاء الجميع تقدم، ومنهم من يأخذ من قوله: «فالله أحق بالوفاء» تقديم الحقوق الإلهية على الحقوق الآدمية، مسألة مفترضة في الشخص نذر أن يعتق رقبة، وهو مدين بمبلغ يساوي قيمة الرقبة، وقد ترك من المال بقدر هذا الدين فقط، أو بقدر رقبة فقط، هل نقول: هذا الذي تركته يشترى به رقبة وتعتق أو نقول: يسدد به الدين؟ يعني مقتضى قوله -﵊-: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» أحق أفعل تفضيل، يعني أولى بالوفاء من حقوق الآدميين؛ لأنه نص على الدين، والدين للآدمي، «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء».
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ٣٠ ]
يعني الحث، الحث بالمسارعة مسارعة بإبراء الذمة، افترض أن شخص نذر أن يحج، وما تبرع أحد من ورثته أن يحج وترك ماله، هل نقول: هذا النذر من ماله يعطى من يحج عنه وإلا ما يعطى من تركته؟ نعم من تركته، لو افترضنا أن الحجة مثلًا بألف وهو مدين بألف، وقد ترك ألف، ماذا نقول في هذا؟ يحج عنه أم يسدد الدين؟ مقتضى قوله: «فالله أحق بالوفاء» أفعل تفضيل، يعني أحق من الدين الذي ذكر في النص مقتضاه أن يقدم الحج على دين الآدمي فهو دين الله، وقال بهذا بعض العلماء استدلالًا بمثل هذا الحديث، والجمهور على أن دين الآدمي مقدم؛ لأنه مبني على المشاحة، وجاء أن من السجلات ما لا يقبل الغفران وهو حقوق الآدميين، والشهادة والقتل في سبيل الله يكفر كل شيء إلا الدين، نعم المقصود أن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، فهي مقدمة عند الأكثر، وقوله: «فالله أحق بالوفاء» هذا من أجل المبادرة بقضاء حقوق الله -جل وعلا-، وعدم التسامح فيها؛ لأن بعض الناس إذا كان الشيء لله قال: الله غفور رحيم، ويتسامح ويترك، الله -جل وعلا- غفور رحيم؛ لكن هو أيضًا شديد العقاب، وجاء مثل هذا النص لتأكيد الوفاء بالنسبة لحقوق الله -جل وعلا-.
«أرأيت لو كان على أمك دين أكنت ..» فيه استعمال للأقيسة، وضرب الأمثلة، فالأمثال جاءت في النصوص ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [(٤٣) سورة العنكبوت] عني أهل العلم عناية فائقة، وألفوا فيها المؤلفات، وعلى طالب العلم أن يعتني بها؛ لأن فيها العبر، وبها يتضح المقال، الله -جل وعلا- ضرب الأمثلة ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [(٢٦) سورة البقرة] ضرب المثال بالبعوض وبالذباب وبالعنكبوت وبغيرها، والمقصود أن الأمثلة لها شأنها، ولذا جاء قوله -جل وعلا- ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [(٤٣) سورة العنكبوت] فعلى طالب العلم أن يعنى بها، وفيه أيضًا إشارة إلى شرعية القياس، وأنه مأخذ شرعي، ومسلك شرعي لتقرير الأحكام، وعليه جماهير أهل العلم، خلافًا لأهل الظاهر.
[ ٦٧ / ٣١ ]
وعنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى» رواه ابن أبي شيبة والبيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف.
[ ٦٧ / ٣٢ ]
يقول: وعنه عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أيما صبي حج ثم بلغ الحنث» الحنث: الإثم، والمقصود أنه بلغ مبلغًا يكتب عليه الإثم، إذا عصى ويكتب له الأجر إذا أطاع، إذا بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة الوداع؛ لأن تلك الحجة التي حجها قبل أن يكلف هي نافلة إتيانه بها على سبيل التمرين، فلا تجزئ عن حجة الإسلام، «وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج حجة أخرى» كذلك ليس بمطالب بالحج أثناء الرق، فإذا حج كان كالصبي الذي يحج قبل أن يطالب بالفريضة، يقول: رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف، ابن حجر صححه مرفوعًا وموقوفًا، صححه في التلخيص مرفوعًا وموقوفًا، وهنا قال: المحفوظ أنه موقوف، ما الذي يقابل المحفوظ؟ الشاذ، يعني رفعه شاذ، رفعه إلى النبي -﵊- شاذ، والمحفوظ أنه موقوف من كلام ابن عباس؛ لكن هل للاجتهاد في مثل هذا مدخل أو ليس للرأي فيه مجال؟ فيه مجال، بمعنى أن ابن عباس يجتهد ويرى أن الصبي الذي حج نافلة لا تجزئه عن الفريضة، كمن صلى قبل العصر أربعًا وجاء بها بسلام واحد، فأعجله رفقته قال: تكفينا هذه عن الفريضة، تكفي وإلا ما تكفي؟ ما تكفي، الفرض لا يتجه إلى غير المكلف بالنسبة للصبي ظاهر في كون حجه نفل قبل التكليف؛ لكن العبد إذا حج قبل أن يعتق هو مكلف صلاته فريضة، صيامه فريضة، ما المانع أن يكون حجه فريضة؟ ويكون كمن لا يجب عليه الحج لعدم استطاعته؟ الفقير إذا حج هو لا يجب عليه الحج؛ لكن إذا حج يجزئ عن حجة الإسلام وإلا ما يجزئ؟ تجزئ عن حجة الإسلام، ما الفرق بين هذا الفقير الذي لا يستطيع الحج فحج تسقط عنه حجة الإسلام، العبد إنما لم يجب عليه الحج بناء على حقوق سيده، وأذن له سيده، وحج مع كون الحج لا يجب عليه هو بعدم المستطيع من المكلفين أشبه منه بالصبي؛ لأن الرقيق قلم التكليف يجري عليه مكلف، صلاته فريضة، صيامه رمضان فريضة؛ لكن الحج هل يلحق العبد هذا بالصبي، أو يلحق بغير المستطيع من المكلفين؟ نعم هو بغير المستطيع أشبه، ومثل هذا يسمى قياس الشبه، إذا تردد فرع بين أصلين، فإذا صححناه موقوف عن ابن عباس، كما وهو مقتضى صنيع
[ ٦٧ / ٣٣ ]
الحافظ هنا قلنا: أن ابن عباس اجتهد، ورأى أن العبد مثل الصبي، فالصبي لا يختلف أحد في أن هذه الحجة لا تجزئه عن حجة الإسلام؛ لكن العبد في اجتهاد ابن عباس وهو المحفوظ لأنه موقوف عليه في اجتهاده أنه كالصبي، فرأى أنه بالصبي أشبه؛ لكن من قاسه على المكلف غير المستطيع، ورأى أنه به أشبه قال: إذا حج حال رقه أجزأه عن حجة الإسلام، ومن صححه مرفوعًا وموقوفًا قال: ما دام صح مرفوعًا لا مجال للاجتهاد، وعليه حينئذ أن يحج مرة أخرى، ولذا قال: «وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه أن يحج مرة أخرى» وابن خزيمة وغيره صححوا أنه موقوف، يقول ابن خزيمة: الصحيح أنه موقوف، وهنا يقول ابن حجر: والمحفوظ أنه موقوف.
جاء في المراسيل لأبي داود من طريق محمد بن كعب القرظي أن رسول الله -ﷺ- قال: «أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت، فإن أدرك فعليه الحج» ومثله قال في العبد، هذا في المراسيل عند أبي داود، والشافعي خرج مثله عن ابن عباس، يعني مثل ما عند أبي شيبة، يقول ابن تيمية: والمرسل إذا عمل به الصحابة صار حجة اتفاقًا؛ لأن مما يتقوى به المرسل عمل الصحابة، المرسل المرفوع إلى النبي -﵊- الخلاف في قبوله معروف.
ورده جماهر النقادِ للجهل بالساقط في الإسنادِ
والشافعي وضع لقبول المراسيل شروط منها: أن يثبت مرفوعًا موصول، ومنها: أن يروى مرسلًا عن رجال غير رجال المرسل الأول، ومنها: أن يعمل به عوام أهل العلم، أو يفتي بمقتضاه بعض الصحابة، وهنا أفتى به ابن عباس، فخبر ابن عباس الموقوف المحفوظ إذا أضيف إلى مرسل محمد بن كعب القرظي المرفوع المرسل يتقوى به هكذا، قال شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- فإذا ثبت فلا كلام لأحد، والقياس في مقابل النص فاسد الاعتبار لأننا قسناه على المكلف غير المستطيع فإن ثبت الخبر مرفوعًا فلا مجال للقياس، ولا اعتبار له، يسمونه فاسد فاسد الاعتبار؛ لأنه في المقابل نص، وإن لم يثبت المرفوع وكان من اجتهاد ابن عباس، ورأى ابن عباس أن العبد أشبه بالصبي إذا حج قبل أن يكلف فهذا اجتهاده، ولغيره اجتهادهم.
[ ٦٧ / ٣٤ ]
وعنه -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يخطب ويقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» فقام رجل وقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: «انطلق فحج مع امرأتك» متفق عليه، واللفظ لمسلم.
[ ٦٧ / ٣٥ ]
وعنه -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يخطب ويقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» لأنه ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما، لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، فلا تجوز الخلوة بحال مهما كان العذر، ومهما كان السبب، وما يتعذر به الناس من ادعاء الحاجة سواء كانت الخلوة في البيوت، كما يفعله بعض الشباب مع الخادمات، أو يفعله بعض النساء مع الخدم في البيوت، هذا خطر عظيم، كم من كارثة حصلت بسبب هذه الخلوة، من الخلوة أيضًا أن ينفرد السائق بالمرأة في السيارة، وبعضهم يقول: أن السيارة ليست خلوة، هي خلوة، والوقائع التي يندى لها الجبين تقرر ذلك، ويتسامح كثير من الناس، تذهب المرأة إلى المدرسة مع السائق وحدها، ثم يحصل ما يحصل، يذهب بها إلى المستشفى وحصل ما حصل، ومع الأسف الشديد أن يذهب السائق بالمرأة إلى المسجد، حضور درس، أو محاضرة، أو لصلاة التهجد في العشر الأواخر من رمضان، ويحصل ما يحصل، تساهل الناس في هذا الباب، وإن قال من قال: أن الثقة موجودة، وثقتنا بنسائنا، لا ما فيه ثقة أبدًا، ما فيه ثقة بين رجل أجنبي وامرأة إطلاقًا؛ لأن هذه النصوص قيلت لمن؟ لأفضل القرون، ومعلوم أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، فكيف نقول: ثقتنا بنسائنا وبناتنا؟ كيف والرسول -﵊- يقول: «ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما»؟ وللأسف أن يتبنى بعض طلاب العلم من يقول مثلًا الحمد لله الآن السيارة ما هي بوحدها في الشارع، كيف ما هي بوحدها في الشارع؟ لكن هو والمرأة وحدهما في هذا الظرف، في هذا الحيز، يتكلم بما شاء لا يسمعه أحد، والذي يقول مثل هذا الكلام بمعزل تام إن كان صادق النية عما يحدث ويقع في الأسر من خلال المخالفات الشرعية، وهي عقوبات يجرها شؤم المخالفة للنصوص الشرعية، لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم، ذو محرم هو زوجها، أو من تحرم عليه على التأبيد، من أب، أو أخ، أو عم، أو خال، أو ما أشبه ذلك، هذا المحرم، إذا نظرنا إلى المحرم ومعها ذو محرم لها، لا بد من تقدير جار ومجرور إلا ومعها ذو محرم، هل نتصور أنه محرم له أو محرم لها؟ يعني إذا كان
[ ٦٧ / ٣٦ ]
السائق معه زوجته، والمرأة راكبة معهم، هل نقول: معها ذو محرم؟ يعني محرم له، أو المقصود محرم لها؟ الفرق بين هذه المسألة والمسألة التي تليها «ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» ما هو الفرق بينهما؟ أنه في المسألة الأولى يلاحظ أهل العلم مسألة الخلوة، (لا يخلون) وهذا الوصف الذي هو الخلوة يرتفع بوجود طرف ثالث، يعني إذا لاحظنا اللفظ: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم» قال: إن الخلوة ترتفع بوجود طرف ثالث، طيب إذا قلنا: بوجود طرف ثالث، وأن الخلوة إذا لم تكن بين اثنين فقط فلا بأس بها، يعني إذا وجد اثنين مثلًا سائق يريد يودي البنت للمدرسة، وقال لسائق الجيران: والله الآن أخو البنت هذا ليس موجود اليوم تعال معي نودي البنت يكفي؟ ثلاثة هم السائق سائق الأسرة، المحرم محرم البنت أخوها الذي يروح مع السائق يوميًا ما هو بحاضر اليوم، أو مريض، قال هذا السائق لسائق الجيران: تعال على أساس ترتفع الخلوة نمشي مع النص تحليل؛ لأن عندنا إلا ومعها ذو محرم من أهل العلم من يقول: الملحوظ الخلوة، فمسألة السفر غير، لا بد من المحرم؛ لكن في الحضر هل المحظور أكثر من الخلوة أو الخلوة فقط؟ الخلوة ترتفع بوجود طرف ثالث، إذا قلنا: أن الشيطان ثالثهما وجد ثالث ما فيه مجال للشيطان، فقال لسائق الجيران: تعالى على أساس ما تصير خلوة، ومثل هذا إذا قال لزوجته مثلًا: نريد أن نرفع الخلوة، أو أخت البنت هذه، أو أم البنت يكفي وإلا ما يكفي؟ أو لا بد من محرم لها، والمحرم هو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد؟ وهل يرفع الخلوة غير المكلف صبي وإلا صبية وما أشبه ذلك؟ يعني عندنا مسألتان: مسألة من غير سفر، والمسألة الأخرى مع السفر، السفر لا يجوز بحال إلا مع محرم، ولو كان ألف امرأة، لا يجوز أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم لها، أما بالنسبة للحضر فالمحظور الخلوة، إذا ارتفعت هذه الخلوة انتهى الإشكال، هذا ما يقرره كثير من أهل العلم؛ لكن يبقى أن حرفية الخلوة منعت من أجل ماذا؟ من أجل وجود الفتنة، لو وجد اثنين كلهم من ذئاب البشر، نقول: يجوز يروحون بهذه البنت ويجيبونها؟ لا، أبدًا، يعني مع وجود مظنة الفتنة لا يجوز بحال ولو ارتفعت الخلوة، طيب
[ ٦٧ / ٣٧ ]
هل مفاد هذا الخبر أن للناس أن يتساهلوا؟ الآن إذا وجدت الأسرة في مكان وعندهم الخادمة تخدمهم بما فيهم من رجال وشباب ومراهقين وغيرهم، هل نقول: الآن ما فيه خلوة إذًا تخدم المرأة بكل راحة وبكل حرية، أو نقول: السائق يدخل البيت ويخرج كواحد من أفراد الأسرة؛ لأن ما فيه خلوة، المحظور من الخلوة، نقول: أن التساهل في مثل هذه الأمور يجر إلى أمور لا تحمد، وإلى مصائب وكوارث وإلى تشتيت للأسر، ويكون منع مثل هذه التصرفات من باب سد الذرائع، وقطع دابر الفساد، وعلى هذا لا يكفي أن يقال: يأتي رجلان ليذهبا بامرأة؛ لأن الخلوة ارتفعت لا، والاحتمال والشيطان أيضًا لا شك أنه مثل ما يسول ويوسوس للواحد يسول ويوسوس للثاني، فلا بد من محرم ليحفظ هذه البنت، يتساهلون في زوجة السائق، ويقولون: أنها تغار عليه أكثر مما يغار عليه رجل الحسبة، غيرة ليست لله، يعني إذا كان السائق معه زوجته يتسامحون في هذا كثيرًا، الأم والأخت ما يعنيهما الأمر مثل ما يعني الزوجة، الزوجة تغار عليه غيرة كبيرة، فيجعلون الزوجة ترفع الخلوة، ويتسامحون في مثل هذا، وهذا له وجه، يعني لو سائق معه زوجته يوصل ويجيب داخل البلد الأمر فيه سعة؛ لكن إذا وجد أكثر من شخص ممن يخشى منهم الشر مثل هؤلاء لا شك أنهم لا يدخلون في ارتفاع الخلوة في أكثر من واحد؛ لأن الفتنة موجودة، وإذا خشيت الفتنة وإذا هناك مظنة لفتنة لا يجوز ولا للمحرم أن يخلو بالمرأة، إذا وجدت فتنة بين أخ وأخته يجوز أن يخلو بها؟ لا يجوز وهي أخته، إذا وجد فتنة بين رجل وأمه أو بنته لا يجوز أن يخلو بها، هذا أمر مفروغ منه فكيف إذا وجدت فتنة بين رجل وامرأة؟ ولو وجد من يدعى أنه يرفع الخلوة، فمدار الأمر كله وملاكه على وجود الفتنة، ويبقى التمسك أيضًا بحرفية النص، واحترام النص، قد يقول قائل: هذا شخص كبير السن لا حاجة له بالنساء، تعطلت منافعه من هذا الباب، يذهب بالمرأة ويخلو بها؟
طالب:. . . . . . . . .
نعم لكن إذا كان من التابعين من غير أولي الإربة لو افترضنا عنين أو مجبوب، عنين أو مجبوب، نقول: يسافر بهذه المرأة؟ لا يسافر بها، يخلو بها؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ٣٨ ]
نعم ما فيه غير ال. . . . . . . . .، فيه أمور ثانية يا إخوان فيه، فيه يا إخوان، مسألة هذا الباب يجب على المسلم أن يحتاط له أشد الاحتياط؛ لأنه إذا وقعت الكارثة والمصيبة
هذا يطلب تحديد موعد لإنهاء الدرس والإعلان عنه، كم تبغون مدة الدرس؟
ثمان ونصف؟ لأنه يقول: فيه ناس مرتبطين بمواعيد، وناس أيضًا بالموضوع الي تحدثنا عنه، لهم ناس يجيبونهم ويردونهم؛ لكن نرجو أن لا يكون هناك خلوة.
[ ٦٧ / ٣٩ ]
«ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» مع ذي محرم، يعني لها، وإن كان في بعض المذاهب يرون أن المحرم لا يمنع أن يكون سواء كان له أو لها، ولذا يجيزون للمرأة أن تسافر مع جمع من النساء معروف عند الشافعية، وليس كل قول يقول به إمام يكون راجحًا، بل قد يكون لا حظ له من النظر؛ لأنه يؤثر عن سعيد بن جبير: أنه لها أن تسافر مع مسلم ثقة، يعني إذا قلنا: بهذا القول ماذا تركنا لهذا النص؟ ما تركنا له شيء، «ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» تسافر سفر مطلق، أي شيء أي سفر، يمكن أن يقال له: سفر، والسفر أصله من الإسفار، ومثله السفور، وهو البروز والخروج عن البلد، هذا الأصل فيه، وجاء تحديده بيوم وليلة، وجاء تحديده بيومين، وجاء تحديده بثلاثة، وجاء الإطلاق، فدل على أن العدد ليس بمراد، مجرد ما يسمى سفر، لا يجوز أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم لها، ولو كثر الرفقة، وعلى هذا الذين يسافرون بالمدرسات إلى البلدان والقرى عليهم أن يتقوا الله -جل وعلا- أن لا يسافروا بامرأة إلا ومعها محرم لها، وهو زوجها أو من تحرم عليه على التأبيد، ولا بد أن يكون المحرم نبيه مكلف؛ لأن غير المكلف وغير النبيه يمكن خداعهم، وهل يشترط أو يكون مبصرًا أو يكفي ولو كان أعمى؟ اشترط بعضهم البصر، وبعضهم قال: بعض العميان لا شك أنهم أنبه من كثير من المبصرين، فهذا الشرط لا يوجد ما يدل عليه؛ لكن إذا خشيت الفتنة معروف ما هو الحكم، فلا يكون المحرم مغفل ينزل ويذهب ويروح ويجي ويترك موليته التي من أجلها سافر مع الأجنبي، الأسفار التي هي في عرف الناس وجرت العادة بأنها قصيرة الزمن كالسفر بالطائرة، بعضهم يتسامح في هذا، يقول: يا أخي هو سفر ساعة ما يضر، ومع جمع من الناس، ما يحتاج، المحرم يوصلها المطار، وإذا دخلت باب الطيارة سهل -إن شاء الله- ما عليها شيء، تصل إلى المكان الثاني المطار الثاني المحرم أيضًا ينتظرها، وإذا أردنا بعد هذا أن نتوسع في الأمر قلنا: من البلد إلى المطار ليس بسفر ما يحتاج محرم، تذهب مع جمع من النسوان، وتركب الطائرة لأن الزمان يسير، ومثله في المطار الثاني ما فيه سفر، والأمور يجر بعضها بعضًا إلى أن نتنازل عن قيمنا وأخلاقنا، الآن
[ ٦٧ / ٤٠ ]
الطائرة أقلعت من مطار الدمام تريد الرياض مثلًا بنصف ساعة، حالة المؤثرات عن نزول الطائرة، الجو ما يسمح بأن تنزل الطائرة في مطار الرياض، قالوا: حائل، يحصل وإلا ما يحصل؟ حصل كثير هذا، حصل في القطار، يودع المحرم في محطة القطار وتركب للرياض، ومع جمع غفير من النساء الفتنة مأمونة، وتعطل القطار في آخر الشهر في ظلام دامس، في شدة الحر قال: اخرجوا؛ لأن داخل القطار متعطل وحر شديد، اخرجوا، هل هذا تؤمن فيه الفتنة؟ والأعراض مما يجب حفظها، وحفظها من الضرورات، فالتساهل في مثل هذا لا شك أنه يجر إلى ويلات وكوارث، يعني حالت المؤثرات عن هبوط الطائرة في المكان، ونزلت في مكان آخر تؤمن عليها الفتنة، الآن ما فيه أيضًا رحلة تريد تنتقل إلى البلد في مثل هذا اليوم، أو مع الاتصالات قالوا: أيضًا إلى الآن الجو ما يسمح، ومكثت يوم أو يومين بمفردها، لا بد من أن نحسب لمثل هذه الأمور حساب، وهو أيضًا سفر، ولو قصرت المدة، والفقهاء ينصون على المسافة ولو قطعها في ساعة، والرسول -﵊- يقول: «ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم» فقام رجل فقال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، سفر عبادة بعض الناس يقول: البنت أو الزوجة تدرس في بلد آخر مائتين كيلو، وأنا والله ما عندي استعداد أعطل أعمالي ومصالحي وأروح أوديها، إما أن تعطل مصالحك أو تعطل مصالحها هي، لا بد من هذا، تريد أن تحوش الدنيا كلها، الأمور لو حسبت حتى بمقاييس الدنيا بموازين الدنيا، امرأة تسافر يوميًا –عجوز- تسافر يوميًا سبعمائة كيلو، يعني بأي عقل؟ بأي عرف؟ بأي تسافر عجوز مسكينة تروح مع السائق توديها وترجع تسوي الغداء وترجع. . . . . . . . .، مثل هذه الأمور لا بد أن يحتاط لها أشد الاحتياط، قال: يا رسول الله إن امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، هي في عبادة، وهو في عبادة، قال رسول الله -ﷺ-: «انطلق وحج مع امرأتك» اترك الغزوة، اترك الجهاد وحج مع امرأتك، هذا أهم، يعني ويش الضرورات التي جاءت الشرائع بحفظها منها: حفظ العرض، وهذا منه، والعرض يخدشه ويدنسه أدنى شيء، وليس بخاص في الشخص نفسه إذا تساهل ضرره يتعدى إليه وعلى
[ ٦٧ / ٤١ ]
ولده وعلى أصهاره، وعلى أقاربه كلهم، ولذا جاء اهتمام الدين والإسلام على وجه الخصوص بهذا الباب.
قال: «انطلق فحج مع امرأتك» [متفق عليه واللفظ لمسلم] ومنهم من يفرق نظرًا للمعنى مثلًا يقول: إذا كانت المرأة شابة تلفت أنظار الناس فلا بد من محرم، أما إذا كانت عجوز لا يلتفت إليها، ولا تلتفت لها همة الناس مثل هذه يتسامح في حقها، يعني أصل هذا القواعد مثلًا اللاتي لا يرجون نكاحًا هؤلاء أمرهن مخفف؛ لكن لا يعني أنها تسافر بدون محرم، يعني تخفف من حجابها لا بأس؛ لكن لا يخلى بها، لا يجوز الخلوة بها ولو كانت عجوز، ولا يجوز سفرها من غير محرم ولو كانت عجوز، كل صنف من الناس له جنس يريده ويهواه، ومن الناس من سرت في عروقه محبة المعصية، وعاش عليها واستمرأها بحيث صار لا يكف عن شيء، نسأل الله السلامة والعافية، وهذا الباب على وجه الخصوص في الظروف التي نعيشها مع وجود هذه الوسائل التي تؤجج هذه الغريزة، ينبغي أن يزاد في مسألة الحرص على الموليات، سواء كن كبيرات أو صغيرات.
طالب: سفر الخادمات بدون محرم؟
ما يجوز، الخادمات مسلمات وهن مطالبات بهذا، وإن كن كافرات فالأمر أشد، لا تسافر امرأة بدون محرم، لكن الشيء الذي حقيقة ابتلي به كثير من الناس أنها إذا جاءت الخادمة أو قال: أنقل كفالتها من الداخل ولا تحتاج إلى سفر من غير محرم، ثم وجدت في البيت لا خلوة ولا سفر ولا شيء، اضطر أن يسافر هو يتركها في البيت وحدها وإلا يسافر بها؟ يجوز وإلا ما يجوز؟ ما معها محرم، معها أهله؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ٤٢ ]
هو الإشكال أننا نرتكب أمور ونبني عليها أمور أخرى، أمور غير شرعية مثل من يسأل شخص عنده عشر مدرسات ينقلهن بباص بمسافة مائتين كيلو، يقول: لا بد أن نخرج قبل صلاة الفجر بساعة، ثم بعد ذلك لا نستطيع أن نقف في الطريق ونصلي الفجر حتى نصل إلى المدرسة، من يأمن أننا نجلس ومعي عشر من النساء يمكن يعتدى عليهم، ويؤخر الصلاة حتى تطلع الشمس، هو يريد جواب شرعي نتيجة صحيحة مبنية على وسيلة الغير صحيحة، يعني ظلمات بعضها فوق بعض، مسألة الخادمات وما ابتلي به الناس، ويتساهلون في هذا الباب، وكون بعض الناس يحتاط ولا يحضرها إلا بمحرم، أو ينقل كفالتها من الداخل، بحيث لا يكون سببًا في ارتكابها المحرم، فيكون شريكًا لها، تأتي مسألة السفر يروحون يسافرون، وفي الصيف يروحون يعتمرون، ويش يسوون يتركونها في البيت وحدها أو عند الجيران أو عند الأقارب؟ مثل ما قال أهل العلم: ارتكاب أخف الضررين، كونها معه ومع نسائه وأولاده أحفظ لها من كونه يتركها عند غيره؛ لكن أيضًا يبقى في النفس ما فيه، يبقى مخالفة النص «لا تسافر المرأة» فكون الإنسان يرتكب أخف الضررين، ويعرف أنه مخالف، ويتوب ويستغفر من الله -جل وعلا- أسهل من كونه أيضًا يفرط بها، أو يعرضها لما يضر بها، والله المستعان، وكل هذا سببه شؤم المخالفة، شؤم المخالفات.
وعنه -﵁- أن النبي -ﷺ- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «من شبرمة» قال: أخ أو قريب لي، قال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والراجح عند أحمد وقفه.
[ ٦٧ / ٤٣ ]
يقول -رحمه الله تعالى-: وعنه -﵁- أن النبي -ﷺ- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، قال: «من شبرمة؟» يسأله النبي -﵊-: «من شبرمة؟» قال: أخ لي، أو قريب لي، فقال: «حججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» هذا الحديث مخرج في السنن، وصححه ابن حبان، وأيضًا رجح الإمام أحمد رفعه، في رواية ابنه صالح، وهنا يقول: الراجح عند أحمد وقفه، فثبت عنه تصحيحه مرفوعًا، وثبت عنه أيضًا ترجيح الوقف، ولا يمنع من صحة الرفع والوقف؛ لكن بهذا السياق، يعني ابن عباس سمع رجلًا يقول: "لبيك عن شبرمة" هذا مقتضى الوقف مقتضى ترجيح الوقف أن ابن عباس سمع رجلًا يقول: "لبيك عن شبرمة" فقال: «من شبرمة؟» قال: أخ لي أو قريب، بهذا السياق، ومقتضى تصحيح الرفع أن النبي -﵊- سمع رجل يقول: "لبيك عن شبرمة" يعني هل نقول: أنها قصة واحدة أو أكثر من قصة؟ قصة واحدة، ثبتت مرفوعة للنبي -﵊- أو موقوفة؟ إما هذا أو هذا، أو نقول: هما قصتان إحداهما ثبتت مرفوعة إلى النبي -﵊- والأخرى ثبتت موقوفة على ابن عباس؟ أو نقول: الأصل أنها مرفوعة، وبعض من روى الخبر قصر بها فوقفها؟ أو نقول: هي قصة واحدة، والأصل أنها موقوفة، وهذا من كلام ابن عباس، ثم بعض الروايات جرى بها على الجادة، فرفعها إلى النبي -﵊-؛ لأنه في رواية صالح حكم الإمام أحمد أنه مرفوع، وهنا يقول: الراجح عند أحمد وقفه، هل نقول: أن الإمام أحمد ثبت عنده أنه مرفوع، وثبت عنده أنه موقوف؟
طالب:. . . . . . . . .
[ ٦٧ / ٤٤ ]
القصة واحدة، القصة واحدة وإلا أكثر من قصة؟ يعني بهذا السياق الذي يغلب على الظن أنها قصة واحدة؛ لكن المرجح عند أحمد الوقف، كما قال المؤلف، مع أنه ثبت في رواية صالح أنه صحح المرفوع، يعني أحمد -﵀-، فهل نقول: أن هذه القصة رويت من طريقين طريق مرفوع وطريق موقوف؟ وكلاهما صحيح ثابت عند أحمد، فيكون من رواه مرفوعًا بناء على الأصل، ومن بناه موقوفًا قصر به فجعله من قول ابن عباس؟ يعني نظير ما جاء في رفع اليدين بعد الركعتين، بعد التشهد الأول، المرجح عند البخاري الرفع، ولذا خرجه مرفوعًا، المرجح عند الإمام أحمد الوقف، ولذا لم يقل به، وليس من مواضع الرفع عنده بعد الركعتين، هذا يتصور أنه يثبت عن النبي -﵊- كما فعل البخاري، ويتصور أن يثبت عن ابن عمر موقوفًا عليه؛ لكن قصة بهذا السياق: "لبيك عن شبرمة" «من شبرمة؟» أخ لي إلى آخره، يعني هل هذا من الأسماء المطروقة شبرمة، أو من الأفراد؟ نعم يندر أن يتفق في التسمية على هذا بمثل هذه القصة وبهذا السياق؛ لكن هذه القصة الواحدة رويت من طريقين أحدهما مرفوع، والثاني موقوف، وفي هذا ما يسمى عند طلاب العلم تعارض الوقف والرفع، وإذا تعارضا فهي مسألة خلافية بين أهل العلم، منهم من يقول: العبرة بالرفع؛ لأن من رفع معه زيادة علم، ومنهم من يقول: لا العبرة بالوقف؛ لأن الوقف متيقن، ذكر ابن عباس متيقن، متفق عليه، ذكره من رفع ومن وقف؛ لكن ذكر النبي -﵊- مختلف فيه، والأصل عدمه، فالمرجح الوقف، ومنهم من يقول: يحكم للأحفظ، ومنهم من يقول: يحفظ للأكثر؛ لكن طريقة الأئمة الكبار أنهم لا يحكمون بحكم عام مطرد، بل يجعلون القرائن ترجح، فمرة القرائن عند الإمام أحمد رجحت الوقف، ومرة رجحت الرفع، وحينئذ يكون له أكثر من قول في هذا الحديث، وعلى كل حال الكلام في الحديث طويل، وهو عمدة من يقول: أنه لا تصح النيابة في الحج ممن لم يحج عن نفسه، وهم جمهور العلماء، خلافًا للحنفية، وهو حديث مختلف فيه، وهو مضعف عند جمع من أهل العلم، يعني رفعه ضعيف، وهو عمدة الجمهور في عدم تصحيحهم النيابة قبل الحج، يقول الإمام أحمد: رفعه خطأ، ويقول ابن المنذر: لا يثبت
[ ٦٧ / ٤٥ ]
رفعه.
[ ٦٧ / ٤٦ ]
إذا أحرم عن غيره كما هنا هل يجزئه هذا الإحرام عن نفسه، أو عليه أن يجدد الإحرام ليحرم عن نفسه؟ يجزئ؛ لأن الإحرام ثابت ثابت، الإحرام التلبية بالحج ثابتة؛ لكن ما الذي تغير؟ نية الدخول في النسك ثابتة ما تغيرت؛ لكن الذي تغير كون هذا النسك لفلان أو فلان، شخص حج نيابة عن شخص عن زيد من الناس قال: هذه ثلاثة آلاف حج عني، فقال في المحرم: لبيك عن زيد، صاحب هذه الدراهم، اتصل زيد بالجوال وقال: والله هذه السنة استخرت أنا حاج الفرض، ومتطوع مرارًا، وأنا ما أريدك تحج عني، فكان شخص موجود وقال: هذه ثلاثة آلاف بدالها، هو ناوي للدخول في النسك؛ لكن بدل من أن يحج عن زيد يحج عن عمرو، يصح وإلا ما يصح؟ على مقتضى هذا الحديث؟ أو نقول: أن زيد ليس له أن يرجع باعتبار أن نائبة دخل في النسك فيلزمه الإتمام، الآن عندنا ثلاثة أشخاص زيد وعمرو وبكر، هذا زيد جالس في بلده، دفع لعمرو ثلاثة آلاف، وقال: حج عني، ذهب عمرو لما تلبس بالإحرام قال: لبيك عن زيد، اتصل زيد بعد مدة يسيرة، وقال: والله أنا احتجت الدراهم، ابعثهن لي، حولهن لي، ما أحتاج الحج هذه السنة، فإذا بكر موجود قال: هذه ثلاثة آلاف، هذا التنظير يمشي على الحديث؛ لأن الدخول في نسك هذا الرجل الذي هو عمرو دخل في النسك؛ لكن هل هو عن فلان أو عن فلان هذا الذي تغير مثل ما معنا، هذا دخل في النسك؛ لكن هل هو عن شبرمة وإلا عنه؟ هذا الذي سيتغير هل نقول: أن حكم الوكيل حكم الأصيل؟ الآن الذي أثر في التغير كون الذي دخل في النسك ما حج عن نفسه، فإحرامه عن موكله ليس بصحيح؛ لكن هذا إحرامه عن زيد صحيح ولا مو صحيح؟ صحيح فهل يغير هذا الإحرام إلى بكر ولا ما يغيره؟ أنتم أدركتم الفارق ولا ما أدركتموه؟ الآن هذا شخص ما حج عن نفسه، وكل بالحج وقيل له: ما يجوز أن تحج عن غيرك وأنت ما حجيت عن نفسك، حج عن نفسك ثم حج عن زيد، المسألة التي افترضناها شخص حاج عن نفسه تصح نيابته لأنه حج عن نفسه فقبل النيابة عن زيد بمبلغ معين، ثم لما دخل في النسك: لبيك عن زيد اتصل عليه زيد حول لي المبلغ، أنا محتاج، حج عن نفسك وإلا حج عن غيرك، دبر نفسك، وبكر موجود هذا المبلغ حوله، يعني التنظير مطابق لما معنا أو
[ ٦٧ / ٤٧ ]
غير مطابق؟ غير مطابق، لماذا؟ لأن المانع من النيابة في الصورة الأولى صورة حديث الباب مانع شرعي، يمنع من النيابة أصلًا، هذا ما فيه ما يمنع من النيابة، والنائب له حكم من ينوب عنه، فلا يغيره خلاص، ما دام دخل نائب في النسك لا يجوز له أن يغير ولا يرجع، بالنسبة للنية النية في الحج نية الدخول لا بد منها ركن من أركان الحج؛ لكن التعديل في هذه النية فيه شيء من السعة، ما هو مثل الصلاة أو مثل الصيام، لا، فيه شيء من السعة، بمعنى أنه لو حج أحرم إحرام مطلق، ثم صرفه لما شاء لما وصل إلى البيت أو أحرم بما أحرم به فلان يصح وإلا ما يصح؟ يصح، أحرم بالحج مفردًا، فلما وصل إلى البيت قلبه عمرة، ثم أتى بالحج بعده يصح وإلا ما يصح؟ يصح، فنية الدخول في النسك ركن لا تتغير ولا بد من الإتمام؛ لكن التصرف في هذه النية فيما يتيحه الشرع، أما ما لا يتيحه الشرع فلا، يعني أحرم متمتع، أراد أن يقلبه إلى مفرد، يصح وإلا ما يصح؟ يعني من الأقل إلى الأكمل، هذا ما فيه إشكال، دلت عليه الأدلة؛ لكن العكس ترى بيجينا مسائل كثيرة من مثل هذا النوع؛ لكن شخص أحرم مفرد، فلما أحرم بالحج جاء وقال: لا أنا أريد الأكمل أنا بأحرم بعمرة، أنا أريد أن أحرم بعمرة، أحرم بعمرة؛ لكن لما أنهى العمرة قال: من يلزمني بالحج؟ أنا الآن أتممت النسك وبيرجع، يجوز وإلا ما يجوز؟ أقول: هذا أحرم بالحج أو أحرم قارن، قال: والصورة تصير مطابقة لأمر النبي -﵊- لما أحرم قارن وقدم مكة قيل له: هل معك هدي؟ قال: لا والله ما معي هدي، قلنا: اجعلها عمرة، قال: طيب أجعلها عمرة، لما حل من العمرة قال: الآن الحل كله أريد أرجع لأهلي، أنا لست حج يجوز وإلا ما يجوز؟
طالب: ﴿وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ﴾ [(١٩٦) سورة البقرة].
[ ٦٧ / ٤٨ ]
أتم العمرة، والحج ما بعد دخل، ما دخل في الحج إلى الآن، هو لو كان عمله ابتداء أحرم بعمرة ولو كان في نيته أن يحج لو كان ابتداء جاء ليتمتع، فلما أدى العمرة وحل الحل كله، ورأى الزحام الشديد، قال: والله أنا لبست ثيابي برجع إلى أهلي، الحج ما بعد تلبست به، هذا يجوز، هذا ما فيه إشكال، وإن كان في نيته أن يحج لكن هذا الذي قلب الحج إلى عمرة ليبحث عن الأكمل ثم يرجع؟ نقول: لا يا أخي، ومن باب أولى إذا فعل ذلك حيلة، بعض الناس يقولون: ورطنا الحين تلبسنا بالحج وبعدين عشرة أيام على الحج وزحام، خلي عمرة ونرتاح، من باب الحيلة نقول: لا، هذا يعامل نقيض قصده، وعلى كل حال مسائل النية يأتي كثير منها -إن شاء الله تعالى-.
وعنه -﵁- قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: «إن الله كتب عليكم الحج» فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت، الحج مرة فما زاد فهو تطوع» رواه الخمسة غير الترمذي، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة -﵁-.
وعنه يعني ابن عباس -﵄- قال: خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: «إن الله كتب عليكم الحج» كتب يعني أوجب وفرض، عليكم الحج وللتردد في الأمر هل يقتضي التكرار أو لا يقتضيه؟ ومن باب التأكد قام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: «لو قلتها لوجبت، الحج مرة» وهذا يدل على أن الأمر لا يقتضي التكرار، ويخرج المكلف من عهدته بأدائه مرة واحدة، إلا إذا دل دليل يقتضي التكرار، هنا قال: «إن الله كتب عليكم الحج» فقام الأقرع بن حابس فقال أفي كل عام يا رسول الله قال لو قلتها لوجبت في رواية: «ولو وجبت لم تقوموا بها» وفي رواية: «لما استطعتم».
[ ٦٧ / ٤٩ ]
«لو قلتها لوجبت، الحج مرة، فما زاد فهو تطوع» يعني من نعم الله -جل وعلا- على المسلمين أن الحج ليس بكل سنة لا يتكرر مثل الصلاة والصيام، رواه الخمسة، ويقول: غير الترمذي وأصله في مسلم، لفظ مسلم خطبنا رسول الله -ﷺ- فقال: «يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا» فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال: «لو قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم» ثم قال: «ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على أنبياءهم» وفيه: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» والأسئلة في الأمور التي فيها شيء من السعة الخالية من القيود والشروط لا شك أنها قد تكون سببًا في التضييق، وهذا المحظور إنما هو في وقت التشريع، وأما الاستفصال بعد استقرار الأمر وانقطاع الوحي، الاستفصال من أجل أداء العبادة بيقين على وجهها، هذا مطلوب وفيه ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [(٤٣) سورة النحل] لكن في وقت التشريع احتمال أن هذا كان مباح، ثم يحرم من أجله، وهذا من أعظم الناس جرمًا، من سأل عن شيء مباح ثم حرم من أجله، اليهود لما قال لهم موسى -﵇-: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [(٦٧) سورة البقرة] لو ذبحوا أدنى بقرة وجدوها كفت؛ لكن شددوا فشدد عليهم، ولولا أنهم استثنوا ما ذبحوها، ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ [(٦٧) سورة البقرة] فسألوا عن سنها ما هي؟ لا فارض ولا بكر، سألوا عن لونها؟ صفراء، عاملة وإلا غير عاملة؟ لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، المقصود أنهم سألوا عن بعض القيود فألزموا بها، ولولا أنهم استثنوا ما ذبحوها، وهي أمة بكاملها، تتردد على طريقة اليهود، على طريقتهم في التلكؤ وعدم القبول، أمة تؤمر بذبح بقرة فذبحوها وما كادوا يفعلون، بعد تردد طويل، وفرق بينهم وبين من يؤمر بذبح ابنه فيتله للجبين، يعني الناس يتفاوتون، فهذه أمة كاملة، الشاهد أن مثل هذه الأسئلة في وقت التشريع لا شك أنها مذمومة، وإنما هلك بنو إسرائيل -أو من قبلنا عمومًا- بكثرة سؤالهم، جاء النهي عن ذلك: ﴿لاَ تَسْأَلُواْ
[ ٦٧ / ٥٠ ]
عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [(١٠١) سورة المائدة] وأما بعد الاستقرار، استقرار التشريع، وعدم الزيادة فيه بانقطاع الوحي، فلا مانع من الاستفصال لتؤدى العبادة على وجهها.
وصلى لله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٦٧ / ٥١ ]