كانت قريش تصنع في الجاهلية» قريش لحميتها الجاهلية وتعصبها لا تقف يوم عرفة إلا في مزدلفة تقول نحن أهل الحرم فلا نخرج إلى الحل وأما بقية الناس فيقفون في عرفة لكن النبي ﷺ جدد الحج على مشاعر إبراهيم ﵊.
وقوله: «فأجاز حتى أتى عرفة» أجاز بمعنى تعدى يعني جاوز مزدلفة إلى عرفة.
وقوله: «فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها» أجاز النبي ﷺ حتى أتى عرفة وكان قد أمر أن تضرب له قبة بنمرة (١) وهي قرية قرب عرفة فضربت له القبة بنمرة فنزل بها حتى زالت الشمس وهذا النزول فيه استراحة بعد التعب من المشي من منى إلى عرفة لأن هذه هي أطول مسافة في الحج - من منى إلى عرفة - فبقي النبي ﷺ هناك واستراح.
وظاهر السياق أن نمرة من عرفة لأنه قال: «حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة» وهذا يدل على أن نمرة من عرفة وأنها جزء منها فتكون نمرة اسم لمكان معين من
_________________
(١) نمرة: بفتح أوله وكسر ثانيه أنثى النمر، ناحية بعرفة نزل بها النبي ﷺ وقيل الحرم من طريق الطائف على طرف عرفه من نمرة على أحد عشر ميلًا وقيل نمرة الجبل الذي عليه أنصاب الحرم عن يمينك إذا خرجت من الملزمين تريد الموقف. معجم البلدان ٥/ ٣٥٢.
[ ٥١ ]
عرفة.
وهذا أحد القولين لأهل اللغة وأهل الفقه فإن أهل اللغة وأهل الفقه اختلفوا هل نمرة من عرفة أم لا؟
فجزم النووي ﵀ (١) وجماعة بأنها ليست من عرفة وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ﵀ وهذا هو الصواب لأن النبي ﷺ أذن ببناء الخيمة فيها ولو كانت مشعرًا لم يأذن ببناء الخيمة فيها ولهذا ما بني له خيمة في عرفة ولا بني له خيمة في منى حتى إنه يروى أنه قيل له ألا نبني لك خيمة في منى فقال: (لا منى مناخ من سبق) (٢) هكذا روي عنه وكونه يأذن أن يبنى له خيمة في نمرة يدل على أنها ليست من المشاعر وإلا لما أذن فيها.
وأما قوله «حتى أتى عرفة» فمعناه بيان لمنتهى تجاوزه وأنه لم يقف بمزدلفة كما كانت قريش تفعل بل تجاوزها حتى بلغ عرفة التي هي موقف الناس كما قال الله تعالى:) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ «٣) والناس يفيضون من عرفة ولهذا لم يقل: «فوجد القبة قد ضربت بها في نمرة» .
_________________
(١) أنظر شرح مسلم للنووي ٨/ ٤١١.
(٢) أخرجه الإمام أحمد ٦/١٨٧، ٢٠٧. وأبو داود في المناسك / باب تحريم مكة (٢٠١٩) والترمذي في الحج / باب ما جاء إن منى مناخ من سبق (٨٨١) وابن ماجه في المناسك / باب النزول بمنى (٣٠٠٦) .
(٣) سورة البقرة: آية ١٩٩.
[ ٥٢ ]