الشيخ/ عبد الكريم الخضير
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، مكتب الشيخ عبد الكريم الخضير العلمي بالتعاون مع تسجيلات الراية الإسلامية يقدم:
شرح كتاب جوامع الأخبار للعلامة عبد الرحمن السعدي -﵀-، لفضيلة الشيخ الدكتور: عبد الكريم بن عبد الله الخضير -حفظه الله-.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فمن المناسبات الطيبة التي نرجو أن تكون مباركةً ومفيدة مثل هذه الاجتماعات في بيتٍ من بيوت الله، نتدارس كتابًا من سنة رسول الله -ﷺ-، التدوين في السنة تحدثنا عنه مرارًا في مناسباتٍ كثيرة، وأنواع المصنفات، ومقاصد المؤلفين، ومناهج المصنفين، تُحدث عنه في مناسباتٍ كثيرة، وألفت فيه المؤلفات، فلسنا بحاجة إلى الإطالة بذكره، بعد عصر التدوين التي ألفت فيه الكتب الأصلية التي تروي الأحاديث بالأسانيد، رأى أهل العلم تيسير العلم على المتعلمين، فألفت المختصرات المجردة ليحفظها طلاب العلم في جميع أبواب الدين، فألف في العقائد، وفي العبادات والمعاملات، وفي بقية أبواب الدين كالجهاد والسير والفتن والملاحم والرقاق والاعتصام وغيرها من أبواب الدين التي تدخل في قوله -﵊-: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» بعد أن دونت الأحاديث في الكتب المطولة المسندة وتقاصرت الهمم عن درسها فضلًا عن حفظها لجأ أهل العلم إلى تقريبه وتيسيره على المتعلمين، فألفت هذه المختصرات التي لوحظ نفعها، ولله الحمد.
[ ١ ]
وصارت جادة يسلكها المتعلمون بتوجيهٍ من شيوخهم، يبدؤون فيها بالأخصر، ثم الذي يليه مما هو أطول منه ثم الذي يليه إلى أن يتأهل الطالب لدراسة الكتب الأصلية، ولذا ألفوا في الأحكام في أحاديث الأحكام كتب كثيرة مجردة عن الأسانيد، وألفوا في أبواب خاصة أجزاء اشتملت على أحاديث مما تهم طالب العلم، ومما ألف الأحاديث الجوامع التي هي من جوامع كلمه -﵊-، ألف فيها جمع من أهل العلم من أبرزهم النووي -رحمه الله تعالى- في كتاب الأربعين، جوامع وقواعد لا يسعني أنا طالب العلم كل حديث قاعدة من قواعد الشريعة، والنووي قصد العدد لحديثٍ ورد في ذلك، من حفظ على أمتي أربعين حديثًا بعث يوم القيامة في زمرة الفقهاء. اعتمد على هذا الحديث وقد اتفق الحافظ على تضعيفه، إلا أنه كما نقل في مقدمة الأربعين في فضائل الأعمال والجمهور يعملون بالضعيف في فضائل الأعمال. بل نقل الاتفاق على ذلك، واتفاقه منقوظ لوجود المخالف، لكن يبقى أنه قول الجمهور بشروطٍ اشترطوها، وهو ممن يرى هذا الرأي العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال فألف هذا الكتاب رجاء أن يندرج في موعود الحديث، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمة الله عليه-، ولسنا بحاجة إلى بيان سيرته، وذكر مناقبه ومؤلفاته وتلاميذه، وشيء من أخباره؛ لأن الموضوع يطول بهذه الطريقة، الشيخ لما لم يصح عنده الحديث ويرى أن الضعيف لا يعمل به لم يعتمد العدة التي اعتمدها النووي، إنما جمع أحاديث يرى أن طلاب العلم في أمس الحاجة إليها، فجمع ما يقرب من مائة حديث هي في الحقيقة جوامع، ولذا سمى كتابه المتن: جوامع الأخبار.
وتداول بعض الناس في رسائل الجوال اسمًا محرفًا لهذا الكتاب سموه (عيون الأخبار) فخشيت أن يظن بعض الطلاب أنه كتاب من كتب الأدب، وما أشبه ذلك؛ لكن الإعلانات -ولله الحمد- على الصواب.
[ ٢ ]
جوامع الأخبار: يعني الأخبار الجامعة من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، والجوامع جمع جامع، والأخبار جمع خبر، والمراد به الكلام المختصر، الذي يحمل من المعاني أكثر من واقعه من حيث اللفظ، هذا الكلام المختصر أو الموجز فهذا من باب إضافة الصفة إلى موصوفها، فالموصوف الأخبار، والصفة الجوامع، والأخبار جمع خبر، والخبر أعم من أن يكون حديثًا أو أثرًا؛ لكنه هنا يراد به الحديث، فالكتاب مؤلف من جوامع كلمه -﵊- فإنه أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارًا، فيأتي بالمعنى المطلوب بأوجز عبارة، بما لا يستطيع أن يعبر عنه بعض الناس إلا بكلامٍ طويل حتى يفحم غيره عن مراده، هذه طريقته -﵊- الاختصار في الكلام مع الوضوح بحيث لا يدخل في حيّز المعاياة والإلغاز، لا، كلام واضح إلا أنه مختصر، بحيث يسهل فهمه وحفظه، وعلى هذا جرى صحابته الكرام، لا يشققون الكلام، ولا يتفننون في العبارات، إنما يأتون بالمقصود بأوجز عبارة، جرى هذا سلف هذه الأمة، وأما إعجاز القرآن الذي أعيى الفصحاء، وأفحم البلغاء، فلسنا بحاجةٍ إلى بيانه.
[ ٣ ]
المقصود أن عندنا أخبار جوامع، سلك مسلكه -﵊- صحابته الكرام، فصاروا يبينون للناس ما ينبغي بيانه، وما أخذ عليهم العهد في بيانه بأوجز عبارة، وسلف الأمة كلهم على هذا، يعني من قارن بين فتاوى الصحابة بفتاوى من جاء بعدهم، وكذلك الأئمة المتقدمون وجد البون الشاسع، تجد الإمام من أئمة السلف يجيب بكلمة أو بجملة ويبسطها المتأخر في رسالة أو في جزء، وقد أوضح الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى- في كتابه (فضل علم السلف على الخلف) هذا الباب أتم إيضاح، وبيّن أن سلف هذه الأمة لا يعنون بتشقيق الكلام، ولا توسيعه، ولا الاستطراد، إنما يعنون ببيان ما يحتاج إلى بيانه مع عدم التكلف في الكلام، ولذا يقول -﵀ عليه-: "من فضّل عالمًا على آخر بكثرة كلامه فقد فضل الخلف على السلف" نعم، قد تدعو الحاجة إلى مزيد البسط والبيان؛ لأن المستفتي قد لا يفهم المراد بالعبارة الموجزة، وكذلك الموجه والمنصوح قد لا يتبين من خلال الكلام الوجيز، وقد يكون الكلام مرتب بمقدمات ونتائج بحيث لا تفهم النتائج إلا إذا بسطت المقدمات، كما يفعل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، يبسط الكلام، ولا نقول: أن هذا استطراد لا حاجة له، بل الحاجة داعية إليه؛ لأن الناس في عصره يحتاجون إلى مثل هذا، بينما عندنا في عصرنا تجد الإنسان يتمحل ويستطرد ويشقق ويذهب يمينًا وشمالًا بما لا حاجة إليه، وتكبير الكتب ونفخها سمة هذا العصر، بحيث أخرجت بعض كتب السلف بطريقةٍ تصد عن تحصيلها والإفادة منها، فعلينا بالقصد، القصد القصد، وعلى هذا يوجه طالب العلم بالعناية بكتاب الله -جل وعلا-؛ لأنه يربيه على هذه الطريقة وبسنته -﵊-؛ لأنها هي المبينة للقرآن وموضحه له، وأيضًا كلام الأئمة الموثوقين المعتمدين الراسخين في العلم المعروفين بسلامة القصد وصحة العمل ممن يقرن العلم بالعمل، ومن المتأخرين فيما نحسب -والله يتولى الجميع- مؤلف هذا الكتاب الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله تعالى-.
[ ٤ ]
ونبدأ بالمقصود بعد هذه المقدمة التي نرجو أن تكون نافعة، الحال يستدعي أكثر من ذلك؛ لكن الأحاديث تسعة وتسعين حديث في مدة ستة أيام، ما أدري على أي وجهٍ تشرح هذه الأحاديث، نحن بحاجة في كل يوم إلى أن نأخذ ستة عشر حديث سبعة عشر حديث، ما أدري كيف نشرح، والله المستعان؛ لأن هذه الأحاديث جوامع، كل حديث على الأقل الأحوال يحتاج إلى يوم، أقل الأحوال يكفيه يوم، كل حديث؛ لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، نأتي بشيءٍ منه، مما نرى أن طلاب العلم بحاجة إليه، نسأل الله الإعانة والتوفيق والتسديد والعصمة من الزلل في القول والعمل.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ، وصدق اتباعٍ إلى يوم الدين، أما بعد: فيقول العلامة المؤلف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي عليه -رحمه الله تعالى- وغفر له ولنا ولشيخنا أجمعين:
"الحمد لله، المحمود على ما له من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العظيمة العليا، وعلى آثارها الشاملة للأولى والأخرى، وأصلي وأسلم على محمد أجمع الخلق لكل وصف حميد، وخلق رشيد، وقول سديد، وعلى آله وأصحابه وأتباعه من جميع العبيد، أما بعد: فليس بعد كلام الله أصدق ولا أنفع ولا أجمع لخير الدنيا والآخرة من كلام رسول وخليله محمد -ﷺ- إذ هو أعلم الخلق، وأعظمهم نصحًا وإرشادًا وهداية، وأبلغهم بيانًا وتأصيلًا وتفصيلًا، وأحسنهم تعليمًا.
وقد أوتي -ﷺ- جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارًا، بحيث كان يتكلم بالكلام القليل لفظه، الكثيرة معانيه، مع كمال الوضوح والبيان الذي هو أعلى رتب البيان، وقد بدا لي أن أذكر جملة صالحة من أحاديثه الجوامع في المواضيع الكلية، والجوامع في جنس أو نوع أو باب من أبواب العلم، مع التكلم على مقاصدها، وما تدل عليه، على وجه يحصل به الإيضاح والبيان مع الاختصار، إذ المقام لا يقتضي البسط، فأقول: مستعينًا بالله، سائلًا منه التيسير والتسهيل.
الحديث الأول:
[ ٥ ]
عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» [متفق عليه].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
المقدمة التي قرأها الشيخ هي مقدمة للمتن والشرح معًا، ولذا لما ذكر أنه بدا له أن يذكر جملةً صالحة من الأحاديث الجوامع بدا له أيضًا أن يعلق عليها، ويتكلم على مقاصدها، وما تدل عليه على وجهٍ يحصل به الإيضاح والبيان مع الاختصار، إذ المقام لا يقتضي البسط، وتعرفون أن الدروس هذه في المتن لا في الشرح، بعض المحققين يجتهد ويذكر عناوين يدخلها في أصل الكتاب، ولا شك أن هذا تصرف في كتب أهل العلم، فينبغي أن تترك كما هي، إذا رأى المحقق أو الناشر أو المعلق الحاجة داعية إلى شيء يجعله في حاشية، ولا يدخل في صلب الكتاب ما ليس منه.
الحديث الأول: حديث أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- في النية يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدينا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» [متفق عليه].
الحديث مخرج في الصحيحين في البخاري، وهو أول حديث في الصحيح، يرويه الإمام البخاري -رحمة الله عليه- من طريق الحميدي شيخه، شيخه الحميدي عبد الله بن الزبير عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي، قال: سمعت عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- على المنبر يقول: سمعت رسول الله -ﷺ-.
[ ٦ ]
ولا يروى ولا يصح إلا بهذا الطريق عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر -﵁-، وهذا من أفراد الصحيح، كما هو معلوم، من غرائب الصحيح، ومثله: آخر حديثٍ فيه: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» هذا الحديث أيضًا من غرائب الصحيح، وهو نظير ما عندنا، فرد مطلق غريب في أربع طبقات، هذا الحديث لا يرويه، يروى بسندٍ صحيح عن النبي -﵊- إلا من طريق عمر، ولا يروى عن عمر قد خطب به على المنبر إلا من طريق علقمة بن وقاص الليثي، ولا يروى عنه إلا من طريق محمد بن إبراهيم التيمي ولا يروى عنه إلا من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري وعنه انتشر، حتى قال بعضهم: أنه بلغ عدد من يرويه عن يحيى بن سعيد سبعمائة راوي، وإن كان الحافظ ابن حجر يشكك في هذا العدد، وأنه من بداية الطلب إلى أن ألف الفتح لم يتيسر له أكثر من مائة طريق، على كل حال هذا الحديث من الغرائب، وافتتح به الإمام البخاري صحيحه وكأنه -رحمة الله عليه- يريد أن يرد على من يرى العدد في قبول الرواية، وأن خبر الواحد غير مقبول، وهو المعروف عن المعتزلة، وتبناه بعض أهل العلم؛ لكنه قول مرذول، ضعيف جدًا، وإن تظاهر قائله بالاستظلال برد عمر -﵁- رد خبر أبي موسى في الاستئذان، حتى يشهد له من يروي الحديث معه، فعمر يحتاط للسنة -﵁ وأرضاه- وإلا ثبت في مناسباتٍ كثيرة أنه قبل خبر الواحد؛ لكن يحتاط ونرد على من أراد أن يستغل هذا الاحتياط في رد السنة، على كل حال هذا القول مشى على بعض أهل العلم كالحاكم فيما يومئ إليه كلامه، والبيهقي فيما يشعر به بعض تصرفاته، وابن العربي في عارضة الأحوذي، لما خرج الترمذي حديث البحر: «هو الطهور ماؤه» قال ابن العربي في شرحه: "لم يخرجه البخاري" البخاري صححه فيما نقله عنه الترمذي، قال: "لم يخرجه البخاري؛ لأنه ليس على شرطه؛ لأنه من روايةٍ واحد عن واحد" نقول: خرج أحاديث بهذه الصفة، وليس من شرطه عدم التخريج براوية واحد عن واحد أبدًا، بل أول حديث وآخر حديث يشهدان برد هذه الدعوة.
[ ٧ ]
هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول، فهو مقطوع بصحته، مقطوع به، وبنوا عليه حكمًا من أعظم الأحكام، وإن كان له ما يشهد له من نصوص الكتاب والسنة.
[ ٨ ]
«إنما الأعمال بالنيات» فالنية شرط لكل أو لصحة كل عملٍ شرعي، وعليها مدار القبول مع الاتباع للنبي -﵊-، والموافقة لسنته -ﷺ-، فلا يصح أي عملٍ شرعي إلا بتوافر هذين الشرطين، الشرط الثاني يدل عليه الحديث الثاني؛ لكن النية لها شأن عظيم ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [(٥) سورة البينة] وفي هذا الحديث يقول: «إنما الأعمال بالنيات» حصر، فلا تصح الأعمال إلا بالنيات الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى، فالنية: القصد للعمل تقربًا إلى الله تعالى، ابتغاءً لوجهه، هذه هي النية، وجميع أمور الآخرة لا تصح إلا بهذا، فليحذر طالب العلم، يحذر المصلي المسلم مثلًا أن يصلي لأمرٍ من أمور الدنيا، أو لما يرى من نظر غيره إليه، أو يصوم كذلك، أو يحج كذلك؛ لكن من أعظم الأمور التي هي من مزلة الأقدام طلب العلم؛ لأن العلم الشرعي المورث للخشية من أمور الآخرة المحظة التي لا يجوز التشريف فيها، ولذا جاء في حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار، رجل طلب العلم وعلّم الناس عقود خمسين ستين سنة يطلب العلم، ويعلم الناس الخير، ومع ذلك هو من الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار، ماذا صنعت يا فلان؟ تعلمت العلم وعلمته الناس، فيقال له: كذبت، تعلمت وعلمت ليقال: عالم وقد قيل، نسأل الله السلامة والعافية، فالأمر خطير، على طالب العلم أن يسعى في تصحيح النية من بداية الطلب، وإلا من تعلم لغير الله كما يقول أهل العلم مُكر به، وهذا أكثر وأعظم ما يخشى على أهل العلم وطلابه من هذا، تعلمت ليقال: عالم وقد قيل، فأنت الآن ترجو شيئًا وقد حصل، انتهى. فليكن طالب العلم على حرصٍ شديد في تصحيح هذا الأمر، وأكثر ما يسأل الطلاب، طلاب التعليم النظامي الذين دخلوا في الكليات الشرعية بنياتٍ مدخولة، إنسان أمامه مستقبل وظروف حياة، وأمور ضاغطة تنازع الإنسان في نيته الصالحة، فيحاول جاهد ثم بعد ذلك يبوء بالفشل، النية شرود، قد تحصل في وقتٍ من الأوقات ثم يطرؤ عليها ما يضعفها أو يفقدها نسأل الله السلامة والعافية، فهل من العلاج أن يترك الطالب الذي دخل بهذه النية أو يستمر على ما
[ ٩ ]
حفّ به الطريق من مخاوف؟
[ ١٠ ]
نقول: عليه أن يستمر، وليس العلاج في الترك، إنما عليه مع هذا الاستمراء المجاهدة، يجاهد نفسه في تصحيح النية، ويكثر من قراءة النصوص التي تحثّ على تحصيل العلم وثواب المتعلمين والمعلمين، ورفعة الدرجات في الدنيا والآخرة، وليستحضر أن هذه الدنيا بجميع ما فيها لا تعدل شيئًا بالنسبة للآخرة، طيب، تعلم ليقال عالم ليمدح، ليصدر في المجالس، ثم ماذا؟ ليذكره فلان وفلان، ألا يعلم هذا المسكين الذي يطرب ويفرح بذكر فلان وعلان من الملأ أنه إذا ذكر الله وحده، ذكر الله في نفسه، ذكره الله في نفسه، أين هذا من هذا لو كانت لنا عقول؟ والله أثنى عليك الشيخ فلان، أو أثنى الأمير فلان، أو الحاكم فلان، وبعدين؟ ثم ماذا؟ يعني هل مثل هذا يقارن بمثل «من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه»؟ لكن نظرتنا التي هي نظرة الدون بسبب ما اقترفنا، وبسبب التخليط في المآكل والمشارب والمقاصد، التخليط والتفريط في الأوامر والنواهي أصبنا بمثل هذا، صرنا ننظر إلى الدنيا، وأنها غاية، وهي لا تزن عند الله جناح بعوضة، الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، طيب جناح البعوضة ماذا يُقص لك من هذا الجناح مهما بلغت من الشرف والمال والأبهة والجاه ماذا يقص لك من هذا الجناح التي لا تزنه الدنيا كلها؟ ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها، بدقيقتين فقط، في دقيقتين ركعتا الصبح خير من الدنيا وما فيها، بملياراتها بمتعها كلها، لا تزن عند الله -جل وعلا- ركعتي الفجر، فعلى الإنسان أن يحتاط لنفسه، ونخشى أننا في يومٍ من الأيام نعض على الأكف بل نقطع الأكف عضًا حينما تبلى السرائر، وينطبق علينا قول الله -جل وعلا-: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [(٤٧) سورة الزمر] أنت تظن أن تعلمك وتعليمك في ميزان حسناتك ثم يكون العكس، فالعلم الشرعي ما فيه حل وسط، تقول: أخرج كفاف لا لي ولا علي، إما أن تدخل في ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [(١١) سورة المجادلة] أو تكون ممن تسعر به النار، فعلينا أن نجتهد في هذا الباب، والحديث يقول -﵊-: «إنما
[ ١١ ]
الأعمال بالنيات» يعني صحة الأعمال الشرعية إنما تكون بالنيات، يعني ما الفرق بين طالب علم، طالب من طلاب الكتاب والسنة والعقيدة والشريعة وبين طبيب أو مهندس؟ هذا إما أن يكون في أعلى الدرجات أو في النار حسب مقصده وهدفه، وذاك قد يخرج كفافًا لا له ولا عليه، وقد يسيء في مهنته، وفي صنعته فيعاقب عقوبة العصاة، وقد يحسن إلى الناس، ويحسن القصد فيثاب على عمله، فهذه العلوم الدنيوية من طب وهندسة وزراعة ونجارة وصناعة كلها مما لا يبتغى به وجه الله في الأصل أمرها سهل، اطلبها للدنيا لأنها من أجلها أوجدت؛ لكن العلم؟ ينتبه الإنسان لما خلق له وهو العبادة، الهدف من وجوده في هذه الدنيا العبادة، فليحرص على أن يجعل جميع تصرفاته عبادة، نومه عبادة، إذا نوى به أن يتقرب أو يتقوى به على ما يرضي الله -جل وعلا-، أكله عبادة، شربه عبادة، مزاحه عبادة، معاشرة أهله له فيها أجر، وكل هذا بالنية الصالحة، فالنية شأنها عظيم لكنها أمرها خطير، تحتاج إلى تعاهد، فعلينا أن نعنى بها.
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى» ليس لك إلا ما نويت، فالنية يحتاج إليها في العبادة بقصد وجه الله -جل وعلا- بها، ويقصد بالنية أيضًا ما يميّز العبادة من عبادة، وما يميز العادة من العبادة، وهكذا «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» هذه الجملة حذفها البخاري -رحمة الله عليه- في الموضع الأول من صحيحه؛ لأنه إنما أورد الحديث في الموضع الأول كالخطبة للكتاب، فإذا أورد هذه الجملة في الموضع الأول قد يظن به أنه ألف هذا الكتاب مخلصًا فيه لله -جل وعلا-؛ لأن الجملة الأولى: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» هذا هو المخلص، واقتصر على قوله: «ومن كانت هجرته لدنيًا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» اتهامًا لنفسه -رحمة الله عليه-.
[ ١٢ ]
«من كانت هجرته» الهجرة في الأصل: الترك، ترك ما نهى الله عنه، ويراد بها الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، الهجرة واجبة، حكمها باقٍ إلى قيام الساعة، ولا يجوز البقاء بين أظهر الكفار إلا لعاجز، والعاجز مستثنى بالنص، ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [(٩٨) سورة النساء] هؤلاء مستثنون، أما من قدر على الهجرة فإنها تلزمه يهاجر إلى بلاد الإسلام، ومثل هذا قل: لو كان في بلاد بدعة ويوجد بلاد سنة، أيضًا الهجرة مطلوبة، بلاد معصية ويوجد بلاد أهل صلاح وتقوى الهجرة مطلوبة، إذا كثرت الفتن وخشي الإنسان على دينه يهاجر ويعتزل، «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتبع بها شعف الجبال، يفر بدينه من الفتن» هذا من خشي على نفسه أن يتأثر، ولا يستطيع أن يؤثر بغيره مثل هذا ينتقل.
«فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله» اتحاد الشرط والجزاء معروف أنه في العربية لا يجوز، لا يجوز أن تقول: (من قام قام) و(من قعد قعد)، لا بد من اختلاف الشرط مع الجزاء؛ لأنه كيف يكون جواب الشرط هو فعله؟ فلا بد حينئذٍ من التأويل، من التقدير هنا، كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصدًا فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا مثلًا.
[ ١٣ ]
هذا الذي هجرته إلى الله ورسوله لا شك أنه هو الذي حقق الهدف الشرعي من الهجرة، أما من كانت هجرته لغير ذلك، هجرته إلى محرم الهجرة حرام، إلى مكروه الهجرة مكروه، هجرة إلى مباح هاجر من أجل مباح، انتقل من مكة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة أو إلى الرياض ليزاول التجارة طرق الأبواب في المدينة ما استطاع، ما رزق في التجارة، أو بحث عن زوجة ما وجد، فقيل له: تجد في مكة أو في الرياض أو في بلدٍ آخر فانتقل، هذه هجرة، هاجر من هذا البلد من أجل هذه المرأة التي يغلب على ظنه حصولها، أو هذه الدنيا التي يقال له: أن الفرص أكثر في مكة أو في الرياض فيهاجر من أجلها هل يذم أو لا يذم؟ الحديث ساقه سياق الذم، «ومن كانت هجرته لدنيًا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» السياق سياق ذم لأنه في مقابل سياق المدح في الجملة الأولى، فهل يذم من انتقل من بلد إلى بلد طلبًا للرزق أو طلبًا لزوجة لأنه لم يجد؟ يذم وإلا ما يذم؟ لا يذم، بل قد يمدح إذا ترتب على طلب هذه المرأة إعفاف نفسه، والنكاح من سنن المرسلين، النكاح من سنتي، «ومن رغب عن سنتي فليس مني» فما وجد امرأة انتقل، هاجر إلى بلدٍ آخر ليجد امرأة يذم وإلا ما يذم؟ إنما سياق الخبر سياق الذم، لماذا؟ لأنه في حق من يظهر للناس أنه هاجر إلى الله ورسوله، وهو في الحقيقة إنما هاجر للدنيا أو هاجر لامرأة، وفي هذا القصة المعروفة مهاجر أم قيس، هاجر يظهر أنه مهاجر إلى النبي -﵊- المدينة، وقصده وهدفه من الهجرة أن يتزوج هذه المرأة، يذم في هذه الحالة.
[ ١٤ ]
وذكرنا مثال في مناسباتٍ كثيرة لو أن شخصًا في يوم الاثنين إذا بقي على أذان المغرب ساعة حمل التمر والقهوة والماء وما أدري إيش في كيس وذهب ليفطر في المسجد، وفل الصماط قبل أذان المغرب، والناس يتواردون مع الأذان وبعده ولما أذن قال: بسم الله الرحمن الرحيم، وأكل وشرب، وحمد الله على ذلك، وهو ما صام، يعني لو هو صائم ما في إشكال؛ لكن هذا ما صام، الأكل في المسجد ما فيه شيء جائز، الأكل ما فيه إشكال؛ لكن كونه أوهم الناس بفعله أنه صائم يذم من هذه الحيثية، يذم من هذه الحيثية، يعني فات فل الصماط قبيل أذان المغرب يوم الاثنين مثلًا أو الخميس، ووضع التمر على هيئة الصوام، وكل من دخل مع باب المسجد تفضل يا أبو فلان، تفضل يا أبو فلان، بسم الله، وينتظر حتى يؤذن، ويأكل على طريقة الصوام هذا لا شك أنه يذم، وإن كان القصد في الأكل أنه مباح، وأيضًا الأكل في المسجد مباح ما في إشكال؛ لكن إذا أوهم الناس بعمله أنه يتقرب هنا يأتي الذم، وإلا فالأصل أن الهجرة من أجل الدنيا أو من أجل المرأة التي يتزوجها ما فيه إشكال، بل قد يؤجر عليه، فننتبه لمثل هذا، والله المستعان.
وعرفنا أن الحديث، حديث عمر دليل للشرط الأول مما يشترط لصحة العبادات، وهو الإخلاص، وعرفنا أن الإخلاص شأنه عظيم، ويحتاج إلى جهاد، النفس تحتاج إلى جهاد في هذا الباب، وتتفلت على صاحبها؛ لكن إذا حرص الإنسان وصدق في جهاده لنفسه يعينه الله -جل وعلا-، من صدق مع الله أعانه ووفقه، تردد في كلام بعض العلماء أنهم طلبوا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله، فهل ندخل في هذه النية نطلب العلم لغير الله، ونقول: تأتي النية فيما بعد؟ وما يدريك لعل المنية تخترم قبل أن تصح نيتك، فأنت جاهد من أول لحظة، جاهد من أول لحظة، تدخل بنية مدخولة تطلب العلم الشرعي قال الله وقال رسوله لأمرٍ من الأمور تقول: لا النية تأتي، طيب جميع العصاة على هذا الأمر، يزاولون المعاصي على نية أنهم يتوبون منها، وما يدريكم لعل المنية تخترم الواحد قبل تصحيح نيته فيهلك.
طيب الحديث الثاني.
[ ١٥ ]
الحديث الثاني: عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه ..» -وفي رواية-: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» متفق عليه.
هذا حديث عائشة -﵂- في الصحيحين تقول: "قال رسول الله -ﷺ-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» في رواية: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» متفق عليه.
«من أحدث» هذا يلي الشرط الثاني لصحة العبادات، وهو أن تكون على هدي النبي -﵊- وعلى طريقته، على هديه وعلى طريقته، فلا بد من الإخلاص والمتابعة، وبعض أهل العلم يقول: يكفي الشرط الثاني عن الشرط الأول، ما نحتاج أن نقول إخلاص، يكفي أن نقول: متابعة، إذا فعل المسلم العمل على ضوء ما جاء عن النبي -﵊-، تابع النبي -﵊- في عمله، يكفي لقبوله، لماذا؟ لأن من لوازم الاتباع الإخلاص؛ لأن العمل الذي لم يخلص فيه ولم يرد به وجه الله -﷿- لا تتم متابعته للنبي -﵊- إلا بالإخلاص؛ لأن عمله -﵊- وقع كذلك، يعني مخلصًا فيه لله -جل وعلا-، كلام مقبول وإلا غير مقبول؟ يعني شخص عمل، صلى كما نقل عن النبي -﵊-؛ لكن بنيةٍ غير خالصة هل تم الاتباع؟ ما تم الاتباع، إذًا فُقد شرط الاتباع، ومن لازم الاتباع الإخلاص، يقول: يكفي اشتراط الاتباع عن اشتراط الإخلاص، نعم قد تدخل النية والإخلاص على سبيل الإجمال في الاتباع؛ لأن النبي -﵊- لم يقع منه عمل شرعي لم يخلص فيه لله -جل وعلا-.
[ ١٦ ]
إذًا من لازم الاتباع الإخلاص؛ لكن اشتراط النية أمر لا بد منه، والتنصيص على النية أمر لا محيد عنه، ولا مفرّ منه، اهتمام بشأنها وتعظيمًا لأمرها؛ لأنه لو اقتصر على الاتباع فهم بعض الناس، «صلوا كما رأيتموني» رأيناه يصلي خلاص صلينا كما صلى، ويغفل عن النية؛ لأن النية أمر قلبي، إذًا لا بد من التنصيص عليها، وإن دخلت في عموم أو في إجمال الاتباع، اهتمامًا بشأنها؛ لأن الناس يغفلون عنها مع كثرة ما جاء فيها من نصوص، فكيف لو لم تذكر من الشروط؟ لو لم تذكر شرط في كل عبادة، لو لم تذكر تركها الناس، هم الآن يغفلون عنها مع أن أهل العلم يؤكدون عليها دعمًا أو تدعيمًا لما قالوه بالنصوص الصحيحة الثابتة ويغفلون عنها، إذًا لا بد من ذكرها والتنصيص عليها، ولذا يرى بعض العلماء أن حديث عمر ينبغي أن يجعل في مقدمة كل باب من أبواب الدين، وهو يدخل في جميع أبواب الدين، كما قال أهل العلم أنه يدخل في سبعين باب من أبواب الدين، والبخاري يقول: دخل في ذلك الإيمان والوضوء والصلاة والزكاة وغيرها.
لا شك أن هذا الحديث افتتح به كثير من الأئمة مؤلفاتهم اهتمامًا بشأنه، وقال بعضهم: أنه ينبغي أن يدخل في كل باب من أبواب الدين، الباب الأول حديث الأعمال بالنيات، ثم الأحاديث التي تليها، الباب الثاني حديث: الأعمال بالنيات؛ لأن الباب الثاني محتاج إلى النية، الباب الثالث محتاج إلى النية الرابع، إذًا يذكر في كل باب؛ لأنه من متطلبات هذا الباب، فكيف نقتصر على الاتباع ونغفل النية التي هي عبارة عن الإخلاص، بعضهم يرى أن حديث عمر ربع الدين، والدين كله يدور على أربعة أحاديث:
عمدة الدين عندنا كلمات أربع من قول خير البرية
اترك الشبهات وازهد ودع ما ليس يعنيك واعملن بنية
إشادة أهل العلم بالحديثين وكلامهم في هذا كثير، فنقتصر على هذا.
[ ١٧ ]
في قوله -﵊-: «من أحدث في أمرنا» في أمرنا يعني في ديننا، في شرعنا، فالإحداث لا يقبل في الدين ما ليس منه البتة، مهما كان الدافع له، ولو كان الدافع له الإخلاص ونية الإخلاص، فالإحداث في الدين ابتداع، فكل عملٍ لم يسبق له شرعية من كتابٍ أو سنة والمقصود بذلك أمور الدين فإنه بدعة، والبدعة في اللغة: ما عمل على غير مثالٍ سبق، وفي اصطلاح أهل العلم: ما أحدث في الدين مما لم يسبق له شرعية من كتابٍ ولا سنة، والبدع كلها ضلالة بدون استثناء، البدع في الدين التي لم يسبق لها شرعية كلها ضلال، وكل بدعةٍ ضلالة، هناك وسائل، أما المقاصد فلا إشكال في أنها غير قابلة لإدخال أي شيءٍ فيها؛ لكن وسائل مثل هذه المكبرات مثلًا؟ محدثة، وتستعمل في عبادة، جمع من أهل العلم توقفوا فيها فلم يستعملوا هذه المكبرات يقولون: نتقرب إلى الله -جل وعلا- بمحدث؟ ما يمكن، وماتوا على ذلك، مع إنهم أئمة وخطباء وعلماء كبار ما استعملوا هذه المحدثات؛ لكن مع الجموع الغفيرة لا شك أن مصلحتها راجحة، ولذا أهل العلم تواطئوا على استعمالها؛ لكن ينبغي أن ننظر إلى القول الآخر أيضًا نظر اعتبار، ليس عاريًا عن الصواب من كل وجه؛ لكن الحاجة داعية، فيبقى أنه ينبغي أن يكون استعمالها بقدر الحاجة، والحاجة تقدر بقدرها، ونجد بعض الأئمة يستعمل هذه المكبرات، ويرفع عليها رفعًا يقلق المصلين، ويشوش على الناس، ويستعمل المؤثرات كأنه ملحن، تردد الصوت من أجل إيش؟ الأصل في هذه الأمور المنع، هذه الأمور المحدثة؛ لكن احتيج إليها، إمام ما خلفه إلا اثنين أو ثلاثة يرفع على المكبر المؤثرات وما أدري إيش؟ على شان إيش؟ مثل هذا لا يحتاج إلى مكبر، شيخ عنده خمسة طلاب عشرة طلاب ما يحتاج إلى مكبر؛ لكن كثر الجمع بدلًا من المستملين عند أهل العلم في السابق يحضر جموع غفيرة؛ لكن يبلغ الصوت بالاستملاء، المستملي يقف واحد هنا وواحد هنا وواحد بعيد وثالث ورابع وعاشر بقدر الجمع الذي عنده فيبلغ، يقول الشيخ كذا ثم ينقله الأقرب ثم الأبعد ثم الأبعد وهكذا، فهذه بقدر الحاجة تستعمل.
[ ١٨ ]
البدع كلها مذمومة «من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو مردود» يعني مردود، ولو بعث عليه الإخلاص، لا يكفي الإخلاص، لا يكفي حسن القصد، بل لا بد من الشرط الثاني وهو الاتباع، إذًا هل يمكن أن يقال في البدع ما يمدح ويحمد؟ بدع محمودة وبدع مذمومة؟ أو نقول بالقول الآخر بدع واجبة، بدع مستحبة، بدع مباحة، بدع مكروهة، بدع محرمة؟ الأحكام الخمسة كما قال بعضهم؟ هل هذا التقسيم له وجه؟ والنبي -﵊- يقول: «كل بدعةٍ ضلالة» كل بدعة ضلالة ونقول: بدعة واجبة؟ هل نقول: بدعة واجبة والنبي -﵊- يقول: «كل بدعةٍ ضلالة» من صيغ العموم؟ من أهل العلم من قال ذلك، وعمدتهم في التقسيم قول عمر -﵁- في صلاة التراويح: "نعمت البدعة" فنعم من صيغ المدح، والبدعة بدعة، فهذه بدعة ممدوحة؛ لأن نِعْم من صيغ المدح؟ فهل هذا الكلام صحيح؟ الكلام صحيح عن عمر ثابت في البخاري ليس لأحدٍ كلام، والبدعة في اللغة: ما عمل على غير مثالٍ سابق، وفي الشرع: ما أحدث في الدين مما لم يسبق له شرعية من الكتاب والسنة، هل نقول: إن قولنا: بدعة ممدوحة أو محمودة أو بدعة واجبة اختلاف في الاصطلاح العرفي عن الاصطلاح الشرعي؟ يعني نظير ما قال أهل العلم في غسل الجمعة واجب على كل محتلم، وهم يقولون: غسل الجمعة مستحب وليس بواجب، هل نقول: أن هذا محادة للرسول يقول: واجب وأن تقول: ليس بواجب؟ أو نقول: أن هذا مما يختلف فيه العرف الشرعي، يعني الاصطلاح الشرعي عن الاصطلاح العرفي؟ يعني لو جاء لك شخص وقال: والله أنا عمري الآن خمسين ستين سنة ما رأيت جمل أصفر، والله -جل وعلا- يقول: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [(٣٣) سورة المرسلات] يقول: يا أخي أنت ناقضت القرآن، القرآن يقول: إما أنا ما شفت، يقول: أنا شفت جميع أنواع الجمال ما رأيت أصفر الأصفر عنده غير الأصفر المراد بالنص، الأصفر عنده إذًا ما في محادة، ومثله: غسل الجمعة واجب، الواجب في هذا اللفظ غير الواجب الذي اصطلح عليه أهل العلم، وهذا تخريج الكلام من أهل العلم، بقي عندنا قول عمر -﵁-: "نعمت البدعة" وهو أمر مشكل، الشاطبي في الاعتصام -رحمه الله تعالى- رد على
[ ١٩ ]
من قسم البدع إلى بدع مذمومة وبدع ممدوحة وبدع محمودة، رد هذا التقسيم وقوض دعائمه بقوة؛ لكنه حمل البدعة في قول عمر على إيش؟ على المجاز، قال: بدعة مجاز وليست بحقيقة، شيخ الإسلام -﵀- في الاقتضاء يرى أنها بدعة لغوية وليست بدعة شرعية؛ لكن يرد على كلام الشاطبي أنه لا يوجد مجاز، لا في النصوص ولا في لغة العرب عند أهل التحقيق، شيخ الإسلام وابن القيم وجمع من المحققين أنه لا يوجد مجاز يشكل عليه، في كلام شيخ الإسلام أنها بدعة لغوية، تراويح، كما في الصحيح، صلى النبي -﵊- قيام الليل في رمضان جماعة ليلتين أو ثلاث جماعة في قيام رمضان وترك هذا القيام لا رغبة عنه، إنما خشية أن يفرض، فهل نقول: أن هذا العمل لم يسبق له مثال سبق؛ لتقول بدعة لغوية؟ سبق له مثال، وسبق له شرعية من السنة، إذًا ليس ببدعة لا لغوية ولا شرعية، كيف نحمل كلام عمر -﵁-؟ مجاز ليس بمجاز، بدعة لغوية كما قال شيخ الإسلام ليست بدعة لغوية لأنه سبق لها مثال، وليس ببدعة شرعية اتفاقًا، لأن عمر -﵁- لا يمكن أن يمدح بدعة شرعية، وأيضًا سبق له شرعية من السنة فليس ببدعة، يحمل كلام عمر -﵁- على إيش؟
طالب:. . . . . . . . .
على افتراض؟ افتراض إيش؟ عند أهل العلم تعبير بغير هذا قريب منه، المشاكلة، أسلوب المشاكلة والمجانسة في التعبير أسلوب معروف في لغة العرب وفي النصوص الشرعية:
قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه قلت: اطبخوا لي جبةً وقميصا
اطبخوا، مشاكلة، ما طبخ اطبخ ﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [(٤٠) سورة الشورى] الجناية سيئة؛ لكن معاقبة الجاني سيئة؟ هذه ليست سيئة، إنما هي من باب المشاكلة والمجانسة في القرآن، وعلى هذا حمل بعض العلماء ما ورد من النصوص، «فإن الله لا يمل حتى تملوا» قال مجانسة ﴿نَسُواْ اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [(٦٧) سورة التوبة] وكثير من النصوص التي جاءت بهذا الأسلوب.
مشاكلة في التعبير كأن قائلًا: ابتدعت يا عمر، هذا ما وجد في عهد أبي بكر، ولا في آخر عهد النبي -﵊- قال: "نعمت البدعة" فهذا من باب المجانسة والمشاكلة في التعبير.
[ ٢٠ ]
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه» يعني ليس من الدين، يتعبد بعبادة لم يرد لها فيها شرع، هذا مبتدع، والبدع معروف أنها تتفاوت بحسب قربها وبعدها عن مقاصد الشرع، ونصوص الشارع وعلى حسب الآثار المترتبة عليها، وهناك البدع الكبرى المكفرة المخرجة عن الملة، وهناك البدع المفسقة، وهناك البدع الصغرى، المقصود أن موضوع البدع والابتداع أمر خطير في غاية الأهمية، ويحتاج إلى بحوث ولقاءاتٍ عديدة، بعض المبتدعة الكبار، كبار المبتدعة الفارابي مثلًا جاور في آخر عمره بمكة، وهو معروف وضعه، جاور بمكة، إيش هذه المجاورة؟ جاور يصوم الدهر؛ لكن على ما يفطر؟ قالوا: أنه يفطر على الخمر المعتق وأفئدة الحملان، هذه مجاورة؟ هذا زيغ، هذا ضلال، شخص وصف بأنه من أهل الصيام والقيام من العباد والزهاد، يقول أحمد أمين في مذكراته: أنه فقده يقول: درسنا في مدرسة القضاء الشرعي فقدته مدة سنوات طويلة فسافرت إلى تركيا فوجدته قد اعتزل الدنيا، يقوم الليل، ويصوم الدهر؛ لكن متى يصوم؟ يبدأ الصيام من الضحى، من الساعة تسع، لماذا؟ يقول في الشقة التي تحت السكن الذي يسكنه عائلة مدري قال: يهودية أو نصرانية ويخشى أن يزعجهم إذا قام يعد السحور؟ هل هذا اتباع؟ يا إخوة الضلال لا نهاية له، والبدع يجر بعضها بعضًا حتى ينسلخ الإنسان من دينه وهو لا يشعر، فعلينا أن نتبع، فقد كفينا ولله الحمد، كل ما أثر عن النبي -﵊- مما تحتاجه الأمة نقل إلينا نقلًا صحيحًا لا شك فيه ولا مرية، فعلينا أن نعنى بكتاب الله -جل وعلا- الذي فيه العصمة والمخرج من الفتن، وعلينا أيضًا أن نعنى بسنة نبيه -﵊- مما ثبت عنه -ﷺ- لنعبد الله على بصيرة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [(١٠٨) سورة يوسف] أما الذي لا يتبع هذا شأنه، والله المستعان.
[ ٢١ ]
فلا شك أن هذا الحديث مع الحديث السابق ميزان للأعمال الظاهرة والباطنة، فالحديث الأول ميزان للأعمال الباطنة، والحديث الثاني ميزان للأعمال الظاهرة، وعلينا أن نعنى بالأمرين معًا ظاهرًا وباطنًا، يوجد وهذا مع الأسف الشديد يحسه الإنسان في نفسه العناية ببعض الأمور الظاهرة، أما أمور الباطن وأعمال القلوب فنحن في غفلةٍ تامة عنها، إذا نظرنا إلى الخوف من الله -جل وعلا-، إلى الخشية منه، إلى التوكل عليه، إلى الصبر إلى المصائب، إذا اختبرت بعض الأخيار صفر في هذه الأمور، فعلينا أن نعنى بالباطن كعنايتنا بالظاهر، إن لم تكن أشد، فالمعول على القلوب وأعمال القلوب ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [(٨٩) سورة الشعراء] نحتاج إلى علاج هذه القلوب، نحتاج إلى أن نزلي هذه الشحناء، وهذه البغضاء، وهذا التنافس والتدابر والتقاطع، نحتاج إلى ذلك، نحتاج إلى تصفية القلوب على مراد الله -جل وعلا-، ومراد رسوله -﵊-، والله المستعان.
الحديث الثالث: وعن تميم الداري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» [رواه مسلم].
[ ٢٢ ]
هذا الحديث، حديث تميم الداري وليس له في البخاري شيء من الأحاديث، وليس له من الأحاديث في مسلم إلا هذا الحديث، ليس له في مسلم إلا هذا الحديث يرويه عن النبي -﵊-، حديث الجساسة النبي -﵊- يرويه عن تميم، فمما يروى عن النبي -﵊- لتميم الداري هذا الحديث فقط في صحيح مسلم، وهذا الحديث كسابقيه يحتاج في شرحه إلى دروس، قال رسول الله -ﷺ-: «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة» ثلاثًا، هذا التكرار يوجد في الصحيح أو لا يوجد؟ وين الحفاظ؟ مكرر ثلاثًا؟ التكرار هذا لا يوجد في مسلم، والمؤلف -﵀- قلد النووي في التكرار وفي العزو، إنما يوجد هذا التكرار في المستخرج، مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، بعض الناس يعتمد على المستخرجات، نبي نطلع قليلًا عما يحتاجه الحديث، بعض المؤلفين يعتمد على المستخرجات ويعزو للكتب الأصلية، فهنا اعتمد على المستخرج وعزي إلى الكتاب الأصلي، وهذا الذين ينشدون الدقة في العزو والتأليف هنا مختل، فالمؤلف -رحمه الله تعالى- قلد النووي في الأربعين، وإلا فالأصل أن التكرار لا يوجد في مسلم، فكيف نقول: رواه مسلم؟ يوجد في المستخرج على صحيح مسلم، والمستخرج معروف تعريفه، الذين لهم عناية بالسنة، يعرفون معنى الاستخراج، وهو أن يعمد الإمام أو الحافظ إلى كتابٍ من كتاب السنة الأصلية فيخرج الأحاديث من طريقه هو بأسانيده هو، من غير طريق صاحب الكتاب، وبعض المؤلفين كالبيهقي مثلًا، الحميدي في الجمع بين الصحيحين، ابن الأثير في جامع الأصول، ينقلون عن المستخرجات ويعزون إلى الأصول؛ لكن هذا ينبغي أن يجتنب، إذا أردت أن تعزو لمسلم ارجع إلى مسلم، وانقل من مسلم بالحرف؛ لأن الذين يجوزون الرواية بالمعنى وهم الجمهور، قالوا: تجوز الراوية من الحفظ بالمعنى، أما من الكتب المدونة، الحديث المكتوب لا تجوز روايتها بالمعنى؛ لأن الوصول إلى اللفظ متيسر، يقول الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى-:
واستخرجوا على الصحيح كأبي عوانةٍ ونحوه فاجتنبِ
عزوك ألفاظ المتون لهما إذ خالفت لفظًا ومعنىً ربما
[ ٢٣ ]
خالف المستخرج الصحيح هنا، فكيف أعزوه للصحيح؟ فلا بد من الرجوع إلى المصدر الذي يراد النقل منه، فالدقة والتحري أمر لا بد منه، ولا شك أن تكرار النصيحة، وأنها هي الدين لأهميتها.
«الدين النصيحة» الدين النصيحة هذا الأسلوب تعريف جزئي الجملة يدل على الحصر، يدل على الحصر، فكأن النبي -﵊- حصر الدين بالنصيحة، كما حصل نظيره في قوله -﵊-: «الحج عرفة» الحج عرفة فقط وإلا هناك أعمال غير عرفة؟ في أعمال غير عرفة، «الدين النصيحة» في أعمال غير النصيحة وإلا ما في أعمال؟ في أعمال غير النصيحة؛ لكن يمكن حمله على الحصر الحقيقي بدلًا من الحصر الإضافي، إذا قلنا: أولًا: النصيحة: فعيلة من النصح وهو التخليص، أقول: نصحت العسل إذا خلصته من الشوائب، وتقول: نصح زيد الثوب بالمنصحة، يعني خاط الخرق الذي في الثوب بالإبرة، الإبرة هي المنصحة؛ فكأن الناصح يرقع هذه الخروق وهذه الفتوق في نفسه وفي غيره، فلا شك أن من تدين بالدين فقد نصح نفسه.
[ ٢٤ ]
(الدين النصيحة) إذا قلنا: أن الدين هو النصيحة، إذا جعلنا الدين بخصاله من الإسلام والإيمان والإحسان هو النصيحة فيكون الدين على أسلوب الحصر في أسلوب المعاصرين نقول: الدين يساوي النصيحة، قصرت في بعض الأعمال؟ إذًا اختلت النصيحة وتبعًا لذلك اختل الدين، وإذا اختل الدين فقد اختلت النصيحة، إذًا الدين هو النصيحة، نعم قد يفهم الإنسان من النصيحة أنك ترى على فلان مخالفة، أثر مخالفة مثلًا تذهب تكلمه أنت في تصورك أن هذا شيء من الدين، شيء من متطلبات الدين صحيح؛ لكن أنت إذا تصورت من جهةٍ أخرى أن النصيحة إذا أخذتها بعمومها وشمولها و(أن) هذه جنسية يدخل فيها جميع الدين، يعني إذا فعل محظور، إذا فعل الشخص محظور هل حقق النصيحة لنفسه قبل غيره؟ ما حقق النصيحة، إذًا ما حقق النصيحة ما حقق كمال الدين، إذا ترك مأمور كذلك، فإذا أردنا أن نقول: أن النصيحة بعمومها وشمولها تساوي الدين، وأي قدحٍ في النصيحة قدح في الدين، من هذه الحيثية يكون الحصر حقيقي؛ لكن إذا حملنا النصيحة على معناها العرفي، وهي بذل النصح للمنصوح، وحيازة الحظ له، قلنا: أن القصر إضافي وليس بحقيقي، كما في قوله -﵊-: «الحج عرفة» إذا قلت: الشاعر زيد أو الشاعر حسان، هذا حصر إضافي لأن في شعراء آخرون كثر، حصر إضافي، وهنا إن حملت على معناها العرفي وهو إضافي، وإن حملتها على عمومها فهو حصر حقيقي.
(النصيحة) لا يوجد كلمة واحدة يعبر بها عن المقصود، عن مقصود الحديث غير هذه الكلمة فهي جامعة لجميع خصال الدين، وجميع أنواع النصح، وجميع المنصوحين، كما قالوا: في الفلاح، لا يوجد شيء يجمع خيري الدنيا والآخرة مثل كلمة الفلاح.
[ ٢٥ ]
«الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة» قالوا: يعني الصحابة، كعادتهم، يبادرون بالسؤال عما يشكل عليهم، كثير من الناس تجد يمر عليه الأمر في غاية الأهمية، ويخفى عليه حقيقته ما يفهم، ولا يستوضح؛ لكن لو كان هذا من أمور الدنيا، مساهمة وإلا اشتراك في شيء ذهب يبحث عن حقيقة الأمر، وعن مردوده، وعن نسبة النجاح ونسبة الربح؛ لكن يأتيه الأمر من دين الله في غاية الأهمية يخصه ومع ذلك لا يبحث عن كيفية تطبيقه، وهنا ليطبقوا مفاد الحديث قالوا: لمن يا رسول الله؟ لأن التعميم قد لا يستوعبه كثير من الناس، فلا بد من التحديد والتعيين، قالوا: لمن يا رسول الله؟ وهذا من حرصهم على الخير، قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» لخمسة: لله، كيف تنصح لله؟ الآن النصيحة مردودها وفائدتها للناصح أو للمنصوح؟ العرفية فائدتها للمنصوح، سمعت أن زيدًا يريد أن يبيع داره بكذا؟ تذهب تنصحه تقول له: الدار ما تنباع وأنت ما أنت لاقي مثله، هذا حياز الحظ له للمنصوح، سمعت أن زيدًا يريد أن يزوج بنته من فاسق من فاجر شخص ليس بكفءٍ لها، ذهبت تسدي إليه النصيحة، جاءك يستشيرك فأسديت له النصيحة، الفائدة للمنصوح، والعائد بالدرجة الأولى للمنصوح؛ لكن إذا كانت النصيحة لله؟ الله -جل وعلا- ليس بحاجة لمثل هذا، علام نحمل النصيحة لله -جل وعلا-؟ وهذه النصيحة وإن جاءت في النص أنها لله -جل وعلا-، إلا أن عائدها للناصح، والله -جل وعلا- غني الغنى المطلق عن أفعال عباده، النصيحة لله: اعتقاد أنه هو الرب الخالق الرازق المدبر المحيي المميت، واعتقاد أنه المستحق للعبادة بجميع أضربها وصنوفها، وأنه لا يجوز أن يصرف شيء من أنواعها لغيره، واعتقاد وإثبات ما أثبته الله -جل وعلا- لنفسه من أسماء الجلال ونعوت الجمال والكمال من الأسماء الحسنى والصفات العليا، هذه النصيحة لله -جل وعلا-، هو أن يعبد -جل وعلا- على مراده، إذًا هذا النصيحة حيازة الحظ للمنصوح أو للناصح؟ للناصح ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم﴾ [(١١١) سورة التوبة] اشترى هل هذا مثل ما يشتري زيد العبد الفلاني ليخدمه؟ لا لا، اشتراه لنفسه، فالله -جل
[ ٢٦ ]
وعلا- غني عن خلقه، فهذه حيازة الحظ للناصح على أن يعبد الله -جل وعلا- على ضوء ما شرع، وأن يعتقد فيه الاعتقاد الصحيح الموافق للكتاب والسنة على ضوء ما جاء عنه، وأن يثبت له ما يليق بجلاله وعظمته مما أثبته لنفسه.
النصيحة لكتاب الله -جل وعلا- وهو القرآن المحفوظ بين الدفتين من الزيادة والنقصان، والنصيحة له بأمرٍ يعود للناصح، بأن يعظم، ويقرأ، ولا يهجر، وأن يعمل به ولا يخالف، يقرأ على الوجه المأمور به، يحفظ، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [(٤٩) سورة العنكبوت] وهو أيضًا نعتقد أنه كلام الله، وأن فضله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وأن من قام يقرؤه كأنه يخاطب الله -جل وعلا-، فنقرأ القرآن، نحفظ القرآن، نقرأ القرآن على الوجه المأمور به بالتدبر والترتيل بنية الإفادة والاستفادة، بالعمل بما جاء به من أوامر وترك ما نهى عنه، وهذا الكتاب شأنه عظيم، وثواب قراءته جزيل من الله -جل وعلا-، الحرف بعشر حسنات، يعني هذا أقل تقدير، هذا أقل تقدير الحرف بعشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، بحسب ما يقر في القلب من تعظيم لحرمات الله -جل وعلا- وحدوده والإخلاص والمتابعة بقدر هذا يؤجر الإنسان، ولسنا بحاجة إلى بيان فضل القرآن، وفضل تلاوة القرآن، وحفظ القرآن وتعلم القرآن وتعليم القرآن هذه نصوصها مستفيضة لا تخفى على طالب علم.
[ ٢٧ ]
(ولكتابه ولرسوله -﵊-) الرسول النبي المصطفى الإمام القدوة المجتبى -﵊-، تكون النصيحة له بتعظيمه وتوقيره وتعزيره والاقتداء به والائتساء به والائتمار بأوامره واجتناب ما نهى عنه مبلغًا عن ربه -جل وعلا-، المقصود أن النصيحة له اتخاذه قدوة في كل ما أمر به، اجتناب كل ما نهى عنه وفعل جميع ما فعله على مراده وعلى هيئته وكيفيته، كما سيأتي في حديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي» «خذوا عني مناسككم» ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [(٢١) سورة الأحزاب] نعم هو الأسوة وهو القدوة، ومن تعظيمه تعظيم سنته -﵊-، والانتصار لسنته وتعليم سنته، وتعلم السنة وتعليم السنة والعمل بها والذب عنها والرد على كل من يتطاول عليها، وقد كثروا في هذه الأزمان المتأخرة لا كثرهم الله، (ولرسوله) ولا يتم الاقتداء به والائتساء به إلا بإدامة النظر في سنته، وفي سيرته، وفي شمائله -﵊-، وفي خصائصه، وفي معجزاته ودلائل نبوته -﵊-، كثير من الناس لا يجد في قلبه من التعظيم للنبي -﵊- ما ينبغي أن يوجد، وسبب هذا البعد عن السنة، البعد عن السنة، البعد عن دراسة السيرة والمواقف منه -﵊-، المواقف المشرفة في حياته -﵊-، ومع هذا، ومع ما جاء في تعظيمه وتوقيره إلا أنه لا يجوز بحال أن يصرف له حق من حقوق الله -جل وعلا-، فلا إفراط ولا تفريط، لا يجوز أن نغلو به -﵊-، أو نبالغ في رفع مقامه عن المكانة التي أنزله الله -جل وعلا- إياها، وهو سيد البشر، وأفضل الخلق، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، مناقبه -﵊- وشمائله ومعجزاته ودلائل نبوته كثيرة جدًا، علينا أن نُعنى بها؛ لكن لا يجوز أن نصرف له شيئًا من حقوق الله -جل وعلا- «ولأئمة المسلمين» أكثر العلماء على أن المراد بالأئمة الولاة، الحكام، ومنهم من يرى أن المراد بأئمة المسلمين العلماء، ولا يمنع أن يراد الحكام والعلماء؛ لأنهم كلهم أئمة، وكلهم أهل أمرٍ ونهي، فنصح الأئمة الذين هم الحكام يكون بطاعتهم
[ ٢٨ ]
والانطواء تحت لواءهم، والجهاد تحت رايتهم، والصلاة خلفهم، والدعاء لهم، وبذل النصح لهم، بذل النصح لهم، يدخل دخول أولي من باب النصيحة لهم؛ لكن بالأسلوب الذي يحقق الهدف ولا يترتب عليه أثر سلبي؛ لأن الأئمة ليسوا بمعصومين يحصل منهم مخالفات كما يحصل من غيرهم، يقع منهم المنكرات كما يقع من غيرهم، والمطالبة بالإنكار عامة، «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطيع فبلسانه» ينكر على كل أحد يرتكب منكر لكن بالأسلوب الذي يحقق الغرض، يزيل المنكر، ولا يترتب عليه منكر أعظم منه، يعني إذا أردت أن تنكر منكر ترتب عليه منكر أعظم منه أفسدت أكثر مما أصلحت، فعليك أن تسلك الأساليب المجدية النافعة، تقول: والله ما لي قدرة أنصح الكبار، أنا ليست لي وسيلة إلى الوصول إليهم، بلغ من فوقك، ومن فوقك يبلغ من فوقه، ومن فوقه يصل إليهم وينصحهم، يبذل لهم النصيحة، قد يقول قائل: بعض المنكرات ميئوس منها إيش أنصح وبعدين ثم ماذا؟ نصحنا نصحنا، نقول: يا أخي لا تستعجل النتائج، النتائج ليست بيدك، أنت مأمور بالإنكار، تستطيع تنكر بيدك لا بأس هذا الأصل، إن لم تستطع بلسانك، لم تستطع بقلبك، الله -جل وعلا- لا يكلف نفسًا إلا وسعها، تقول: هذا المنكر من سنين والناس يطالبون بتغييره ما تغير، النتائج ليست بيدك، عليك بذل السبب أنت أمرت بأمر ائتمر به، ليس لك ما وراء هذا الأمر، والغيرة مطلوبة من المسلم، ودليل على صدق إيمانه، والذي لا يغار على حدود الله ومحارم الله هذا يخشى عليه، الذي لا ينكر المنكر ولا بقلبه هذا ليس وراء ذلك من الإيمان شيء، فالذي لا يغار هذا يخشى عليه، طيب الذي يغار بقدر المطلوب من الغيرة، يعني هل الدين يأتي بمثل أن ترى شخص سكران فتضرب رأسه بخشبة حتى يموت؟ تقول: باعثه الغيرة، قد يكون باعثه الغيرة؛ لكن وش الإنكار هذا؟ غيرة مذمومة؛ لأن الخلائق والصفات والشمائل التي طلبها الشرع لا تخلو من طرفين ووسط، إفراط وتفريط، ودين الله -جل وعلا- في الوسط، فلا إفراط ولا تفريط، فعلينا أن ننكر، وعلينا أن ننصح؛ لكن بالأسلوب الذي يحقق الهدف، ولا يترتب عليه مفسدة أعظم، بالرفق، باللين، الله رفيق يحب الرفق، يحتاج إلى مثل هذا، لين
[ ٢٩ ]
ولطف ورفق، وهذا على كافة المستويات، اللين والرفق هو المؤثر، أما المنازعة والمشاحنة والمحادة والكلام القبيح والبذيء والخصومات ورفع الأصوات هذه لا تجدي شيئًا.
نعم ولي الأمر الذي بيده التغيير باليد، نعم يأطر الناس أطرًا على الحق إذا لم يمتثلوا بكلامه، يأطر الناس على الحق، ويمنعهم من ارتكاب المحرمات، يأطرهم على فعل الواجبات، لكن آحاد الناس ليس له ذلك، إنما غايته أن يبذل النصيحة، ولا يقصر في هذا الباب، ولا ييأس ولا يقنط، بل عليه أن يمتثل ما أمر به والنتائج بيد الله -جل وعلا-، يبذل السبب والمسببات بيد المسبب -جل وعلا-.
[ ٣٠ ]
«ولأئمة المسلمين» هذا بالنسبة للحكام، أيضًا ينص أهل العلم في هذه المسألة سواءً كان الأئمة الحكام أو العلماء، أيضًا العلماء قد أدرجوا في هذا من تمام نصحهم أخذ العلم عنهم، وتعظيمهم وتوقيرهم وتقديرهم في حدود ما أمر الله به ورسوله، واستفتاءهم وعدم تنقصهم والحط من شأنهم وقدرهم، ولو أخطأ، يعني في معصوم، الخطأ من تمام النصيحة أن تبين له بالأسلوب المناسب، ما تقول يا شيخ: أخطأت، فضلًا عن كونك في المجالس تقول: أخطأ فلان، وأنت ما قدمت له كلمة، ما تواجه تقول له: يا شيخ أخطأت، هذا الأسلوب لا يناسب، تسأله على سبيل الاستفهام، يا شيخ ما حكم كذا؟ إذا أجابك بما نقل إليك عنه من خطأ تقول: لو كان في هذه المسألة كذا، ألا يفهم من قوله -جل وعلا- كذا؟ ألا يفهم من الحديث كذا؟ بالأسلوب الذي يحقق المصلحة، ومع الأسف الشديد أنه يوجد في المجالس من بين طلاب العلم الكلام لا يصل إلى المنتقد مع الأسف الشديد، ينتشر بين الناس والمنتقد ما دري، لا سيما إذا كان الكلام في الأئمة المقتدى بهم أهل العلم والعمل الذي يسعى أعداء الإسلام لإسقاطهم، وتنزيل قدرهم، فنفقد القدوات، يعني إذا خسرنا الكبار ماذا نكسب؟ فيمن نقتدي، إذا خسرنا العلماء أهل العلم والعمل، والعدو يفرح بمثل هذا، في تضييع الناس، فإذا كان أهل العلم يفتون بأنه يحرم البقاء في بلدٍ ليس فيه عالم يوجه الناس ويفتي الناس وينصح الناس، فكيف إذا وجد علماء لكن وجودهم مثل عدمهم أسقطوا على مصطلح بعض الناس؟ هذه كارثة، وما أوتي المسلمون في أقطار الأرض إلا بهذه الطريقة، نعم علينا أن نعتقد جازمين أنهم ليسوا بمعصومين، يحصل منهم الخطأ، يحصل منهم الزلل، تحصل الهفوات، ليسوا بمعصومين؛ لكن إيش المانع أنه يناقش، يناقش من أخطأ، من تمام النصيحة أن يناقش، وأيضًا يؤكد أهل العلم شراح الحديث في هذه المسألة أن لا يغروا بالثناء الكاذب، الإمام الفاعل الدارس العلامة شيخ الإسلام مفتي العنان مفتي الفرق وبعدين؟ تجده ما يصل ولا إلى مرتبة عالم، هو طالب علم ما زال، ثم تضفى عليه هذه الألفاظ وهذه الأوصاف ثم يغتر بنفسه يصيبه شيء فيهلك، يغتر به الناس فيضلوا، وقد أمر النبي -﵊-
[ ٣١ ]
أن ننزل الناس منازلهم، فلا إفراط ولا تفريط، نعم من أهل العلم من أهل الخير من أهل الفضل، من أهل الصلاح، فلا نذمهم ونبين مثالبهم أمام العامة، ولا نغلو بهم ونمدحهم أكثر من واقعهم فنغرر بهم.
«وعامتهم» وعامة المسلمين المراد من سوى من ذكر هؤلاء تبذل لهم النصيحة، يوجهون، يسددون، يبين لهم ما يحتاجون من أحكام في العبادات، في المعاملات، في الأمور التي يحتاجونها، وهذا من نصيحتهم، إذا وجد مخالفة عند شخص بينت له بالأسلوب المناسب، إذا استشارك في أمرٍ من أموره الخاصة تمحضه النصيحة، وتحب له ما تحب لنفسك، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» هناك مسائل جزئية قد تحب لفلان ما لا تحبه لنفسك، وقد تنصح فلانًا نظرًا لمصلحة العامة، وإن كان ليس في مصلحته الخاصة، مثال ذلك شخص جاءك شخص من زملائك أو من طلابك، يقول: أنا والله رشحت للوظيفة الفلانية، ورشحت للقضاء، الفرار من القضاء التحذير من القضاء، القضاء مزلة قدم هذا ثابت ومعروف مسألة هذه الأمة؛ لكن إذا دعاك شخص أنت لا ترضى القضاء بنفسك، فهل تقول: أنا ما أرضى القضاء لنفسي لا أرضاه لك، والأمة مضطرة إلى وجود قضاة؟ هنا نرجح المصلحة العامة فنقول: لا يا أخي هذا يتعين هذا لا بد منه، إن لم يقم به أنت وأمثالك من يقوم به؟ إذا كان كفءً لذلك تقدم المصلحة العامة على مصلحته، إذا لم يكن كفءً لذلك فلا تقدم مصلحته على مصلحة العامة، لو جاء شخص فرح وعينته بالقضاء، دين ودنيا، وترى مصلحة الأمة لا يتولى مثل هذا تمحضه النصيحة، يا أخي السلف ضربوا على القضاء ما قبلوا، أئمة الإسلام كلهم هربوا من القضاء وتركوا القضاء، فالنصيحة قد تختلف من شخصٍ إلى آخر، فهذا ينصح بالقضاء وهذا يحذر من القضاء نظرًا للمصلحة العامة، فهذا أيضًا وإن كان فيه من جهة عدم نصح له إلا أن في نصح للعامة، لعامة المسلمين وللأئمة بكاملها، وهو أيضًا نصح له إذا لم يكن كفءً لذلك.
والحديث الكلام فيه يطول جدًا؛ لأنه يمكن أن ينتظم جميع الأبواب أيضًا، يمكن إدخال جميع الأبواب تحت حديث (الدين النصيحة) لأن الدين يشمل خصال الدين كلها، الإسلام والإيمان والإحسان، يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة، يشمل ما يتعلق بالخالق وما يتعلق بالمخلوق، المقصود أن فيه من العموم والشمول ما يجعلنا نقتصر على هذا القدر، والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا ومحمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ٣٢ ]