كم أحمل في هواك كلًاّ وعنَّا كم أصبر فيك تحت (سقم) (٢) وضنًّا
لا تطردني فليس لي عنك غنى هذا حالي فإن رحمتم فأنا
_________________
(١) الأحزاب: ١١.
(٢) كتب الناسخ فوقها "ضر".
[ ٢ / ٧٤٧ ]
غيره:
من أجل هواكمُ هجرت الخلقا لم يُبق حقكمُ لنفسي حقًّا
في حبكم يهون ما قد ألقى ما يسعد بالنعيم من لا يشقى
وأيضًا فكثرة العيال مما يوجب تعلق القلب بهم، فيشغل ذلك عن محبته وخدمته لله، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (١).
قال أبو حازم: كل ما شغلك عن الله من مال أو ولد فهو عليك شؤم.
وقد روى أبو نعيم (٢) بإسناد ضعيف من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إذا أَحَبّ الله عبدًا اقتناه لنفسه، ولم يشغله بزوجة ولا ولد".
ومن كلام الشيخ عبد القادر: وكم تقول: كل من أحبه لا يدوم لي، بل يحال بيني وبينه بموت أو غيره، فيقال لك: يا محبوب الحق! المعني به المنطورُ إِلَيْهِ المغَارُ عليه، أما علمت أن الله غيور، خلقك له وتروم أن تكون لغيره، أما سمعت قوله ﷿: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٤) وقوله - ﷺ -: "إذا أَحَبّ الله عبدًا ابتلاه
_________________
(١) المنافقون: ٩.
(٢) في "الحلية" (١/ ٢٥) من طريق عبد الملك بن يزيد، ثنا أبو عوانة عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود. فذكره. وأورد الخبر الذهبي في "الميزان" (٤/ ٤١٨ - علمية) وابن حجر في اللسان (٤/ ٧٣) في ترجمة عبد الملك بن يزيد، وقال الذهبي: عبد الملك بن يزيد، عن أبى عوانة بخبر باطل في ترك التزويج، لا يُدرى من هو؟ ثم ساق الخبر بإسناد أبي نعيم وقال: رواه ابن الجوري في "الموضوعات". وعزاه العجلوني في "كشف الخفا" (١/ ٤٦٥) للخطيب وغيره.
(٣) المائدة: ٥٤.
(٤) الذاريات: ٥٦.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
فَإِذَا صبر اقتناه فلم يذر له مالًا ولا ولدًا (١) انتهى.
ومن هذا المعنى الأثر الإسرائيلي: "يا ابن آدم خلقتُ كل شيء لك وخلقُتكَ لنفسي، فلا تشتغل بما خلقتُهُ لك عما خلقتُكَ له".
وقد قيل: إن إبراهيم الخليل -﵇- إِنَّمَا أُمر بذبح ولده لتعلق قلبه به، فلما فرَّغه منه، وقدَّم محبة الله علي محبة ولده، وأسلما وتلّه للجبين، حصل الفداء بحصول المقصود منه، وهو تفريغ القلب، فلم يبق لإراقة الدم معنًى.
وكذلك الخليل الأكبر لما اشتدت محبته لعائشة وقع تنغيصها عليه بما جرى من حديث الإفك.
كان بعض العارفين له زوجة هي ابنة عمه وكان يحبها حبًّا شديدًا، فَقَالَ لنفسه يومًا: كيف ألقى الله بهذا الحال؟ فسأل الله فمرضت ثلاثة أيام ثم ماتت فخرج من فوره إِلَى مكة.
مرَّ بعض الفقراء بامرأة فأعجبته فتزوجها، فلما دخل بها البيت نزعوا خلقَانَهُ، وألبسوه ثيابًا جددًا، فلما جن عليه الليل، طلب قلبه فلم يجده فصاح: خلقَاني خلقَاني. فأخذ ورجع.