قال الله تعالي: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (البينة: ٥) وقال تعالي:) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) (الحج: من الآية٣٧) وقال تعالي (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (آل عمران: من الآية٢٩) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ تعالي: «باب الإخلاص وإحضار النية، في جميع الأعمال والأقوال البارز والخفية»:
«النية» محلها القلب، ولا محل لها في اللسان في جميع الأعمال؛ ولهذا كان من نطق بالنية عند إرادة الصلاة، أو الصوم، أو الحج، أو الوضوء، أو غير ذلك من الأعمال كان مبتدعًا قائلًا في دين الله ما ليس منه؛ لأن النبي صلي الله عليه وسم كان يتوضأ، ويصلي ويتصدق، ويصوم ويحج، ولم يكن ينطق بتالنية، فلم يكن يقول: اللهم إني نويت أن أتوضأ، اللهم إني نويت أن أصلي، اللهم إني نويت أن أتصدق، اللهم إني نويت أن أحج، لم يكن يقول هذا؛ وذلك لأن النية محلها القلب، والله ﷿ يعلم ما في القلب، ولا يخفي عليه شيء؛ كما قال الله تعالي في الآية التي ساقها المؤلف: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ
[ ١ / ١٣ ]
تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (آل عمران: الآية٢٩) .
ويجب علي الإنسان أن يخلص النية لله سبحانه وتعالي في جميع عباداته، وأن لا ينوى بعباداته إلا وجه الله والدار الآخرة.
وهذا هو الذي أمر الله به في قوله: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ)، أي مخلصين له العمل، (وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) وينبغي أن يستحضر النية، أي: نية الإخلاص في جميع العبادات.
فينوى مثلًا الوضوء، وأنه توضأ لله، وأنه توضأ أمثالًا لأمر الله.
فهذه ثلاثة أشياء:
نية العبادة.
ونية أن تكون لله.
ونية أنه قام بها امتثالًا لأمر الله.
فهذا أكمل شيء في النية.
كذلك في الصلاة: تنوي أولًا: الصلاة، وأنها الظهر، أو العصر، أو المغرب، أو العشاء ن أو الفجر، أو ما أشبه ذلك، وتنوي ثانيًا: أنك إنما تصلي لله ﷿ لا لغيره، لا تصلي رياء ولا سمعة، ولا لتمدح على صلاتك، ولا لتنال شيئًا من المال أو الدنيا، ثالثًا: تستحضر أنك تصلي امتثالًا لأمر ربك حيث قال: (أَقِمِ الصَّلاة) (ْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) إلي غير ذلك من الأوامر.
وذكر المؤلف ﵀ عدة آيات كلها تدل على أن النية محلها
[ ١ / ١٤ ]
القلب، وأن الله - سبحانه وتعالي - عالم بنية العبد، ربما يعمل العبد عملًا يظهر أمام الناس أنه عمل صالح، وهو عمل فاسد أفسدته النية، لأن الله - تعالي - يعلم ما في القلب، ولا يجازى الإنسان يوم القيامة إلا على ما في قلبه، لقول الله تعالي:) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ) (الطارق: ٨-١٠) يعني: يوم تختبر السرائر - القلوب - كقوله:) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات: ٩-١٠) .
ففي الآخرة: يكون الثواب والعقاب، والعمل والاعتبار بما في القلب.
أما في الدنيا: فالعبرة بما ظهر، فيعامل الناس بظواهر أحوالهم، ولكن هذه الظواهر: إن وافقت ما في البواطن، صلح ظاهره وباطنهن وسريرته وعلانيته، وإن خالفت وصار القلب منطويًا على نية فاسد، نعوذ بالله - فبما أعظم خسارته !! يعمل ويتعب ولكن لا حظ له في هذا العمل؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «قال الله تعالي: أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه» .
فالله الله!! أيها الاخوة بإخلاص النية لله سبحانه وتعالي!!
واعلم: أن الشيطان قد يأتيك عند إرادة عمل الخير، فيقول لك: إنك
[ ١ / ١٥ ]
إنما تعمل هذا رياء، فيحبط همتك ويثبطك ولكن لا تلتفت إلي هذا، ولا تطعه، بل اعمل ولو قال لك: إنك إنما تعمل رياء أو سمعة؛ لأنك لو سئلت: هل أنت الآن تعمل هذا رياء وسمعة؟: لا!!
إذن فهذا الوسواس الذي أدخله الشيطان في قلبك، لا تلتفت له، وافعل لخير؛ ولا تقل: إني أرائي وما أشبه ذلك.
* * *
١- وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤس بن غالب القرشي العدوي ﵁ قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امري ما نوي فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله، فهجرته إلي الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلي ما هاجر إليه»؛ متفق على صحته؛ رواه إماما المحدثين: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بردزبة الجعفي البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج ابن مسلم القشيري النيساوي ﵄ في صحيحيهما اللذين هما اصح الكتب المصنفة.
[ ١ / ١٦ ]
[الشَّرْحُ]
لما كان هذا الباب في الإخلاص، إخلاص النية لله ﷿، وأنه ينبغي أن تكون النية مخلصة لله في كل قول، وفي كل فعل، وعلى كل حال، ذكر المؤلف من الآيات ما يتعلق بهذا المعني، وذكر ﵀ من الأحاديث ما يتعلق به أيضًا، وصدر هذا بحديث عمر بن الخطاب الذي قال فيه: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي»:
هاتان الجملتان اختلف العلماء ﵏ فيهما:
فقال بعض العلماء: إنهما جملتان بمعني واحد، وإن الجملة الثانية تأكيد للجملة الأولي.
ولكن هذا ليس بصحيح، وذلك لأن الأصل في الكلام أن يكون تأسيسا لا توكيدًا، ثم إنهما عند التأمل يتبين أن بينهما فرقًا عظيمًا؛ فالأولي سبب، والثانية نتيجة:
الأولي: سبب يبين فيها النبي صلي الله عليه وسلم أن كل عمل لابد فيه من نية، فكل عمل يعمله الإنسان وهو عاقل مختار، فلابد فيه من نية، ولا يمكن لأي عاقل مختار أن يعمل عملًا إلا بنية؛ حتى قال بعض العلماء: «لو كلفنا الله عملًا بلا نية، لكان من تكليف ما لا يطاق!» .
وهذا صحيح؛ كيف تعمل وأنت في عقلك، وأنت مختار غير مكره، كيف تعمل عملًا بلا نية؟ ! هذا مستحيل؛ لأن العمل ناتج عن إرادة
[ ١ / ١٧ ]
وقدرة، والإرادة هي النية.
إذن: فالجملة الأولي معناها أنه ما من عامل إلا وله نية، ولكن النيات تختلف اختلافًا عظيمًا، وتتباين تبتينًا بعيدًا كما بين السماء والأرض.
من الناس من نيته في القمة في أعلي شيء، ومن الناس من نيته في القمامة في أخس شيء وأدني شيء؛ حتى إنك لتري الرجلين يعملان عملًا واحدًا يتفقان في ابتدائه وانتهائه وفي أثنائه، وفي الحركات والسكنات، والأقوال والأفعال، وبينهما كما بين السماء والأرض، وكل ذلك باختلاف النية.
إذن: الأساس أه ما من عمل إلا بنية، ولكن النيات تختلف وتتابين.
نتيجة ذلك قال: «وإنما لكل أمري ما نوي»؛ فكل امريء له ما نوي: إن نوي الله والدار الآخر في أعماله الشرعية، حصل له ذلك، وإن نوي الدنيا، قد تحصل وقد لا تحصل.
قال الله تعالي:) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ) (الاسراء: الآية١٨) ما قال: عجلنا له ما يريد؛ بل قال: (عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ)، لا ما يشاء هو؛ (لِمَنْ نُرِيدُ) لا لكل إنسان، فقيد المعجل والمعجل له؛ فمن الناس: من يعطي ما يريد من الدنيان ومنهم: من يعطي شيئًا منه، ومنهم: من لا يعطي شيئًا أبدا.
أما: (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا) (الاسراء: ١٩) لابد أن يجني ثمرات هذا العمل الذي أراد به وجه الله والدار الآخرة.
[ ١ / ١٨ ]
إذن «إنما لكل امري ما نوي» .
وقوله: «إنما الأعمال بالنيات..إلخ» هذه الجملة والتي قبلها ميزان لكل عمل؛ لكنه ميزان الباطن، وقوله ص فيما أخرجه الشيخان عن عائشة رضي الله عها: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ميزان للأعمال الظاهرة.
ولهذا قال أهل العلم: «هذان الحديثان يجمعان الدين كله» حديث عمر: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للباطن، وحديث عائشة: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا» ميزان للظاهر.
ثم ضرب النبي صلي الله عليه وسلم مثلًا يطبق هذا الحديث عليه، قال: «فمن كانت هجرته إلي الله ورسوله، فهجرته إلي الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلي ما هاجر إليه»:
«الهجرة»: أن ينتقل الإنسان من دار الكفر إلي دار الإسلام. مثل أن يكون رجل في أمريكا - وأمريكا دار كفر - فيسلم، ولا يتمكن من إظهار دينه هناك، فينتقل منها إلي البلاد الإسلامية، فهذه هي الهجرة.
وإذا هاجر الناس، فهم يختلفون في الهجرة.
الأول: منهم من يهاجر، ويدع بلده إلي الله ورسوله؛ يعني إلي شريعة
[ ١ / ١٩ ]
الله التي شرعها الله على رسوله صلي الله عليه وسلم هذا هو الذي ينال الخير،، وينال مقصوده؛ ولهذا قال: «فهجرته إلي الله ورسوله»؛ أي فقد أدرك ما نوي.
الثاني من المهاجرين: هاجر لدنيا يصيبها، يعني: رجل يحب جمع المال، فسمع أن بلاد الإسلام مرتعًا خصبًا يصيبها خصبًا لاكتساب الأموال، فهاجر من بلد الكفر إلي بلد الإسلام؛ من أجل الماء فقط، لا يقصد أن يستقيم دينه، ولا يهتم بدينه، ولكن همه المال.
الثالث: رجل هاجر من بلد الكفر إلي بلد الإسلام؛ يريد امرأة يتزوجها، قيل له: لا نزوجك إلا في بلاد الإسلام، ولا تسافر بها إلي بلد الكفر، فهاجر من بلده - إلي بلاد الإسلام؛ من أجل أن يتزوج هذه المرأة.
فمريد الدنيا ومريد المرأة، لم يهاجر إلي الله ورسوله، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم «فهجرته إلي ما هاجر إليه»، وهنا قال «إلي ما هاجر إليه» ولم يقل «فهجرته إلي دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها» فلماذا؟
قيل: لطول الكلام؛ لأنه إذا قال: فهجرته إلي دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ صار الكلام طويلًا، فقال: «هجرته إلي ما هاجر إليه»
وقيل: بل لم ينص عليهما؛ احتقارًا لهما، وإعراضًا عن ذكرهما؛ فلأنهما حقيران؛ أي: الدنيا، والزوجة. ونية الهجرة - التي هي من أفضل الأعمال - لإرادة الدنيا والمرأة؛ نية منحطة سافلة، قال: «فهجرته إلي ما هاجر إليه» فلم يذكر ذلك احتقارًا، لأنها نية فاسدة منحطة.
[ ١ / ٢٠ ]
وعلي كل حال، سواء هذا أو الجميع؛ فإن هذا الذي نوي بهجرته الدنيا، أو المرأة التي ينكحها، لا شك أن نية سافلة منحطة هابطة، بخلاف الأول الذي هاجر غلي الله ورسوله صلي الله عليه وسلم.
أقسام الهجرة:
الهجرة تكون للعمل، وتكون للعامل، وتكون للمكان.
القسم الأول: هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي، ويكثر فيه الفسوق، وربما يكون بلد كفر إلي بلد لا يوجد فيه ذلك.
وأعظمه الهجرة من بلد الكفر إلي بلد الإسلام، وقد ذكر أهل العلم إنه يجب علي الإنسان أن يهاجر من بلد الكفر إلي بلد الإسلام إذا كان غير قادر علي إظهار دينه.
وأما إذا كان قادرًا علي إظهار دينه، ولا يعارض إذا أقام شعائر الإسلام؛ فإن الهجرة لا تجب عليه، ولكنها تستحب، وبناء علي ذلك يكون السفر إلي بلد الكف أعظم من البقاء فيه، فإذا كان بلد الكفر الذي كان وطن الإنسان؛ إذا لم يستطع إقامة دينه فيه؛ وجب عليه مغادرته، والهجرة منه.
فذلك إذا كان الإنسان من أهل الإسلام، ومن بلاد المسلمين؛ فإنه لا يجوز له أن يسافر إلي بلد الكفر؛ لما في ذلك من الخطر على دينه، وعلي أخلاقه، ولما في ذلك من الخطر على دينه، وعلي أخلاقه، ولما في ذلك من إضاعة ماله، ولما في ذلك من تقوية اقتصاد الكفار، ونحن مأمورون بأن نغيظ الكفار بكل ما نستطيع، كما قال
[ ١ / ٢١ ]
الله تبارك وتعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة: ١٢٣) وقال تعالي: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (التوبة: من الآية١٢٠) .
فالكافر إيا كان، سواء كان من النصارى، أو من اليهود، أو من الملحدين، وسواء تسمي بالإسلام أم لم يتسم بالإسلام، الكافر عدو لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين جميعًا، مهما تلبس بما تلبس به؛ فإنه عدو!!
فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلي بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن الكفار يوردون على المسلمين شبهًا في أخلاقهم، وفي كل شيء يوردون الشبهة؛ ليبقي الإنسان شاكا متذبذبا، ومن المعلوم أن الإنسان إذا شك في الأمور التي يجب فيها اليقين؛ فإنه لم يقم بالواجب، فالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره - الإيمان بهذه - يجب أن يكون يقينًا؛ فإن شك الإنسان في شيء من ذلك فهو كافر.
فالكفار يدخلون علي المسلمين الشك، حتى إن بعض زعمائهم صرح قائلًا: لا تحاولوا أن تخرجوا المسلم من دينه إلي دين النصارى، ولكن يكفي أن تشككوه في دينه؛ لأنكم إذا شككتموه في دينه سلبتموه الدين، وهذا كاف، أنتم أخرجوه من هذه الحظيرة التي فيها الغلبة والعزة والكرامة ويكفي. أما أن تحاولوا أن تدخلوه في دين النصارى - المبني
[ ١ / ٢٢ ]
علي الضلال والسفاهة - فهذا لا يمكن، لأن النصارى ضالون، كما جاء في الحديث عن النبي صلي الله عليه وسلم، وإن كان دين المسيح ﵊ دين حق، لكنه دين الحق في وقته قل أن ينسخ برسالة النبي صلي الله عليه وسلم فإن الهدي والحق فيما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم.
الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات؛ لأن الإنسان يدفع به الشبهات. الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلي بلاد الكفر انغمس؛ لأنه يجد زهرة الدنيا، هناك شهوات، من خمر، وزني، ولوط. كل إجرام موجود في بلاد الكفر. فإذا ذهب إلي هذه البلاد يخشي عليه أن ينزلق في هذه الأوحال، إلا إذا كان عنده دين يحميه. فلابد أن يكون عند الإنسان دين يحميه من الشهوات.
الشرط الثالث: أن يكون محتاجًا إلي ذلك؛ مثل أن يكون مريضًا؛ يحتاج إلي السفر إلي بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجًا إلي علم لا يوجد في بلد الإسلام تخصص فيه؛ فيذهب إلي هناك ويتعلم، أو يكون الإنسان محتاجًا إلي تجارة، يذهب ويتجر ويرجع. المهم أنه لابد أن يكون هناك حاجة ولهذا أري أن الذين يسافرون إلي بلد الكفر من أجل السياحة فقط. أري أنهم آثمون، وأن كل قرش يصرفونه لهذا السفر فإنه
[ ١ / ٢٣ ]
حرام عليهم، وإضاعة لمالهم، وسيحاسبون عنه يوم القيامة؛ حين لا يجدون مكانًا يتفسحون فيه أو يتنزهون فيه، حين لا يجدون إلا أعمالهم، لأن هؤلاء يضيعون أوقاتهم، ويتلفون أموالهم، ويفسدون أخلاقهم، وكذلك ربما يكون معهم عوائلهم، ومن عجب أن هؤلاء يذهبون إلي بلاد الكفر التي لا يسمع فيها صوت مؤذن، ولا ذكر ذاكر، وإنما يسمع فيها أبواق اليهود، ونواقيس النصارى، ثم يبقون فيها مدة هم وأهلوهم وبنوهم وبناتهم، فيحصل في هذا شر كثير، نسأل الله العافية والسلامة.
وهذا من البلاء الذي يحل الله به النكبات التي تأتينا، والتي نحن الآن نعيشها كلها بسبب الذنوب والمعاصي، كما اقل الله تعالي: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) (الشورى: ٣٠) نحن غافون، نحن آمنون في بلادنا. كأن ربنا غافل عنان كأنه لا يعلم، كأنه لا يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
والناس يعصرون في هذا الحوداث، ولكن قلوبهم قاسية والعياذ بالله! وقد قال الله سبحانه:) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ) (المؤمنون: ٧٦) أخذناهم بالعذاب، ونزل بهم، ومع ذلك ما استكانوا إلي الله، وما تضرعوا إليه بالدعاء، وما خافوا من سطوته، ولكن قست القلوب - نسأ الله العافية-وماتت؛ حتى أصبحت الحوادث المصيرية تمر على القلب وكأنها ماء بارد، نعوذ بالله من موت القلب وقسوته، وإلا لو كان الناس في
[ ١ / ٢٤ ]
عقل، وفي قلوب حية، ما صاروا علي هذا الوضع الذي نحن عليه الآن، مع أننا في وضع نعتبر أننا في حال حرب مدمرة مهلكة، حرب غازات الأعصاب والجنود وغير ذلك، ومع هذا لا تجد أحدًا حرك ساكنًا إلا أن يشاء الله، هذا لا شك أنه خطأ، إن أناسا في هذه الظروف العصيبة ذهبوا بأهليهم يتنزهون في بلاد الكفر، وفي بلاد الفسق وفي بلاد المجون والعياذ بالله!
والسفر إلي بلاد الكفر للدعوة يجوز؛ إذا كان له أثر وتأثير هناك فإنه جائز، لأنه سفر لمصلحة، وبلاد الكفر كثير من عوامهم قد عمي عليهم الإسلام، لا يدرون عن الإسلام شيئًا، بل قد ضللوا، وقيل لهم إن الإسلام دين وحشية وهمجية ورعاع، ولا سيما إذا سمع الغرب بمثل هذه الحوادث التي حصلت علي أيدي من يقولون إنهم مسلمون، سيقولون أين الإسلام؟! هذه وحشية!! وحوش ضارية يعدو بعضها علي بعض ويأكل بعضها بعضا، فينفر الناس من الإسلام بسبب أفعال المسلمين، نسأل الله أن يهدينا جميعًا صراطه المستقيم.
القسم الثاني: هجرة العمل، وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه» فتهجر كل ما حرم الله
[ ١ / ٢٥ ]
عليك، سواء كان مما يتعلق بحقوق الله، أو ما يتعلق بحقوق عباد الله؛ فتجهر السبب والشتم والقتل والغش وأكل المال بالباطل وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام وكل شيء حرم الله تهجره، حتى لو أن نفسك دعتك إلي هذا وألحت عليك، فاذكر أن الله حرم ذلك حتى تهجره وتبعد عنه.
القسم الثالث: هجرة العامل، فإن العامل قد تجب هجرته أحيانًا، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية؛ الذي لا يبالي بها؛ فإنه يشرع هجره إذا كان في هجره فائدة ومصلحة.
والمصلحة والفائدة إنه إذا هجر عرف قدر نفسه، ورجع عن المعصية.
ومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء؛ فيهجره الناس، فإذا هجروه تاب من هذا ورجع وندم، ورجل ثان يتعامل بالربا، فيهجره الناس، ولا يسلمون عليه، ولا يكلمونه؛ فإذا عرف هذا خجل من نفسه وعاد إلي صوابه، ورجل ثالث-وهو أعظمهم-لا يصلي؛ فهذا مرتد كافر - والعياذ بالله -؛ يجب أن يهجر؛ فلا يرد ﵇، ولا يسلم عليه، ولا تجاب دعوته حتى إذا عرف نفسه ورجع إلي الله وعاد إلي الإسلام انتفع بذلك.
أما إذا كان الهجر لا يفيد ولا ينفعن وهو من أجل معصية، لا من أجل كفر، لأن الهجر إذا كان للكفر فإنه يهجر. والكافر المرتد يهجر على كل حال - أفاد أم لم يفد - لكن صاحب المعصية التي دون الكفر إذا لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يحل هجره؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما
[ ١ / ٢٦ ]
الذي يبدأ بالسلام.
ومن المعلوم أن المعاصي التي دون الكفر عند أهل السنة والجماعة لا تخرج من الإيمان.
فيبقي النظر بعد ذلك؛ هل الهجر مفيد أو لا؟ فإن أفاد، وأوجب أن يدع الإنسان معصيته فإنه يهجر، ودليل ذلك قصة كعب بن مالك - ﵁، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع - ﵃ - الذين تختلفوا عن غزوة تبوك فهجرهم النبي صلي الله عليه وسلم وأمر المسلمين بهجرهم، لكنهم انتفعوا في ذلك انتفاعا عظيمًا ولجأوا إلي الله، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه فتابوا وتاب الله عليهم.
هذه أنواع الهجرة: هجرة المكان، وهجرة العمل، وهجرة العامل.
* **
٢-وعن أم المؤمنين أم عبد الله عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «يغزو جيش الكعبة فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم» قالت: يا رسول الله، كيف تخسف بأولهم وآخرهم
[ ١ / ٢٧ ]
وفيهم اسوافهم، ومن ليس منهم؟ قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم» (متفق عليه) هذا لفظ البخاري.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف حديث عائشة ﵂- أن النبي صلي الله عليه وسلم أخبر أنه يغزو جيش الكعبة، الكعبة المشرفة حماها الله وأنقذها من كل شر.
هذه الكعبة هي بيت الله؛ بناه إبراهيم، وابنه إسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - وكانا يرفعان القواعد من البيت ويقولان) رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (البقرة: من الآية١٢٧)
هذا البيت أراد ابرهة أن يغزو من اليمن، فغزاه بجيش عظيم في مقدمته فيل عظيم؛ يريد أن يهدم به الكعبة - بيت الله - فلما قرب من الكعبة ووصل إلي مكان يقال له المغمس حرن الفيل، وأبي أن يتقدم، فجعلوا ينهرونه ليتقدم إلي الكعبة فأبي، فإذا صرفوه نحو اليمن هرول وأسرع؛ ولهذا قال الرسول - ﵊ - في غزوة الحديبة لما أن ناقته حزنت، وبركت من غير علة - قال الرسول صلي الله عليه وسلم: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق!» فالنبي - ﵊ - يدافع عن بهيمة،
[ ١ / ٢٨ ]
لأن الظلم لا ينبغي، ولو على البهائم.
«ما خلات القصواء وما ذاك لها بخلق - أي عادة- ولكن حبسها حابس الفيل» وحابس الفيل: هو الرب سبحانه وتعالي، «والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطتيهم إياها»
المهم أن الكعبة غزيت من قبل اليمن، في جيش عظيم، يقوده هذا الفيل العظيم، ليهدم الكعبة، فلما وصلوا إلي المغمس أبي الفيل أن يمشي، وحرن، فنتهروه، ولكن لا فائدة، فبقوا هناك وانحبسوا، فأرسل الله عليهم طيرًا أبابيل، والأبابيل: يعني الجماعات الكثيرة من الطيور، وكل طير يحمل حجرًا قد أمسكه برجله، ثم يرسله على الواحد منهم، حتى يضربه مع هامته ويخرج إلي دبره) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) (الفيل: ٥) . كأنهم زرع أكلته البهائم، وأندكوا في الأرض، وفي هذا يقول أمية بن الصلت:
حبس الفيل في المغمس حتى ظل يحبو كأنه معقور
فحمي الله ﷿ بيته من كيد هذا الملك الظالم الذي ججاء ليهدم بيت الله، وقد قال الله ﷿،:) وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) (الحج: من الآية٢٥)
في آخر الزمان يغزو قوم الكعبة، جيش عظيم.
وقوله: «حتى إذا كانوا بيداء من الأرض» أي بأرض واسعة متسعة، خسف الله بأولهم وآخرهم.
خسفت بهم الأرض، وساخوا فيها هم وأسواقهم، وكل من معهم.
وفي هذا دليل على أنهم جيش عظيم؛ لأن معهم اسواقهم؛ للبيع
[ ١ / ٢٩ ]
والشراء وغير ذلك.
فيخسف الله بأولهم وآخرهم. لما قال الرسول صلي الله عليه وسلم هذا، ورد على خاطر عائشة - ﵂- سؤال، فقالت: يا رسول الله «كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم، ومن ليس منهم؟» أسو أقهم: الذين جاءوا للبيع والشراء؛ ليس لهم قصد سيء في غزو الكعبة، وفيهم أناس ليسوا منهم تبعوهم من غير أن يعلموا بخطتهم، فقال الرسول صلي الله عليه وسلم: «يخسف بأولهم وآخرهم وأسواقهم ومن ليس منهم ثم يبعثون يوم القيامة على نياتهم» كل له ما نوي.
هذا فرد من أفراد قول الرسول - ﵊ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي» .
وفي هذا الحديث عبرة: أن من شارك أهل الباطل وأهل البغي والعدوان، فإنه يكون معهم في العقوبة؛ الصالح والطالح، العقوبة إذا وقعت تعم الصالح والطالح، والبر والفاجر، والمؤمن والكافر، والمصلي والمستكبر، ولا تترك أحدًا، ثم يوم القيامة يبعثون علي نياتهم.
يقول الله ﷿:) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال: ٢٥) والشاهد من هذا الحديث قول الرسول صلي الله عليه وسلم: «ثم يبعثون علي
نياتهم» فهو كقوله: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوي» .
[ ١ / ٣٠ ]
وعن عائشة - ﵂- قالت: قال النبي صلي الله عليه وسلم «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونبة وإذا استفرتم فانفروا» متفق عليه.
ومعناه: لا هجرة من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام.
[الشَّرْحُ]
في هذا الحديث نفي رسول الله صلي الله عليه وسلم الهجرة بعد الفتح، فقال: «لا هجرة» وهذا النفي ليس على عمومه، يعني أن الهجرة لم تبطل بالفتح، بل إنه «وهذا النفي ليس على عمومه، يعني أن الهجرة لم تبطل بالفتح، بل إنه «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تخرج الشمس من مغربها» - كما جاء ذلك في الحديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم - لكن المراد بالنفي هنا نفي الهجرة من مكة كما قاله المؤلف - ﵀-؛ لأن مكة بعد الفتح صارت بلاد إسلام، ولن تعود بعد ذلك بلاد كفر، ولذلك نفي النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم أن تكون هجرة بعد الفتح.
وكانت مكة تحت سيطرة المشركين، وأخرجوا منها رسول الله صلي الله عليه وسلم، فهاجر صلي الله عليه وسلم بإذن ربه إلي المدينة وبعد ثمان سنوات رجع النبي صلي الله عليه وسلم إلي مكة فاتحًا مظفرًا منصورًا- صلوات الله وسلامه عليه-.
فصارت مكة كونها بلد كفر النبي صلي الله عليه وسلم صارت بلد إيمان وبلد إسلام، ولم يكن منها هجرة بعد ذلك.
[ ١ / ٣١ ]
وفي هذا دليل على أن مكة لن تعود بلاد كفر، بل ستبقي بلاد إسلام إلي أن تقوم الساعة، أو إلي أن يشاء الله.
ثم قال ﵊: «ولكن جهاد ونية»؛ أي الأمر بعد هذا جها؛ أي يخرج أهل مكة من مكة إلي الجهاد.
و«النية» أي النية الصالحة للجهاد في سبيل الله، وذاك بان ينوي الإنسان بجهاده، أن تكون كلمة الله هي العليا.
ثم قال ﵊ «وإذا استنفرتم فانفروا» يعني: إذا استنفركم ولي أمركم للجهاد في سبيل الله، فانفروا وجوبًا، وحينئذ يكون الجهاد فرض عين، إذا استنفر الناس للجهاد؛ وجب عليهم أن ينفروا، وألا يتخلف أحد إلا من عذره، لقول الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئا) (التوبة: من الآية٣٨/٣٩)، وهذا أحد المواضع التي يكون فيها الجهاد فرض عين.
الموضع الثاني: إذا حضر بلدة العدو، أي جاء العدو حتى وصل إلي البلد وحصر البلد، صار الجهاد فرض عين، ووجي علي كل أحد أن يقاتل، حتى على النساء والشيوخ القادرين في هذه الحال، لأن هذا قتال دفاع.
وفرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب.
فيجب في هذا الحال أن ينفر الناس كلهم للدفاع عن بلدهم.
[ ١ / ٣٢ ]
الموضع الثالث: إذا حضر الصف، والتقي الصفان؛ صف الكفار وصف المسلمسن؛ صار الجهاد حينئذ فرض عين، ولا يجوز لأحد أن ينصرف كما قال الله تعالي:) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ) (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (لأنفال: ١٥، ١٦) .
وقد جعل النبي صلي الله عليه وسلم التولي يوم الزحف من السبع الموبقات.
الموضع الرابع: إذا احتيج إلي الإنسان؛ بأن يكون السلاح لا يعرفه إلا فرد من الأفراد، وكان الناس يحتاجون إلي هذا الرجل؛ لاستعمال هذا السلاح الجديد مثلًا؛ فإنه يتعين عليه أن يجاهد وإن لم يستنفره الإمام وذلك لأنه محتاج إليه.
ففي هذه المواطن الأربعة، يكون الجهاد فرض عين.
وما سوي ذلك فإنه يكون فرض كفاية.
قال أهل العلم: ويجب علي المسلمين ان يكون منهم جهاد في العام مرة واحدة، يجاهد أعداء الله؛ لتكون كلمة الله هي العليا، لا لأجل أن يدافعوا عن الوطن من حيث إنه وطن، لأن الدفاع عن الوطن من حيث هو وطن يكون من المؤمن والكافر، حتى الكفار يدافعون عن أوطانهم، لكن
[ ١ / ٣٣ ]
المسلم يدافع عن دين الله، فيدافع عن وطنه؛ لا لأنه وطنه مثلًا، ولكن لأنه بلد إسلامي؛ فيدافع عنه حماية للإسلام الذي حل في هذه البلد.
ولذلك يجب علينا في مثل هذه الظروف التي نعيشها اليوم النبي صلي الله عليه وسلم يجب علينا أن نذكر جميع العامة بأن الدعوة إلي تحرير الوطن، وما أشبه ذلك دعوة غير مناسبة، وأنه يجب أن يعبأ الناس تعبئة دينية، ويقال إننا ندافع عن ديننا قبل كل شيء؛ لأن بلدنا بلد دين، بلد إسلام يحتاج إلي حماية ودفاع، فلابد ان ندافع عنها بهذه النية. أما الدفاع بنية الوطنية، أو بنية القومية، فهذا يكون من المؤمن والكافر، ولا ينفع صاحبه يوم القيامة، وإذا قتل وهو يدافع بهذه النية فليس بشهيد؛ لأن الرسول صلي الله عليه وسلم سئل عن الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليري مكانه أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .
أنتبه إلي هذا القيد «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا» لا لأنه وطنه وإذا كنت تقاتل لوطنك؛ فأنت والكافر سواء، لكن قلت لتكون كلمة الله هي العليا، ممثلة في بلدك؛ لأن بلدك بلد إسلام؛ ففي هذه الحال يكون القتال قتالًا في سبيل الله.
وثبت عنه صلي الله عليه وسلم أنه قال: «لا يكلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يكلم في سبيله- أي يخرج - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب؛ اللون لون الدم،
[ ١ / ٣٤ ]
والريح ريح المسك» .
فأنظر كيف اشترط النبي صلي الله عليه وسلم للشهادة أن يكون الإنسان يقاتل في سبيل الله، والقتال في سبيل الله؛ أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
فيجب على طلبة العلم أن يبينوا للناس أن القتال للوطن ليس قتالًا صحيحًا وإنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، وأقاتل عن وطني؛ لأنه وطن إسلامي؛ فأحميه من أعدائه وأعداء الإسلام؛ فبهذه النية تكون النية صحيحة والله الموفق.
* * *
٤-وعن أبي عبد الله جابر بن عبد الله الأنصاري - ﵄ - قال: كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في غزاة فقال: «إن بالمدينة لرجالًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم؛ حبسهم المرض» وفي رواية: «إلا شركوكم في الأجر» رواه مسلم.
ورواه البخاري عن أنس - ﵁ - قال: «رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلي الله عليه وسلم فقال: «إن أقوامًا بالمدينة خلفنا، ما سلكنا عبا، ولا واديا إلا وهم معنا، حبسهم العذر»
[ ١ / ٣٥ ]
[الشَّرْحُ]
قوله: «في غزاة» أي في غزوة.
فمعني الحديث أن الإنسان إذا نوي العمل الصالح، ولكنه حبسه عنه حابس فإنه يكتب له أجر ما نوي.
أما إذا كان يعلمه في حال العذر؛ أي: لما كان قادرًا كان يعلمه، ثم عجز عنه فيما بعد؛ فإنه يكتب له أجر العمل كاملًا، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» . فالمتمني للخير، الحريص عليه؛ إن كان من عادته أنه كان يعلمه، ولكنه حبسه عنه حابس، كتب له أجره كاملًا.
فمثلًا: إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي مع الجماعة في المسجد، ولكنه حبسه حابس، كنوم أو مرض، أو ما أشبهه فإنه يكتب له أجر المصلي مع الجماعة تمامًا من غير نقص.
وكذلك إذا كان الإنسان من عادته أن يصلي تطوعًا، ولكنه منعه منه مانع، ولم يتمكن منه؛ فإنه يكتب له أجره كاملًا، وكذلك إن كان من عادته أن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ثم عجز عن ذلك، ومنعه مانع، فإنه يكتب له الأجر كاملًا.
وغيره من الأمثلة الكثيرة.
[ ١ / ٣٦ ]
أما إذا كان ليس من عادته أن يفعله؛ فإنه يكتب له أجر النية فقط، دون أجر العمل.
ودليل ذلك: أن فقراء الصحابة ﵃ قالوا: يا رسول الله سبقنا أهل الدثور بالدرجات العلي، والنعيم المقيم - يعني: أن أهل الأموال سبقوهم بالصدقة والعتق- فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «أفلا أخبركم بشي إذا فعلتموه أدركتم من سبقكم ولم يدرككم أحد إلا من عمل مثل ما عملتم!! فقال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين» ففعلوا، فعلم الأغنياء بذلك؛ ففعلوا مثلما فعلوا، فجاء الفقراء إلي الرسول صلي الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا؛ ففعلوا مثله، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» والله ذو الفضل العظيم. ولم يقل لهم: إنكم أدركتم أجر عملهم، ولكن لا شك أن لهم أجر نية العمل.
ولهذا ذكر النبي ﵊ فيمن آتاه الله مالًا؛ فجعل ينفقه في سبل الخير، وكان رجل فقير يقول: لو أن لي مال فلان لعملت مثل عمل فلان، قال النبي صلي الله عليه وسلم: «فهو بنيته النبي صلي الله عليه وسلم فأجرهما سواء» .
[ ١ / ٣٧ ]
أي سواء في اجر النية، أما العمل فإنه لا يكتب له أجره إلا إن كان من عادته أن يعمله.
*وفي هذا الحديث: إشارة إلي من يخرج في سبيل الله، في الغزو، والجهاد في سبيل الله، فإن له أجر ممشاه، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم: «ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا ولا شعبا إلا وهم معكم» .
ويدل لهذا قوله تعالي: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (التوبة: ١٢٠/١٢١) .
ونظير هذا: أن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء، ثم خرج إلي المسجد؛ لا
يخرجه إلا الصلاة؛ فإنه لا يخطو خطوة إلا رفع الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة.
وهذا من فضل الله - ﷿ - أن تكون وسائل العمل فيها هذا الأجر الذي بينه
الرسول صلي الله عليه وسلم. والله الموفق. اهـ.
[ ١ / ٣٨ ]
وعن أبي مغن بن يزيد بن الخنس﵃ - وهو وأبوه وجده صحابيون، قال: كان أبي - يزيد - اخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فاخذتها، فآتيته بهان فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: «لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا مغن» رواه البخاري) .
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث الذي ذكره المؤلف - ﵀ - في قصة معن بن يزيد وأبيه - ﵄ -، أن أباه يزيد أخرج دراهم عند رجل في المسجد ليتصدق بها على الفقراء، فجاء ابنه معن فأخذها، وربما يكون ذلك الرجل الذي وكل فيها لم يعلم أنه ابن يزيد. ويتحمل أنه أعطاه لأنه من المستحقين.
فبلغ ذلك أباه يزيد، فقال له: «ما إياك أردت - أي ما أردت أن أتصدق بهذه الدراهم عليك - فذهب إلي رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «لك يا يزيد ما نويت، ولك يا معن ما أخذت» .
فقوله ﵊: «لك يا يزيد ما نويت» يدل على أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان إذا نوي الخير حصل له، وإن كان يزيد لم ينو أن يأخذ هذه الدراهم ابنه، لكنه أخذها؛ وابنه من المستحقين؛
[ ١ / ٣٩ ]
فصارت له، ولهذا قال النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم: «لك يا معن ما أخذت» .
ففي هذا الحديث: دليل لما ساقه المؤلف من أجله أن الأعمال بالنيات، وأن الإنسان يكتب له أجر ما نوي؛ وإن وقع الأمر على خلاف ما نوي، وهذه القاعدة لها فروع كثيرة:
منها: ما ذكره العلماء ﵏ أن الرجل لو أعطي زكاته شخصًا يظن أنه من أهل الزكاة، فتبين أنه غني وليس من أهل الزكاة فإن زكاته تجزئ، وتكون مقبولة تبرأ به ذمته؛ لأنه نوي أن يعطيها من هو أهل لها، فإذا نوي فله نيته.
ومنها: أن الإنسان لو أراد أن يوقف - مثلًا- بيتلً صغيرًا، فقال: وقفت بيتي الفلاني، وأشار إلي الكبير، لكنه، لكنه خلاف ما نواه بقلبه، فإنه على ما نوي وليس على ما سبق به لسانه.
ومنها: لو ان إنسانًا جاهلًا لا يعرف الفرق بين العمرة والحج، فحج مع الناس، فقال لبيك حجًا، وهو يريد عمرة يتمتع بها إلي الحج؛ فإنه له ما نوي، مادام أن قصده يريد العمرة، لكن قال لبيك حجًا مع هؤلاء الناس، فله ما نوي، ولا يضر سبق لسانه بشيء.
ومنها أيضًا: لو قال الإنسان لزوجته: أنت طالق؛ ويريد أنت طالق من قيد لا من نكاح، فله ما نوي، ولا تطلق بذلك زوجته.
فهذا الحديث له فوائد كثيرة وفروع منشرة في أبواب زوجته.
ومن فوائد هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على ابنه، والدليل على هذا أن النبي صلي الله عليه وسلم أمر بالصدقة وحث عليها، فأرادت زينب
[ ١ / ٤٠ ]
- زوجة عبد الله بن مسعود - ﵂ - أن تتصدق بشيء من مالها، فقال لها زوجها أنا وولدك أحق من تصدقت عليه - لأنه كان فقيرًا﵁ - فقالت: لا حتى اسال النبي صلي الله عليه وسلم فقال: «صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم»
ومن فوائد الحديث: أنه يجوز أن يعطي الإنسان ولده من الزكاة، بشرط أن لا يكون في ذلك إسقاط لواجب عليه.
يعني مثلًا: لو كان الإنسان عنده زكاة وأراد أن يعطيها ابنه، من أجل أن لا يطالبه بالنفقة؛ فهذا لا يجزي؛ لأنه أراد بإعطائه أن يسقط واجب نفقته.
أما لو أعطاه ليقضي دينًا عليه؛ مثل أن يكون على الابن حادث، ويعطيه أبوه من الزكاة ما يسدد به هذه الغرامة؛ فإن ذلك لا بأس به، وتجزئه من الزكاة، لأن ولده أقرب الناس إليه؛ وهو الآن لم يقصد بهذا إسقاط واجب عليه، إنما قصد بذلك إبراء ذمة ولده؛ لا الإنفاق عليه، فإذا كان هذا قصده فإن الزكاة تحل له. والله الموفق أ. هـ.
* * *
٦- وعن أبي إسحاق سعد بن أبى وقاص بن أهيب بن عبد مناف ابن زهرة بن كلاب النبي صلي الله عليه وسلم مرة بن كعب بن لوي القرشي الزهري ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ﵃، قال: «جاءني رسول الله
[ ١ / ٤١ ]
صلي الله عليه وسلم عام حجة الوداع من وجع اشتد بين فقلت: يا رسول الله إني قد بلغ بي من الوجع ما تري، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا، قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا قلت: فالثلث يا رسول الله، قال: الثلث والثلث كثير - أو كبير- إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تلتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في أمراتكزقال: فقلت: يا رسول الله اخلف بعد أصحابي، قال: إنك لن تخلف فتعمل عملًا تبنغي به وجه الله؛ إلا أزدت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم أمص لأصحابي هجرتهم، ولا تزدهم على أعقابهم، لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له رسول الله صلي الله عليه وسلم أن مات بمكة. (متفق عليه) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - ﵀ تعالي - فيما نقله عن سعد بن أبي وقاص﵁ - أن النبي صلي الله عليه وسلم جاءه يعوده في مرض ألم به، وذلك في مكة، وكان سعد بن أبي وقاص - ﵁ - من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلي المدينة، فتركوا بلدهم لله ﷿، وكان من عادة النبي صلي الله عليه وسلم أنه يعود المرضي من أصحابه، كما أنه يزور منهم؛ لأن صلي الله عليه وسلم كان
[ ١ / ٤٢ ]
أحسن الناس خلقًا؛ على أنه الإمام المتبوع. صلوات الله وسلامه عليه، كان من أحسن الناس خلقًا، وألينهم بأصحابه، واشدهم تحببا إليهم.
فجاءه يعوده، فقال: يا رسول الله: «إني قد بلغ بي من الوجع ما تري» أي: اصابه الوجع العظيم الكبير.
«وأنا ذو مال كثير أوكبير» أي: أن عنده مالًا كبيرًا
«ولا يرثني إلا ابنة لي» أي: ليس له ورثة بالفرض إلا هذه البنت.
«أفأتصدق بثلثي مالي» يعني بثلثيه: اثنين من ثلاثة!
«قال: لا قلت: الشطر يا رسول» أي: بالنصف.
«قال: لا: قلت: بالثلث قال: الثلث والثلث كثير» .
فقوله: «أفأتصدق» أي أعطيه صدقة؟ فمنع النبي صلي الله عليه وسلم من ذلك؛ لأن سعدًا في تلك الحال كان مريضًا مرضًا يخشي منه الموت، فلذلك منعه الرسول صلي الله عليه وسلم أن يتصدق بأكثر من الثلث.
لأن المريض مرض الموت المخوف لا يجوز أن يتصدق بأكثر من الثلث، لأن ماله قد تعلق به حق الغير؛ وهم الورثة. أما من كان صحيحًا ليس فيه مرض، أو فيه مرض يسير لا يخشي منه الموت، فله أن يتصدق بما شاء؛ بالثلث، أو بالنصف، أو بالثلثين، أو بماله كله، لا حرج عليه.
لكن لا ينبغي أن يتصدق بماله كله؛ إلا إن كان عنده شيء يعرف أنه سوف يستغني به عن عباد الله.
المهم أن الرسول صلي الله عليه وسلم منعه أن يتصدق بما زاد عن الثلث.
وقال: «الثلث والثلث كثير - أو كبير» وفي هذا دليل علي أنه إذا
[ ١ / ٤٣ ]
نقص عن الثلث فهو أحسن وأكمل؛ ولهذا قال ابن عباس ﵄: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع»؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كبير»
وقال أبو بكر ﵁: «أرضي ما رضيه الله لنفسه» يعني: الخمس، فأوصي بالخمس ﵁.
وبهذا نعرف أن عمل الناس اليوم؛ وكونهم يوصون بالثلث؛ خلاف الأولي، وإن كان هو جائزًا. لكن الأفضل أن يكون أدني من الثلث؛ أما الربع أو الخمس.
قال فقهاؤنا ﵏ والأفضل أن يوصي بالخمس، لا يزيد عليه؛ اقتداء بأبي بكر الصديق ﵁.
ثم قال الرسول ﵊: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من ان تذرهم عالة يتكففون الناس» .
أي: كونك تبقي المال ولا تتصدق به؛ حتى إذا مت وورثه الورثة صاروا أغنياء به، هذا خير من أن تذرهم عالة، لا تترك لهم شيئًا «يتكففون الناس» أي: يسألون الناس بأكفهم؛ أعطونا أعطونا.
وفي هذا دليل على أن الميت إذا خلف مالًا للورثة فإن ذلك خير له.
لا يظن الإنسان أنه إذا خلف المال، وورث منه قهرًا عليه، أنه لا أجر له في ذلك! لا بل له أجر، حتى إن الرسول - ﵊ - قال: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالةألخ» لأنك إذا تركت المال للورثة انتفعوا به، وهم أقارب، وإن تصدقت به انتفع به الأباعد،
[ ١ / ٤٤ ]
والصدقة على القريب أفضل علي البعيد، لأن الصدقة على القريب صدقة وصلة.
ثم قال «إنك لن تنفق نفقة بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في في أمرأتك» يقول: لن تنفق نفقة؛ أي: لن تنفق مالًا؛ دراهم أو دنانير أوثيابًا، أو فرشًا أو طعامًا أو غير ذلك تبتغي به وجه الله إلا أجرت عليه.
الشاهد من هذا قوله: «تبتغي به وجه الله» أي: تقصد به وجه الله ﷿، يعني تقصد به أن تصل إلي الجنة؛ حتى تري وجه الله ﷿.
لأن أهل الجنة - جعلني الله وإياكم منهم - يرون الله سبحانه وتعالي، وينظرون إليه عيانًا بأبصارهم، كما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليللة البدر. يعني أنهم يرون ذلك حقا.
«حتى ما تجعله في في امرأتك» أي: حتى اللقمة التي تطعمها امرأتك تؤجر عليها إذا قصدت بها وجه الله، مع ان الإنفاق على الزوجة أمر واجب، لو لم تنفق لقالت أنفق أو طلق، ومع هذا إذا أنفقت على زوجتك تريد إذا أنفقت على نفسك تبتغي بذلك وجه الله؛ فإن الله يثيبك علي هذا.
ثم قال ﵁: «أخلف بعد أصحابي» يعني أو خلف بعد أصحابي، أي: هل أتأخر بعد أصحابي فأموت بمكة. فبين النبي صلي الله عليه وسلم أنه لن يخلف فقال: «إنك لن تخلف» وبين له أنه أو خلف ثم عمل عملًا يبتغي به
[ ١ / ٤٥ ]
وجه الله إلا زادت به عن الله درجة ورفعة.
يعني: لو فرض أنك خلفت ولم تتمكن من الخروج من مكة، وعملت عملًا تبتغي به وجه الله؛ فإن الله تعالي يزيدك به رفعة ودرجة، رفعة في المقام والمرتبة، ودرجة في المكان.
فيرفعك الله ﷿ في جنات النعيم درجات. حتى لو علمت بمكة وأنت قد هاجرت منها.
ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: «ولعلك أن تخلف» أن تخلف: هنا غير أن تخلف الأولي «لعلك أن تخلف»: أي تعمر في الدنيا؛ وهذا هو الذي وقع فإن سعد ابن أبي وقاص عمر زمانًا طويلًا، حتى إنه﵁- كما ذكر العلماء، خلف سبعة عشر ذكرًا واثنتي عشر بنتًا.
وكان في الأول ليس عنده إلا بنت واحدة، ولكن بقي وعمر ورزق أولادًا. سبعة عشر ابنا واثنتي عشرة ابنة.
قال: «ولعلك أن تخلف» «حتى ينتفع بك أقوامًا ويضر بك آخرون» وهذا الذي حصل، فإن سعدًا - ﵁ - خلف وصار له أثر كبير في الفتوحات الإسلامية، وفتح فتوحات عظيمة كبيرة، فانتفع به أقوام وهم المسلمون، وضربه آخرون وهم الكفار.
ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم: «اللهم أمض لأصحابي هجرتهم» سأل الله أن يمضي لأصحابه هجرتهم وذلك بأمرين:
الأمر الأول: ثباتهم على الإيمان؛ لأنه إذا ثبت الإنسان على الإيمان ثبت على الهجرة.
[ ١ / ٤٦ ]
والأمر الثاني: أن لا يرجع أحدهم منهم إلي مكة بعد أن خرج منها؛ مهاجرًا إلي الله ورسوله.
لأنك إذا خرجت من البلد مهاجرًا إلي الله ورسوله؛ فهو كالمال الذي تتصدق به. يكون البلد مثل المال الذي تصدق به لا يمكن أن ترجع فيه.
وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا يرجع فيه.
ومن ذلك: ما وفق فيه كثير من الناس من إخراج التليفزيون من بيوتهم؛ توبة إلي الله، وابتعادًا عنه، وعما فيه من الشرور. فهؤلاء قالوا هل يمكن أن نعيده إلي البيت؟
نقول: لا، بعد أن أخرجتموه لله لا تعيدوه؛ لأن الإنسان إذا ترك شيئًا لله، وهجر شيئًا لله، فلا يعود فيه. ولهذا سأل النبي - ﵊ - ربه أن يمضي لأصحابه هجرتهم.
وقوله: «ولا تردهم علي أعقابهم» أي لا تجعلهم ينتكسون عن الإيمان فيرتدون علي أعقابهم؛ لأن الكفر تأخر، والإيمان تقدم، وهذا على عكس ما يقوله الملحدون اليوم؛ حيث يصفون الإسلام بالرجعية، ويقولون إن التقدمية: أن ينسلخ الإنسان من الإسلام، وأن يكون علمانيًا؛ يعني أنه لا يفرق بين الإيمان والكفر - والعياذ بالله - ولا بين الفسوق والطاعة، فالإيمان هو التقدم في الحقيقة.
المتقدمون هم المؤمنون، والتقدم يكون بالإيمان، والرده تكون نكوصا لي العقبين؛ كما قال النبي - ﵊ - هنا: «ولا تردهم علي أعقابهم» .
[ ١ / ٤٧ ]
وفي هذا الحديث من الفوائد فوائد عظيمة كثيرة!!
منها: أن من هدي الرسول صلي الله عليه وسلم عيادة المرضي، لأنه عاد سعد بن أبي وقاص ﵁، وفي عيادة المرضي فوائد للعائد وفوائد للمعود.
أما العائد فإنه يؤدي حق أخيه المسلم؛ لأن من حق أخيك المسلم أن تعوده إذا مرض.
ومنها: أن الإنسان إذا عاد المريض فإنه لا يزال في مخرفة الجنة، يعني يجني ثمار الجنة حتى يعود.
ومنها: أن في ذلك تذكيرًا للعائد بنعمة الله عليه بالصحة، لأنه إذا رأي هذا المريض، ورأي ما هو فيه من المرض، ثم رجع إلي نفسه، ورأي ما فيها من الصحة والعافية عرف قدر نعمة الله عليه بهذه العافية؛ لأن الشيء إنما يعرف بضده.
ومنها: أن فيها جلبا للمودة والمحبة، فإن الإنسان إذا عاد المريض صارت هذه العيادة في قلب المريض دائمًا، يتذكرها، وكلما ذكرها أحب الذي يعوده، وهذا يظهر كثيرًا فيما إذا برأ المريض، وحصلت منه ملاقاة لك تجده يتشكر منك، وتجد أن قلبه ينشرح بهذا الشيء.
أما المعود: فإن له فيها فائدة أيضًا، لأنها تؤنسه، وتشرح صدره، ويزول عنه ما فيه من الهم والغم والمرض. وربما يكون العائد موفقًا يذكره بالخير والتوبة والوصية؛ إذا كان يريد أن يوصي بشيء عليه من الديون وغيرها، فيكون في ذلك فائدة كبيرة للمعود.
ولهذا قال العلماء: ينبغي لمن عاد المريض أن ينفس له في أجله؛ أي
[ ١ / ٤٨ ]
يفرحه يقول: ما شاء الله، أنت اليوم في خير وما اشبهه، وليس لأزمًا أن يقول له: أنت طيب مثلًا؛ لأنه قد يكون اشد مرضًا من أمس، لكن يقول أنت اليوم في خير، لأن المؤمن كل أمره خير، إن أصابه ضراء فهو في خير، وإن أصابه سراء فهو في خير، فيقول: اليوم أنت بخير والحمد لله، وما أشبه ذلك مما يدخل عليه السرور.
والاجل محتوم، إن كان هذا المرض أجله مات، وإن كان بقي له شيء من الدنيا بقي.
وينبغي أيضًا أن يذكره التوبة، لكن لا يقول له ذلك بصفة مباشرة؛ لأنه ربما ينزعج، ويقول في نفسه لو أن مرضي غير خطير ما ذكرني بالتوبة.
لكن يبدأ بذكر الآيات والأحاديث التي فيها الثناء على التائبين ما يتذكر به المريض، وينبغي كذلك أن يذكره الوصية، لا يقول له: أوص فإن أجلك قريب، لو قال هكذا انزعج. بل مثلًا: يذكره بقصص واردة عليه، يقول مثلًاك فلان كان عليه دين، وكان رجلًا حازمًا، وكان يوصي أهله بقضاء دينه، وما أشبه ذلك..من الكلمات التي لا ينزعج بها.
قال أهل العلم: ينبغي أيضًا إذا راي منه تشوفًا إلي أن يقرأ عليه؛ فينبغي أن يقرأ عليه، ينفث عليه بما ورد عن النبي صلي الله عليه وسلم.
مثل قوله: «أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقمًا» ومثل قوله: «ربنا الله الذي في السماء
[ ١ / ٤٩ ]
تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، فاجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا حوبنا وخطايانا أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع فيبرأ» أو يقرأ عليه بسورة الفاتحة؛ لأن سورة الفاتحة رقية يقرأ بها علي المرضي، وعلي الذين لدغتهم العقرب، أو الحية، أو ما أشبه ذلك، فمتي راي العائد من المريض أنه يحب ان يقرأ عليه فليقرأ لئلا يلجيء المريض علي طلب القراءة، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «رأيت مع أمتي سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» وقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتؤؤن ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون»
فقوله: «لا يسترقون» أي: لا يطلبون أحدًا يقرأ عليهم، فأنت إذا رأيته يتشوق لتقرأ عليه، اقرأ عليه، لئلا تحرجه إلي طلب القراءة.
[ ١ / ٥٠ ]
كذلك أيضًا إذا رأيت أن المريض يحب أن تطيل المقام عنده، فأطل المقام؛ فأنت على خير وعلي أجر، فأطل المقام عنده، وأدخل عليه السرور، ربما يكون في دخول السرور على قلبه سببًا لشفائه؛ لأن سرور المريض وانشراح صدره من أكبر أسباب الشفاء، فإذا رايت أنه يحبك تبقي فابق عنده، وأطل الجلوس عنده حتى تعرف أنه قد مل.
أما إذا رأيت ان المريض متكلف ولا يحب أنك تبقي، أو يحب أن تذهب عنه حتى يحضر أهله ويأنس بهم فلا تتأخر، اسأل عن حاله ثم انصرف.
ومن فوائده: حسن خلق النبي صلي الله عليه وسلم، ولا شك أن النبي صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا؛ لأن الله تعالي: (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ١/٤) . فأعظم الناس خلقًا وأحسن الناس خلقًا رسول الله صلي الله عليه وسلم.
ولهذا كان يعود أصحابه، ويزورهم، ويسلم عليهم، حتى إنه يمر بالصبيان الصغار فيسلم عليهم، صلوات الله وسلامه عليه.
ومن فوائد هذا الحديث: انه ينبغي للإنسان مشاورة أهل العلم، لأن سعد بن أبي وقاص، - ﵁ - استشار النبي صلي الله عليه وسلم حينما أراد أن يتصدق بشيء منماله، فقال: يا رسول الله: «إني ذو مال كثير، ولا يرثني إلا ابنة لي أفاتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا » الحديث.
ففيه استشارة أهل العلم والرأي، وكل إنسان بحسبهن فمثلًا إذا كنت تريد أن تقدم على شيء من أمور الدين، فشاور أهل العلم؛ لنهم أعلم بأمور الدين من غيرهم، إذا أردت ان تشتري بيتًا فشاور أصحاب المكاتب
[ ١ / ٥١ ]
العقارية، إذا أردت أن تشتري سيارة فاستشر المهندسين في السيارات وهكذا.
ولهذا يقال: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار» .
والإنسان بلا شك لا ينبغي له أن يكمل نفسه. من ادعي الكمال لنفسه فهو الناقص، بل لابد أن يراجع خصوصًا في الأمور الهامة التي تتعلق بمسائل الأمة؛ فإن الإنسان قد يحمله الحما والعاطفة على فعل شيء هو في نفسه حق ولا باس به، لكن التحدث عنه قد يكون غير مصيب إما في الزمان، أو في المكان أو في الحال.
ولهذا ترك النبي صلي الله عليه وسلم بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ خوفًا من الفتنة. فقال لعائشة ﵂: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم ولجعلت بابين بابًا يدخل منه الناس، وبابا يخرجون منه» .
من أجل أن يتمكن الناس من دخول بيت الله ﷿، لكن ترك ذلك خوف الفتنة مع كونه مصحلة!!
بل أعظم من ذلك أن الله تعالي نهي أن نسب آلهة المشركين، مع أن آلهة المشركين جديرة بأن تسب وتعاب وينفر منها، لكن لما كان سبها يؤدي إلي سب الرب العظيم المنزه عن كل عيب ونقص، قال الله عز
[ ١ / ٥٢ ]
وجل:) وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأنعام: ١٠٨) فالمهم إنه ينبغي أن نعلم أن الشيء قد يكون حسنًا في حد ذاته وفي موضوعه، لكن لا يكون حسنًا، ولا يكون من الحكمة، لا من العقل، ولا من النصح، ولا من الأمانة أن يذكر في وقت من الأوقات، أو في مكان من الأماكن، أو في حال من الأحوال، وإن كان هو في نفسه حقا وصدقًا وحقيقة واقعة، ومن ثم كان ينبغي للإنسان أن يستشير ذوي العلم والرأي والنصح في الأمر قبل أن يقدم عليه، حتى لا يكون لديه برهان، لأن الله قال لأشرف خلقه - ﵊- وأسدهم رأيًا، وأبلغهم نصحًا محمد صلي الله عليه وسلم قال:) فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه) (آل عمران: من الآية١٥٩) .
هذا وهو رسول الله صلي الله عليه وسلم أسد الناس رأيًا، وأرجحهم عقلًا، وأبلغهم نصحًا صلوات الله وسلامه عليه.
والإنسان ربما تأخذه العطفة فيندفع، ويقول: هذا لله، هذا أنا أفعله، ستصدع بالحقن سأقول: سوف لا تأخذني في الله لومة لائم وما أشبه ذلك من الكلام، ثم تكون العاقبة وخيمة، ثم إن الغالب أن الذي يحكم العاطفة، ويتبع العاطفة، ولا ينظر للعواقب، ولا للنتائج، ولا يقارن بين الأمور، الغالب أنه يحصل علي يديه من المفاسد ما لا يعلمه إلا الله ﷿، مع أن نيته طيبة، وقصده حسن، لكن لم يحسن أن يتصرف، لأن هناك فرقًا بين حسن النية وحسن التصرف، قد يكون الإنسان حسن
[ ١ / ٥٣ ]
النية، لكنه سيء التصرف، وقد يكون سيء النية، والغالب أن سيء النية يكون سيء التصرف، لكن مع ذلك: قد يحسن التصرف لينال غرضه السيء.
فالإنسان يحمد على حسن نيته، لكن قد لا يحمد علي سوء فعله، إلا أنه إذا علم منه أنه معروف بالنصح والإرشاد النبي صلي الله عليه وسلم فإنه يعذر بسوء تصرفه، ويلتمس له العذر، ولا ينبغي أيضًا أن يتخذ من فعله هذا، الذي لم يكن موافقًا للحكمة- لا ينبغي، بل لا يجوز - أن يتخذ منه قدح في هذا المتصرف، وأن يحمل ما لا يتحمله، ولكن يعذر ويبين له وينصح ويرشد، ويقال: يا أخي هذا كلامك، أو فعلك حسن طيب وصواب في نفسه، لكنه غير صواب في نحله أو في زمانه، أو في مكانه.
المهم أن في حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - إشارة إلي أنه ينبغي للإنسان أن يستشير من هو أكمل منه رأيًا، وأكثر منه علما.
وفيه أيضًا من الفوائد: أنه ينبغي للمستشير ان يذكر الأمر على ما هو عليه حقيقة، وأسبابه، وموانعه وجميع ما يتعلق به، حتى يتيبن للمستشار حقيقة الأمر، ويبني مشورته على هذه الحقيقة، ولهذا قال سعد: «إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة» فقوله: «إني ذو مال» بيان لسبب العطية التي يريد أن يعطيها «ولا يرثني إلا ابنة لي» بيان لانتفاء المانع، يعني لا مانع من أن أعطي كثيرًا لانتفاء الوارث.
والمستشار، عليه أن يتقي الله - ﷿- فيما أشار فيه، وأن لا تأخذه العطفة في مراعاة المستشير؛ لأن بعض الناس إذا استشاره
[ ١ / ٥٤ ]
الشخص؛ ورأي أنه يميل إلي أحد الأمرين، أو أحد الرأيين ذهب يشير عليه به.
ويقول: أنا أحب أن أوافق الذي يري أنه يناسبه؛ وهذا خطأ عظيم، بل خيانة. والواجب إذا أستشار: أن تقول له ما تري أنه حق، وأنه نافع، سواء أرضاه أم لم يرضه، وأنت إذا فعلت هذا كنت ناصحًا وأديت ما عليك، ثم إن أخذ هـ، وراي أنه صواب قذاك، وإن لم يأخذ به فقد برئت ذمتك، بل خيانة، مع أنك ربما تستنتج شيئًا خطأ، قد تستنتج أنه يريد كذا، وهو لا يريده فتكون خسرانا من وجهين:
الوجه الأول: من جهة الفهم السيء.
الوجه الثاني: من جهة القصد السيء.
وفي قول الرسول ﵊ «لا» دليل علي أنه لا حرج أن يستعمل الإنسان كلمة «لا» وليس فيها شيء.
فالنبي ﵊ استعمل كلمة «لا» ومن ذلك أن جابرًا﵁ - لما أعيا جملة ولحقه النبي ﵊، لأن من عادة الرسول ﵊- لأنه راعي أمته- أنه يمشي في الآخر، لا يمشي قدامهم؛ بل يمشي وراءهم، لأجل أنه إذا احتاج أحد إلي شيء؛ يساعده ﵊، فانظر إلي التواضع وحسن الرعاية.
«لحق جابرًا - وكان جملة قد اعيا - لا يمشي - فضرب النبي صلي الله عليه وسلم
[ ١ / ٥٥ ]
الجمل، ودعا له، وقال: «بغنيه بأوقية» فقال جابر: لا، ولم ينكر عليه الرسول ﵊ قوله «لا» والنبي ﵊ هنا عند ما قال له سعد: أتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا إذن: فلا مانع من كلمة «لا» فإنها ليست سوء أدب وخلق، وكثير من الناس الآن يأنف أن يقول «لا» ويقول بدلًا عنها سلامتك، وهذا طيب أن تدعو له بالسلامة، لكن إذا قلت «لا» فلا عيب عليك.
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للمريض مرضًا مخوفًا أن يعطي أكثر من الثلث إلا إذا أجازه الورثة؛ لأن الورثة تعلق حقهم بالمال لما مرض الرجل، فلا يجوز أن يعطي أكثر من الثلث، لقول النبي صلي الله عليه وسلم في الثلثين: لا، وفي النصف: لا، وقال: «الثلث والثلث كثير» .
وفيه: دليل على أنه ينبغي أن يكون عطاؤه أقل من الثلث، كما قال ابن عباس ﵄: أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كثير» .
ومن فوائد الحديث: أنه لا يجوز للإنسان إذا كان مريضًا مرضًا يخشي منه الموت أن يتبرع بأكثر من الثلث من ماله، لا صدقة، ولا مشاركة في بناء مساجد، ولا هبة، ولا غير ذلك. لا يزيد علي الثلث لأن النبي صلي الله عليه وسلم منع سعد بن أبي وقاص أن يتصدق بما زاد عن الثلث.
[ ١ / ٥٦ ]
ومن فوائده: أنه ينبغي أن يغض من الثلث؛ يعني: الربع، الخمس، دون ذلك.. لأن الرسول صلي الله عليه وسلم أشار إلي استحباب الغض من الثلث في قوله «والثلث كثير»؛ وبهذا استدل عبد الله بن عباس - ﵄ - حيث قال: لو أن الناس غضوا من الثلث إلي الربع؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «الثلث والثلث كثير» .
والوصية كالعطية، فلا يجوز أن يوصي الإنسان بشيء من ماله بعد موته زائدا على الثلث، فليكن من الثلث فأقل.
والأفضل في الوصية أن تكون بخمس المال؛ لأن أبا بكر -﵁ - قال: ارضي بما رضية الله لنفسه: الخمس، فأوصي بالخمس - ﵁ - ومن ثم فقاؤنا﵏ -: يسن أن يوصي بالخمس إن ترك مالًا كثيرًا.
ومن فوائد هذا الحديث أنه: إذا كان مال الإنسان قليلًا، وكان ورثته فقراء؛ فالأفضل أن لا يوصي بشيء، لا قليل، ولا كثير؛ لقوله ﵊: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة» خلافًا لما يظنه بعض العوام أنه لابد من الوصية، فهذا خطأ، والإنسان الذي ماله قليل وورثته فقراء ليس عندهم مال، لا ينبغي له أن يوصي، الأفضل أن لا يوصي.
ويظن بعض العامة أنه لم يوص لم يكن له أجر، وليس كذلك، بل إذا ترك المال لورثته فهو مأجور في هذا، وإن كان الورثة سوف يرثونه قهرًا، لكن إذا كان مسترشدًا بهدي النبي صلي الله عليه وسلم، لقوله: «إنك أن تذر ورثتك
[ ١ / ٥٧ ]
أغنياء خير من أن تذرهم عالة» فإن أجره في ذلك أفضل من أن يتصدق عنه بشيء من ماله.
ومن فوائد هذا الحديث: خوف الصحابة المهاجرين من مكة أن يموتوا فيها؛ لأن سعدًا ﵁ قال: «أخلف بعد أصحابي» وهذه الجملة استفاهمية والمعني «أخلف؟» وهذا استفهام توقعي مكروه، يعني أنه لا يحب أن يتخلف فيموت في مكة وقد خرج منها مهاجرًا إلي الله ورسوله، وهكذا كل شيء تركه الإنسان لله لا ينبغي أن يرجع فيه، وقد سبق لنا في شرح الحديث أن من ذلك ما فعله بعض الناس؛ حيث تخلصوا من جهاز التلفزيون لما رأوا من مضاره ومفاسده ما يربو على مصالحه ومنافعه، تركوه لله فكسروه، ثم جاؤوا يسألون: هل يعيدوه مرة ثانية؟ نقول: لا تعده مرة أخري ما دمت قد تخلصت منه ابتغاء وجه الله فلا ترجع فيما تركته لله.
ومن فوائد الحديث: ظهور معجزة لرسول الله صلي الله عليه وسلم؛ وهو أن الرسول صلي الله عليه وسلم قال له: «إنك لن تخلف حتى يضر بك أقوام وينتفع بك آخرون» فإن الأمر وقع كما توقعه النبي صلي الله عليه وسلم، فإن سعدًا - ﵁- بقي إلي خلافة معاوية وعمر طويلًا بعد قول الرسول صلي الله عليه وسلم له، وهذا من آيات النبي صلي الله عليه وسلم؛ أن يخبر عن شيء مستقبل فيقع كما أخبر به ﵊، ولكن هذا ليس خبرا محضًا، بل توقع، لقوله: «لعلك أن تخلف» فلم يجزم، ولكن كان الأمر كما توقعه النبي صلي الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذا الحديث: انه ما من إنسان يعمل عملًا يبتغي به وجه الله
[ ١ / ٥٨ ]
إلا ازداد به رفعة ودرجة، حتى وإن كان في مكان لا يحل له البقاء فيه، لأن العمل شيء والبقاء شيء آخر.
ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلم: أن الإنسان إذا صلي في أرض مغصوبة فإن صلاته صحيحة، لأن النهي ليس عن الصلاة بل النهي عن الغضب.
فالنهي منصب على شيء غير الصلاة فتكون صلاته صحيحة في هذا المكان المغضوب، لكنه آثم ببقائه في هذا المكان المغصوب. نعن نعود لو ورد عن الرسول صلي الله عليه وسلم انه قال: «لا تصل في أرض مغصوبة» لقلنا: «إذا صليت في الأرض المغصوبة فصلاتك باطلة، كما نقول: إنك إن صليت في المقبرة والحمام» هذا غير صلاة الجنازة؛ لأنها تجوز حتى في المقبرة.
ومن فوائد هذا الحديث: أن الإنسان إذا أنفق نفقة يبتغي وجه الله فإنه يثاب عليها، حتى النفقات على أهله وعلى زوجته، بل وعلى نفسه؛ إذا ابتغي بها وجه الله أثابه الله عليها.
وفيه إشارة إلي أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر نية التقرب إلي الله في
[ ١ / ٥٩ ]
كل ما ينفق حتى لا يكون له في ذلك أجر. كل شيء تنفقه صغيرًا كان أم كبيرًا، على نفسك أو على أهلك أو على أصحابك أو على أي واحد من الناس؛ إذا ابتغيت به وجه الله أثابك الله على ذلك. وقوله: «لكن البائس سعد بن خولة..» سعد بن خولة - ﵁ - من المهاجرين الذين هاجروا من مكة ولكن الله قدر أن يموت فيها؛ فمات فيها، فرثي له النبي ﵊؛ أي: توجع له أن مات بمكة؛ وقد كانوا يكرهون للمهاجر أن يموت في الأرض التي هاجر منها.
هذا ما تيسر من الكلام على هذا الحديث، والمؤلف﵀ تعالي- ذكره في باب النية؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال لسعد: «إنك لن تعمل عملًا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة» وقال له: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها» فأشار في هذا الحديث إلي الإخلاص في كون الإنسان يبتغي بعمله وبإنفاق ماله وجه الله؛ حتى ينال على ذلك الأجر وزيادة الدرجات والرفعة عند الله ﷿. والله الموفق
* * *
٧-وعن أبي هريرة عبد الرحمن بت صخر - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلي أجسادكم ولا إلي صوركم ولكن ينظر إلي قلوبكم» . (رواه مسلم) .
[ ١ / ٦٠ ]
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالي:) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم) (الحجرات: من الآية١٣) .
فالله سبحانه وتعالي لا ينظر إلي العباد إلي أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلي الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلي الأنساب؛ هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلي الأموال، ولا ينظر إلي شيء من هذا أبدا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوي، فمن كان لله أتقي كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم؛ إذا لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبدا إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك فأحمد الله عليه قوله ﵊: «ولكن ينظر إلي قلوبكم» فالقلوب هي التي عليها المدار، وهذا يؤيد الحديث الذي صدر المؤلف به الكتاب؛ «إنما الأعمال بالنيات»
القلوب هي التي عليها المدار، كم من إنسان ظاهر عمله أنه صحيح وجيد وصالح، لكن لما بني على خراب صار خرابًا، فالنية هي الأصل، تجد رجلين يصليان في صف واحد، مقتدين بإمام واحد، يكون بين صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب؛ لأن القلب مختلف، أحدهما قلبه غافل، بل ربما يكون مرائيا في صلاته- والعياذ بالله - يريد بها الدنيا.
[ ١ / ٦١ ]
والآخر قلبه حاضر يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم.
فبينهما فرق عظيم، فالعمل على ما في القلب، وعلي ما في القلب يكون الجزاء يوم القيامة؛ كما قال الله تعالي:) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ) (الطارق: ٨) (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) (الطارق: ٨/٩) أي: تختبر السرائر لا الظواهر. في الدنيا الحكم بين الناس على الظاهر؛ لقول النبي صلي الله عليه وسلم: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع لكن في الآخرة على ما في السرائر، نسأل الله أن يطهر سرائرنا جميعًا.
العلم على ما في السرائر: فإذا كانت السريرة جيدة صحيحة فأبشر بالخير، وإن كانت الأخرى فقدت الخير كله، وقال الله ﷿:) أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ) (العاديات٩/١٠) فالعلم على ما في القلب. وإذا كان الله تعالي في كتابه، وكان رسوله صلي الله عليه وسلم في سنته يؤكدان على إصلاح النية؛ فالواجب على الإنسان أن يصلح نيته، يصلح قلبه، ينظر ما في قلبه من الشك فيزيل هذا الشك إلي اليقين. كيف؟ وذلك بنظره في الآيات:) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران: ١٩٠)
[ ١ / ٦٢ ]
(وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (الجاثية: ٤) إذا ألقي الشيطان في قلبك الشك فانظر في آيات الله. انظر إلي هذا الكون من يدبره انظر كيف تتغير الأحوال، كيف يداول الله الأيام بين الناس، حتى تعلم أن لهذا الكون مدبرًا حكيمًا ﷿.
الشرك؛ طهر قلبك منه. كيف أطهر قلبي من الشرك؟
أطهر قلبي؛ بأن أقول لنفسي: إن الناس لا ينفعوني إن عصيت الله ولا
ينقذونني من العقاب، وإن أطعت الله لم يجلبوا إلي الثواب.
فالذي يجلب الثواب ويدفع العقاب هو الله. إذا كان الأمر كذلك فلماذا تشرك بالله﷿- لماذا تنوي بعبادتك أن تتقرب إلي الخلق.
ولهذا من تقرب إلي الخلق بما يتقرب به إلي الله ابتعد عنه، وابتعد عنه الخلق.
يعني لا يزيده تقربه إلي الخلق بما يقربه إلي الله؛ إلا بعدًا من الله ومن الخلق؛ لن الله إذا رضي عنك أرضي عنك الناس، وإذا سخط عليك أسخط عليك الناس، نعوذ بالله من سخطه وعقابه.
المهم يا أخي: عالج القلب دائمًا، كن دائمًا في غسيل للقلب حتى يطهر؛ كما قال الله - ﷿ -:) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُم) (المائدة: من الآية٤١) فتطهير القلب أمر مهم جدًا، أسال الله أن يطهر قلبي وقلوبكم، وأن يجعلنا له مخلصين ولرسوله متبعين.
[ ١ / ٦٣ ]
٨- وعن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري - ﵁- قال: سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل ريياه: أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
وفي لفظ للحديث: «ويقاتل ليري مكانة؛ أي ذلك في سبيل الله قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .
قوله: «من قاتل لتكون» في هذا إخلاص النية لله - ﷿- وهذا الذي ساق المؤلف الحديث من أجله؛ إخلاص النية.
فد سئل الرسول صلي الله عليه وسلم عن الذي يقاتل على أحد الوجوه الثلاثة! شجاعة، وحمية، وليري مكانة.
أما الذي يقاتل شجاعة: فمعناه أنه رجل شجاع، يحب القتال؛ لأن الرجل الشجاع متصف بالشجاعة، والشجاعة لابد لها من ميدان تظهر فيه، فتجد الشجاع يحب أن الله ييسر له قتالًا ويظهر شجاعته، فهو يقاتل لأنه شجاع يحب القتال.
الثاني: يقاتل حمية: حمية على قوميته، حمية على قبيلته، حمية على وطنه، حمية لأي عصبية كانت.
الثالث: يقاتل ليري مكانه: أي ليراه الناس ويعرفوا أنه شجاع، فعدل
[ ١ / ٦٤ ]
النبي صلي الله عليه وسلم عن ذلك، وقال كلمة موجزة ميزانًا للقتال فقال: «من قاتل لتكون كلمة الله عي العليا فهو في سبيل الله» .
وعدل النبي ﵊ عن ذكر هذه الثلاثة؛ ليكون أعم واشمل؛ لأن الرجل ربما يقاتل من أجل الاستيلاء على الأوطان والبلدان، يقاتل من أجل أن يحصل علي امرأة يسبيها من هؤلاء القوم، والنيات لا حد لها، لكن هذا الميزان الذي ذكره النبي ﵊ ميزان تام وعدل، ومن هنا نعلم أنه يجب ان تعدل اللهجة التي يتفوه بها اليوم كثير من الناس.
ولذلك؛ على الرغم من قوة الدعاية للقومية العربية لم نستفد منها شيئًا، فاليهود استولوا على بلادنا، ونحن تفككنا، دخل في ميزان هذه القومية قوم كفار؛ من النصاري وغير النصاري، وخرج منها قوم مسلمون من غير العرب، فخسرنا ملايين العالم، ملايين الناس؛ من أجل هذه القومية، ودخل فيها قوم لا خير فيهم، قوم إذا دخلوا في شيء كتب عليه الخذلان والخسارة.
واللهجة الثانية: قوم يقاتلون للوطن، ونحن إذا قاتلنا من أجل
[ ١ / ٦٥ ]
الوطن؛ لم يكن هناك فرق بين قتالنا وبين قتال الكافر عن وطنه. حتى الكافر يقاتل عن وطنه ويدافع عن وطنه.
والذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن - فقط- ليس بشهيد. ولك الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي- ولله الحمد- ونسأل الله أن يثبتنا علي ذلك، الواجب أن نقاتل من أجل لإسلام في بلادنا، وانتبه للفرق؛ نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في بلادنا، ونحمي الإسلام، لو كنا في أقصي الشرق أو الغرب. لو كانت بلادنا في أقصي الشرق أو الغرب قاتلنا من أجل الإسلام في وطنا أو من أجل وطننا لأنه غسلامي؛ ندافع عن الإسلام الذي فيه.
أما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإنسان شيئًا، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر؛ إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن.
والذي يقتل من أجل الدفاع عن الوطن - فقط - ليس بشهيد. ولكن الواجب علينا ونحن مسلمون وفي بلد إسلامي - ولله الحمد- ونسأل الله أن يثبتنا علي ذلك، الواجب أن نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، وانتبه للفرق، نقاتل من أجل الإسلام في بلادنا، فنحمي الإسلام الذي في أقصي الشرق أو الغرب قاتلنا للإسلام وليس لوطننا فقك، فيجب أن تصحح هذه اللهجة، فيقال: نحن نقاتل من أجل الإسلام في وطننا أو من أجل وطننا لأنه إسلامي؛ ندافع عن الإسلام الذي فيه.
أما مجرد الوطنية فإنها نية باطلة لا تفيد الإنسان شيئًا، ولا فرق بين الإنسان الذي يقول إنه مسلم والإنسان الذي يقول إنه كافر؛ إذا كان القتال من أجل الوطن لأنه وطن.
وما يذكر من أن «حب الوطن من الإيمان» وأن ذلك حديث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم كذب.
حب الوطن إن كان لأنه وطن إسلامي فهذا تحبه لأنه إسلامي. ولا فرق بين وطنك الذي هو مسقط رأسك، أو الوطن البعيد من بلاد المسلمين؛ كلها وطن الإسلام يجب أن نحميه.
[ ١ / ٦٦ ]
علي كل حال يجب أن نعلم أن النية الصحيحة هي أن نقاتل من أجل الدفاع عن الإسلام في بلدنا، أو من أجل وطننا لأنه وطن إسلامي، لا لمجرد الوطنية.
أما قتال الدفاع أي: لو أن أحدًا صال عليك في بيتك، يريد أخذ مالك، أو يريد أن ينتهك عرض أهلك - مثلا- فإنك تقاتله كما أمرك بذلك النبي ﵊، فقد سئل عن الرجل يأتيه الإنسان ويقول له: أعطني مالك؟ قال: «لا تعطه مالك قال: أرأيت إن قتلتله؟ قال: قاتله. قال: أرايت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار!!»؛ لأنه معتد ظالم؛ حتى وإن كان مسلمًا، إذا جاءك المسلم يريد أن يقاتلك من أجل أن يخرجك من بلدك، أو من بيتك فقاتله، فإن قتلته فهو في النار، وإن قتلك فأنت شهيد، ولا تقل كيف أقتل مسلمًا؟ فهو المعتدي، ولو كتفنا أيدينا أمام المعتدين الظالمين الذين لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة ولا دينًا؛ لكان المعتدون لهم السلطة، ولأفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، ولذلك نقول: هذه المسألة ليست من باب قتال الطلب.
قتال الطلب: معلوم أنني لا أذهب أقاتل مسلمًا أطلبه، ولكن أدفع عن نفسي، ومالي، وأهلي، ولو كان مؤمنا؛ مع أنه لا يمكن أبدا أن تكون
[ ١ / ٦٧ ]
شخص معه إيمان يقدم على مسلم يقاتله ليستولي على أهله وماله أبدا.
ولهذا قال النبي ﵊: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» لا إيمان لإنسان يقاتل المسلمين إطلاقًا النبي صلي الله عليه وسلم فإذا كان الرجل فاقدًا الإيمان، أو ناقص الإيمان؛ فإنه يجب أن نقاتله دفاعًا عن النفس وجوبًا؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «قاتله» وقال: «إن قتلته فهو في النار» وقال: «وإن قتلك فأنت شهيد» لأنك تقاتل دون مالك، ودون أهلك، ودون نفسك.
والحاصل أن هناك قتالين: قتالًا للطلب؛ أذهب أنا أقاتل الناس مثلًا في بلادهم، هذا لا يجوز إلا بشروط معينة.
مثلًاك قال العلماء: إذا ترك أهل قرية الأذان؛ وهو ليس من أركان الإسلام، وجب على ولي الأمر أن يقاتلهم حتى يؤذنوا؛ لأنهم تركوا شعيرة من شعائر الإسلام.
وإذا تركوا صلاة العيد، وقالوا لا نصليها لا في بيوتنا، ولا في الصحراء؛ يجب أن نقاتلهم، حتى لو فرض أن قومًا قالوا: هل الأذان من أركان الإسلام؟ قلنا: لا، ولكنه من شعائر الإسلام؛ فنقاتلكم حتى تؤذنوا. وإذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين، مثل: قبيلتان بينهما عصبية،
[ ١ / ٦٨ ]
تقاتلا، وجب علينا أن نصلح بينهما، فإن بغت إحداهما علي الأخرى وجب أن نقاتلها، حتى تفيء إلي أمر الله، مع أنها مؤمنة، ولكن هناك فرق بين قتال الدفاع وقتال الطلب، الطلب: ما نطلب، إلا من أباح الشارع قتاله، وأما الدفاع فلابد أن ندافع.
ونرجو منكم أن تنبهوا على هذه المسألة؛ لأننا نري في الجرائد والصحف: الوطن! الوطن! الوطن! وليس فيها ذكر للإسلام، هذا نقص عظيم، يجب أن توجه الأمة غلي النهج والمسلك الصحيح، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لما يجب ويرضي.
* * *
٩-وعن أبي بكرة نفيع بن الحارث الثقفي - ﵁ - أن النبي صلي الله عليه وسلم: «إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقتال والمقتول في النار» قلت: يا رسول الله، هذا القتال فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه» (متفق عليه) .
[الشَّرْحُ]
قوله: «إذا التقي المسلمان بسيفهما» أي: يريد كل واحد منهما أن يقتل الآخر، فسل عليه السيف، وكذلك لو اشهر عليه السلاح؛ كالبندقية، أو غيرها مما يقتل؛ كحجر ونحوه!
[ ١ / ٦٩ ]
فذكر السيف هنا على سبيل التمثيل، وليس على سبيل التعيين. بل إذا التقي المسلمان بأي وسيلة يكون بها القتل، فقتل أحدهما الآخر فالقاتل والمقتول في النار - والعياذ بالله فقال أبو بكرة للنبي صلي الله عليه وسلم: «هذا القاتل؟» يعني أن كونه في النار واضح؛ لأنه قتل نفسًا مؤمنة متعمدًا؛ والذي يقتل نفسًا مؤمنة متعمدًا بغير حق فإنه في نار جهنم.
قال الله تعالي:) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) (النساء: ٩٣) . فأبوبكرة - ﵁- قال للنبي صلي الله عليه وسلم: «هذا القاتل» وهذه الجملة هي ما يعرف في باب المناظرة بالتسليم، يعني: سلمنا أن القاتل في النار، فما بال المقتول؟ كيف يكون في النار وهو المقتول؟
فقال النبي صلي الله عليه وسلم: «لأنه كان حريصا على قتل صاحبه» فهو حريص علي قتل صاحبه؛ ولهذا جاء بآلة القتل ليقتله، ولكن تفوق عليه الآخر فقتله. فيكون هذا - والعياذ بالله - بنية القتل، وعمله السبب الموصل للقتل يكون كأنه قاتل؛ ولهذا قال: «لأنه كان حريصا على قتل صاحبه»
ففي هذا الحديث: دليل على أن الأعمال بالنيات، وأن هذا لما نوي قتل صاحبه، صار كأنه فاعل ذلك، أي كأنه قتل. وبهذا نعرف الفرق بين هذا الحديث وبين قوله صلي الله عليه وسلم: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» . وقوله فيمن أتي ليأخذ
[ ١ / ٧٠ ]
مالك: «إن قتلته فهو في النار، وإن قتلك فأنت شهيد»
وذلك أن الإنسان الذي يدافع عن ماله، وأهله، ونفسه، وعرضه إنما دافع رجلًا معتديًا صائلًا، لا يندفع إلا بالقتل، فهنا إذا قتل الصائل كان في النار، وإن قتل المدافع كان شهيدًا في الجنة، فهذا هو الفرق بينهما.
فبهذا علم أن من قتل أخاه مريدًا لقتله فإنه في النار، ومن قتله أخوه، وهو يريد قتل أخيه، لكن عجز، فالمقتول أيضًا في النار. القاتل والمقتول في النار.
وفي هذا الحديث: دليل على عظم القتل، وإنه من أسباب دخول النار والعياذ بالله.
وفيه: دليل علي أن الصحابة - ﵃- كانوا يوردون على الرسول صلي الله عليه وسلم الشبه فيجيب عنها.
ولهذا لا نجد شيئا من الكتاب والسنة فيه شبهة حقيقة إلا وقد وجد حلها، إما أن تكون حلها بنفس الكتاب والسنة من غير إيراد سؤال، وإما أن يكون بإيراد سؤال يجاب عنه. ومن ذلك أيضًا: أن الرسول صلي الله عليه وسلم لما أخبر بأن الدجال يمكث في الأرض أربعين يومًا؛ اليوم الأول كسنة، والثاني كشهر، والثالث كالأسبوع،
[ ١ / ٧١ ]
وبقية الأيام كأيامنا، سأله الصحابة فقالوا: يا رسول الله، هذا اليوم الذي كسنه هل تكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لا» اقدروا له قدره، ففي هذا أبين دليل على أنه لا يوجد - ولله الحمد- في الكتاب والسنة شيء مشتبه ليس له حل، لكن الذي يوجد: قصور في الأفهام تعجز عن معرفة الحل، أو يقصر الإنسان؛ فلا يطلب، ولا يتأمل، ولا يراجع؛ فيشتبه عليه الأمر.
أما الواقع: فليس في القرآن والسنة- ولله الحمد - شي مشتبه إلا وجد حله في الكتاب أو السنة؛ إما ابتداء، وإما جوابًا عن سؤال يقع من الصحابة﵃- والله الموفق.
* * *
١٠- وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم «صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعًا وعشرين درجة، وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتي المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لا يريد إلا الصلاة، فلم يخط خطوة إلارفع له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد، فإذا دخل المسجد كان في الصلاة، ما كانت الصلاة هي تحبسه، والملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلي فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ فيه، ما لم يحدث فيه» (متفق عليه)
[ ١ / ٧٢ ]
وهذا لفظ مسلم، وقوله صلي الله عليه وسلم: «ينهزه» هو بفتح الباء والهاء، وبالزاي: أي يخرجه وينهضه.
[الشَّرْحُ]
إذا صلي الإنسان في المسجد مع الجماعة كانت هذه الصلاة أفضل من الصلاة في بيته أو في سوقه سبعًا وعشرين مرة؛ لأن الصلاة مع الجماعة قيام بما أوجب الله من صلاة الجماعة.
فإن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن صلاة الجماعة فرض عين؛ وأنه يجب علي الإنسان أن يصلي مع الجماعة في المسجد، لأحاديث وردت في ذلك، ولما اشار الله إليه - سبحانه وتعالي- في كتابه حين قال:) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ) (النساء: من الآية١٠٢) .
فأوجب الله الجماعة في حال الخوف، فإذا أوجبها في حال الخوف؛ ففي حال الأمن من باب أولى وأحري.
ثم ذكر السبب في ذلك: «بأن الرجل إذا توضأ في بيته فأسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته إلي المسجد لا ينهزه، أو لا يخرجه إلا الصلاة، لم يحط خطوة إلا رفع الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة»، سواء أقرب مكانه من المسجد أم عد، كل خطوة يحصل بها فائدتان:
الفائدة الأولي: أن الله يرفعه بها درجة.
[ ١ / ٧٣ ]
والفائدة الثانية: أن الله يحط بها خطيئة، وهذا فضل عظيم. حتى يدخل المسجد؛ فإذا دخل المسجد فصلي ما كتب له، ثم جلس ينتظر الصلاة؛ «فإنه في صلاة ما انتظر الصلاة»؛ وهذه أيضًا نعمة عظيمة؛ لو بقيت منتظرًا للصلاة مدة طويلة، وأنت جالس لا تصلي، بعد أن صليت تحية المسجد، وما شاء الله - فإنه يحسب لك أجر الصلاة.
وهناك أيضًا شيء رابع: أن الملائكة تصلي عليه ما دام في مجلسه الذي صلي فيه، تقول (٠ اللهم صل عليه، اللهم أغفر له، اللهم ارحمه، اللهم تب عليه» وهذا أيضًا فضل عظيم لمن حضر بهذه النية وبهذه الأفعال.
والشاهد من هذا الحديث قوله: «ثم خرج من بيته إلي المسجد لا يخرجه إلا الصلاة» فإنه يدل على اعتبار النية في حصول هذا الأجر العظيم.
أما لو خرج من بيته لا يريد الصلاة، فإنه لا يكتب له هذا الأجر؛ مثل أن يخرج من بيته إلي دكانه؛ ولما أذن ذهب صلي؛ فإنه لا يحصل علي هذا الأجر؛ لأن الأجر إنما يحصل لمن خرج من البيت لا يخرجه إلا الصلاة.
لكن ربما يكتب له الأجر من حين أن ينطلق من دكانه، أو من مكان بيعه وشرائه إلي أن يصل إلي المسجد؛ ما دام انطلق من هذا المكان وهو على طهارة. والله الموفق.
* * *
[ ١ / ٧٤ ]
١١- وعن أبي العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب﵄- عن رسول الله صلي الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه- تبارك وتعالي- قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعطيها كتبها الله- تبارك وتعالي- عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات، إلي سبعمائة ضعف، إلي اضعاف كثيرة، وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة» (متفق عليه) .
[الشَّرْحُ]
قوله: (٠ إن الله كتب الحسنات والسيئات»؛ كتابته للحسنات والسيئات تشمل معنيين:
المعني الأول: كتابة ذلك في اللوح المحفوظ، فإن الله - تعالي- كتب في اللوح المحفوظ؛ كل شي كما قال الله:) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: ٤٩) وقال تعالي (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ) (القمر: ٥٣) فالله - سبحانه وتعالي- كتب السيئات والحسنات في اللوح المحفوظ، إذا عملها العبد فإن الله - تعالي- يكتبها حسب ما تقتضيه حكمته، وحسب ما يقتضيه عدله وفضله.
فهاتان كتابتان:
كتابة سابقة: لا يعلمها إلا الله - ﷿- فكل واحد منا لا يعلم
[ ١ / ٧٥ ]
ماذا كتب الله له من خير أو شر حتى يقع ذلك الشيء.
وكتابة لاحقة: إذا عمل الإنسان العمل كتب إذا عمل الإنسان العمل كتب له حسب ما تقتضيه الحكمة، والعدل، والفضل: «ثم بين ذلك» أي: ثم بين النبي صلي الله عليه وسلم ذلك كيف يكتب، فبين أن الإنسان إذا هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله - تعالي - حسنة كاملة.
مثاله: رجل هم أن يتوضأ ليقرأ القرآن، ثم لم يفعل ذلك وعدل عنه، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة.
مثال آخر: رجل هم أن يتصدق، وعين المال الذي يريد أن يتصدق به، ثم أمسك ولم يتصدق، فيكتب له بذلك حسنة كاملة. هم أن يصلي ركعتين، فأمسك ولم يصل، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة.
فإن قال قائل: كيف يكتب له حسنة وهو لم يفعلها؟
فالجواب علي ذلك: أن يقال إن فضل الله واسع، هذا الهم الذي حدث منه يعتبر حسنة؛ لأن القلب همام؛ إما بخير أو بشر، فإذا هم بالخير فهذه حسنة تكتب له، فإن عملها كتبها الله عشر حسنات إلي سبعمائة ضعف إلي أضعاف كثيرة.
وهذا التفاوت مبني على الإخلاص والمتابعة؛ فكلما كان الإنسان في عبادته أخلص لله كان أجره أكثر، وكلما كان الإنسان في عبادته أتبع للرسول صلي الله عليه وسلم كانت عبادته أكمل، وثوابه أكثر، فالتفاوت هذا يكون بحسب الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلي الله عليه وسلم.
أما السيئة فقال: «وإن هم بسيئة فلم يتعبها كتبها الله حسنة كاملة»
[ ١ / ٧٦ ]
كرجل هم أن يسرق، ولكن ذكر الله﷿- فأدركه خوف الله فترك السرقة، فإنه يكتب له بذلك حسنة كاملة؛ لأنه ترك فعل المعصية لله فأثيب على ذلك كما جاء ذلك مفسرًا في لفظ آخر: «إنما تركها من جراي» أي من أجلي، هم أن يفعل منكرًا كالغيبة مثلًا، ولكنه ذكر أن هذا محرم فتركه لله؛ فإنه يعطي على ذلك حسنة كاملة.
فإن عمل السيئة كتب سيئة واحدة فقط، لا تزيد، لقوله - تعالي-) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: ١٦٠) .
وهذا الحديث فيه: دليل على اعتبار النية؛ وأن النية قد توصل صاحبها إلي اليخير.
وسبق لنا أن الإنسان إذا نوي الشر، وعمل العمل الذي يوصل إلي الشر، ولكنه عجز عنه؛ فإنه يكتب عليه إثم الفاعل؛ كما سبق فيمن التقيا بسيفهما من المسلمين: «إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار» قالوا: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه» والله الموفق.
[ ١ / ٧٧ ]
١٢- وعن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب﵄ - قال: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: «انطق ثلاثة نفر ممن كان قبلكم حتى آواهم المبيت إلي غار فدخلوه، فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار؛ فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله - تعالي- بصالح أعمالكم.
قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت لا أغبق قبلها أهلا ولا مالا. فناي بي طلب الشجر يوما، فلم أرح عليهما حتى ناما، فحلبت لهما عبوقهما، فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما وأن أغبق قبلها أهلا أو مالا، فلبثت -والقدح علي يدي- أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر- والصبية يتضاغون عند قدمي- فاستيقظا، فشربا غبوقهما. اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج منه.
قال الآخر: اللهم إنه كانت لي ىبنة عم، كانت أحب الناس إلي - وفي رواية؛ «كنت أحبها كأشد ما يحب الرجال النساء» - فأردتها على نفسها، فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة من السنين، فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار؛ على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها- وفي رواية: «فلما قعدت بين رجليها» - قالت: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها.
[ ١ / ٧٨ ]
وقال الثالث: اللهم أستأجرت أجرأء وأعطيتهم أجرهم، غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: «يا عبد الله أد إلي أجري، فقلت: كل ما تري من أجرك: من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فقال: يا عبد الله لا تستهزي بي ! فقلت: لا استهزيء بك فأخذه كله، فاستاقه، فلم يترك منه شيئًا اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجههك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، فخرجوا يمشون» \ (متفق عليه) .
[الشَّرْحُ]
قوله: «انطلق ثلاثة نفر» أي: ثلاثة رجال.
«فآواهم المبيت فدخلوا في غار» يعني: ليبينوا فيهن والغار: هو ما يكون في الجبل مما يدخله الناس يبيتون فيه، أو يتظللون فيه عن الشمس، وما أشبه ذلك. فهم دخلوا حين آواهم المبيت إلي هذا الغار، ولم يستطيعوا أن يزحزهوها؛ لأنها صخرة كبيرة. فرأوا أن يتوسلوا إلي الله - سبحانه وتعالي - بصالح أعمالهم.
فذكر أحدهم بره التام بوالديه، وذكر الثاني عفته التامة، وذكر الثالث ورعه ونصحه.
[ ١ / ٧٩ ]
أما الأول: يقول إنه كان له أبوان شيخان كبيران «وكنت لا أعبق قبلهما أهلًا ولا مالًا» الأهل: مثل الزوجة والأولاد، والمال: مثل الأرقاء وشبهه.
وكان له غنم، فكان يسرح فيها ثم يرجع في آخر النهار، ويجلب الغنم، ويعطي أبويه- الشيخين الكبيران - ثم يعطي بقية أهله وماله.
يقول: «فنأي به طلب الشجر ذات يوم» أي: أبعد بي طلب الشجر الذي يرعاه. فرجع، فوجد أبويه قد ناما، فنظر، هل يسقي أهله وما له قبل أبويه، أو ينتظر حتى برق الفجر؛ أي حتى طلع الفجر- وهو ينتظر استيقاظ أبويه-، فلما استيقظا وشربا اللبن أسقي أهله وما له.
قال: «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه» ومعناه: اللهم إن كنت مخلصًا في عملي هذا- فعلته من أجلك- فافرج عنا ما نحن فيه.
وفي هذا دليل على الإخلاص لله - ﷿- في العمل، وأن الإخلاص عليه مدار كبير في قبول العمل، فتقبل الله منه هذه الوسيلة وانفرجت الصخرة؛ لكن انفراجًا لا يستطيعون الخروج منه.
أما الثاني: فتوسل إلي الله ﷿ - بالعفة التامة؛ وذلك أنه كان له ابنة عم، وكان يحبها حبًا شديدًا كاشد ما يحب الرجال النساء «فأرادها
[ ١ / ٨٠ ]
على نفسها» أي أراداه- والعياذ بالله- بالزنا؛ ليزني بها، ولكنها لم توافق وابت، فألمت بها سنة من السنين، أي: اصابها فقر وحاجةن فاضطرت إلي أن تجود بنفسها في الزنا من أجل الضرورة، وهذا لا يجوز، ولكن على كل حال؛ هذا الذي حصل، فجاءت إليه، فأعطاها مائة وعشرين دينارً، أي: مائة وعشرين جنيهًا؛ من أجل أن تمكنه من نفسها، ففعلت من أجل الحاجة والضرورة، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته على أنه يريد أن يفعل بها، قالت له هذه الكلمة العجيبة العظيمة: «اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه» .
فخوفته بالله﷿- وأشارت إليه إلي إن أراد هذا بالحق فلا مانع عندها، لكن كونه يفض الخاتم بغير حق، هي لا تريده، تري أن هذا من المعاصي؛ ولهذا قالت له: اتق الله، فلما قالت له هذه الكلمة- التي خرجت من أعماق قلبها- دخلت في أعماق قلبه، وقام عها وهي أحب الناس غليه، يعني ما زالت رغبته عنها، ولا كرهها، بل حبها في قلبه، لكن أدركه خوف الله -﷿- فقام عنها وهي أحب الناس إليه، وترك لها الذهب الذي أعطاها - مائة وعشرين دينارًا، ثم قال: «اللهم إن كنت فعلت هذا لأجلك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، إلا أنهم لا يستطيعون الخروج» وهذا من آيات الله؛ لأن الله على كل شيء قدير، لو شاء الله تعالي لانفرجت عنهم بأول مرة.
ولكنه- سبحانه وتعالي- أراد أن يبقي هذه الصخرة؛ حتى يتم لكل واحد منهم ما أراد أن يتوسل به من صالح الأعمال.
[ ١ / ٨١ ]
وأما الثالث: فتوسل إلي الله - سبحانه وتعالي- بالأمانة والإصلاح والإخلاص في العمل، فإنه يذكر أنه استأجر أجراء على عمل من الأعمال؛ فأعطاهم أجورهم، إلا رجلًا واحدًا ترك اجره فلم يأخذه ز فقام هذا المستأجر فثمر المال، فصار يتكسب به بالبيع والشراء وغير ذلك، حتى نما وصار منه إبل وبقر وغنم ورقيق وأموال عظيمة.
فجاءه بعد حين، فقال له: يا عبد الله أعطني أجري. فقال لهك كل ما تري فهو لك؛ من الإبل والبقر والغنم والرقيق. فاقل: لا تستهزيء بي، الأجرة التي لي عندك قليلة، كيف لي كل ما أري من الإبل والبقر والغنم والرقيق؟ لا تستهزيء بي. فقلت: هو لك، فأخذه واستاقه كله ولم يترك له شيئًا.
اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجللك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة، وانفتح الباب، فخرجوا يمشون» لأنهم توسلوا إلي الله بصالح أعمالهم التي فعلوها إخلاصًا لله ﷿.
ففي هذا الحديث من الفوائد والعبر: فضيلة بر الوالدين؛ وأنه من الأعمال الصالحة التي تفرج بها الكربات، وتزال بها الظلمات.
وفيه: فضيلة العفة عن الزنا، وأن الإنسان إذا عف عن الزنا- مع قدرته عليه- فإن ذلك من أفضل الأعمال، وقد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أن هذا من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله» .
[ ١ / ٨٢ ]
فهذا الرجل مكنته هذه المرأة التي يحبها من نفسها، فقام خوفًا من الله ﷿، فحصل عنده كمال العفة، فيرجي أن يكون ممن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وفي هذا الحديث أيضًا: دليل علي فضل الأمانة وإصلاح العمل للغير، فإن هذا الرجل بإمكانه- لما جاءه الأجير- أن يعطيه أجرته، ويبقي هذا المال له، ولكن لأمانته وثقته وإخلاصه لأخيه ونصحه له؛ أعطاه كل ما أثمر أجره.
ومن فوائد هذا الحديث: بيان قدرة الله - ﷿- حيث إنه تعالي أزاح عنهما الصخرة بإذنه، لم يأت آله تزيلها، ولم يأت رجال يزحزحونها، وإنما هو أمر الله عز وجلن أمر هذه الصخرة أن تنحدر فتنطبق عليهم ثم أمرها أن تنفرج عنهم، والله سبحانه- على كل شيء قدير.
وفيه من العبر: أن الله تعالي سميع الدعاء؛ فإنه سمع دعاء هؤلاء واستجاب لهم.
وفيه من العبر: أن الإخلاص من أسباب تفريج الكربات؛ لن كل واحد منهم يقول: «اللهم إن كنت فعلت ذلك من أجلك فأفرج عنا ما نحن فيه» .
أما الرياء- والعياذ بالله- والذي لا يفعل الأعمال إلا رياء وسمعة، حتى يمدح عند الناس؛ فإن هذا كالزبد يذهب جفاء، لا ينتفع منه صاحبه،
[ ١ / ٨٣ ]
نسأل الله أن يرزقنا وإياكم الإخلاص له؛ فالإخلاص هو كل شيء زلا تجعل لأحد من عبادتك نصيبًا، اجعلها كلها لله وحده، ﷿- حتى تكون مقبولة عند الله؛ لأنه ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تعالي أنه قال: «أنا أغني الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» والله الموفق.
[ ١ / ٨٤ ]