قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا﴾
٦٨٥ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يقضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها رواه مسلم
[الشَّرْحُ]
قال الإمام النووي ﵀ (باب حفظ السر) والسر هو ما يقع خفية بينك وبين صاحبك ولا يحل لك أن تفشي هذا السر أو أن تبينه لأحد سواء قال لك لا تبينه لأحد أو علم بالقرينة الفعلية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد أو علم بالقرينة الحالية أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد.
مثال الأول: اللفظ أن يحدثك بحديث ثم يقول لا تخبر أحدا هو معك أمانة ومثال الثاني: القرينة الفعلية أن يحدثك وهو في حال تحديثه إياك يلتفت
[ ٤ / ٣٦ ]
يخشى أن يكون أحد يسمع لأن معنى التفاته أنه لا يحب أن يطلع عليه أحد ومثال الثالث: القرينة الحالية أن يكون هذا الذي حدثك به أو أخبرك به من الأمور التي يستحي من ذكرها أو يخشى من ذكرها أو ما أشبه ذلك فلا يحل لك أن تبين وتفشي هذا السر ثم استدل المؤلف ﵀ لذلك بقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولًا يعني إذا عاهدتم على شيء بلسان الحال أو بلسان المقال فإنه يجب عليكم أن توفوا بالعهد ومن العهود الشروط التي تقع بين الناس في الشراء والإجارة والاستئجار والرهن وغير ذلك فإن هذه الشروط من العهد وكذلك ما يجرى بين المسلمين والكفار من العهد فإنه يجب على المسلمين أن يوفوا به والمعاهدين من الكفار بين الله في سورة التوبة أنهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام قسم: لا يزالون يوفون بالعهد فهؤلاء يجب أن نوفي بعهدهم.
وقسم ثان: نقضوا العهد فهؤلاء لا عهد بيننا وبينهم لأنهم نقضوا العهد قال الله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
[ ٤ / ٣٧ ]
وقسم ثالث لم ينقضوا العهد ولم يتبين لنا أنهم سيستمرون في الوفاء به بل نخاف منهم أن يخونوا وينقضوا العهد فهؤلاء قال الله فيهم ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ & يعني قل لهم لا عهد بيننا وبينكم حتى يكون الأمر صريحا فالمهم أن جميع ما يشترط بين الناس فإنه من المعهود ومن ذلك التزام الموظفين بأداء عملهم فإن الموظف قد التزم بالشروط التي تشترطها الحكومة على الموظفين من الحضور في أول الدوام وعدم الخروج إلا بعد انتهاء الدوام والنصح في العمل وما أشبه ذلك مما هو معروف في ديوان الخدمة فالواجب الوفاء بهذه العهود وإلا فاترك الوظيفة وكن حرا فيما تعمل لأن الوظيفة لم تلزم بها بل أنت الذي أتيت وتوظفت فيجب أن تلتزم بما تقتضيه شروط هذه الوظيفة من كل شيء وإلا فدعها وكن حرا فيما تريد ولا أحد يحاسبك إلا الله ﷿ ثم ذكر حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة أشر هذه لغة قليلة لأن اللغة الكثيرة حذف الهمزة فخير وشر الأكثر فيهما في اللغة حذف الهمزة لا يقال أخير ولا أشر إلا قيلا وإنما يقال خير وشر قال
[ ٤ / ٣٨ ]
الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ وقال تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ حذف الهمزة في خير وشر لكن يأتي ذكرها أحيانا بناء على الأصل.
فهنا إن من أشر الناس منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه يعني بذلك الزوجة فيصبح ينشر سرها أو هي أيضا تصبح تنشر سره فيقول فعلت في امرأتي البارحة كذا وفعلت كذا والعياذ بالله فالغائب كأنه يشاهد كأنه بينهما في الفراش والعياذ بالله يخبره بالشيء السر الذي لا تحب الزوجة أن يطلع عليه أحد أو الزوجة كذلك تخبر النساء بأن زوجها يفعل بها كذا وكذا وكل هذا حرام ولا يحل وهو من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة فالواجب أن الأمور السرية في البيوت وفي الفرش وفي غيرها تحفظ وألا يطلع عليها أحدا أبدا فإن من حفظ سر أخيه حفظ الله سره فالجزاء من جنس العمل
[ ٤ / ٣٩ ]
٦٨٨ - وعن ثابت عن أنس ﵁ قال: أتى علي رسول الله ﷺ وأنا ألعب مع الغلمان فسلم علينا فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت ما حبسك فقلت بعثني رسول الله ﷺ لحاجة قالت ما حاجته؟ قلت إنها سر قالت لا تخبرن بسر رسول الله ﷺ أحدا قال أنس: والله لو حدثت به أحدا لحدثتك به يا ثابت.
رواه مسلم وروى البخاري بعضه مختصرا
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في باب حفظ السر فيما نقله عن ثابت عن أنس خادم رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ مر به وهو يلعب مع الصبيان فسلم عليهم يعني سلم على الصبيان وهم يلعبون لأن رسول الله ﷺ كان أحسن الناس خلقا فكان يمر بالصبيان فيسلم عليهم ثم دعا أنس بن مالك ﵁ وأرسله في حاجة فأبطأ على أمه وأمه هي أم سليم امرأة أبي طلحة فلما جاء إليها سألته ما الذي أبطأ بك قال بعثني النبي ﷺ في حاجة يعني أرسلني بها قالت ما حاجته قال ما كنت لأخبر بسر رسول الله
[ ٤ / ٤٠ ]
ﷺ فقالت لا تخبرن أحدا بسر رسول الله ﷺ قال أنس لثابت وكان ملازما له لو كنت مخبرا أحدا بذلك & لأخبرتك به أي بالحاجة التي أرسله النبي ﷺ بها ففي هذا الحديث فوائد أولا: حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه الجم وأنه على شرفه ومكانته وجاهه عند الله وعند خلقه يتواضع حتى يسلم على الصبيان وهم يلعبون في السوق ومن منا يفعل ذلك إلا من شاء الله ثانيا: من فوائد هذا الحديث أنه يسن للإنسان أن يسلم على من مر به ولو كان من الصبيان لأن السلام دعاء تدعو لأخيك به تقول السلام عليك ورده دعاء لك يقول عليك السلام ولأنك إذا سلمت على الصبيان عودتهم التربية الحسنة حتى ينشئوا عليها ويعيشوا عليها ويكون لك أجر في كل ما اهتدوا بل فيه فكل شيء يهتدي فيه بك الناس من أمور الخير لك فيه أجر ثالثا: جواز إرسال الصبي بالحاجة لكن بشرط أن يكون مأمونا أما إذا كان غير مأمون بأن يكون الصبي كثير اللعب ولا يهتم بالحوائج فلا تعتمد عليه رابعا: ما ذكره الفقهاء ﵏ أن الصبي إذا جاءك
[ ٤ / ٤١ ]
بحاجة وقال هذه من أبي هذه من أمي وما أشبه ذلك فلك أن تقبلها وإن كان هو بنفسه لا يملك أن يتبرع من ماله بشيء لكن إذا جاءك على أنه مرسل وقال هذا من أبي جاءك مثلا بتمر جاءك ببطيخ جاءك بثوب بأي شيء إذا جاءك فاقبله ولا تقل هذا صبى ربما سرقها ربما كذا ربما كذا أخذا بالظاهر.
خامسا: مراعاة الوالدة والأهل وأن الإنسان إذا أراد أن يقضي حاجة وخاف أن يبطئ عليهم أن يخبرهم إذا لم تفت الحاجة بذلك يعني إذا خرجت من أهلك فينبغي أن تقول خرجت للجهة الفلانية حتى يطمئنوا ولا تنشغل خواطرهم والإنسان لا يدري ربما يذهب إلى الجهة الفلانية ويصاب بحادث أو مرض أو غيره فإذا لم يكن معلوما بقى أمره مشكلا عند أهله فينبغي إذا أردت أن تذهب إلى شيء غير معتاد أن تخبرهم بوجهتك أما الشيء المعتاد مثل الخروج إلى المسجد وما أشبهه فلا بأس مثلا إذا أردت أن تذهب إلى بلدك قلت لهم اليوم أذهب إلى المكان الفلاني أو تريد أن تذهب في نزهة فأخبرهم حتى يطمئنوا سادسا أنه لا يجوز للإنسان أن
[ ٤ / ٤٢ ]
يبدى سر شخص حتى لأمه وأبيه فلو أن إنسانا أرسلك في حاجة ثم قال لك أبوك ما الذي أرسلك به لا تخبره ولو كان أباك أو قالت أمك ما الذي أرسلك به لا تخبرها ولو كانت أمك لأن هذا من أسرار الناس ولا يجوز إبداؤها لأحد سابعا: حسن تربية أم سليم لابنها حيث قالت لا تخبرن أحدا بسر رسول الله ﷺ وإنما قالت له ذلك مع أنه لم يخبرها ولم يخبر غيرها تأييدا له وتثبيتا له وإقامة للعذر له لأنه أبى أن يخبرها بسر رسول الله ﷺ فقالت لا تخبرن به أحدا كأنها تقول أنا أوافقك على هذا فاستمسك به ثامنا: إظهار محبة أنس لثابت لأنه ملازم له ولهذا تجده يروى عنه كثيرا ولهذا قال له لو كنت مخبرا أحدا لأخبرتك هذا يدل على المحبة بين أنس وبين تلميذه ثابت وهكذا أيضا ينبغي أن تكون المودة بين التلاميذ ومعلمهم متبادلة لأنه إذا لم يكن بين التلميذ والمعلم مودة فإن التلميذ لا يقبل كل ما قاله معلمه كذلك المعلم لا ينشط لتعليم تلميذه ولا يهتم به كثيرا فإذا صارت المودة بينهم متبادلة حصل بهذا خيرا كثيرا
[ ٤ / ٤٣ ]