بمنافقي زمانه ــ ﵊ ــ، وهذه دعوى لا دليل عليها.
فأمّا ما رواهُ مقاتل عن الحسن أنّ رسول الله ﵌ لمّا قال ذلك شغل قلوبَ أصحابه أن يسألوه؛ فأمروا فاطمة ابنته أن تسأله، وذكروا لها شغل قلوبهم، فأخبرت فاطمة النبيَّ ﵌، فأمر سلمانَ فنادى: الصلاة جامعة، فصعد المنبر ثم قال: "أيُّها الناس إني كنتُ قلتُ لكم: ثلاث من كنَّ فيه فهو منافقٌ، ولم أعنكم به إنّما عنيتُ المنافقين، أمّا قولي: إذا حدث كذب فإنهم أتوني فقالوا لي: إيمانُنا كإيمانك، وتصديق قلوبنا كتصديق قلبك فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ إلى ﴿.. لَكَاذِبُونَ﴾ وأمّا قولي: "وإذا اؤتمن خان" فإنّ الصلاة والدين كلُّه أمانة فإنهم ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ ﴾ الآية [النساء: ١٤٢]، وفيهم قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ﴾ إلخ [الماعون: ٤ - ٥]، وأمّا قولي: "وإذا وعد أخلف" فإنّ ثعلبة بن حاطبٍ أتاني وقال: إنّي مولَعٌ بالساعة ولي غُنيمات فادعُ الله أن يبارك لي فيهنَّ، فعليَّ عهدُ الله لأتصدقنَّ وأكوننّ من الصالحين، فدعوتُ الله فَنَمَت وزادت حتى ضاقت عليها الفجاج فسألته الصدقة فبخل بها؛ فأنزل فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ ﴾ الآية [التوبة: ٧٥] " فسُرّي عن الصحابة وتصدّقوا بمالٍ عظيم".
كذا نقلتُ هذا الحديث من "تحفة الزمن في تاريخ سادات اليمن" (^١)
_________________
(١) (ص ٧٠). والحديث أخرجه بطوله الثعلبي في "الكشف والبيان": (٥/ ٧٣ - ٧٥)، وذكر الطبري طرفًا منه: (١١/ ٥٨٥).
[ ١٥ / ٣٥٥ ]
للحسين بن عبدالرحمن الأهدل، فإن صحَّ فليس فيه إلا أنَّه لم يَعْنِ مخاطبيه، وذلك حقٌّ؛ فإنّهم ﵃ لم تغلب عليهم تلك الخصال، فأمّا المنافقون فإنها غالبةٌ عليهم، كما يدلُّ عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ فإنّ (إذا) فيها مفيدةٌ للتكرار، وكذلك قوله: "فإنّ الصلاة والدين كلّه أمانة إلخ". و(إذا) في قوله: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ مفيدةٌ للتكرار. وأمّا قصةُ ثعلبة فإنّه لم يتكرر منه الغدر بالعهد، لكنّه لما كان لله ورسوله وأصرّ عليه غُلِّظ عليه.
وهذا الحديث ــ إن صحَّ ــ فليس بيانًا لاختصاص الحديث السابق بمنافقي زمانه ــ عليه أفضل الصلاة والسلام ــ وإنّما هو بيانٌ لمصداقه من القرآن، فإنه تعالى خصَّ بالمنافقين بتكرر أنّهم إذا جاؤوه كذبوا فصارت علامةً لهم، وخصَّهم بالوصف بتكرّر خيانة الأمانة، ومنها الصلاة فصارت علامةً لهم، وحكم على ثعلبة (^١) بالنفاق لغدره بالعهد المغلّظ وإصراره عليه فصارت علامةً.
وقصّة ثعلبة تعضد ما قلناه مِن أنّ إخلافَ الوعد لا يكون آية النفاق حتى تكون غدرًا بالعهد، وإذا علمتَ أن الصلاة والدين كلّه أمانة سَهُل عليك الأمرُ، وحقًّا هي أمانة يدلُّ عليها هذا الحديث وغيره كقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى غير ذلك من الآيات مع
_________________
(١) لا تثبت قصة ثعلبة من وجه يصح، وانظر كتاب "ثعلبة من حاطب الصحابي المفترى عليه" لعداب الحمش.
[ ١٥ / ٣٥٦ ]