قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت: ٦٩) . وقال تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين ُ) (الحجر: ٩٩) . وقال تعالى: (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) (المزمل: ٨)، أي انقطع إليه. وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧)، وقال تعالى: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) (المزمل: ٢٠)، وقال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (البقرة: ٢٧٣)، والآيات في الباب كثيرة معلومة.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب المجاهدة) المجاهدة تعني مجاهدة الإنسان نفسه ومجاهدة غيره، فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء، ولا تتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولًا، ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين، على فعل الطاعات، وعلى ترك المعاصي؛ لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، فتحتاج النفس إلى مجاهدة لا سيما مع قلة الرغبة في الخير، فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناةً شديدة؛ ليحملها على فعل الخير.
ومن أهم ما يكون من هذا مجاهدة النفس على الإخلاص لله ﷿ في العبادة؛ فإن الإخلاص، أمره عظيم وشاق جدًا، حتى إن بعض
[ ٢ / ٥١ ]
السلف يقول: (ما جاهدت نفسي على شيءٍ مجاهدتها على الإخلاص ولهذا كان جزاء المخلصين أن من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه حرمه الله على النار.
لكن متى يكون هذا الأمر؟ إن هذا الأمر شديد جدًا، فالمجاهدة على الإخلاص لله من أشق ما يكون على النفوس؛ لأن النفوس لها حظوظ؛ ولأن الإنسان يحب أن يكون مرموقًا عند الناس، ويحب أن يكون محترمًا بين الناس، ويحب أن يقال: إن هذا رجل عابد، هذا رجل فيه كذا وكذا من خصال الخير، فيدخل الشيطان على الإنسان من هذا الباب، ويحمله على مراءاة الناس. وقد قال النبي ﷺ (من سمع سمّع الله به، ومن راءَى راءى الله به) . يعني أظهر أمره للناس حتى ينكشف والعياذ بالله.
كذلك أيضًا مما يجاهد الإنسان نفسه عليه: فعل الطاعات الشاقة مثل الصوم، فإن الصوم من أشق الطاعات على النفوس؛ لأن فيه ترك المألوف من طعام وشراب ونكاح، فتجده يكون شاقًا على الناس إلا من يسره الله عليه وخفف عنه. تجد بعض الناس مثلًا إذا دخل رمضان كأنما وضع على ظهره جبل - والعياذ بالله - لأنه يستثقل الصوم ويرى أنه شاق، حتى إن بعضهم يجعل حظ يومه النوم، وحظ ليله السهر في أمر لا خير له فيه؛ كل ذلك من أجل مشقة هذه العبادة عليه.
[ ٢ / ٥٢ ]
كذلك أيضًا من الأشياء التي تحتاج إلى مجاهدة، مجاهدة الإنسان نفسه على الصلاة مع الجماعة؛ كثير من الناس يسهل عليه أن يصلي في بيته، لكن يشق عليه أن يصلي مع الجماعة في المسجد، فتجده مع نفسه في جهاد، يقول: أصبر، أؤدي هذا الشغل، أو أفعل كذا، أو أفعل كذا، حتى.. سوف.. فتفوته صلاة الجماعة، وثقل صلاة الجماعة على الإنسان يدل على أن في قلب الإنسان نفاقًا، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: (أثقل الصلوات على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، لو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا) وهذا يحتاج إلى المجاهدة.
أما مجاهدة النفس علي ترك المحرم؛ فما أكثر المحرمات التي يشق علي بعض الناس تركها، فتجد البعض يعتاد على فعل المحرم ويشق عليه تركه، ولنضرب لهذا مثلين.
المثل الأول: الدخان، فإن كثيرًا من الناس ابتلي بشرب الدخان، وأول ما خرج الدخان اختلف العلماء فيه؛ منهم من قال: إنه حلال، ومنهم من قال: إنه حرام، ومنهم من قال: إنه مكروه، ومنهم من ألحقه بالخمر حتى أوجب الحد على شاربه، ولكن بعد أنه مضت الأيام تبين تبينًا لا شك فيه أنه حرام؛ لأن الأطباء أجمعوا على أنه مضر بالصحة، وأنه سبب لأمراض مستعصية تؤدي بالإنسان إلى الموت، ولهذا تجد بعض
[ ٢ / ٥٣ ]
المدخنين يموت وهو يكلمك، ويموت وهو على الفراش، وإذا حمل أدنى شيء انقطع قلبه ومات، وهذا يدل على أنه ضار، والشيء الضار محرم على الإنسان؛ لأن الله يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: من الآية٢٩)، ويشق على بعض المبتلين بهذا الدخان أن يدعه، مع أنه لو عود نفسه على تركه شيئًا فشيئًا، وأبتعد عن الذين يشربونه لسهل عليه الأمر، وصار يكره شم رائحته، لكن المسألة تحتاج إلى عزيمة قوية وإيمان صادق.
المثل الثاني: مما يشق على كثير من الناس، وقد ابتلى به الكثير: حلق اللحى، فإن حلق اللحية محرم، لأن الرسول ﷺ قال: (خالفوا المجوس. خالفوا المشركين، وفروا اللحى وأحفوا الشوارب) . كثير من الناس قد غلبته نفسه فصار يحلق لحيته، ولا أدرى ماذا يجني من حلق اللحية؟ لا يجني إلا معاصي تتراكم عليه حتى تضعف إيمانه والعياذ بالله، لأن من مذهب أهل السنة والجماعة أن المعاصي تنقص الإيمان، فيكسب حالق اللحية معاصي تنقص إيمانه، مع أنه لا يزيد نشاطه ولا صحته، ولا تندفع عنه بذلك الأمراض، ولكن ابتلي بهذا الشيء وصار شاقًا عليه، فعلى الإنسان أن يجاهد نفسه على فعل الأوامر وعلى ترك النواهي، حتى يكون من المجاهدين في الله ﷿ وقد قال الله تعالى في جزائهم:
[ ٢ / ٥٤ ]
(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين َ) (العنكبوت: ٦٩) .
أما مجاهدة الغير فإنها تنقسم إلى قسمين: قسم بالعلم والبيان، وقسم بالسلاح.
أما من مجاهدته بالعلم والبيان فهو الذي يتسمى بالإسلام وليس من المسلمين؛ مثل المنافقين وأهل البدع المكفرة وما أشبه ذلك، فإن هؤلاء لا يمكن أن نجاهدهم بالسلاح؛ لأنهم يتظاهرون بالإسلام وأنهم معنا، ولكننا نجاهدهم بالعلم والبيان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة: ٧٣)، فجاهد الكفار يكون بالسلاح، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان.
ولهذا كان الرسول -﵊ يعلم بأن في أصحابه منافقين، ويعلمهم بأعيانهم، ولكنه لا يقتلهم، واستؤذن في قتلهم فقال: (لا يتحدث الناس بأن محمدًا يقتل أصحابه)، فكذلك الذين ينضوون تحت لواء الإسلام من أهل البدع لا نقاتلهم بالسلاح، لكننا نقاتلهم بالعلم والبيان.
ولهذا كان واجبًا على شباب الأمة الإسلامية أن يتعلموا العلم على وجه راسخ ثابت، لا على وجه سطحي كما يوجد في كثير من بيوت العلم، حيث يتعلمون علمًا سطحيًا لا يرسخ بالذهن، علمًا يقصد به
[ ٢ / ٥٥ ]
الإنسان أن يحصل على بطاقة أو شهادة فقط، ولكن العلم الحقيقي هو العلم الذي يرسخ في القلب، ويكون كالملكة للإنسان، حتى إن الإنسان الذي يوفق لهذا النوع من العلم؛ تجده لا تكاد تأتيه مسألة من المسائل إلا عرف كيف يخرجها على الأدلة من الكتاب والسنة والقياس الصحيح، فلابد من علم راسخ.
والناس اليوم في عصرنا محتاجون إلى هذا النوع من العلم؛ لأن البدع بدأ يفشو ظلامها في بلدنا هذه؛ بعد أن كانت نزيهة منها، لكن نظرًا لانفتاحنا على الناس، وانفتاح الناس علينا، وذهاب بعضنا إلى بلاد أخرى، ومجيء آخرين إلى بلادنا ليسوا على عقيدة سليمة؛ بدأت البدع تظهر ويفشو ظلامها. وهذه البدع تحتاج إلى نور من العلم يضيء الطريق حتى لا يصيب بلادنا ما أصاب غيرها من البدع المنكرة العظيمة التي قد تصل إلى الكفر - والعياذ بالله ـ. فلابد من مجاهدة أهل البدع وأهل النفاق بالعلم والبيان، وبيان بطلان ما هم عليه؛ بالأدلة المقنعة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ، وأقوال السلف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الهدى من بعدهم.
أما النوع الثاني من جهاد الغير: فهو الجهاد بالسلاح، وهذا في جهاد الأعداء الذين يظهرون العداوة للإسلام ويصرحون بذلك؛ مثل اليهود والنصارى الذين يسمون بالمسيحيين، والمسيح منهم بريء ﵊، المسيح لو أنه خرج لقاتلهم وهم ينتسبون إليه، يقول الله ﷿: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ
[ ٢ / ٥٦ ]
دُونِ اللَّهِ) (المائدة: ١١٦)، فماذا كان جواب عيسى؟: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (المائدة: ١١٦، ١١٧) .
فعيسى بن مريم قال لهم ما أمرهم الله به: اعبدوا الله ربي وربكم، ولكنهم كانوا يعبدون عيسى، ويعبدون مريم، ويعبدون الله ويقولون إن الله ثالث ثلاثة، إذن؛ كيف يصح أن ينتسب هؤلاء إلى عيسى وهو يتبرأ منهم أمام الله ﷿.
فاليهود والنصارى والمشركين من البوذيين وغيرهم، والشيوعيين، كل هؤلاء أعداء للمسلمين؛ يجب على المسلمين أن يقاتلوهم حتى تكون كلمة الله هي العليا، ولكن مع الأسف، فالمسلمون اليوم في ضعف شديد، وفي هوان وذل، يقاتل بعضهم بعضًا أكثر مما يقاتلون أعداءهم، هم فيما بينهم يتقاتلون أكثر مما يتقاتلون مع أعدائهم، ولهذا سلط الأعداء علينا، وصرنا كالكرة بأيديهم؛ يتقاذفونها حيث يشاءون.
فلهذا يجب على المسلمين أن ينتبهوا لهذا الأمر، وأن يعدوا العدة؛ لأن الله تعالى قال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ) (لأنفال: ٦٠) وقال ﷿: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
[ ٢ / ٥٧ ]
الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩) .
(يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) أي: يبذلون الجزية لنا (عَنْ يَدٍ) فيها قولان للعلماء: (عَنْ يَدٍ) يعني عن قوة منا علينا، أو (عَنْ يَدٍ) يعني عن واحدة من أيديهم، بحيث يمدها هو بنفسه - اليهودي أو النصراني - ولهذا قال العلماء: لو أرسل بها خادمه لم نأخذها حتى يأتي بنفسه ويسلمها للمسؤول من المسلمين. وتصوروا؛ كيف يريد الله منا؟ وكيف يكون الإسلام في هذه العزة؟ تضرب عليهم الجزية، ويأتون بها هم بأنفسهم، ولو كان أكبر واحد منهم يأتي بها حتى يسلمها إلى المسؤول في الدولة الإسلامية عن يد وهو صاغر أيضًا، لا يأتي بأبهة وبجنود وبقوم وبحشم، لا. بل يأتي وهو صاغر.
ثم إذا قال قائل: كيف تكون تعاليم الإسلام هكذا؟ أليست هذه عصبية؟ قلنا: عصبية لمن؟ هل المسلمون يريدون عصبية لهم يستطيلون بها على الناس؟ .. أبدًا فالمسلمون أحسن الناس أخلاقًا، لكنهم يريدون أن تكون كلمة الخالق الذي خلقهم وخلق هؤلاء هي العليا، ولا يمكن أن تكون هي العليا حتى يكون المسلمون هم الأعلون، ولكن متى يكون المسلمون هم الأعلون؟ يكونون كذلك إذا تمسكوا بدين الله حقًا ظاهرًا وباطنًا، وعرفوا أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
أما أن يذلوا عن دين الله، ثم يذلوا أمام أعداء الله، ثم يصيروا أذنابًا لأعداء الله، فأين العزة إذن؟ .. لا يمكن أن تكون بهذا عزة أبدًا.
الإسلام دين حق، دين علو، قال الله ﷿: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى
[ ٢ / ٥٨ ]
السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ) (محمد: ٣٥)، أي شيء تريدون بعد؟ .. أنتم الأعلون، والله معكم؛ كيف تدعون إلى السلم؟ كيف تهنون؟ ولكن نظرًا لتأخرنا في ديننا، تأخرنا وكنا على العكس من ذلك، كان الناس في عهد السلف الصالح يمشي المسلم وهو يرى أنه هو المستحق لأرض الله، لأن الله قال في كتابه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، فهو يرى أنه صاحب الأرض.
أما الآن فبالعكس - مع الأسف الشديد - ولهذا نحن نحث أبناءنا وشبابنا على أن يفقهوا الدين حقيقة، يتمسكوا به حقيقة، وأن يحذروا أعداء الله ﷿ وأن يعلموا أنه لا يمكن لعدو الله وعدوهم أن يسعى في مصلحتهم إطلاقًا، بل لا يسعى إلا لمصلحة نفسه، وتدمير المسلمين ومن ورائهم الإسلام. فنسأل الله تعالى أن يعزنا بدينه وأن يعز دينه بنا، وأن يجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، وأن يهيئ للأمة الإسلامية قادة خير يقودونها لما فيه صلاحها وسعادتها في دينها ودنياها.
* * *
وأما الأحاديث:
فالأول: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب. وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني
[ ٢ / ٥٩ ]
لأعيذنه) رواه البخاري.
(آذنته): أعلمته بأني محارب له: (استعاذني) روي بالنون وبالباء.
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ﵀ عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (قال الله تعالى: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب) والمعاداة هي المباعدة، وهي ضد الموالاة، والولي بينه الله ﷿ في قوله: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُواْ يتَقُونَ) (يونس: ٦٢-٦٣)، هؤلاء هم أولياء الله، (الَّذِينَ آمَنُوا) أي حققوا الإيمان في قلوبهم بكل ما يجب الإيمان به، (وكَانُواْ يتَقُونَ) أي حققوا العمل الصالح بجوارحهم، فاتقوا جميع المحارم من ترك الوجبات، أو فعل المحرمات، فهم جمعوا بين صلاح الباطن بالإيمان، وصلاح الظاهر بالتقوى، هؤلاء هم أولياء الله.
وليست ولاية الله ﷾ تأتي بالدعوى، كما يفعله بعض الدجالين الذين يموهون على العامة بأنهم أولياء لله وهم أعداء والعياذ بالله، فتجد في بعض البلاد الإسلامية أناسًا يموهون للعامة؛ يقولون: نحن أولياء، ثم يفعل من العبادات الظاهرة ما يموه به على العامة وهو من أعداء الله، لكنه يتخذ من هذه الدعوة وسيلة إلى جمع المال، وإلى إكرام الناس له، وإلى تقربهم إليه وما أشبه ذلك.
[ ٢ / ٦٠ ]
وعندنا - ولله الحمد - ضابط بينه الله ﷿، وتعريف بين للأولياء (الَّذِينَ آمَنُوا وكَانُواْ يتَقُونَ) هؤلاء هم أولياء الله، فالذي يعادي أولياء الله يقول الله ﷿: (فقد آذنته بالحرب)، يعني أعلنت عليه الحرب. فالذي يعادي أولياء الله محارب لله ﷿ نسأل الله العافية، ومن حارب الله فهو مهزوم مخذول لا تقوم له قائمة.
ثم قال ﷾: (وما تَقربَ إلى عبدي بشَيءٍ أَحبَ إليَّ ممّا افتَرضتُ عليه)، يعني أن الله يقول: ما تقرب إلي الإنسان بشيء أحب إلي مما افترضه عليه، يعني أن الفرائض أحب إلى الله من النوافل، فالصلوات الخمس مثلًا أحب إلى الله من قيام الليل، وأحب إلى الله من النوافل، وصيام رمضان أحب إلى الله من صيام الاثنين والخميس، والأيام الست من شوال، وما أشبهها. كل الفرائض أحب إلى الله من النوافل.
ووجه ذلك أن الفرائض وكدها الله ﷿ فألزم بها العباد، وهذا دليل على شدة محبته لها ﷿، فلما كان يحبها حبًا شديدًا ألزم بها العباد، وأما النوافل فالإنسان حر؛ إن شاء تنفل وزاد خيرًا، وإن شاء لم يتنفل، لكن الفرائض أحب إلى الله وأوكد، والغريب أن الشيطان يأتي الناس، فتجدهم في النوافل يحسنونها تمامًا؛ تجده مثلًا في صلاة الليل يخشع ولا يتحرك، ولا يذهب قلبه يمينًا ولا شمالًا، لكن إذا جاءت الفرائض فالحركة كثيرة، والوساوس كثيرة، والهواجس بعيدة، وهذا من تزيين الشيطان، فإذا كنت تزين النافلة؛ فالفريضة أحق بالتزيين، فأحسن الفريضة لأنها أحب إلى الله ﷿ من النوافل.
[ ٢ / ٦١ ]
(وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه) اللهم نسألك من فضلك. النوافل تقرب إلى الله وهي تكمل الفرائض، فإذا أكثر الإنسان من النوافل مع قيامه بالفرائض، نال محبة الله، فيحبه الله، وإذا أحبه فكما يقول الله ﷿ (كنت سمعه الذي سمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) يعني أنه يكون مسددًا له في هذه الأعضاء الأربعة؛ في السمع، يسدده في سمعه فلا يسمع إلا ما يرضي الله. كذلك أيضًا بصره، فلا ينظر إلا إلي ما يحب الله النظر إليه، ولا ينظر إلي المحرم، ولا ينظر نظرًا محرمًا؛ ويده؛ فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله، لأن الله يسدده، وكذلك رجله؛ فلا يمشي إلا إلى ما يرضي الله، لأن الله يسدده، فلا يسعى إلا إلى ما فيه الخير، وهذا يعني قوله: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها) .
وليس المعنى أن الله يكون نفس السمع، ونفس البصر، ونفس اليد، ونفس الرجل - حاشا لله - فهذا محال، فإن هذه أعضاء وأبعاض لشخص مخلوق لا يمكن أن تكون هي الخالق، ولأن الله تعالى أثبت في هذا الحديث في قوله: (وأن سألني أعطيته، ولئن استعاذ ني لأعيذنه) فأثبت سائلًا ومسؤولًا، وعائذًا ومعوذًا به، وهذا غير هذا. ولكن المعنى أنه يسدد الإنسان في سمعه وبصره وبطشه ومشيه.
وفي قول ﷾ في هذا الحديث القدسي: (وإن سألني أعطيته) دليل على أن هذا الولي الذي تقرب إلى الله تعالى بالفرائض ثم
[ ٢ / ٦٢ ]
بالنوافل إذا سأل الله أعطاه، فكان مجاب الدعوة، وهذا الإطلاق يقيد بالأحاديث الأخرى الدالة على أنه يعطي السائل سؤاله ما لم يسال إثمًا أو قطيعة رحم، فإن سال إثمًا فإنه لا يجاب، لكن الغالب أن الولي لا يسأل الإثم، لأن الولي هو المؤمن التقي، والمؤمن التقي لا يسأل إثمًا ولا قطيعة رحم.
(ولئن استعاذ ني لأعيذنه) يعني لئن اعتصم بي ولجأ إلى من شر كل ذي شر لأعيذنه، فيحصل له بإعطائه مسئوله وإعاذته مما يتعوذ منه المطلوب، ويزول عنه الموهوب.
وفي هذا الحديث عدة فوائد:
أولًا: إثبات الولاية له ﷿ وولاية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة، وهي السلطة على جميع العباد، والتصرف فيهم بما أراد. كل إنسان؛ فإن الذي يتولى أموره وتدبيره وتصريفه هو الله ﷿، ومن ذلك قوله ﵎ (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ) (الأنعام: ٦١، ٦٢)، فهذه ولاية عامة تشمل جميع الخلق، والولاية العامة تكون بغير سبب من الإنسان، ويتولى الله الإنسان، شاء أم أبى، وبغير سبب منه.
أما الولاية الخاصة: مثل قوله تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ) (البقرة: ٢٥٧)، والولاية الخاصة تكون بسبب من الإنسان، فهو الذي يتعرض لولاية الله حتى يكون الله وليًا له: (الَّذِينَ آمَنُوا
[ ٢ / ٦٣ ]
وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس: ٦٣) .
ومن فوائد هذا الحديث:
فضيلة أولياء الله، وأن ﷾ يعادي من عاداهم، بل يكون حربًا عليهم ﷿.
ومن فوائد هذا الحديث:
أن الأعمال الواجبة من صلاة، وصدقة، وصوم، وحج، وجهاد، وعلم، وغير ذلك؛ افضل من الأعمال المستحبة؛ لأن الله تعالى قال: (ما تقرب إلى عبدي بشيء احب إلى مما افترضت عليه) .
ومن فوائده:
إثبات المحبة لله ﷿، وأن الله تعالى يحب الأعمال بعضها أكثر من بعض، كما أنه يحب الأشخاص بعضهم أكثر من بعض، فالله ﷿ يحب العاملين بطاعته ويحب الطاعة، وتتفاوت محبته ﷾ على حسب ما تقتضيه حكمته.
ومن فوائد هذا الحديث:
أن الإنسان إذا تقرب إلى الله بالنوافل مع القيام بالواجبات فإنه يكون بذلك معانًا في جميع أموره؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه..) الخ.
وفيه: دليل أيضًا على أن من أراد أن يحبه الله فأمر سهل عليه إذا سهله عليه، يقوم بالواجبات ويكثر من التطوع بالعبادات، فبذلك ينال محبة الله، وينال ولاية الله.
[ ٢ / ٦٤ ]
ومن فوائد هذا الحديث:
إثبات عطاء الله ﷿، وإجابة دعوته لوليه، لقوله: (إن سألني أعطيته، ولئن استعاذ ني لأعيذنه)
وأتى به المؤلف في باب المجاهدة؛ لأن النفس تحتاج إلى جهاد في القيام بالواجبات، ثم بفعل المستحبات، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
* * *
٩٧ - الثالث: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما رواه عن ابن عباس ﵄: إن النبي ﷺ قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ)، يعني أن هذين الجنسين من النعم مغبون فيهما كثير من الناس، أي مغلوب فيهما، وهما الصحة والفراغ، وذلك أن الإنسان إذا كان صحيحًا كان قادرًا على ما أمره الله به أن يفعله، وكان قادرًا على ما نهاه الله عنه أن يتركه لأنه صحيح البدن، منشرح الصدر، مطمئن القلب، كذلك الفراغ إذا كان عنده ما يؤويه وما يكفيه من مؤنة فهو متفرغ.
[ ٢ / ٦٥ ]
فإذا كان الإنسان فارغًا صحيحًا فإنه يغبن كثيرًا في هذا، لأن كثيرًا من أوقاتنا تضيع بلا فائدة ونحن في صحة وعافية وفراغ، ومع ذلك تضيع علينا كثيرًا، ولكننا لا نعرف هذا الغبن في الدنيا، إنما يعرف الإنسان الغبن إذا حضره أجله، وإذا كان يوم القيامة، والدليل على ذلك قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ (المؤمنون: ١٠٠)، وقال ﷿ في سورة المنافقون: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِين َ) (المنافقون: ١٠)، وقال الله ﷿: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المنافقون: ١١) .
الواقع أن هذه الأوقات الكثيرة تذهب علينا سدىً، لا تنفع منها، ولا ننفع أحدًا من عباد الله، ولا نندم على هذا إلا إذا حضر الأجل؛ يتمنى الإنسان أن يعطى فرصة ولو دقيقة واحدة لأجل أن يستعتب، ولكن لا يحصل ذلك.
ثم إن الإنسان قد لا تفوته هاتان النعمتان: الصحة والفراغ بالموت، بل قد تفوته قبل أن يموت، قد يمرض ويعجز عن القيام بما أوجب الله عليه، وقد يمرض ويكون ضيق الصدر لا يشرح صدره ويتعب، وقد ينشغل بطلب النفقة له ولعياله حتى تفوته كثير من الطاعات.
ولهذا ينبغي للإنسان العاقل أن ينتهز فرصة الصحة والفراغ بطاعة الله ﷿ بقدر ما يستطيع، إن كان قارئًا للقرآن فليكثر من قراءة القرآن، وإن كان لا يعرف القراءة يكثر من ذكر الله ﷿، وإذا كان لا يمكنه؛
[ ٢ / ٦٦ ]
يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، أو يبذل لإخوانه كل ما يستطيع من معونة وإحسان، فكل هذه خيرات كثيرة تذهب علينا سدىً، فالإنسان العاقل هو الذي ينتهز الفرص؛ فرصة الصحة، وفرصة الفراغ.
وفي هذا دليل على أن نعم الله تتفاوت، وأن بعضها أكثر من بعض، وأكبر نعمة ينعم الله تعالى بها على العبد: نعمة الإسلام، ونعمة الإسلام التي أضل الله عنها كثيرًا من الناس، قال الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: ٣)، فإذا وجد الإنسان أن الله قد أنعم عليه بالإسلام وشرح الله صدره له؛ فإن هذه أكبر النعم.
ثم ثانيًا: نعمة العقل، فإن الإنسان إذا رأى مبتلى في عقله لا يحسن التصرف، وربما يسيء إلى نفسه وإلى أهله؛ حمد الله على هذه النعمة؛ فإنها نعمة عظيمة.
ثالثًا: نعمة الأمن في الأوطان، فإنها من أكبر النعم، ونضرب لكم مثلًا بما سبق عن آبائنا وأجدادنا من المخاوف العظيمة في هذه البلاد، حتى إننا نسمع أنهم كانوا إذا خرج الواحد منهم إلى صلاة الفجر؛ لا يخرج إلا مصطحبًا سلاحه؛ لأنه يخشى أن يعتدي عليه أحد، ثم نضرب مثلًا في حرب الخليج التي مضت في العام الماضي؛ كيف كان الناس خائفين! أصبح الناس يغلقون شبابيكهم بالشمع خوفًا من شيء متوهم أن يرسل عليهم، وصار الناس في قلق عظيم، فنعمة الأمن لا يشابهها نعمة غير نعمة الإسلام والعقل.
رابعًا: كذلك مما أنعم الله به علينا - ولا سيما في هذه البلاد - رغد
[ ٢ / ٦٧ ]
العيش؛ يأتينا من كل مكان، فنحن في خير عظيم ولله الحمد؛ البيوت مليئة من الأرزاق، ويقدم من الأرزاق للواحد ما يكفي اثنين أو ثلاثة أو أكثر، هذه أيضًا من النعم. فعلينا أن نشكر الله ﷾ على هذه النعم العظيمة، وأن نقوم بطاعة الله حتى يمن علينا بزيادة النعم؛ لأن الله تعالى يقول: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) (إبراهيم: ٧) .
* * *
٩٨ - الرابع: عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لم تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا!) متفق عليه هذا لفظ البخاري، ونحوه في الصحيحين من رواية المغيرة بن شعبة.
[الشَّرْحُ]
ثم ذكر المؤلف - رحمة الله تعالى - ما نقله عن عائشة ﵂ في باب المجاهدة، وقد سبق لنا: أن من جملة المجاهدة مجاهدة الإنسان
[ ٢ / ٦٨ ]
نفسه وحمل إياها على عبادة الله، والصبر على ذلك. ذكر المؤلف ﵀ عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت: يا رسول الله لم تصنع ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا)، فعائشة ﵂ من أعلم الناس بحال النبي ﷺ فيما يصنعه في السر؛ أي في بيته، وكذلك نساؤه ﵅ هن أعلم الناس بما يصنعه في بيته.
ولهذا كان كبار الصحابة يأتون إلى نساء النبي ﷺ يسألونهن عما كان يصنع في بيته، فكان ﷺ يقوم من الليل يعني في الصلاة تهجدًا. وقد قال الله تعالى في سورة المزمل: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) (المزمل: ٢٠) .
فكان يقوم ﵊ أحيانًا أكثر الليل، وأحيانًا نصف الليل، وأحيانًا ثلث الليل؛ لأنه ﵊ يعطي نفسه حقها من الراحة مع القيام التام بعبادة ربه - صلوات الله وسلامه عليه ـ، فكان يقوم أدنى من ثلثي الليل - يعني فوق النصف، ودون الثلثين -ونصفه وثلثه؛ حسب نشاطه ﵊؛ وكان يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر من طول القيام؛ أي يتحجر الدم فيها وتنشق.
وقد قام معه شباب من الصحابة ﵃ ولكنهم تعبوا فابن مسعود ﵁ يقول: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فقام طويلًا حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بما هممت يا أبا عبد الرحمن؟
[ ٢ / ٦٩ ]
قال: هممت أن أقعد وأدعه، أي يجلس؛ لعجزه عن أن يصبر كما صبر النبي ﷺ، وحذيفة بن اليمان ﵁ قام معه ذات ليلة فقرأ النبي ﷺ البقرة والنساء وآل عمران، الجميع خمسة أجزاء وربع تقريبًا، ويقول حذيفة: كلما أتت آية رحمة سأل، وكلما أتت آية تسبيح سبح، وكلما أتت آية وعيد تعوذ، وهو معروف ﵊ أنه يرتل القراءة.
خمسة أجزاء وربع، مع السؤال عند آيات الرحمة، والتعوذ عند آيات الوعيد، والتسبيح عن آيات التسبيح؛ فماذا يكون القيام؟ يكون طويلًا، وهكذا كان النبي ﵊ يقرأ في الليل.
وإذا أطال القراءة أطال الركوع والسجود أيضًا، فكان يطيل القراءة والركوع والسجود.
فإذا كان يقوم ﵊ مثلًا في ليلة من ليالي الشتاء وهي اثنتا عشرة ساعة، يقوم أدنى من ثلثي الليل؛ فلنقل إنه ﷺ يقوم سبع ساعات تقريبًا وهو يصلي ﵊ في الليل الطويل. تصور ماذا يكون حاله ﵊؟ ومع هذا فقد صبر نفسه، وجاهد نفسه، وقال: (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا) .
[ ٢ / ٧٠ ]
وفي هذا دليل على أن الشكر هو القيام بطاعة الله، وأن الإنسان كلما أزداد في طاعة ربه ﷿ فقد ازداد شكرًا لله ﷿؛ وليس الشكر بأن يقول الإنسان بلسانه: أشكر الله، أحمد الله؛ فهذا شكر باللسان، لكن الكلام هنا على الشكر الفعلي الذي يكون بالفعل بأن يقوم الإنسان بطاعة الله بقدر ما يستطيع.
وفي هذا دليل على أن النبي ﷺ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ كل ما تقدم من ذنبه فقد غفر الله له،،كل ما تأخر فقد غفر الله له، وقد خرج من الدنيا - صلوات الله وسلامه عليه - سالمًا من كل ذنب؛ لأنه مغفور له.
وقد يخص الله أقوامًا فيغفر لهم ذنوبهم بأعمال صالحة قاموا بها مثل أهل بدر. فأهل بدر كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، منهم حاطب بن أبي بلتعة ﵁، فإن النبي ﷺ قال لعمر في قصة مشهورة: (أما علمت أن الله أطلع على أهل بدر فقال: اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم) . وهذا من خصائص أهل بدر؛ أن الله غفر لهم ما يفعلون من الذنوب.
وإلا فإن حاطبًا ﵁ فعل ذنبًا عظيمًا، وذلك أن الرسول ﵊ لما أراد أن يغزو قريشًا حين نقضت العهد الذي بينه وبينهم في صلح الحديبية، أرسل حاطب ﵁ رسالة خطية إلى أهل مكة، يخبرهم أن الرسول ﷺ قادم عليهم، فأخبر النبي ﷺ بذلك عن طريق الوحي، فأرسل علي بن أبي طالب ورجلًا معه في إثر المرأة فأدركوها في روضة خاخ - روضة معروفة في طريق مكة - فلما أدركوها
[ ٢ / ٧١ ]
أوقفوها وقالوا لها: أخرجي الكتاب الذي معك لأهل مكة، قالت: ما معي كتاب، قالوا: لابد أن تخرجي الكتاب الذي معك، فإما أن تخرجيه وإما أن نفتشك حتى ما تحت الثياب، فلما عرفت عزيمتهم أخرجت الكتاب من خفها، فإذا فيه خطاب من حاطب ﵁ إلى أهل مكة يخبرهم، فرجعوا به إلى الرسول ﵊ فاستأذن عمر ﵁ وكان من أقوى الناس في دين الله - النبي ﷺ أن يقتل حاطبًا، قال: إن الرجل نافق، كتب بأسرارنا إلى أعدائنا قال: (أما علمت أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وكان منهم ﵁ وإلا فهذه جريمة كبيرة.
ولهذا يجب على ولي الأمر إذا أدرك جاسوسًا يكتب إلى أعدائنا بأخبارنا أن يقتله ولو كان مسلمًا؛ لأنه عاث في الأرض فسادًا، فقتل الجاسوس ولو كان مسلمًا واجب على ولي الأمر لعظم فساده، ولكن هذا منع منه مانع؛ وهو أنه كان من أهل بدر، ولهذا لم يقل الرسول ﵊ أما علمت أنه مسلم؟ بل قال: (أما علمت أن اطلع الله على أهل بدر ) .
ففي هذا دليل على أن من خصائص الرسول ﵊ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا قد يقع - كما قلت - لبعض
[ ٢ / ٧٢ ]
الصحابة كأهل بدر. قال بعض العلماء: واعلم أن من خصائص الرسول ﵊ أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبناءً عليه: فكل حديث يأتي بأن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فإنه حديث ضعيف، لأن هذا من خصائص الرسول، أما (غفر له ما تقدم من ذنبه)، فهذا كثير، لكن (ما تأخر)، هذا ليس إلا للرسول ﷺ فقط، وهو من خصائصه، وهذه قاعدة عامة نافعة لطالب العلم؛ أنه إذا أتاك حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ فاعلم أن قوله (ما تأخر) ضعيف لا يصح؛ لأن هذا من خصائص محمدٍ - صلوات الله وسلامه عليه.
وفي هذا دليل أيضًا على فضيلة قيام الليل، وطول القيام، وقد أثنى الله على من يقوم الليل ويطيلون، فقال ﷿ (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) (السجدة: ١٦)، يعني تبتعد عن الفرش، (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا) أي: إذا نظروا إلى ذنوبهم خافوا (وَطَمَعًا) أي: إذا نظروا إلى فضل الله طمعوا في فضله، (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (السجدة: ١٦، ١٧)، أسال الله أن يجعلني وإياكم منهم.
وتتجافي جنوبهم عن المضاجع، ليس بالسهر على التلفزيون، أو على لعب الورق أو على أعراض الناس، أو ما أشبه ذلك، ولكنهم يدعون الله، ويعبدونه ﷿ خوفًا وطمعًا (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أين هذا
[ ٢ / ٧٣ ]
الذي أخفى لهم؟ جاء في الحديث القدسي ما يبين ذلك حيث قال الله ﷿: (أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، جعلني الله وإياكم من ساكني هذه الجنان، إنه جواد كريم.
٩٩ - الخامس: عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجد، وشد المئزر) متفق عليه.
والمراد: العشر الأواخر من شهر رمضان. (والمئزر): الإزار، كناية عن اعتزال النساء، وقيل: المراد تشميره للعبادة. يقال: شددت لهذا الأمر مئزري، أي تشمرت، وتفرغت له.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵄ في حال رسول الله ﷺ في العشر الأواخر من رمضان: إنه إذا دخل العشر شد المئزر، وأحيا ليله، وجد في العبادة، وشمر ﵊.
وقد سبق في الحديث السابق: أنه ﷺ كان يقوم في الليل حتى تتفطر
[ ٢ / ٧٤ ]
قدماه، وأنه يقوم من الليل أكثر من النصف، أو النصف، أو الثلث، أما في ليالي العشر من رمضان؛ فإنه يقوم الليل كله، أي يحيي ليله كله ﵊ بالعبادة، لكن بالفطور بعد غروب الشمس، والعشاء، وصلاة العشاء، والأشياء التي يرى ﵊ أنها قربى إلى الله ﷿ وليس معناه أن كل الليل في صلاة؛ بدليل أن صفية بنت حيي بن أخطب كانت تأتي إليه ﵊ فيحدثها بعد صلاة العشاء، ولكن كل ما كان يفعله ﵊ في تلك الليالي، فإنه قربى إلى الله ﷿؛ إما صلاة، أو تهيؤ لصلاة، أو غير ذلك.
وفي هذا دليل على أن الرسول ﷺ كان يحيي العشر الأواخر من رمضان كلها، ولكنه لا يحيي ليلة سواها؛ أي أنه لم يقم ليلة حتى الصباح إلا في العشر الأواخر من رمضان، وذلك تحريًا لليلة القدر، وهي ليلة تكون في العشر الأواخر من رمضان، ولا سيما في السبع الأواخر منه، فهذه الليلة يقدر الله ﷾ فيها ما يكون في تلك السنة، وهي كما قال الله تعالى: (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر: ٣)، فكان يحييها، (ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه) .
ثم ذكر المؤلف ﵀ معنى قوله: (شد المئزر) فمنهم من قال: إنه كناية عن ترك النساء؛ لأنه يكون معتكفًا، والمعتكف لا يباح له
[ ٢ / ٧٥ ]
النساء، كما قال تعالى: (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِد ِ) (البقرة: ١٨٧)، ومنهم من قال: بل هو كناية عن الجد والتشمير في العمل، وكلا الأمرين صحيح، فإن الرسول ﵊ كان لا يأتي أهله في العشر الأواخر من رمضان لأنه معتكف، وكان أيضًا يشد المئزر، ويجتهد، ويشمر - صلوات الله وسلامه عليه - وهذا من أنواع المجاهدة. فالإنسان يجب أن يجاهد نفسه في الأوقات الفاضلة حتى يستوعبها في طاعة الله.
* * *
١٠٠ - السادس: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير. أحرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله، ما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان) . رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف) .
المؤمن القوي: يعني في إيمانه، وليس المراد القوي في بدنه؛ لأن قوة
[ ٢ / ٧٦ ]
البدن قد تكون ضررًا على الإنسان إذا استعمل هذه القوة في معصية الله، فقوة البدن ليست محمودة ولا مذمومة في ذاتها، إن كان الإنسان استعمل هذه القوة فيما ينفعه في الدنيا والآخرة صارت محمودة وإن استعان بهذه القوة على معصية الله صارت مذمومة.
لكن القوة في قوله ﷺ: (المؤمن القوي)، تعني قوة الإيمان، لأن كلمة القوى تعود إلى الوصف السابق وهو الإيمان، كما تقول: الرجل القوي، أي في رجولته، كذلك المؤمن القوي يعني في إيمانه؛ لأن المؤمن القوي في إيمانه تحمله قوة إيمانه على أن يقوم بما أوجب الله عليه، وعلى أن يزيد من النوافل ما شاء الله، والضعيف الإيمان يكون إيمانه ضعيفًا لا يحمله على فعل الواجبات، وترك المحرمات فيقصر كثيرًا.
وقوله: (خير) يعني خير من المؤمن الضعيف، وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، ثم قال ﵊: (وفي كل خير) يعني المؤمن القوي والمؤمن الضعيف كل منهما فيه خير، وإنما قال: (وفي كل خير) لئلا يتوهم أحد من الناس أن المؤمن الضعيف لا خير فيه، بل المؤمن الضعيف فيه خير، فهو خير من الكافر لا شك.
وهذا الأسلوب يسميه البلاغيون الاحتراز، وهو أن يتكلم الإنسان كلامًا يوهم معنى لا يقصده، فيأتي بجملة تبين أنه يقصد المعنى المعين، ومثال ذلك في القرآن قوله ﵎: (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (الحديد: ١٠)، لما كان قوله: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ
[ ٢ / ٧٧ ]
بَعْدُ وَقَاتَلُوا) يوهم أن الآخرين ليس لهم حظ من هذا، قال: (وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) .
ومن ذلك قوله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) (الأنبياء: ٧٩)، لما كان هذا يوهم أن داود عنده نقص، قال تعالى: (وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) .
ومن ذلك قوله تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) (النساء: ٩٥)، فهنا قال النبي ﷺ: (وفي كل خير) أي المؤمن القوي والمؤمن الضعيف، لكن القوي خير وأحب إلى الله.
ثم قال ﵊: (احرص على ما ينفعك) هذه وصية من الرسول ﵊ لأمته، وهي وصية جامعة مانعة (احرص على ما ينفعك) يعني أجتهد في تحصيله ومباشرته، وضد الذي ينفع الذي فيه ضرر، وما لا ينفع فيه ولا ضرر، وذلك لأن الأفعال تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم ينفع الإنسان، وقسم يضره، وقسم لا ينفع ولا يضر.
فالإنسان العاقل الذي يقبل وصية ﷺ هو الذي يحرص على ما ينفعه، وما أكثر الذين يضيعون أوقاتهم اليوم في غير فائدة، بل في مضرة على أنفسهم وعلى دينهم، وعلى هذا فيجدر بنا أن نقول لمثل هؤلاء: إنكم لم تعملوا بوصية النبي ﷺ؛ إما جهلًا منكم وإما تهاونًا، لكن المؤمن
[ ٢ / ٧٨ ]
العاقل الحازم هو الذي يقبل هذه النصيحة، ويحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه.
وهذا حديث عظيم ينبغي للإنسان أن يجعله نبراسًا له في عمله الديني والدنيوي، لأن النبي ﷺ قال: (احرص على ما ينفعك) وهذه الكلمة كلمة جامعة عامة، (على ما ينفعك) أي على كل شيء ينفعك سواء في الدين أو في الدنيا، فإذا تعارضت منفعة الدين ومنفعة الدنيا فقدم منفعة الدين؛ لأن الدين إذا صلح صلحت الدنيا، أما الدنيا إذا صلحت مع فساد الدين فإنها تفسد.
وفي قوله: (احرص على ما ينفعك) إشارة إلى أنه تعارضت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى، فإننا نقدم المنفعة العليا؛ لأن المنفعة العليا فيها المنفعة التي دونها وزيادة، فتدخل في قوله (احرص على ما ينفعك) .
فإذا اجتمع صلة أخ وصلة عم كلاهما سواء في الحاجة، وأنت لا يمكنك أن تصل الرجلين جميعًا، فهنا تقدم صلة الأخ لأنها أفضل وأنفع، وكذلك أيضًا لو أنك بين مسجدين كلاهما في البعد سواء لكن أحدهما أكثر جماعة فإننا نقدم الأكثر جماعة لأنه الأفضل، فقوله (على ما ينفعك) يشير إلى أنه اجتمعت منفعتان إحداهما أعلى من الأخرى فإنها تقدم الأعلى.
وبالعكس إذا كان الإنسان لابد أن يرتكب منهيًا عنه من أمرين منهي عنهما وكان أحدهما أشد، فإنه يرتكب الأخف، فالمناهي يقدم الأخف منها، والأوامر يقدم الأعلى منها.
[ ٢ / ٧٩ ]
وقوله ﵊: (واستعن بالله): ما أروع هذه الكلمة بعد قوله (احرص على ما ينفعك) لأن الإنسان إذا كان عاقلًا ذكيًا فإنه يتتبع المنافع ويأخذ بالأنفع ويجتهد، ويحرص، وربما تغره نفسه حتى يعتمد على نفسه وينسى الاستعانة بالله، وهذا يقع لكثير من الناس، حيث يعجب بنفسه ولا يذكر الله ﷿ ويستعين به، فإذا رأى من نفسه قوة على الأعمال وحرصًا على النافع وفعلًا له، أعجب بنفسه ونسى الاستعانة بالله، ولهذا قال: (أحرص على ما ينفعك واستعن بالله) أي لا تنس الاستعانة بالله ولو على الشيء اليسير، وفي الحديث: (ليسأل أحدكم ربه حاجته حتى يسأله الملح، وحتى يسأله شسع نعله إذا انقطع) يعني حتى الشيء اليسير لا تنس الاستعانة بالله ﷿، حتى ولو أردت أن تتوضأ أو تصلى أو تذهب يمينًا أو شمالًا أو تضع شيئًا فاستحضر أنك مستعين بالله ﷿، وأنه لولا عون الله ما حصل لك هذا الشيء.
ثم قال: (ولا تعجز) يعني استمر في العمل ولا تعجز وتتأخر، وتقول: إن المدى طويل والشغل كثير، فما دمت صممت في أول الأمر أن هذا هو الأنفع لك واستعنت بالله وشرعت فيه فلا تعجز.
وهذا الحديث في الحقيقة يحتاج إلى مجلدات يتكلم عليه فيها الإنسان؛ لأن له من الصور والمسائل ما لا يحصى، منها مثلًا طالب العلم
[ ٢ / ٨٠ ]
الذي يشرع في كتاب يرى أن فيه منفعة ومصلحة له، ثم بعد أسبوع أو شهر يمل، وينتقل إلى كتاب آخر، هذا نقول عنه: إنه استعان بالله وحرص على ما ينفعه ولكنه عجز، كيف عجز؟ بكونه لم يستمر، لأن معنى قوله: (لا تعجز) أي لا تترك العمل؛ بل ما دمت دخلت فيه على أنه نافع فاستمر فيه، ولذا تجد هذا الرجل يمضي عليه الوقت ولم يحصل شيئًا؛ لأنه أحيانًا يقرأ في هذا، وأحيانًا في هذا.
حتى في المسألة الجزئية؛ تجد بعض طلبة العلم مثلًا يريد أن يرجع مسألة من المسائل في كتاب، ثم يتصفح الكتاب، يبحث عن هذه المسألة، فيعرض له أثناء تصفح الكتاب مسألة أخرى يقف عندها، ثم مسألة ثانية، فيقف عندها، ثم ثالثة، فيقف، ثم يضيع الأصل الذي فتح الكتاب من أجله، فيضيع عليه الوقت، وهذا ما يقع كثيرًا في مثل فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ تجد الإنسان يطالعها ليأخذ مسألة، ثم تمر مسألة أخرى تعجبه وهكذا، وهذا ليس بصحيح؛ بل الصحيح أن تنظر الأصل الذي فتحت الكتاب من أجله.
كذلك أيضًا في تراجم الصحابة، في الإصابة - مثلًا - لابن حجر ﵀ حين يبحث الطالب عن ترجمة صحابي من الصحابة، ثم يفتح الكتاب من أجل أن يصل إلى ترجمته، فتعرض له ترجمة صحابي آخر، فيقف عندها ويقرؤها، ثم يفتح الكتاب، يجد صحابيًا آخر، ثم هكذا يضيع عليه الوقت ولا يحصل الترجمة التي من أجلها فتح الكتاب، وهذا فيه ضياع للوقت.
[ ٢ / ٨١ ]
ولهذا كان من هدي الرسول ﵊ أن يبدأ بالأهم الذي تحرك من أجله، ولذلك لما دعا عتبان بن مالك الرسول ﷺ، قال له: أريد أن تأتي لتصلي في بيتي؛ لأتخذ من المكان الذي صليت فيه مصلى لي، فخرج النبي ﵊ ومعه نفر من أصحابه، فلما وصلوا، إلي بيت عتبان واستأذنوا ودخلوا، وإذا عتبان قد صنع لهم طعامًا، ولكن الرسول ﵊ لم يبدأ بالطعام، بل قال: (أين المكان الذي تريد أن نصلي فيه؟) فأراه إياه، فصلى، ثم جلس للطعام، فهذه دليل على أن الإنسان يبدأ بالأهم، وبالذي تحرك من أجله؛ من أجل ألا يضيع عمله سدى.
فقول الرسول ﷺ (لا تعجز) أي لا تكسل وتتأخر في العمل إذا شرعت فيه، بل استمر؛ لأنك إذا تركت ثم شرعت في عمل آخر، ثم تركت ثم شرعت ثم تركت، ما تم لك عمل.
ثم قال ﵊: (فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا) ويعني بعد أن تحرص وتبذل الجهد، وتستعين بالله، وتستمر، ثم يخرج الأمر على خلاف ما تريد، فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا لأن هذا أمر فوق إرادتك، أنت فعلت الذي تؤمر به، ولكن الله ﷿ غالب على أمره (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
[ ٢ / ٨٢ ]
يَعْلَمُونَ) (يوسف: ٢١)، ونضرب مثالًا لذلك: إذا سافر رجل يريد العمرة، ولكنه في أثناء الطريق تعطلت السيارة، ثم رجع فقال: لو أني أخذت السيارة والأخرى لكان أحسن، ولما حصل على التعطل، نقول: لا تقل هكذا؛ لأنك أنت بذلت الجهد، ولو كان الله ﷿ أراد أن تبلغ العمرة ليسر لك الأمر، ولكن الله لم يرد ذلك.
فالإنسان إذا بذل ما يستطيع مما أمر ببذله، وأخلفت الأمور؛ فحينئذ يفوض الأمر إلى الله؛ لأنه فعل ما يقدر عليه، ولهذا قال: (إن أصابك شيء) يعني بعد بذل الجهد والاستعانة بالله ﷿ (فلا تقل لو أني فعلت لكان كذا كَذا) .
وجزى الله عنا نبينا خير الجزاء؛ فقد بين لنا الحكمة من ذلك، حيث قال: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي تفتح عليك الوساوس والأحزان والندم والهموم، حتى تقول: لو أني فعلت لكان كذا. فلا تقل هكذا، والأمر انتهى، ولا يمكن أن يتغير عما وقع، وهذا أمر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن تخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وسيكون على هذا الوضع مهما عملت.
ولهذا قال (ولكن قل: قدر الله) أي هذا قدر الله، أي تقدير الله وقضاؤه، وما شاء الله ﷿ فعله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) (هود: ١٠٧)، لا أحد يمنعه أن يفعل في ملكه ما يشاء، ما شاء فعل ﷿.
ولكن يجب أن نعلم أنه ﷾ لا يفعل شيئًا إلا لحكمة خفيت علينا أو ظهرت لنا، والدليل على هذا قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا
[ ٢ / ٨٣ ]
أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الإنسان: ٣٠)، فبين أن مشيئته مقرونة بالحكمة والعلم، وكم من شيء كره الإنسان وقوعه، فصار في العاقبة خيرًا له، كما قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) (البقرة: ٢١٦)، ولقد جرت حوادث كثيرة تدل على هذه الآية، من ذلك: قبل عدة سنوات أقلعت طائرة من الرياض متجهة إلى جدة، وفيها ركاب كثيرون، يزيدون عن ثلاثمائة راكب، وكان أحد الركاب الذين سجلوا في هذه الطائرة في قاعة الانتظار، فغلبته عيناه حتى نام، وأعلن عن إقلاع الطائرة، وذهب الركاب وركبوا، فإذا بالرجل يستيقظ بعد أن أغلق الباب، فندم ندامة شديدة؛ كيف فاتته الطائرة؟ ثم إن الله قدر بحكمته أن تحترق الطائرة وركابها. فسبحان الله! كيف نجا هذا الرجل؟ كره أنه فاتته الطائرة، ولكن كان ذلك خيرًا له.
فأنت إذا بذلت الجهد، واستعنت بالله، وصار الأمر على خلاف ما تريد، لا تندم، ولا تقل: لو أني فعلت لكان كذا، إذا قلت هذا انفتح عليك من الوساوس والندم والأحزان ما يكدر عليك الصفو، فقد انتهى الأمر وراح، وعليك أن تسلم الأمر للجبار ﷿ قل: قدر الله وما شاء فعل.
ووالله، لو أننا سرنا على هدي هذا الحديث لاسترحنا كثيرًا، لكن تجد الإنسان منا؛ أولًا: لا يحرص على ما ينفعه، بل تمضي أوقاته ليلًا ونهارًا بدون فائدة، تضع عليه سدي. ثانيًا إذا قدر أنه اجتهد في أمر ينفعه، ثم فات الأمر، ولم يكن على ما توقع، تجده يندم، ويقول: ليتني
[ ٢ / ٨٤ ]
ما فعلت كذا، ولو أني فعلت كذا لكان كذا، وهذا ليس بصحيح، فأنت أدّ ما عليك، ثم بعد هذا فوض الأمر لله ﷿.
فإذا قال قائل: كيف احتج بالقدر؟ كيف أقول: قدر الله وما شاء فعل؟
والجواب أن نقول: نعم؛ هذا احتجاج بالقدر، ولكن الاحتجاج بالقدر في موضعه لا بأس به، ولهذا قال الله لنبيه ﷺ: (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا) (الأنعام: ١٠٦، ١٠٧)، فبين له أن شركهم بمشيئته، والاحتجاج بالقدر على الاستمرار في المعصية هذا حرام لا يجوز، لأن الله قال: (سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا) (الأنعام: ١٤٨)، لكن الاحتجاج بالقدر في موضعه هذا لا بأس به، فإن النبي ﵊ دخل ذات ليلة على عليّ بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد ﵊ فوجدهما نائمين، فقال لهما: (ما منعكما أن تقوما؟) يعني تقوما تتهجدان، فقال علي: يا رسول الله، إن أنفسنا بيد الله؛ لو شاء أن نقوم لقمنا، فخرج النبي ﵊ وهو يضرب على فخذيه، ويقول: (وَكَانَ الْأِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (الكهف: ٥٤) .
هذا جدال لكن احتجاج علي بن أبي طالب في محله؛ لأن النائم
[ ٢ / ٨٥ ]
ليس عليه حرج، فهو لم يترك القيام وهو مستيقظ، قال رسول الله ﷺ: (رفع القلم عن ثلاثة) ولا يبعد أن الرسول ﵊ أراد أن يختبر على بن أبي طالب: ماذا يقول في الجواب؟ وسواء كان ذلك أم لم يكن. فاحتجاج علي بالقدر هنا حجة وذلك لأنه أمر ليس باختياره؛ هل النائم يستطيع أن يستيقظ إذا لم يوقظه الله؟ لا إذن هو حجة.
فالاحتجاج بالقدر ممنوع إذا أراد الإنسان أن يستمر على المعصية ليدفع اللوم عن نفسه، نقول مثلًا: يا فلان، صل مع الجماعة، فيقول: والله لو هداني الله لصليت، فهذا ليس بصحيح. يقال لآخر: اقلع عن حلق اللحية، يقول: لو هداني الله لأقلعت، واقلع عن الدخان، يقول لو هداني الله لأقلعت، فهذا ليس بصحيح؛ لأن هذا يحتج بالقدر ليستمر في المعصية والمخالفة.
لكن إن وقع الإنسان في خطأ وتاب إلى الله، وأناب إلى الله وندم وقال: إن هذا الشيء مقدر على، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه؛ نقول هذا صحيح، إن تاب واحتج بالقدر فليس هناك مانع.
* * *
[ ٢ / ٨٦ ]
١٠١ - السابع: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره) متفق عليه.
وفي رواية لمسلم: (حفت) بدل (حجبت) وهو بمعناه، أي بينه وبينها هذا الحجاب: فإذا فعله دخلها.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (حفت النار بالشهوات)، وفي لفظ: (حجبت)، (وحفت الجنة بالمكاره) وفي لفظ: (حجبت الجنة بالمكاره) يعني أحيطت بها، فالنار قد أحيطت بالشهوات، والجنة قد أحيطت بالمكاره. والشهوات: هي ما تميل إليه النفس، من غير تعقل، ولا تبصر، ولا مراعاة لدين، ولا مراعاة لمروءة.
فالزنى - والعياذ بالله - شهوة الفرج، تميل إليها النفس كثيرًا، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب، فإنه سيكون سببًا لدخوله النار.
وكذلك شرب الخمر، تهواه النفس وتميل إليه، ولهذا جعل الشارع له عقوبة رادعة بالجلد، فإذا هتك الإنسان هذا الحجاب وشرب الخمر أداه ذلك إلى النار - والعياذ بالله.
[ ٢ / ٨٧ ]
وكذلك حب المال؛ شهوة من شهوات النفس، فإذا سرق الإنسان بدافع شهوة حب جمع المال، فلرغبة أن يستولي على المال الذي ترغبه نفسه، فإذا سرق فقد هتك هذا الحجاب؛ فيصل إلى النار - والعياذ بالله.
ومن ذلك الغش من أجل أن يزيد ثمن السلعة، هذا تهواه النفس، فيفعله الإنسان، فيهتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيدخل النار.
الاستطالة على الناس، والعلو عليهم، والترفع عليهم، كل إنسان يحب هذا، وتهواه النفس، فإذا فعله الإنسان فقد هتك الحجاب الذي بينه وبين النار، فيصل إلى النار - والعياذ بالله.
ولكن ما دواء هذه الشهوة التي تميل إليها النفس الأمارة بالسوء؟ دواؤها ما بعدها، قال: (وحفت الجنة بالمكاره) أو حجبت بالمكاره، يعني أحيطت بما تكرهه النفوس؛ لأن الباطل محبوب للنفس الأمارة بالسوء، والحق مكروه لها، فإذا تجاوز الإنسان هذا المكروه وأكره نفسه الأمارة بالسوء على فعل الواجبات وعلى ترك المحرمات، فحينئذ يصل إلى الجنة.
ولهذا تجد الإنسان يستثقل الصلوات مثلًا، ولا سيما في أيام الشتاء وأيام البرد، ولا سيما إذا كان في الإنسان نوم كثير، بعد تعب وجهد، فتجد الصلاة ثقيلة عليه، ويكره أن يقوم ويترك الفراش اللين الدافئ، ولكن إن هو كسر هذا الحاجب، وقام بهذا المكروه؛ وصل إلى الجنة.
وكذلك النفس الأمارة بالسوء، تدعو صاحبها إلى الزنى شهوة وتحبه النفس الأمارة بالسوء، لكن إذا عقلها صاحبها وأكرهها على
[ ٢ / ٨٨ ]
تجنب هذه الشهوة، فهذا كره له؛ ولكن هو الذي يوصله إلى الجنة؛ لأن الجنة حفت بالمكاره.
وأيضًا، الجهاد في سبيل الله، مكروه إلى النفس (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) (البقرة: ٢١٦)، مكروه للنفس فإذا كسر الإنسان هذا الحجاب، كان ذلك سببًا لدخول الجنة، واستمع إلى قوله الله تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٦٩، ١٧١)، فإذا كسر الإنسان هذا المكروه وصل إلى الجنة.
كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، شديد على النفوس، شاق عليها، وكل إنسان يتهاون فيه ويكرهه، يقول: ما على بالناس؟ أتعب نفسي معهم، وأتعبهم معي؟! ولكنه إذا كسر هذا المكروه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر؛ فإن هذا سبب لدخول الجنة.. وهلم جرًا، كل الأشياء التي أمر الله بها مكروهة للنفوس، لكن أكره نفسك عليها حتى تدخل الجنة.
فاجتناب المحرمات مكروه إلى النفوس، وشديد عليها، لا سيما مع قوة الداعي، فإذا أكرهت نفسك على ترك هذه المحرمات، فهذا من أسباب دخول الجنة، فلو أن رجلًا شابًا أعزب، في بلاد كفر وحرية فيها
[ ٢ / ٨٩ ]
يفعل الإنسان ما شاء، وأمامه من النساء الجميلات فتيات شابات، وهو شاب أعزب، فلا شك أنه سيعاني مشقة عظيمة في ترك الزنى؛ لأنه متيسر له، وأسبابه كثيرة، لكن إذا أكره نفسه على تركها، صار هذا سببًا لدخول الجنة.
واستمع إلى قول النبي ﵊ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)، أي يوم القيامة حيث تدنو الشمس الحارة العظيمة، التي نحس بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مئات السنين، هذه الشمس تدنو يوم القيامة، حتى تكون على رؤوس الخلائق بمقدار ميل قال بعض العلماء: الميل: المكحلة، وميل المكحلة صغير أصغر من الإصبع، وقال بعضهم: ميل المسافة، وأيا كان الميل فالشمس قريبة من الرؤوس، لكن هناك أناس يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله - أسال الله أن يجعلني وإياكم ممن يظله الله.
يظلهم الله: يعني يخلق لهم ما يظلهم يوم لا ظل إلا ظله، وليس في ذلك اليوم بناء، ولا شجر، ولا جبال تظلل، وليس هناك إلا ظل رب العالمين، أسال الله رب العالمين أن يظلني وإياكم به، هذا الظل يظل الله فيه من يشاء من عباده، ومنهم هؤلاء السبعة الذين ذكرهم الرسول ﵊ في قوله: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام
[ ٢ / ٩٠ ]
عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال)، وهذا هو الشاهد، فالمرأة ذات منصب؛ يعني شريفة، ليست دنيئة، ذات جمال، والجمال يدعو النفس إلى التطلع إلى المرأة، والاتصال بها (فقال إني أخاف الله)؛ ولم يقل ما في شهوة، أو حولنا أناس وأخاف منهم أن يكشفونا، بل قال: إني أخاف الله. فالرجل شاب وفيه شهوة، وأسباب الزنى قائمة، والموانع معدومة، ولكن هناك مانع واحد وهو خوف الله ﷿ فقال: أني أخاف الله، فكان هذا من الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله.
والمهم أن النار حجبت بالشهوات، والجنة حجبت بالمكاره، فجاهد نفسك على ما يحب الله وإن كرهت، واعلم علم إنسان مجرب أنك إذا أكرهت نفسك على طاعة الله؛ أحببت الطاعة وألفتها، وصرت - بعد ما كنت تكرهها - تأبى نفسك أن تتخلف عن الطاعة إذا أردت أن تتخلف عنها.
ونحن نجد بعض الناس يكره أن يصلي مع الجماعة، ويثقل عليه ذلك عندما يبدأ في فعله، لكن إذا به بعد فترة تكون الصلاة مع الجماعة قرة عينه، ولو تأمره ألا يصلي لا يطيعك، فأنت عود نفسك وأكرهها أول الأمر، وستلين لك فيما بعد وتنقاد. أسأل الله أن يعينني وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.
* * *
[ ٢ / ٩١ ]
١٠٢ - الثامن: عن أبي عبد الله حذيفة بن اليمان، ﵄ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائة، ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء: فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: (سبحان ربي العظيم) فكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك
[ ٢ / ٩٢ ]
الحمد) ثم قام قيامًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: (سبحان ربي الأعلى) فكان سجوده قريبًا من قيامه) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن حذيفة بن اليمان ﵁ أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة - يعني في ليلة من الليالي، وكان النبي ﷺ أحيانًا يصلي معه بعض أصحابه، فمره صلى معه حذيفة، ومرة صلى معه ابن مسعود ﵁، ومرة صلى معه ابن عباس ﵄، وكان النبي ﵊ يصلي في الليل وحده، لأن صلاة الليل لا تشرع فيها الجماعة إلا في رمضان، لكن لا بأس أن تقام الجماعة فيها أحيانًا كما في هذا الحديث، يقول فافتتح سورة البقرة، فقلت يركع عند المائة، فقرأ السورة كاملة، فظن حذيفة أنه يركع بها؛ أي
[ ٢ / ٩٣ ]
أنه إذا أكمل سورة البقرة ركع، ولكنه مضى ﷺ فقرأ سورة النساء كاملة، فقال حذيفة يركع بها، ولكنه مضى فقرأ سورة آل عمران كاملة في ركعة واحدة، يقرأ مترسلًا غير مستعجل، إذا مر بآية تسبيح سبح، وإذا مر بآية سؤال سأل، وإذا مر بآية تعوّذ تعوذ.
فجمع ﵊ بين القراءة، وبين الذكر، وبين الدعاء، وبين التفكر؛ لأن الذي يسأل عند السؤال، ويتعوّذ عن التعوذ، ويسبح عن التسبيح، لا شك أنه يتأمل قراءته ويتفكر فيها، فيكون هذا القيام روضة من رياض الذكر؛ قراءة وتسبيحًا ودعاءً وتفكرًا، والنبي ﵊ في هذا كله لم يركع. فهذه السور الثلاث: البقرة والنساء وآل عمران أكثر من خمسة أجزاء وربع، إذا كان الإنسان يقرؤها بترسل ويستعين عند فتح الوعيد ويسأل عن آية الرحمة، ويسبح عند آية التسبيح، كم تكون المدة؟ لا شك أنها تكون طويلة، ولهذا كان ﵊ يقوم حتى تتورم قدماه وتتفطر.
حتى إن ابن مسعود - وهو شاب - لما صلى معه ليلة من الليالي، يقول: أطال النبي ﷺ القيام حتى هممت بأمر سوء، قالوا: بم هممت قال: هممت أن أجلس وأدعه، عجز أن يصبر من طول القيام.
ثم أن النبي ﵊ ركع بعد أن أتم السور الثلاث فقال: سبحان ربي العظيم، وأطال الركوع نحوًا من قيامه، ثم رفع من ركوعه، وأطال القيام بعد الركوع، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، حتى كان قيامه نحو من ركوعه، ثم سجد ﷺ فقال: سبحان ربي الأعلى، وأطال السجود، حتى كان سجوده نحوًا من قيامه.
وهكذا كان ﵊ يصلي فيجعل الصلاة متناسبة؛ إذا أطال القيام؛ أطال الركوع، والسجود، والقيام الذي بعد الركوع والجلوس الذي بين السجدتين، وإذا خفف القراءة؛ خفف الركوع والسجود والقيام؛ من أجل أن تكون الصلاة متناسبة، وهذا فعله صلوات الله وسلامه عليه - في الفرض وفي النفل أيضًا، فكان ﷺ يجعل صلاته متناسبة.
وفي هذا الحديث عدة فوائد:
الفائدة الأولى: وهي التي ساق المؤلف الحديث من أجلها، أن النبي ﷺ كان يعمل عمل المجاهد الذي يجاهد نفسه على الطاعة؛ لأنه يعمل هذا العمل الشاق؛ كل هذه ابتغاء وجه الله ورضوانه، كما قال الله تعالى في وصف النبي ﷺ وصحبه (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) (الفتح: من الآية٢٩) .
ومنها: جواز إقامة الجماعة في صلاة الليل، لكن هذا ليس دائمًا، إنما يفعل أحيانًا في غير رمضان، أما في رمضان فإن من السنة أن يقوم الناس في جماعة.
ومنها: أنه ينبغي للإنسان في صلاة الليل إذا مر بآية رحمة أن يقف ويسأل، مثل لو مر بذكر الجنة يقف ويقول: اللهم اجعلني من أهلها،
[ ٢ / ٩٤ ]
اللهم إني أسألك الجنة، وإذا مر وعيد يقف، يقول: أعوذ بالله من ذلك، أعوذ بالله من النار ن وإذا مر بآية تسبيح، يعني تعظيم لله ﷾؛ يقف ويسبح الله ويعظمه؛ هذا في صلاة الليل، أما صلاة الفريضة فلا بأس أن يفعل هذا، ولكنه ليس بسنة، إن فعله فإنه لا ينهي عنه، وإن تركه فإنه لا يؤمر به، بخلاف صلاة الليل، فإن الأفضل أن يفعل ذلك، أي يتعوذ عند آية الوعيد، ويسأل، عند آية الرحمة، ويسبح عند آية التسبيح.
ومن فوائد الحديث: جواز تقديم السور بعضها على بعض، فإن النبي ﷺ قدم سورة النساء على سورة آل عمران، والترتيب أن سورة آل عمران مقدمة على سورة النساء، ولكن هذا - والله أعلم - كان قبل السنة الأخيرة، فإن السنة الأخيرة كان النبي ﷺ يقدم سورة آل عمران على سورة النساء؛ ولهذا رتبها الصحابة ﵃ على هذا الترتيب، أي أن آل عمران قبل سورة النساء، وكان النبي ﵊ يقرن بين البقرة وآل عمران؛ في مثل قوله ﵊: (اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف تحاجان عن صاحبهما يوم القيامة) فالمهم أن الترتيب في الأخير كان تقديم سورة آل عمران على سورة النساء.
[ ٢ / ٩٥ ]
ومن فوائد هذا الحديث: أن رسول الله ﷺ كان يسبح ويكرر التسبيح؛ لأن حذيفة قال: كان يقول: سبحان ربي العظيم، وكان يطيل، ويقول سبحان ربي الأعلى، وذكر أنه يطيل، ولم يذكر شيئًا أخر، فدل هذا على أنك مهما كررت من التسبيح في الركوع والسجود فإنه سنة، ولكن مع هذا كان النبي ﵊ يقول في ركوعه وفي سجوده، ويكثر من هذا القول: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)، وكان يقول أيضًا: (سبوح قدوس رب الملائكة والروح) فكل ما ورد عن النبي ﷺ من ذكر ودعاء؛ فإنه يسن للإنسان أن يقوله في صلاته. نسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياكم اتباع رسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا، وأن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة إنه جواد كريم.
* * *
١٠٣ - التاسع: عن ابن مسعود ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ ليلة فأطال القيام حتى هممت بأمر سوء! قيل وما هممت به؟ قال هممت أن أجلس وأدعه. متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁ وكان ﵁ أحد الذين يخدمون رسول الله ﷺ، صاحب
[ ٢ / ٩٦ ]
وسادته وسواكه ﵁ فصلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فقام النبي ﷺ، فأطال القيام، وقد سبق من حديث عائشة: أنه كان ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه. أو حتى تتورم. تتفطر أحيانًا، وتتورم أحيانًا من طول القيام.
وصح من حديث حذيفة: أنه قرأ في ركعة واحدة بثلاث سور من طوال السور؛ البقرة والنساء وآل عمران.
وكذلك ابن مسعود ﵁: صلى معه ذات ليلة، فأطال النبي ﷺ القيام، فهم بأمر سوءٍ؛ يعني بأمر ليس يسر المرء فعله، قالوا: بم هممت يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه، يعني أجلس وأدعه قائمًا؛ لأن ابن مسعود تعب وأعيا، مع أنه شاب، والنبي ﵊ لم يتعب لأنه ﵊ كان أشد الناس عبادة لله ﷿ وأتقاهم لله، ففي هذا دليل على أنه من السنة أن يقوم الإنسان في الليل، ويطيل القيام، وأنه إذا فعل ذلك فهو مقتدٍ برسول الله ﷺ.
ولكن، أعلم أنك إذا أطلت القيام؛ فإن السنة أن تطيل الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والقيام بعد الركوع، فإن من سنة الرسول ﵊ أنه كان يجعل صلاته متناسبة؛ إذا أطال القيام أطال بقية الأركان، وإذا خفف القيام خفف بقية الأركان، هذا هو
[ ٢ / ٩٧ ]
السنة.
* * *
١٠٤ - العاشر: عن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله؛ فيرجع اثنان، ويبقى واحد: يرجع أهله وماله، ويبقى عمله) متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
إذا مات الإنسان تبعه المشيعون له؛ فيتبعه أهله يشيعونه إلى المقبرة، وما اعجب الحياة الدنيا، وما أخسها، وما أدناها، يتولى دفنك من أنت أحب الناس إليه، يدفنوك، ويبعدونك عنهم، ولو أنهم أعطوا أجرة على أن تبقى جسدًا بينهم ما رضوا بذلك، فأقرب الناس إليك، ومن أنت أحب الناس إليهم؛ هم الذين يتولون دفنك؛ يتبعونك، ويشيعونك.
ويتبعه ماله: أي عبيده وخدمه المماليك له، وهذا يمثل الرجل الغني الذي له عبيد وخدم مماليك، يتبعونه، ويتبعه عمله معه، فيرجع اثنان، ويدعونه وحده، ولكن يبقى معه عمله، نسأل الله أن يجعل عملنا وإياكم صالحًا؛ فيبقى عمله عنده أنيسه في قبره ينفرد به إلى يوم القيامة.
وفي هذا الحديث دليل على أن الدنيا تزول، كل زينة الحياة الدنيا ترجع ولا تبقى معك في قبرك، المال والبنون زينة الحياة الدنيا ترجع،
[ ٢ / ٩٨ ]
من الذي يبقى؟ .. العمل فقط، فعليك يا أخي أن تحرص على مراعاة هذا الصاحب الذي يبقى ولا ينصرف مع من ينصرف، وعليك أن تجتهد حتى يكون عملك عملًا صالحًا يؤنسك في قبرك إذا انفردت به عن الأحباب والأهل والأولاد.
ومناسبة هذا الحديث للباب ظاهرة؛ لأن كثرة العمل يوجب مجاهدة النفس، فإن الإنسان يجاهد نفسه على الأعمال الصالحة التي تبقى بعد موته نسأل الله لنا ولكم حسن الخاتمة والعافية، وأن يتولانا وإياكم بعنايته ورعايته. إنه جواد كريم.
* * *
١٠٥ - الحادي عشر: عن ابن مسعود ﵁: قال: قال النبي ﷺ (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعليه، والنار ذلك) . رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث يتضمن ترغيبًا وترهيبًا يتضمن ترغيبًا في الجملة الأولى، وهي قوله ﷺ: (الجنة أقرب إلى أحدكم من سراك نعله)، وشراك النعل هو السير الذي يكون على ظهر القدم، وهو قريب من الإنسان جدًا، ويضرب به المثل في القرب، وذلك لأنه قد يتكلم الإنسان بالكلمة
[ ٢ / ٩٩ ]
الواحدة من رضوان الله ﷿ لا يظن أنها تبلغ ما بلغت، فإذا هي توصله إلى جنة النعيم.
ومع ذلك فإن الحديث أعم من هذا؛ فإن كثرة الطاعات، واجتناب المحرمات، من أسباب دخول الجنة، وهو يسير على من يسره الله عليه، فأنت تجد المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام يصلي براحة، وطمأنينة، وانشراح صدر، ومحبة للصلاة، ويزكي كذلك، ويصوم كذلك، ويحج كذلك، ويفعل الخير كذلك، فهو يسير عليه، سهل قريب منه، وتجده يتجنب ما حرمه الله عليه من الأقوال والأفعال، وهو يسير عليه.
وأما - والعياذ بالله - من قد ضاق بالإسلام ذرعًا، وصار الإسلام ثقيلًا عليه فإنه يستثقل الطاعات، ويستثقل اجتناب المحرمات، ولا تصير الجنة أقرب إليه من شرك نعله.
وكذلك النار، وهي الجملة الثانية في الحديث، وهي التي فيها التحذير، يقول النبي ﵊ (والنار مثل ذلك) أي أقرب إلى أحدنا من شراك نعله، فإن الإنسان ربما يتكلم بالكلمة لا يلقى لها بالًا، وهي من سخط الله، فيهوي بها في النار كذا وكذا من السنين وهو لا يدري. وما أكثر الكلمات التي يتكلم بها الإنسان غير مبال بها، وغير مهتم بمدلولها، فترديه في نار جهنم، نسأل الله العافية.
ألم تروا إلى قصة المنافقين الذين كانوا مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، حيث كانوا يتحدثون فيما بينهم، يقولون: ما رأينا مثل قرائنًا هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب السنًا، ولا أجبن عند اللقاء؛ يعنون بذلك النبي ﷺ
[ ٢ / ١٠٠ ]
وأصحابه، يعني أنهم واسعو البطون من كثرة الأكل، وليس لهم هم إلا الأكل. ولا أكذب ألسنًا؛ يعني أنهم يتكلمون بالكذب. ولا أجبن عند اللقاء؛ أي أنهم يخافون لقاء العدو، ولا يثبتون بل يفرون ويهربون. هكذا يقول المنافقون في الرسول ﷺ وأصحابه.
وإذا تأملت وجدت أن هذا ينطبق على المنافقين تمامًا، لا على المؤمنين، فالمنافقون من أشد الناس حرصًا على الحياة، والمنافقون من أكذب الناس ألسنًا، والمنافقون من أجبن الناس عند اللقاء. فهذا الوصف حقيقته في هؤلاء المنافقين.
ومع ذلك يقول الله ﷿: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)، يعني ما كنا نقصد الكلام، إنما هو خوض في الكلام ولعب؛ فقال الله ﷿: (قُلْ)، يعني: قل يا محمد (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِين َ) (التوبة: ٦٥، ٦٦)، فبين الله ﷿ أن هؤلاء كفروا بعد إيمانهم باستهزائهم بالله وآياته ورسوله، ولهذا يجب على الإنسان أن يقيد منطقة، وأن يحفظ لسانه حتى لا يزل فيهلك، نسأل الله لنا ولكم الثبات على الحق، والسلامة من الآثم.
* * *
[ ٢ / ١٠١ ]
١٠٦ - الثاني عشر: عن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ، ومن أهل الصفة ﵁ قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ، فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: (سلني)، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أو غير ذلك؟) قلت: هو ذاك، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقل عن ربيعه بن كعب الأسلميّ ﵁ وكان خادمًا لرسول الله ﷺ، ومن أهل الصفة. والذين يخدمون النبي ﷺ من الأحرار عدد، منهم ربيعه بن كعب، ومنهم ابن مسعود، ولهم الشرف بخدمة رسول الله ﷺ، وكان من أهل الصفة؛ وأهل الصفة رجال مهاجرون، هاجروا إلى المدينة، وليس لهم مأوى، فوطنهم النبي ﵊ في صفة في المسجد النبوي، وكانوا أحيانًا يبلغون الثمانين، وأحيانًا دون ذلك، وكان الصحابة ﵃ يأتونهم بالطعام واللبن وغيره، مما يتصدقون به عليهم.
فكان ربيعة بن كعب ﵁ يخدم النبي ﷺ، وكان يأتيه بوضوئه وحاجته. الوضوء بالفتح: الماء الذي يتوضأ به، والضوء بالضم: فعل الوضوء، وأما الحاجة فلم يبينها، ولكن المراد: كل ما يحتاجه النبي ﵊ يأتي به إليه.
[ ٢ / ١٠٢ ]
فقال له ذات يوم: (سلني)، يعني: اسأل، من أجل أن يكافئه النبي ﵊ على خدمته إياه؛ لأن النبي ﷺ أكرم الخلق، وكان يقول: (من صنع إليكم معروفًا فكافئوه)، فأراد أن يكافئه، فقال له: (سلني) يعني اسأل ما بدا لك، وقد يتوقع الإنسان أن هذا الرجل سيسأل مالًا، ولكن همته كانت عالية؛ قال: أسألك مرافقتك في الجنة، يعني كأنه يقول: كما كنت مرفقًا لك في الدنيا، أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (أو غير ذلك؟) يعني أو تسأل غير ذلك مما يمكن أن أقوم به؟ قال: هو ذاك، يعني: لا أسال إلا ذاك، قال النبي ﷺ: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) .
وهذا هو الشاهد؛ أن الرسول ﷺ قال: (أعني على نفسك بكثرة السجود)، وكثرة السجود تستلزم كثرة الركوع، وكثرة الركوع تستلزم كثرة القيام؛ لأن كل صلاة في كل ركعة منها وسجودان، فإذا كثر السجود كثر الركوع وكثر القيام، وذكر السجود دون غيره، لأن السجود أفضل هيئة للمصلي، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وإن كان المصلى قريبًا من الله؛ قائمًا كان، أو راكعًا، أو ساجدًا، أو قاعدًا، لكن أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد.
وفي هذا دليل على فضل السجود، واختلف أهل العلم هل الأفضل
[ ٢ / ١٠٣ ]
إطالة القيام أم إطالة الركوع والسجود؟ فمنهم من قال: الأفضل إطالة القيام، ومنهم من قال: الأفضل إطالة الركوع والسجود، والصحيح أن الأفضل أن تكون الصلاة متناسبة، وإلا فإن القيام بلا شك أطول من الركوع والسجود في حد ذاته، لكن ينبغي إذا أطال القيام أن يطيل الركوع والسجود، وإذا قصر القيام أن يقصر الركوع والسجود.
وفي هذا دليل على أن الصلاة مهما أكثرت منها فهو خير إلا أنه يستثنى من ذلك أوقات النهي، وأوقات النهي هي: من صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس مقدر رمح، وعند قيامها في منتصف النهار حتى تزول، ومن صلاة العصر إلى الغروب، فإن هذه الأوقات الثلاثة لا يجوز للإنسان أن يصلي فيها صلاة تطوع، إلا إذا كان لها سبب، كتحية المسجد، وسنة الوضوء، وما أشبه ذلك.
وفي الحديث دليل على جواز استخدام الرجل الحر، وأن ذلك لا يعد من المسألة المذمومة، فلو أنك قلت لشخص من الناس ممن يقومون بخدمتك: أعطني كذا، وأعطني كذا، فلا بأس، وكذلك لو قلت لصاحب المنزل: أعطيني ماء، صب لي فنجن قهوة، أو ما أشبه ذلك، فلا بأس، لأن هذا لا يعد من السؤال المذموم، بل هذا من تمام الضيافة، وقد جرب العادة بمثله.
وفيه دليل أيضًا على أن الرسول ﷺ لا يملك أن يدخل أحدًا الجنة، ولهذا لم يضمن لهذا الرجل أن يعطيه مطلوبه، ولكنه قال له: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) فإذا قام بكثرة السجود التي أوصاه بها رسول الله
[ ٢ / ١٠٤ ]
ﷺ، فإنه حري بأن يكون مرافقًا للرسول ﷺ في الجنة. والله الموفق.
* * *
١٠٧ - الثالث عشر: عن أبي عبد الله - ويقال: أبو عبد الرحمن - ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عليك بكثرة السجود، فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة) . رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عليك بكثرة السجود)، وعليك: يعني الزم كثرة السجود، (فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحط عنك بها خطيئة)، وهذا كالحديث السابق، حديث ربيعه بن كعب الأسلمي، أنه قال للنبي ﷺ: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: (فأعني على نفسك بكثرة السجود) ففيه دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكثر من السجود، وقد سبق لنا أم كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع، وكثرة القيام والقعود؛ لأن كل ركعة فيها سجودان، وفيها ركوع واحد، ولا يمكن أن تسجد في الركعة الواحدة ثلاث سجدات أو أربعًا، إذن كثرة السجود تستلزم كثرة الركوع والقيام والقعود.
ثم بين النبي ﷺ: ماذا يحصل للإنسان من الأجر فيما إذا سجد؛ وهو
[ ٢ / ١٠٥ ]
أنه يحصل له فائدتان عظيمتان:
الفائدة الأولى: أن الله يرفعه بها درجة، يعني منزلة عنده وفي قلوب الناس، وكذلك في عملك الصالح؛ يرفعك الله به درجة.
والفائدة الثانية: يحط عنك بها خطيئة، والإنسان يحصل له الكمال بزوال ما يكره، وحصول ما يحب، فرفع الدرجات مما يحبه الإنسان، والخطايا مما يكره الإنسان، فإذا رفع له درجة وحط عنه بها خطيئة؛ فقد حصل على مطلوبه، ونجا من مرهوبه.
* * *
١٠٨ - الرابع عشر: عن أبي صفوان عبد الله بن بشر الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.
(بسر) بضم الباء، وبالسين المهملة.
[الشَّرْحُ]
أما حديث عبد الله بن بسر، قول النبي ﷺ: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) لأن الإنسان كلما طال عمره في طاعة الله زاد قربًا إلى الله وزاد رفعة في الآخرة؛ لأن كل عمل يعمله فيما زاد فيه عمره فهو يقربه إلى ربه ﷿ فخير الناس من وفق لهذين الأمرين.
[ ٢ / ١٠٦ ]
أما طول العمر فإنه من الله، وليس للإنسان فيه تصرف؛ لأن الأعمار بيد الله ﷿، وأما حسن العمل؛ فإن بإمكان الإنسان أن يحسن عمله؛ لأن الله تعالى جعل له عقلًا، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، وبين المحجة، وأقام الحجة، فكل إنسان يستطيع أن يعمل عملًا صالحًا، على أن الإنسان إذا عمل عملًا صالحًا؛ فإن النبي ﷺ أخبر أن بعض الأعمال الصالحة سبب لطول العمر، وذلك مثل صلة الرحم؛ قال النبي ﵊: (من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره فليصل رحمه)، وصلة الرحم من أسباب طول العمر، فإذا كان خير الناس من طال عمره وحسن عمله؛ فإنه ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا أن يجعله ممن طال عمره وحسن عمله، من أجل أن يكون من خير الناس.
وفي هذا دليل على أن مجرد طول العمر ليس خيرًا للإنسان إلا إذا أحسن عمله؛ لأنه أحيانًا يكون طول العمر شرًا للإنسان وضررًا عليه، كما قال الله ﵎: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (آل عمران: ١٧٨)، فهؤلاء الكفار يملى الله لهم - أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات، لا لخير لهم ولكنه شر لهم - والعياذ بالله لأنهم سوف يزدادون بذلك إثمًا.
[ ٢ / ١٠٧ ]
ومن ثم كره بعض العلماء أن يدعى للإنسان بطول البقاء، قال: لا تقل: أطال الله بقاءك إلا مقيدًا؛ قل أطال الله بقاءك على طاعته؛ لأن طول البقاء قد يكون شرًا للإنسان. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن طال عمره وحسن عمله، وحسنت خاتمته وعافيته، إنه جواد كريم.
* * *
١٠٩ - الخامس عشر: عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر ﵁ عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد أنكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، أني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل ومثل به المشركين، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى، أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ) إلى آخرها. متفق عليه.
قوله: (ليرين الله) رؤى بضم الياء وكسر الراء؛ أي: ليظهرن الله ذلك
[ ٢ / ١٠٨ ]
للناس، وروي بفتحهما، معناه ظاهر، والله أعلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أنس بين مالك ﵁ عن عمه أنس بن النضر ﵁ أن أنسأ لم يكن مع الرسول ﷺ يعني أنس بن النضر - في بدر، وذلك لأن غزوة بدر خرج إليها النبي ﷺ وهو لا يريد القتال، وإنما يريد عير قريش وليس معه إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، معهم سبعون بعيرًا وفرسان يتعاقبون عليها، وقد تخلف عنها كثير من الصحابة لأنها ليست غزوة، ولم يدع إليها أحد؛ وإنما خرج إليها الخفاف من الناس.
قال أنس بن النضر للنبي ﵊ يبين له أنه لم يكن معه في أول قتال قاتل فيه المشركين، وقال: لئن أدركت قتالًا ليرين الله ما أصنع.
فلما كانت أحد، وهي بعد غزوة بدر بسنة وشهر، خرج الناس وقاتلوا مع النبي ﷺ، وصارت الدائرة في أول النهار للمسلمين، ولكن، لما تخلف الرماة عن الموقع الذي جعلهم النبي ﷺ فيه، ونزلوا من الجبل؛ كر فرسان المشركين على المسلمين من خلفهم، واختلطوا بهم، وانكشف المسلمون، وصارت الهزيمة. لما انكشف المسلمون تقدم أنس بن النضر ﵁ وقال: (اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء) يعني أصحابه، (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء)، يعني أصحابه، (وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء) يعني المشركين.
ثم تقدم ﵁ فاستقبله سعد بن معاذ، فسأله إلي أين؟
[ ٢ / ١٠٩ ]
قال: يا سعد، إني لأجد ريح الجنة دون أحد، وهذا وجدان حقيقي، ليس تخيلًا أو توهمًا، ولكن من كرامة الله لهذا الرجل شم رائحة الجنة قبل أن يستشهد ﵁ من أجل أن يقدم ولا يحجم، فتقدم فقاتل، فقتل ﵁ استشهد، ووجد فيه بضع وثمانون، ما بين ضربة بسيف، أو برمح، أو بسهم، حتى إنه قد تمزق جلده، فلم يعرفه أحد إلا أخته، لم تعرفه إلا ببنانه ﵁.
فكان المسلمون يرون أن الله قد أنزل فيه وفي أشباهه هذه الآية: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) (الأحزاب: ٢٣)، ولا شك أن هذا وأمثاله ﵃ يدخلون دخولًا أوليًا في هذه الآية، فإنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه، حيث قال أنس: والله ليرين الله ما أصنع، ففعل، فصنع صنعًا لا يصنعه أحد إلا من منْ الله عليه بمثله حتى استشهد.
ففي هذا الحديث دليل شاهد للباب، وهو مجاهدة الإنسان نفسه على طاعة الله، فإن أنس بن النضر جاهد نفسه هذا الجهاد العظيم، حتى تقدم يقاتل أعداء الله بعد أن انكشف المسلمون وصارت الهزيمة حتى قتل شهيدً ﵁ والله الموفق.
* * *
١١٠ - السادس عشر: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير، فقالوا: مراء وجاء رجل أخر فتصدق بصاع فقالوا: إن
[ ٢ / ١١٠ ]
الله لغني عن صاع هذا! فنزلت: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: ٧٩) . متفق عليه.
(نحامل) بضم النون، وبالحاء المهملة: أي يحمل أحدنا على ظهره بالأجرة، ويتصدق بها.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - نقلًا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو ﵁ قال: لما نزلت آية الصدقة: يعني الآية التي فيها الحث على الصدقة، والصدقة هي: أن يتبرع الإنسان بماله للفقراء ابتغاء وجه الله، وسميت صدقة لأن بذل المال لله ﷿ دليل على صدق الإيمان بالله، فإن المال من الأمور المحبوبة للنفوس، قال الله تعالى: (وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (الفجر: ٢٠)، جمًا: أي كثيرًا عظيمًا، وحيث إن المحبوب لا يبذل إلا لمن هو أحب منه، فإذا بذله الإنسان ابتغاء وجه الله؛ كان ذلك دليلًا على صدق الإيمان.
فلما نزلت هذه الآية جعل الصحابة ﵃ يبادرون ويسارعون في بذل الصدقات إلى رسول الله ﷺ، وهذه هي عادتهم ﵃ أنهم إذا نزلت الآيات بالأوامر بادروها وامتثلوها، وإذا نزلت بالنواهي بادروا بتركها، ولهذا لما نزلت آية الخمر التي فيها تحريم
[ ٢ / ١١١ ]
الخمر، وبلغت قومًا من الأنصار، وكان الخمر بين أيديهم يشربون قبل أن يحرم، فمن حين ما سمعوا الخبر أقلعوا عن الخمر، ثم خرجوا بالأواني يصبونها في الأسواق حتى جرت الأسواق في الخمر.
وهذا هو الواجب على كل مؤمن؛ إذا بلغه عن الله تعالى ورسوله ﷺ شيء أن يبادر بما يجب عليه؛ من امتثال هذا الأمر، أو اجتناب هذا النهي.
والمهم هنا أن الصحابة ﵃ بدءوا يأتون بالصدقة، كل واحد يحمل بقدرته من الصدقة إلى رسول الله ﷺ، فجاء رجل بصدقة كثيرة، وجاء رجل بصدقة قليلة، فكان المنافقون إذا جاء الرجل بالصدقة الكثيرة؛ قالوا: هذا مراءٍ، ما قصد به وجه الله. وإذا جاء الرجل بالصدقة القليلة قالوا: إن الله غني عنه، وجاء رجل بصاع، قالوا: إن الله غني عن صاعك هذا.
وهؤلاء هم المنافقون، والمنافقون هم الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، ويظهرون الشماتة بالمؤمنين دائمًا، جعلوا أكبر همهم وأعذب مقال لهم، وألذ مقال على أسماعهم؛ أن يسمعوا ويقولوا ما فيه سب المسلمين والمؤمنين - والعياذ بالله - لأنهم منافقون، وهم العدو، كما قال الله ﷿ فاحذرهم المنافق الذي يظهر لك خلاف ما يبطن.
فهؤلاء صاروا إذا جاء رجل بكثير، قالوا: هذا مراءٍ، وإن جاء بقليل، قالوا: إن الله غني عن صاعك ولا ينفعك، فأنزل الله ﷿: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا
[ ٢ / ١١٢ ]
يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ) (التوبة: ٧٩) ويلمزون: يعني يعيبون، والمطوعين: هم المتطوعين المتصدقين، (وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُم)، هذه معطوفة على قوله: (الْمُطَّوِّعِينَ) يعني ويلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم، فهم يلمزون هؤلاء وهؤلاء، (فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فهم سخروا بالمؤمنين فسخر الله منهم، والعياذ بالله.
ففي هذا دليل على حرص الصحابة على استباق الخير، ومجاهدتهم أنفسهم على ذلك، أيضًا على أن الله ﷿ يدافع عن المؤمنين، وأنظر كيف أنزل الله آية في كتاب الله، مدافعة عن المؤمنين الذين كان هؤلاء المنافقين يلمزونهم.
وفيه دليل على شدة العداوة من المنافقين للمؤمنين، وأن المؤمنين لا يسلمون منهم؛ إن عملوا كثيرًا سبوهم، وإن عملوا قليلًا سبوهم، ولكن الأمر ليس إليهم، بل الله ﷿ ولهذا سخر الله منهم، وتوعدهم بالعذاب الأليم في قوله: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) .
أما حكم المسألة هذه؛ فإن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧-٨)، القليل والكثير من الخير سيراه الإنسان، ويجازى به، والقليل والكثير من الشر سيراه الإنسان، ويجازى عليه، وصح عن النبي ﷺ: (أن الإنسان إذا تصدق بعدل تمرة) أي بما يعادلها (من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله تعالى يأخذها بيمينه فيربيها كما يربى أحدكم
[ ٢ / ١١٣ ]
فلوه، حتى تكون مثل الجبل) .
وقارن بين حبة من التمر وبين الجبل؛ لا نسبة، الجبل أعظم بكثير، فالله ﷾ يجزي الإنسان على ما عمل من خير قل أو كثر، ولكن، احرص على أن تكون نيتك خالصة لله، واحرص على أن تكون متبعًا في ذلك رسول ﷺ.
* * *
١١١ - السابع عشر: عن سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعه بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر جندب بن جنادة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يروي عن الله ﵎ أنه قال: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته: فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته: فإستطعموني أطعمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعًا: فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد في ملكي شيئًا، يا عبادي لو
[ ٢ / ١١٤ ]
أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم؛ ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم، قاموا في صعيد، واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد
غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) قال سعيد: كان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه. رواه مسلم وروينا عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀ قال: ليس لأهل الشام حديث أشرف من هذا الحديث.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي ذر الغفاري ﵁ في باب المجاهدة، عن النبي ﷺ أنه قال فيما يرويه عن ربه ﵎ يعني أن الرسول ﵊ حدث عن الله أنه قال إلى آخره، وهذا يسمى عند أهل العلم بالحديث القدسي، أو الحديث الإلهي، أما ما كان من حديث النبي ﷺ، فإنه يسمى بالحديث النبوي.
وهذا الحديث القدسي يقول الله تعالى فيه: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي)، أي ألا أظلم أحدًا، لا بزيادة سيئات لم يعملها، ولا
[ ٢ / ١١٥ ]
بنقص حسنات عملها، بل هو ﷾ حكم، عدل، محسن، فحكمه وثوابه لعباده دائر بين أمرين: بين فضل وعدل، فضل لمن عمل الحسنات، وعدل لمن عمل السيئات، وليس هناك شيء ثالث وهو الظلم.
أما الحسنات فإنه ﷾ يجازي الحسنة بعشر أمثالها، من يعمل حسنة يثاب بعشر حسنات، أما السيئة فبسيئة واحدة فقط، قال الله تعالى في سورة الأنعام - وهي مكية: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (الأنعام: ١٦٠)، ولا يظلمون بنقص ثواب الحسنات، ولا يظلمون بزيادة جزاء السيئات، بل ربنا ﷿ يقول: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا) (طه: ١١٢)، ظلمًا بزيادة في سيئاته، ولا هضمًا بنقص من حسناته.
وفي قوله تعالى: (إني حرمت الظلم على نفسي) دليل على أنه - جل وعلا - يحرم على نفسه، ويوجب على نفسه، فمما أوجب على نفسه: الرحمة، قال تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة) (الأنعام: ٥٤)، ومما حرم على نفسه: الظلم، وذلك لأنه فعال لما يريد، يحكم بما يشاء، فكما أنه يوجب على عباده ويحرم عليهم؛ يوجب على نفسه ويحرم عليها - جل وعلا ـ، لأن له الحكم التام المطلق.
وقوله تعالى: (وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا) أي لا يظلم بعضكم بعضًا، والجعل هنا هو الجعل الشرعي، وذلك لأن الجعل الذي أضافه الله إلى نفسه: إما أن يكون كونيًا مثل قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا
[ ٢ / ١١٦ ]
النَّهَارَ مَعَاشًا) (النبأ: ١٠، ١١)، وإما أن يكون شرعيًا مثل قوله تعالى: (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ) (المائدة: ١٠٣)، ما جعل: أي ما شرع، وإلا فقد جعل ذلك كونًا، لأن العرب كانوا يفعلون هذا، ومثل هذا الحديث: (جعلته بينكم محرمًا) أي جعلته جعلًا شرعيًا لا كونيًا، لأن الظلم يقع.
وقوله: (جعلته بينكم محرمًا)، الظلم بالنسبة للعباد فيما بينهم يكون في ثلاثة أشياء بينها رسول الله ﷺ في قوله وهو يخطب الناس في حجة الوداع: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم فأشهد) . فهذه ثلاثة أشياء: الدماء، والأموال، والأعراض.
فالظلم فيما بين البشر حرام في الدماء، فلا يجوز لأحد أن يتعدى على دم أحد، ولا على دم تفوت به النفس وهو القتل، ولا على دم يحصل به النقص، كدم الجروح، وكسر العظام، وما أشبهها، كل هذا حرام لا يجوز.
وأعلم أن كسر عظم الميت ككسره حيًا، كما جاء ذلك عن النبي ﵊، فالميت محترم لا يجوز أن يؤخذ من أعضائه
[ ٢ / ١١٧ ]
شيء، ولا أن يكسر من أعضائه شيء، لأنه أمانة وسوف يبعث بكامله يوم القيامة، وإذا كان كذلك فلا يجوز أن تأخذ منه شيئًا.
ولهذا نص فقهاء الحنابلة ﵏ على أنه لا يجوز أن يؤخذ من الميت شيء من أعضائه، ولو أوصى به، وذلك لأن الميت محترم، كما أن الحي محترم. كسر عظم الميت ككسره حيًا، فإن أخذنا من الميت عضوًا، أو كسرنا منه عظمًا، كان ذلك جناية عليه، وكل اعتداءً عليه، وكنا آثمين بذلك.
والميت نفسه لا يستطيع أن يتبرع بشيء من أعضائه، لأن أعضاءه أمانة عنده، أمانة لا يحل له أن يفرط فيها، ولهذا قال الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)، فسرها عمرو بن العاص ﵁ بالإنسان إذا كان عليه جنابة، وكان في البرد، وخاف أن اغتسل أن يتضرر، جعل عمرو بن العاص هذا داخلًا في الآية، وذلك حين كان عمرو بن العاص ﵁ في سرية، وأجنب، وكانت الليلة باردة فتيمم، وصلى بأصحابه، فلما رجعوا إلى الرسول ﵊ وبلغه الخبر، قال: (يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جنب) - يعني لم تغتسل ـ؟ قال: يا رسول الله، إني ذكرت قول الله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) (النساء: ٢٩)، وخفت البرد فتيممت، فضحك النبي ﷺ، وأقره على فعله وعلى استدلاله بالآية، ولم يقل: إن الآية لا تدل على هذا.
[ ٢ / ١١٨ ]
فإذن كل شيء يضر أبداننا، أو يفوت منها شيئًا، فإنه لا يحل لنا أن نفعله، لقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) . فما حرم علينا أن نتناول الدخان وغيره من الأشياء الضارة إلا من أجل حماية البدن، فالبدن محترم. فقول الرسول ﷺ: (دماءكم)، يشمل الدم الذي يهلك به الإنسان وهو القتل، والدم الذي بدون ذلك، وهو الجرح، أو كسر العظم، أو ما أشبه ذلك.
أما قوله ﷺ: (وأموالكم) فإن الأموال قد حرم الله ﷾ على بعضنا أن يأخذ من مال أخيه بغير حق، بأي نوع من الأنواع؛ سواء أخذه غصبًا بأن يأخذ بالقوة، أو أخذه سرقة، أو اختطافًا، أو خيانة، أو غشًا، أو كذبًا، بأي نوع من هذه الأنواع يأخذه، فإنه حرام عليه.
وعلى هذا فالذين يبيعون على الناس بالغش - ولا سيما أهل الخضار - فإن كل مالٍ، بل كل قرش يدخل عليهم من زيادة في الثمن بسبب الغش؛ فإنه حرام، فالذين يغشون في البيع أو في الشراء يرتكبون محظورين:
المحظور الأول: العدوان على إخوانهم المسلمين بأخذ أموالهم بغير حق.
المحظور الثاني: أنهم ينالون تبرؤ النبي ﷺ منهم، وبئس البضاعة بضاعة يلتحق فيها صاحبها بالبراءة من رسول الله ﷺ قال النبي ﷺ فيما صح عنه: (من غشنا فليس منا) .
[ ٢ / ١١٩ ]
ومن ذلك ما يفعله بعض الجيران، حيث تجده يدخل المراسيم على جاره من أجل أن تزيد أرضه، وقد ثبت عن النبي ﷺ أن (من اقتطع من الأرض شبر بغير حق، فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين) يكون يوم القيامة من سبع ارضين، في عنقه طرق من سبع أرضين - والعياذ بالله - يحمله في يوم المحشر. وهذا من الظلم.
ومن الظلم أيضًا: أن يكون لشخص على شخص دراهم، ثم ينكر الذي عليه الحق، ويقول: ليس لك عندي شيء، فهذا من أكل المال بالباطل، حتى لو فرض أنه تحاكم إلى القاضي مع خصمه، وغلبه عند القاضي، فإنه لا يغلبه عند الله، قال النبي ﵊ (إنكم تختصمون إلى، لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فاقضي له، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه؛ فإنما أقتطع له جمرة من نار، فليستقل أو ليستكثر) فلا تظن أنك إن غلبت خصمك عند القاضي، وكنت مبطلًا، تسلم بهذا في الآخرة أبدًا؛ لأن القاضي إنما يقضي بنحو ما يسمع ولا يعلم الغيب، ولكن علام الغيوب - جل وعلا - هو الذي يحاسبك يوم القيامة.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وكذلك أيضًا من أكل الأموال: أن يدعي شخص على آخر ما ليس له، ويقيم على ذلك البينة بالشهادة الزور، ويحكم له بذلك، فإن هذا من أكل المال بالباطل، والأمثلة على ذلك كثيرة، ولكنها كلها محرمة إذا لم تكن بحق ولهذا قال ﷿ (فلا تظالموا) .
أما الأعراض فهي أيضًا حرام، فلا يحل للإنسان أن يقع في عرض أخيه، فيغتابه في المجلس أو يسبه، فإن ذلك من كبائر الذنوب. قال الله ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: ١٢) أنظر للترتيب: أجتنبوا كثيرًا من الظن، فإن ظن الإنسان بأخيه شيئًا تجسس عليه، ولهذا قال: (وَلا تَجَسَّسُوا)، فإذا تجسس صار يغتابه، ولهذا قال في الثالثة: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) . ثم قال تعالى: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا)؟ الجواب: لا. لا يجب، بل يكره، ولهذا قال: (فَكَرِهْتُمُوهُ)، قال بعض المفسرين: إذا كان يوم القيامة، فإنه يؤتي بالرجل الذي اغتابه الشخص، يمثل له بصورة إنسان ميت، ثم يقال له: كل من لحمه، ويكره على ذلك، وهو يكرهه، لكن يكره على هذا عقوبة له، والعياذ بالله.
فالغيبة - وهي انتهاك عرض أخيك - محرمة، وقد روى أبو داود أن النبي ﷺ مر ليلة عرج به بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، يعني يكرون الوجوه والصدور بهذه الأظفار التي من النحاس، فقال: (يا جبريل، من هؤلاء؟) قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم
[ ٢ / ١٢١ ]
الناس ويفعلون في أعراضهم. نعوذ بالله.
ثم أن الإنسان إذا انتهك عرض أخيه، فإن أخاه يأخذ في الآخرة من حسناته، ولهذا يذكر أن بعض السلف قيل له: إن فلان يغتابك، فقال: مؤكدًا؟ قال: نعم، اغتابك، فصنع هدية له، ثم بعث بها إليه، فاستغرب الرجل! كيف يغتابه، ويرسل له هدية؟ قال: نعن إنك أهديت إلي حسنات، والحسنات تبقى، وأن أهديت إليك هدية تذهب في الدنيا، فهذه مكافأة على هديتك لي، انظر فقه السلف ﵃.
فالحاصل أن الغيبة حرام، ومن كبائر الذنوب، ولا سيما إذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من الأمراء أو العلماء، فإن غيبة هؤلاء أشد من غيبة سائر الناس، لأن غيبة العلماء تقلل من شأن العلم الذي في صدورهم، والذي يعلمونه الناس، فلا يقبل الناس ما يأتون به من العلم، وهذا ضرر على الدين، وغيبة الأمراء تقلل من هيبة الناس لهم؛ فيتمردون عليهم وإذا تمرد الناس على الأمراء فلا تسأل عن الفوضى:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سادوا
فنسأل الله أن يحمينا وإياكم مما يغضبه، إنه جواد كريم.
ثم قال الله تعالى: (يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدني أهدكم)، ضال يعني: تائهًا، أي لا يعرف الحق، ضال يعني: غاويًا لا
[ ٢ / ١٢٢ ]
يقبل الحق، فالناس في الضلال قسمان:
قسم تائه: لا يعرف الحق. من النصارى، فإن النصارى ضالون، تائهون، لا يعرفون الحق إلا بعد أن بعث النبي ﷺ، فإنهم عرفوا الحق لكنهم استكبروا عنه، فلم يكن بينهم وبين اليهود فرق في أنهم علموا الحق ولم يتبعوه.
وقسم غاو: أي اختار الغي على الرشد بعد أن علم بالرشد، وهؤلاء مثل اليهود، فإن اليهود عرفوا الحق ولكنهم لم يقبلوا، بل ردوه.
ومن ذلك قوله ﵎: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى) (فصلت: ١٧)، هداهم الله، وبين لهم، ودلهم، لكنهم استحبوا العمى على الهدى، واستحبوا الغي على الرشد، فالناس كلهم ضالون إلا من هدى الله.
لكن؛ ما هي هداية القسم الأول، وهو الضال الذي لم يعرف الحق؟ هداية القسم الأول: أن يبين الله لهم الحق ويدلهم عليه، وهذه الهداية حق على الله، حق على الله أوجبه الله على نفسه، فكل الخلق قد هداهم الله بهذا المعنى، يعني بمعنى البيان، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) (الليل: ١٢)، وقال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ) (البقرة: ١٨٥)، هدى للناس عمومًا.
ولكن الهداية الثانية، هي هداية التوفيق لقبول الحق، هذه هي التي يختص الله بها من يشاء من عباده، فالهداية هديتان هداية بيان الحق، وهذه عامة لكل أحد، وقد أوجبها الله على نفسه، وبين لعباده الحق من
[ ٢ / ١٢٣ ]
الباطل، وهداية توفيق لقبول الحق والعمل به، تصديقًا للخبر وقيامًا بالطلب، وهذه خاصة يختص الله بها من يشاء من عباده.
والناس في هذا الباب ينقسمون إلى أقسام:
القسم الأول: من هدي الهدايتين، أي علمه الله ووفقه للحق وقبوله.
والقسم الثاني: من حرم الهدايتين، فليس عنده علم، وليس له عبادة.
والقسم الثالث: من هدي بالدلالة والإرشاد، ولكنه لم يهد هداية التوفيق، وهذا شر الأقسام، والعياذ بالله.
والمهم أن الله ﷿ يقول: (كلكم ضال)، أي كلكم لا يعرف الحق. أو كلكم لا يقبل الحق، إلا من هديته (فاستهدوني أهدكم) يعني: اطلبوا الهداية مني، فإذا طلبتموها؛ فإنني أجيبكم وأهديكم إلى الحق، ولهذا جاء الجواب في: (استهدوني أهدكم)، وكأنه جواب شرط، ليتحقق المشروط عند وجود الشرط، ودليل هذا أن الفعل جزم (استهدوني أهدكم)، فمتى طلبت الهداية من الله بصدق وافتقار إليه، وإلحاح، فإن الله يهديك.
ولكن أكثرنا معرض عن هذا، فأكثرنا قائم بالعبادة، لكن على العادة، وعلى ما يفعل الناس، كأننا لسنا مفتقرين إلى الله ﷾ في طلب الهداية، فالذي يليق بنا: أن نسأل الله دائمًا الهداية، والإنسان في كل صلاة يقول: رب اغفر لي، ارحمني واهدني بل إنه في كل صلاة: يقول على سبيل الركنية: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ
[ ٢ / ١٢٤ ]
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) (الفاتحة: ٧)، ولكن أين القلوب الواعية؟ ! إن أكثر المصلين يقرأ هذه الآية، وتمر عليه مر الطيف، أي مر الغيم الذي يجري بدون ماء، وبدون شيء، ولا ينتبه لها.
والذي يليق بنا أن نتنبه، وأن نعلم أننا مفتقرون إلى الله ﷿ في الهداية، سواء الهداية العلمية، أو الهداية العملية، أي هداية الإرشاد والدلالة - أو هداية التوفيق، فلابد أن نسأل الله دائمًا الهداية.
(فاستهدوني أهدكم) وربما تشمل هذه الجملة الطريق الحسي، كما تشمل الطريق المعنوي، فالهداية للطريق المعنوي: هي الهداية إلى دين الله، والهداية للطريق الحسي: كأن تكون في أرضه قد ضللت الطريق وضعت، فمن تسأل؟ فإنك تسأل الله الهداية، ولهذا قال الله عن موسى ﷺ: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (القصص: ٢٢)، أي السبيل المستوي الموصل للمقصود بدون تعب، وقد جرب هذا، فإن الإنسان إذا ضاع في البر فإنه يلجأ إلى الله تعالى ويقول: رب أهدني سواء السبيل، أو عسى ربي أن يهديني سواء السبيل،، وذلك لأننا محتاجون إلى الله في الهدايتين؛ هداية الطريق الحسي، كما أننا محتاجون إلى الله في الهداية إلى الطريق المعنوي. نسأل الله أن يهدينا جميعًا الهداية فيمن هدى.
ثم قال ﷺ فيما يرويه عن ربه: (يا عبادي، كلكم جائع إلا من أطعمته، فإستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم)، هاتان الجملتان الخاصتان بالجوع والعرى ذكرهما
[ ٢ / ١٢٥ ]
الله ﷿ بعد أن ذكر الهداية، لأن في الهداية غذاء القلب بالعلم والإيمان، والجوارح بالعمل الصالح.
أما الطعام والشراب والكسوة فهي غذاء البدن، لأن البدن لا يستقيم إلا بالطعام، ولا يستتر إلا بالكسوة، ولهذا قال: (يا عبادي، لكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) وصدق ربنا ﷿ كلنا جائع إلا من أطعمه الله، ولولا أن الله تعالى يسر لنا ما يكون به طعامنا لهلكنا، يقول الله تعالى مبينًا ذلك في سورة الواقعة: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) .
والجواب: بل أنت - يا ربنا - الذي زرعته، لأن الله يقول: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (الواقعة: ٦٥، ٦٧)، وتأمل كيف قال تعالى: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)، ولم يقل: لو نشاء ما أنبتناه، لأنه إذا نبت وشاهده الناس؛ تعلقت به قلوبهم، فإذا جعل حطامًا بعد أن تعلقت به القلوب؛ صار ذلك أشد نكاية، ولهذا قال تعالى (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)، ولم يقل لو نشاء ما أنبتناه.
وقال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ) (الواقعة: ٦٩)، يعني: من السحاب، (أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ)؛ لأن الماء الذي نشرب من السحاب، ينزله الله ﷿ على الأرض فيسلكه ينابيع، يدخله في الأرض، ويجري فيما تحت الأرض كالأنهار، ثم يستخرج بالأدوات التي سخرها الله ﷿ في كل وقت بحسبه، وهذا من حكمة الله ﷿ أن استودع الماء في بطون الأرض، ولو بقى على ظهر
[ ٢ / ١٢٦ ]
الأرض لفسد، وأفسد الهواء وأهلك المواشي، بل وأهلك الآدميين من رائحته ونتنه، ولكن الله ﷿ بحكمته ورحمته جعل هذه الأرض تشربه وتسلكه ينابيع فيها، حتى تأتي حاجة الناس إليه؛ فيحفرونه، فيصلون إليه.
والذي أنزله هو الله ﷿، ولو اجتمع الناس كلهم على أن ينزلوا قطرة من السماء ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولكن الله ﷿ هو الذي ينزله بقدرته ورحمته، إذن، نحن لا نطمع شيئًا من طعام، أو مأكول، ولا من مشروب؛ إلا بالله ﷿ ولهذا قال: (كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم) .
واستطعام الله ﷿ يكون بالقول وبالفعل؛ بالقول: بأن تسأل الله ﷿ أن يطعمنا وأن يرزقنا، وأما بالفعل، فله جهتان:
الجهة الأولى: العمل الصالح، فإن العمل الصالح سبب لكثرة الأرزاق وسعتها، قال الله ﷿: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦)، وقال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (المائدة: ٦٥، ٦٦)، (مِنْ فَوْقِهِمْ): أي من ثمار الأشجار، (وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ): أي من ثمار الزروع، فالمهم أن هذا من أسباب إطعام الله.
الجهة الثانية من جهة الاستطعام الفعلي: أن نحرث الأرض، ونحفر
[ ٢ / ١٢٧ ]
الآبار، ونستخرج المياه، ونزرع الحبوب، ونغرس الأشجار، وما أشبه ذلك.
فالاستطعام يكون بالقول، ويكون بالفعل، والفعل له جهتان: الجهة الأولى: العمل الصالح، والجهة الثانية: الأسباب الحسية المادية كالحرث، وحفر الآبار، وما أشبه ذلك.
وقوله - جل ذكره ـ: (فاستطعموني أطعمكم) هذا جواب شرط مقدر، أو جواب الأمر الذي كان في الشرط، يعني أنك إذا استطعمت الله فإن الله يطعمك، ولكن استطعام الله ﷿ يحتاج إلى أمر مهم، وهو حسن الظن بالله - جل وعلا ـ، أي أن تحسن الظن بربك أنك إذا استطعمته أطعمك، أما أن تدعو الله وأنت غافل لاهٍ، أو تفعل الأسباب وأنت معتمد على قوتك لا على ربك؛ فإنك قد تكون مخذولًا، والعياذ بالله، لكن استطعم الله وحده وأخلص له وحده في ذلك.
(يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم)، كلكم عار إلا من كسوته، ذلك لأن الإنسان يخرج من بطن أمه ليس عليه ثياب، بل يخرج مجردًا؛ لا ثياب، ولا شعر يكسوه، كما يكون في الحيوان، وهذا من حكمة الله ﷿.
فمن حكمته تعالى: أن جعلنا نخرج بادية أبشارنا، بادية جلودنا، حتى نعرف أننا محتاجون إلى كسوة تستر عورتنا حسًا، كما أننا محتاجون إلى عمل صالح يستر عورتنا معنى، لأن التقوى لباس، كما قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ) (الأعراف: ٢٦)، فأنت انظر في نفسك تجد أنك
[ ٢ / ١٢٨ ]
محتاج إلى الكسوة الحسية لأنك عار، كذلك أيضًا محتاج إلى الكسوة المعنوية - وهي العمل الصالح - حتى لا تكون عاريًا، ولهذا ذكر بعض العابرين للرؤيا أن الإنسان إذا رأى نفسه في المنام عاريًا فإنه يحتاج إلى كثرة الاستغفار، لأن هذا دليل على نقصان تقواه، فإن التقوى لباس.
وعلى كل حال؛ فنحن عراة إلا كسوة الله ﷿ وقد سخر الله لنا من الكسوة ما نكسو به أبداننا - ولله الحمد - من أصناف اللباس المتنوعة، لا سيما في البلاد الغنية التي ابتلاها الله ﷿ بالمال، فإن المال - في الحقيقة - فتنة يخشى على الأمة منه، كما قال محمد ﷺ: (والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تفتح عليكم الدنيا، فتنافسوها كما تنافسها من قبلكم؛ فتهلككم كما أهلكتهم) فالمال ابتلاء وبلوى، تحتاج إلى صبر على أداء ما يجب فيه، وإلى شكر على ما يجب له.
وعلى كل حال، أقول: إن الله ﷾ من علينا باللباس، ولولا أن الله يسره لنا ما تيسر، ولو أنك نظرت في الخلق في وقتك الآن، وتأملت لوجدت - كما سمعنا - من يبتون عراة، ليس على أبدانهم ما يسترهم، ربما يسترون السوءة بالأشجار ونحوها، وليس عليهم ما يسترهم دون ذلك، فمن الذي سترك ومن عليك؟ هو الله، ولهذا قال ﷿ (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم) .
ونقول في قوله: (استكسوني أكسكم) كما قلنا في قوله: (استطعموني
[ ٢ / ١٢٩ ]
أطعمكم)، يعني أن الاستكساء يكون بالقول، ويكون بالفعل؛ أما الذي بالقول: فبأن تسال الله ﷿ أن يكسوك، وإذا سالت الله أن يكسو بدنك حسيًا، فسأل الله أن يكسو عورتك المعنوية بالتوفيق إلى طاعته.
وأما الاستكساء بالفعل فعلى وجهين:
الوجه الأول: بالأعمال الصالحة، والوجه الثاني: بفعل الأسباب الحسية التي تكون بها الكسوة؛ من إحداث المعامل، والمصانع، وغير ذلك.
وفي الربط بن الطعام والكسوة والهداية مناسبة؛ لأن الطعام في الحقيقة كسوة البدن باطنًا، لأن الجوع والعطش معناه خلو المعدة من الطعام والشراب، وهذا تعرٍّ لها، والكسوة ستر البدن ظاهرًا، والهداية الستر المهم المقصود وهو ستر القلوب والنفوس من عيوب الذنوب.
ثم قال تعالى: (يا عبادي، إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا فاستغفروني أغفر لكم) هذا أيضًا من تمام نعمة الله على العبد، إنه - جل وعلا - يعرض عليه أن يستغفر إلى الله ويتوب إليه، مع أنه يقول: (إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا)، أي جميع الذنوب، من الشرك بالله، والكفر، والكبائر، والصغائر، كلها يغفرها الله، ولكن بعد أن يستغفر الإنسان ربه، ولهذا قال: (فاستغفروني أغفر لكم)،، أي اطلبوا منى المغفرة حتى أغفر لكم.
ولكن طلب المغفرة ليس مجرد أن يقول الإنسان: اللهم اغفر لي، بل لابد من توبة صادقة يتوب بها الإنسان إلى الله ﷿.
[ ٢ / ١٣٠ ]
والتوبة الصادقة هي التي تجمع خمسة شروط:
الشرط الأول: أن يكون الإنسان مخلصًا فيها لله ﷿ لا يحمله على التوبة مراءاة الناس، ولا تسميعهم، ولا أن يتقرب إليهم بشيء، وإنما يقصد بالتوبة الرجوع إلى الله حقيقة، والإخلاص شرط في كل عمل، ومن جملة الأعمال الصالحة: التوبة إلى الله ﷿، كما قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: ٣١) .
الشرط الثاني: أن يندم الإنسان على ما وقع منه من الذنب، يعني أن يحزن، ويتأسف، ويعرف أنه ارتكب خطأ حتى يندم عليه، أما أن يكون ارتكاب الخطأ وعدمه عنده على حد سواء؛ فهذه ليست بتوبة، بل لابد من أن يندم بقلبه ندمًا يتمنى أنه لم يقع منه هذا الذنب.
الشرط الثالث: أن يقلع عن الذنب فلا توبة مع الإصرار على الذنوب، كما قال تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران: ١٣٥)، أما أن بقول إنه تائب من الذنب وهو مصر عليه، فإنه كاذب مستهزئ بالله ﷿، فمثلًا لو قال: أتوب إلى الله من الغيبة، ولكنه كلما جلس مجلسًا اغتاب عباد الله؛ فإنه كاذب في توبته، ولو قال أتوب إلى الله من الربا ولكنه مصر عليه؛ يبيع بالربا ويشتري بالربا، فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من استماع الأغاني، ولكنه مصر على ذلك، فهو كاذب في توبته، ولو قال: أتوب إلى الله من معصية الرسول ﷺ في إعفاء اللحية، وكان يحلقها، وهو يقول أتوب إلى الله من حلقها: فإنه كاذب، وهكذا جميع المعاصي إذا كان الإنسان مصرًا عليها فإن دعواه
[ ٢ / ١٣١ ]
التوبة كذب، ولا تقبل توبته.
ومن التخلي عن الذنب والإقلاع عنه: أن يرد المظالم إلى أهلها إذا كانت المعصية في حقوق العباد، فإن كانت في أخذ مال فليرد المال إلى من أخذه منه، فإن كان قد مات فليرده إلى ورثته، فإن تعذر عليه أن يعرف الورثة، أو نسى الرجل، أو ذهب الرجل إلى مكان لا يمكن العثور عليه، مثل أن يكون أجنبيًا، فيرجع إلى بلده، ولا يدري أين هو، ففي هذه الحال يخرج ما عليه صدقة ينويها لصاحب المال الذي يطلبه.
وإذا كان الذنب في غيبة، وكان المغتاب قد علم أن هذا الرجل قد اغتابه، فلابد أن يذهب إلى المغتاب ويتحلل منه، وينبغي للمغتاب إذا جاءه أخوه يعتذر إليه أن يقبل، وأن يسامح عنه، فإذا جاء إليك أخوك معتذرًا مقرًا بالذنب، فاعف عنه واصفح (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة: ١٣)، ولكن إذا لم يقبل أن يتسامح عن غيبته إلا بشيء من المال؛ فأعطه من المال حتى يقتنع ويحللك.
كذلك إذا كانت المعصية مسابة بينك وبين أحد حتى ضربته مثلًا، فإن التوبة من ذلك أن تذهب إليه وتستسمح منه، وتقول: ها أنا أمامك اضربني كما ضربتك، حتى يصفح عنك، المهم أن من الإقلاع عن المعصية إذا كانت لآدمي أن تحلل منه، سواء كانت مظلمة مال، أو بدن، أو عرض.
الشرط الرابع: أن يعزم على ألا يعود في المستقبل، فإن تاب وأقلع عن الذنب، لكن في قلبه أنه حانت الفرصة عاد إلى ذنبه، فإن ذلك لا
[ ٢ / ١٣٢ ]
يقبل منه، فهذه توبة لا عب، فلابد أن يعزم، فإذا عزم قدر أنه نفسه سولت له بعد ذلك، وفعل المعصية، فإن ذلك لا ينقص التوبة السابقة، لكن يحتاج إلى توبة جديدة من الذنب مرة ثانية.
الشرط الخامس: أن تكون التوبة في الوقت الذي تقبل فيه، فإن فات الأوان لم تنفع التوبة، ويفوت الأوان إذا حضر الإنسان الموت. فإذا حضره الموت فلا توبة ولو تاب لم ينفعه، لقوله تعالى: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) (النساء: ١٨)، الآن لا فائدة فيها، ولهذا لما أغرق فرعون (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: ٩٠) فقيل له (آلْآنَ)، يعني أتقول هذا الآن (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: ٩١)، فات الأوان، ولهذا يجب على الإنسان أن يبادر بالتوبة، لأنه لا يدري متى يفجؤه الموت، كم من إنسان مات بغتة وفجأة، فليتب إلى الله قبل أن يفوت الأوان.
أما الثاني الذي يفوت به أوان التوبة: إذا طلعت الشمس من مغربها، فإن النبي ﵊ أخبر أن الشمس إذا غابت سجدت تحت عرش الرحمن ﷿، واستأذنت الله، فإن أذن لها استمرت في سيرها، وإلا قيل: أرجعي من حيث جئت، فترجع بإذن الله وأمره،
[ ٢ / ١٣٣ ]
فتطلع على الناس من المغرب، فحينئذ يؤمن جميع الناس، يتوبون ويرجعون إلى الله، ولكن ذلك لا ينفعهم، قال الله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ) يعني عند الموت، (أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ) يعني يوم القيامة للحساب، (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) يعني طلوع الشمس من مغربها، (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) (الأنعام: ١٥٨) .
هذه خمسة شروط للتوبة، لا تقبل إلا بها، فعليك يا أخي أن تبادر بالتوبة إلى الله، والرجوع إليه، مادمت في زمن الإمهال، قبل ألا يحصل لك ذلك، واعلم أنك إذا تبت إلى الله توبة نصوحًا؛ فإن الله يتوب عليك، وربما يرفعك إلى منزلة أعلى من منزلتك، أنظر إلى أبيك أدم، حيث نهاه الله عن الأكل من الشجرة، فعصى ربه بوسوسة الشيطان له، قال الله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) (طه: ١٢١، ١٢٢)، لما تاب نال الاجتباء. واجتباه الله، وصار في منزلة أعلى من قبل أن يعصي ربه، لأن المعصية أحدثت له خجلًا وحياء من الله، وأنابه إليه، ورجوعًا إليه، فصارت حاله أعلى حالًا من قبل.
واعلم أن الله اشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل كان على راحلته وعليها طعامه وشرابه في أرض فلاة، لا أحد فيها، فأضاع الناقة، وطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فإذا بخطام ناقته متعلقًا بالشجرة، قد جاء الله بها، فأخذ بخطامها، وقال من شدة الفرح: (اللهم
[ ٢ / ١٣٤ ]
أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح)، أراد أن يقول: اللهم أنت ربي، وأنا عبدك، ولكن أخطأ من شدة الفرح، لأن الإنسان إذا أشتد فرحه لا يدري ما يقول، كما أنه إذا اشتد غضبه لا يدري ما يقول، فالله بتوبة عبده المؤمن أشد فرحًا من فرح هذا بناقته. نسأل الله أن يتوب علينا وعليكم، ويرزقنا الإنابة إليه.
وقوله جل ذكره: (يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني ولن تبلغوا ضري فتضروني)، يعني أنه ﵎ غني عن العباد، ولا ينتفع بطاعتهم ولا تضره معصيتهم، فإنه ﷿ قال في كتابه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذريات: ٥٦، ٥٨)، فالله ﷿ لا ينتفع بأحد، ولا يتضرر بأحد لأنه غني عن الخلق - جل وعلا ـ، وإنما خلق الخلق لحكمة أرادها ﵎ خلقهم لعبادته، ثم إنه وعد الطائعين بالثواب، وتوعد العاصين بالعقاب، وحكمة منه؛ لأته خلق الجنة والنار، وقال: لكل منكما على ملؤها، فالنار لابد أن تكلأ، والجنة لابد أن تملأ كما قال ﷿: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) (هود: ١١٩)، إذن فالله تعالى لن ينفعه طاعة الطائعين، ولن تضره معصية العاصين، ولن يبلغ أحد ضرره مهما كان.
ولهذا قال فيما بعد هذه الجملة: (لو أن أولكم وأخركم وأنسكم وجنكم
[ ٢ / ١٣٥ ]
كانوا على أتقى قلب رجل منكم، ما زاد في ملكي شيئًا) . لو أن أول الخلق وأخرهم وأنسكم وجنهم كانوا متقين، على أتقى قلب رجل واحد، ما زاد ذلك في ملك الله من شيئًا، لأن الملك ملكه، لا للطائعين ولا للعاصين.
كذلك أيضًا يقول - جل وعلا ـ: (يا عبادي، لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئًا) لو كان العباد كلهم من جن وأنس، وأولهم وأخرهم، لو كانوا كلهم فجارًا وعلى أفجر قلب رجل، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئًا، قال الله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) (الزمر: ٧)، فالله - جل وعلا - لا ينقص ملكه بمعصية العصاة، ولا يزيد بطاعة الطائعين، هو ملك الله على كل حال.
ففي هذه الجمل الثلاث دليل على غنى الله ﷾، وكمال سلطانه، وأنه لا يتضرر بأحد ولا ينتفع بأحد؛ لأنه غني عن كل أحد.
ثم قال تعالى: (يا عبادي لو أن أولكم وأخركم، وأنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، هذه الجملة تدل على سعة ملك الله ﷿ وعلى كمال غناه ﵎ لو أن الأولين والآخرين، والأنس والجن، قاموا كلهم في صعيد واحد، فسألوا الله ما تبلغه نفوسهم، من أس مسألة وإن عظمت، فأعطي الله كل إنسان ما سأل، بل أعطي الله كل سائل ما سأل، فإن ذلك لا ينقص من ملك الله شيئًا؛ لأن الله جواد، واجد، عظيم الغني، واسع العطاء ﷿.
[ ٢ / ١٣٦ ]
(إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) . أغمس المخيط في البحر، وانظر؛ ماذا ينقص البحر؟ إنه لا ينقص البحر شيئًا، ولا يأخذ المخيط من البحر شيئًا يمكن أن ينسب إليه، وذلك لأنه ﷿ واسع الغنى، جواد، ماجد، كريم ﷾.
(يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها، لكم، ثم أوفيكم إياها)، ومعنى (إنما هي أعمالكم) أي الشأن كله أن الإنسان بعمله - يحصى الله أعماله، ثم إذا كان يوم القيامة وفاه إياها. (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨)، (فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)؛ لأنه هو الذي أخطأ، وهو الذي منع نفسه الخير، أما إذا وجد خير فليحمد الله؛ لأن الله تعالى هو الذي من عليه أولًا وأخرًا، من عليه أولًا بالعمل، ثم من عليه ثانيًا بالجزاء الوافر (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا) (الأنعام: ١٦٠) .
فهذا الحديث حديث عظيم، تناوله العلماء بالشرح واستنباط الفوائد والأحكام منه، وممن أفرد له مؤلفًا: شيخ الإسلام أبن تيمية ﵀، فإنه شرح هذا الحديث في كتاب مستقل، فعلى الإنسان أن يتدبر هذا الحديث ويتأمله، ولا سيما الجملة الأخيرة منه، وهي أن الإنسان يجزى بعمله، إن خير فخير، وإن شرًا فشر، وهذا هو وجه وضع المؤلف لهذا الحديث في باب المجاهدة، أن الإنسان ينبغي له أن يجاهد نفسه، وأن يعمل الخير حتى يجد ما عند الله خيرًا وأعظم أجرًا. والله الموفق.
[ ٢ / ١٣٧ ]