بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فيقول المصنف ﵀: [عن أنس بن مالك ﵁ قال: (سُئل رسول الله ﷺ عن الخمر تتخذ خلًا؟ قال: لا) أخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح] .
في هذا الباب بيان الأعيان النجسة، وبيان تطهيرها.
وهذا الترتيب من حيث هو -في باب الفقه- ترتيب طبيعي، وهو موافق للترتيب العملي، فبدأ بكتاب الطهارة، ثم ذكر باب المياه، ثم بعد المياه الأواني التي نحفظ فيها الماء، وبيان ما يجوز استعماله وما لا يجوز، ثم هاهو يأتي بباب النجاسة؛ لأن النجاسة تحتاج إلى تطهير، ويجب اجتنابها، فهي من لوازم كتاب الطهارة، وإنما تكون الطهارة من النجاسة، أو كما قيل: من النجس أو الحدث.
والحدث أمر معنوي، والنجاسة أمر حسي.
والنجس منه ما هو نجس العين، ومنه ما هو نجس نجاسة طارئة عليه، أي: متنجس.
فنجس العين لا يطهر إلا بإزالة العين، كالعذرة والدم وما أشبه ذلك، فلا تَطْهُر إلا بإزالة عينها نهائيًا، فإذا خالط الثوب شيء من تلك الأنجاس العينية فلا بد من إزالة عينها وجرمها قدر الاستطاعة، وسيأتي في دم الحيض: (ولا يضركِ أثره) .
أما التنجس فهو الشيء الطارئ الذي يطرأ على العين فينجسها، كالماء الطهور إذا وقعت فيه نجاسة، مع أنه كان في الأصل طاهرًا، ولكنه تنجس بهذه النجاسة.
فبدأ المؤلف رحمه الله تعالى ببيان نجاسة الخمر، وعلمنا نجاسة الخمر من خلال السياق؛ فإنه ﷺ سُئل عن الخمر تتخذ خلًا فقال: لا.
وطريقة الاستدلال على نجاستها أنها لو لم تكن نجسة لسمح ﷺ بمعالجتها حتى تصير خلًا فتطهر بذلك، ولكنه ﷺ قال: (لا)، أي: إن معالجتها وتحويلها إلى الخل لا يطهرها.
ونجاسة الخمر متفق عليها عند الأئمة الأربعة، فهي نجسة العين، أما إذا تخللت بذاتها، وتحولت العين من عين خمرية إلى عين الخل فتطهر، وكما يقولون: تغيرت الماهية فتغير الحكم؛ لأن نجاستها كانت معلولة بالتخمير، فما دامت مخمرة مسكرة فهي نجسة، فإذا ذهبت عنها صفة الخمرية والإسكار رجعت إلى الأصل، فصارت طاهرة.
والبحث هنا في هذا السؤال، وهذا الجواب، فسُئل ﷺ: (عن الخمر تتخذ خلًا، -وتتخذ معناها: تعالج-؟ قال: لا) .
[ ٩ / ٦ ]