قال الله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة: ٢١٥)، وقال تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: ١٩٧)، وقال تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧)، وقال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ) (الجاثية: ١٥)، والآيات في الباب كثيرة.
[الشَّرْحُ]
قال مؤلف - رحمه الله تعالى ـ: (باب بيان كثرة طرق الخير)، الخير له طرق كثيرة وهذا من فضل الله ﷿ على عباده من أجل أن تتنوع لهم الفضائل والأجور، والثواب الكثير، وأصول هذه الطرق ثلاثة: إما جهد بدني، وإما بذل مالي، وإما مركب من هذا وهذا، هذه أصول طرق الخير. أما الجهد البدني فهو أعمال البدن؛ مثل الصلاة، والصيام، والجهاد، وما أشبه ذلك، وأما البذل المالي فمثل الزكوات، والصدقات، والنفقات، وما أشبه ذلك، وأما المركب فمثل الجهاد فسبيل الله بالسلاح؛ فإنه يكون بالمال ويكون بالنفس، ولكن أنواع هذه الأصول كثيرة جدًا، من أجل أن تتنوع للعباد الطاعات، حتى لا يملوا. لو كان الخير طريقًا واحد لمل الناس من ذلك وسئموا، ولما حصل الابتلاء، ولكن إذا تنوع كان ذلك أرفق بالناس، وأشد في الابتلاء.
قال الله تعالى في هذا الباب: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة: ١٤٨)، وقال
[ ٢ / ١٤٨ ]
تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ) (الأنبياء: ٩٠)، وهذا يدل على أن الخيرات ليست خيرًا واحدًا، بل طرق كثيرة.
ثم ذكر المؤلف آيات تشير إلى الخير له طرق، قال تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: ١٩٧)، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيم) (البقرة: ٢١٥)، (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧)، والآيات في هذا كثيرة، تدل على أن الخيرات ليست صنفًا واحدًا، أو فردًا واحدًا، أو جنسًا واحدًا.
ويدل لما قلنا أن من الناس من تجده يألف الصلاة، فتجده كثير الصلوات، ومنهم من يألف قراءة القرآن، فتجده كثيرًا يقرأ القرآن، ومنهم من يألف الذكر، والتسبيح، والتحميد، وما أشبه ذلك، فتجده يفعل ذلك كثيرًا، ومنهم الكريم الطليق اليد الذي يحب بذل المال فتجده دائمًا يتصدق، ودائمًا ينفق على أهله ويوسع عليهم في غير إسراف.
ومنهم من يرغب العلم وطلب العلم، الذي هو في وقتنا هذا قد يكون أفضل أعمال البدن؛ لأن الناس في الوقت الحاضر، في عصرنا، هذا محتاجون إلى العلم الشرعي، لغلبة الجهل، وكثرة المتعالمين الذين يدعون أنهم علماء، وليس عندهم من العلم إلا بضاعة مزجاة، فنحن في حاجة إلى طلبة علم، يكون عندهم علم راسخ ثابت مبني على الكتاب والسنة، من أجل أن يردوا هذه الفوضى التي أصبحت منتشرة في القرى والبلدان والمدن؛ كل إنسان عنده حديث أو حديثان عن رسول الله ﷺ يتصدى للفتيا، ويتهاون بها، وكأنه شيخ الإسلام ابن تيمية، أو الإمام
[ ٢ / ١٤٩ ]
أحمد أو الإمام الشافعي، أو غيرهم من الأئمة، وهذا بنذر بخطر عظيم؛ إن لم يتدارك الله الأمة بعلماء راسخين، عندهم علم قوي وحجة قوية.
ولهذا نرى أن طلب العلم اليوم أفضل الأعمال المتعدية للخلق، أفضل من الصدقة، وأفضل من الجهاد، بل هو جهاد في الحقيقة، لأن الله ﷾ جعله عديلًا للجهاد في سبيل الله، وليس الجهاد الذي يشوبه ما يشوبه من الشبهات، ويشك الناس في صدق نية المجاهدين، لا، الجهاد الحقيقي الذي تعلم علم اليقين أن المجاهدين يجاهدون لتكون كلمة الله هي العليا، فتجدهم مثلًا يطبقون هذا المبدأ في أنفسهم قبل أن يجاهدوا غيرهم، فالجهاد الحقيقي في سبيل الله: الذي يقاتل فيه المقاتلون لتكون كلمة الله هي العيا يعادله طلب العلم الشرعي، ودليل ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)، يعني ما كانوا ليذهبوا إلى الجهاد جميعًا، (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) يعني وقعدت طائفة، وإنما قعدوا (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (التوبة: ١٢٢)، فجعل الله طلب العلم معادلًا للجهاد في سبيل الله، الجهاد الحق الذي يعلم بقرائن الأحوال وحال المجاهدين أنهم يريدون أن تكون كلمة الله هي العليا.
فالمهم أن طرق الخير كثيرة، وأفضلها فيما أرى - بعد الفرائض التي فرضها الله - هو طلب العلم الشرعي، لأننا اليوم في ضرورة إليه، لقد سمعنا وجاءنا استفتاء عن شخص يقول: من صلى في مساجد البلد الفلاني فإنها لا تصح صلاته، لأن الذين تبرعوا لهذه المساجد فيهم كذا،
[ ٢ / ١٥٠ ]
وكذا ومن صلى على حسب الأذان، فإنه لا تصح صلاته. لماذا؟! لأنه مبني على توقيت وليس على رؤية الشمس، والرسول ﷺ يقول: (وقت الظهر إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم يحضر العصر)، أما الآن؛ الأوقات مكتوبة في أوراق، والناس يمشون عليها، هؤلاء كلهم لا تصح صلاتهم، يعني كل المسلمين - على زعمه - لا تصح صلاتهم، وهذه بلبلة.
والمشكلة أن مثل هذا، يقال: إنه رجل عنده شيء من العلم، لكنه علم الأوراق الذي يعطى الإنسان فيه بطاقة تشهد بأنه متخرج من كذا وكذا، ثم يقول: أنا من، أنا،،!! فالحاصل أنه لابد للأمة الإسلامية من علماء راسخين في العلم، أما أن تبقى الأمور هكذا فوضى، فإنهم على خطر عظيم، ولا يستقيم للناس دين، ولا تطمئن قلوبهم، ويصير كل واحدٍ تحت شجرة يفتي، وكل واحد تحت سقف يفتي، وكل واحد على قمة جبل يفتي، وهذا ليس صحيح، لابد من علماء عندهم علم راسخ ثابت، مبني على الكتاب والسنة، وعلى العقل والحكمة. والله الموفق.
* * *
[ ٢ / ١٥١ ]
وأما الأحاديث فكثيرة جدًا وهي غير منحصرة فنذكر، ومنها طرفًا منها:
١١٧ - الأول: عن أبى ذر جندب بن جنادة ﵁ قال: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله، والجهاد في سبيله) قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: (أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنًا)، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق) . قلت: يا رسول الله، أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة على نفسك) متفق عليه.
(الصانع) بالصاد المهملة، هذا هو المشهور، وروي: (ضائعًا) بالمعجمة أي ذا ضياع من فقر أو عيال، ونحو ذلك، و(الأخرق): الذي لا يتقن ما يحاول فعله.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب كثرة الخير، فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أنه سال النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: (الإيمان بالله والجهاد في سبيله) والصحابة ﵃ يسألون النبي ﷺ عن أفضل الأعمال من أجل أن يقوموا بها، وليسوا كمن بعدهم، فإن من بعدهم ربما يسألون عن أفضل الأعمال، ولكن لا يعملون. أما الصحابة فإنهم يعملون، فهذا ابن مسعود - رضي اله عنه - سأل النبي ﷺ:
[ ٢ / ١٥٢ ]
أي العمل أحب إلى الله؟ قال: (الصلاة على وقتها) . قلت ثم أي؟ قال (بر الوالدين) . قلت ثم أي؟ قال: (الجهاد في سبيل الله) .
وهذا أيضًا أبو ذر يسأل النبي ﷺ عن أفضل الأعمال؛ فبين له النبي ﷺ أن أفضل الأعمال إيمان بالله، وجهاد في سبيله، ثم سأله عن الرقاب: أي الرقاب أفضل؟ والمراد بالرقاب: المماليك، يعني: ما هو الأفضل في إعتاق الرقاب؟ فقال: (أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمنًا) وأنفسها عند أهلها يعني: أحبها عن أهلها، وأكثرها ثمنًا: أي أغلاها ثمنًا، فيجتمع في هذه الرقبة النفاسة، وكثرة الثمن، ومثل هذا لا يبذله إلا الإنسان عنده قوة وإيمان.
ومثال ذلك: إذا كان عند رجل عبيد ومنهم واحد يحبه؛ لأنه قائم بأعماله، ولأنه خفيف النفس، ونافع لسيده، وهو كذلك أيضًا أغلى العبيد عنده ثمنًا، فإذا سألا أيما أفضل؟ أعتق هذا، أو ما بعده، أو ما دونه؟ قلنا أن تعتق هذا، لأن هذا أنفس الرقاب عندك، وأغلاها ثمنًا، وقد قال النبي ﷺ في الرقاب: أغلاها ثمنًا، أنفسها عند أهلها. وهذا كقوله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: ٩٢) .
وكان ابن عمر ﵄ إذا أعجبه شيء من ماله تصدق به، اتباعًا لهذا الآية.
وجاء أبو طلحة ﵁ حين نزلت هذه الآية: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ
[ ٢ / ١٥٣ ]
حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن الله أنزل قوله: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وأن أحب مالي إلى بيرحاء، وبيرحاء بستان نظيف قريب من مسجد النبي ﷺ، كان النبي ﷺ يأتني إليه، ويشرب من ماء فيه طيب عذب، وهذا يكون غالبًا عند صاحبه، فقال أبو طلحة: وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أجعلها صدقة لله ورسوله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال النبي ﷺ: (بخ. بخ) . يعني يتعجب ويقول: (مال رابح، مال رابح) ثم قال: (أرى أن تجعلها في الأقربين)، فقسمها أبو طلحة في قرابته، والشاهد أن الصحابة يتبادرون الخيرات.
ثم سأله أبو ذر: إن لم يجد، يعني رقبة بهذا المعني، أنفسها عند أهلها وأغلاها ثمنًا؟ قال: (تعين صانعًا أو تصنع لأخرق)، يعني: تصنع لإنسان معروفًا، أو تعين أخرق، ما يعرف، فتساعده وتعينه، فهذا أيضًا صدقة ومن الأعمال الصالحة.
قال: فإن لم أفعل؟ قال: (تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك) وهذا أدنى ما يكون؛ أن يكف الإنسان شره عن غيره، فيسلم الناس منه، والله الموفق.
* * *
[ ٢ / ١٥٤ ]
١١٨ - الثاني: عن أبي ذر أيضًا ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يصبح على كل سلامي من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقه، وكل تهليله صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) رواه مسلم. (السلامى) بضم السين المهملة وتخفيف اللام وفتح الميم: المفصل.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ في باب كثرة طرق الخيرات، فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة) السلامى هي العظام، أو مفاصل العظام، يعني أنه يصبح كل يوم على كل واحد من الناس صدقة في كل عضو من أعضائه، في كل مفصل من مفاصله، قالوا: والبدن فيه ثلاثمائة وستون مفصلًا، ما بين صغير وكبير، فيصبح على كل إنسان كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة.
ولكن هذا الصدقات ليست صدقات مالية، بل هي عامة، كل أبواب الخير صدقة، كل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، حتى إن النبي ﷺ قال: (إنك إذا أعنت الرجل في دابته وحملته عليها أو رفعت له
[ ٢ / ١٥٥ ]
عليها متعة فهو صدقة) كل شيء صدقة، قراءة القرآن صدقة، طلب العلم صدقة، وحينئذ تكثر الصدقات، ويمكن أن يأتي الإنسان بما عليه من الصدقات، وهي ثلاثمائة وستون صدقة.
ثم قال: (ويجزى من ذلك)، يعني: عن ذلك (ركعتان يركعهما من الضحى) يعني أنك صليت من الضحى ركعتين؛ أجزأت عن كل الصدقات التي عليك، وهذا من تيسير الله ﷿ على العباد.
وفي الحديث دليل على أن الصدقة تطلق على ما ليس بمال.
وفيه أيضًا دليل على أن ركعتي الضحى سنة، سنة كل يوم، لأنه إذا كان كل يوم عليك صدقة على كل عضو من أعضائك، وكانت الركعتان تجزي، فهذا يقضي أن صلاة الضحى سنة كل يوم، من أجل أن تقضي الصدقات التي عليك.
قال أهل العلم: وسنة الضحى يبتدئ وقتها مع ارتفاع الشمس قدر رمح، يعني حوالي ربع إلى ثلث ساعة بعد الطلوع، إلى قبيل الزوال، أي إلى قبل الزوال بعشر دقائق، كل هذا وقت لصلاة الضحى، في أي وقت فيه تصلى ركعتي الضحى، ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى وقت الزوال، فإنه يجزي لكن الأفضل أن تكون في آخر الوقت، لقول النبي
[ ٢ / ١٥٦ ]
ﷺ: (صلاة الأوابين حين ترمض الفصال)، يعني حين تقوم الفصال من الرمضاء لشدة حرارتها؛ ولهذا قال العلماء: إن تأخير ركعتي الضحى إلى آخر الوقت أفضل من تقديمها، كما كان النبي ﷺ يستحب أن تؤخر صلاة العشاء إلى آخر الوقت، إلا مع المشقة.
فالحاصل أن الإنسان قد فتح الله له أبواب طرق الخير كثيرة، وكل شيء يفعله الإنسان من هذه الطرق، فإن الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. والله الموفق.
* * *
١١٩ - الثالث: عنه قال: قال النبي ﷺ: (عرضت علي أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (عرضت علي أعمال أمتي حسنها وسيئها) عرضت علي: يعني بلغت عنها، وبينت لي، والذي بينها له هو الله ﷿ لأن الله ﷾ هو الذي يحلل ويحرم ويوجب، فعرض الله ﷿ على نبينا محمد ﷺ المحاسن والمساوئ من أعمال الأمة، فوجد من
[ ٢ / ١٥٧ ]
محاسنها: الأذى يماط عن الطريق، ويماط: يعني يزال، والأذى ما يؤذي المارة؛ من شوك، وأعواد، وأحجار، وزجاج، وأرواث، وغير ذلك. كل ما يؤذي فإماطته من محاسن الأعمال.
وقد بين النبي ﵊ أن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، فهو من محاسن الأعمال، وفيه ثواب الصدقة، وبين النبي ﷺ: أن (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان)، فإذا وجدت في الطريق أذى فأماطته؛ فإن ذلك من محاسن أعمالك، وهو صدقة لك، وهو من خصال الإيمان وشعب الإيمان.
وإذا كان هذا من المحاسن ومن الصدقات، فإن وضع الأذى في طريق المسلمين من مساوئ الأعمال، فهؤلاء الناس الذين يلقون القشور في الأسواق، في ممرات الناس؛ لاشك أنهم إذا آذوا المسلمين فإنهم مأزورون، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب: ٥٨) قال العلماء: لو زلق به حيوان أو إنسان فانكسر، فعلى من وضعه ضمانه، يضمنه بالدية أو بما دون الدية إذ كان لا يحتمل الدية، المهم أن هذا من أذية المسلمين.
ومن ذلك أيضًا ما يفعله بعض الناس من إراقة المياه في الأسواق
[ ٢ / ١٥٨ ]
فتؤذي الناس، وربما السيارات من عندها، فتفسد على الإنسان ثيابه، وربما يكون فيها فساد لا شك للإسفلت؛ لأن الإسفلت كلما أتى عليه الماء وتكرر؛ فإنه يذوب ويفسد.
فالمهم أننا - مع الأسف الشديد ونحن أمة مسلمة - لا تبالي بهذه الأمور، وكأنها لا شيء، يلقى الإنسان الأذى في الأسواق، ولا يهتم بذلك، يكسر الزجاجات في الأسواق، ولا يهتم بذلك، الأعواد يلقيها؛ لا يهتم بذلك، حجر يضعه لا يهتم بذلك، إذن يستحب لنا كلما رأينا ما يؤذي أن نزيله عن الطريق؛ لأن ذلك صدقة، ومن محاسن الأعمال.
ثم قال: (ووجدت في مساوئ أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن) النخاعة يعني النخامة، وسميت بذلك لأنها تخرج من النخاع، النخامة تكون في المسجد لا تدفن؛ لأن المسجد في عهد الرسول ﷺ مفروش بالحصباء، بالحصى الصغار، فالنخامة تدفن في التراب، أما عندنا الآن فليس هناك تراب، ولكن إذا وجدت فإنها تحك بالمنديل حتى تذهب، واعلم أن النخامة في المسجد حرام، فمن تنخع في المسجد فقد أثم، لقول النبي ﷺ: (البصاق في المسجد خطيئة) فأثبت النبي ﷺ أنها خطيئة وكفارتها دفنها، يعني إذا فعلها الإنسان وأراد أن يتوب فليدفنها، لكن في عهدنا: فليحكها بمنديل أو نحوه حتى تزول.
وإذا كانت هذه النخاعة، فما بالك بما هو أعظم منها، مثل ما كان فيما مضى، حيث يدخل الإنسان المسجد بحذائه ولم يقلبها ويفتش فيها، ويكون فيها الروث الذي ينزل إلى المسجد، فيتلوث به فأنت اعتبر
[ ٢ / ١٥٩ ]
بالنخامة، ما هو مثلها في أذية المسجد، أو أعظم منها ومن ذلك أيضًا أن بعض الناس تكون معه المناديل الخفيفة، ثم يتنخع فيها ويرمي بها في أرض المسجد، هذا أذى، ولا شك أن النفوس تتقزز إذا رأت مثل ذلك، فكيف إذا كان ذلك في بيت من بيوت الله، فإذا تنخعت في منديل، فضعه في جيبك، حتى تخرج فترمي به فيما أعد لذلك، على ألا تؤذي به أحدًا. والله الموفق.
* * *
١٢٠ - الرابع: عنه: أن ناسًا قالوا يا رسول الله: ذهب أهل الدثور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم، قال: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟ إن بكل تسبيحه صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة) قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) رواه مسلم.
(الدثور) بالثاء المثلثة: الأموال، وأحدها دثر.
[ ٢ / ١٦٠ ]
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي ذر ﵁ أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، يعني استأثروا بالأجور وأخذوها عنا، وأهل الدثور: يعني أهل الأموال؛ يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم؛ يعني: فنحن وهم سواء في الصلاة وفي الصيام، ولكنهم يفضلوننا بالتصدق بفضول أموالهم، أي بما أعطاهم الله تعالى من فضل المال؛ يعني: ولا نتصدق.
وهذا كما جاء في الحديث الآخر عن فقراء المهاجرين، قالوا: ويعتقون ولا نعتق. فانظر إلى الهمم العالية من الصحابة ﵃؛ يغبطون إخوانهم بما أنعم الله عليهم من الأموال التي يتصدقون بها ويعتقون منها، وليسوا يقولون: عندهم فضول أموال؛ يركبون بها المراكب الفخمة، ويسكنون القصور المشيدة، ويلبسون الثياب الجميلة؛ ذلك لأنهم قوم يريدون ما هو خير وأبقى، وهو الآخرة، قال الله تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) (الأعلى: ١٦، ١٧)، وقال الله تعالى لنبيه صلى اله عليه وسلم: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى) (الضحى: ٤) .
فهم اشتكوا إلى الرسول ﵊ شكوى غبطة، لا شكوى حسد، ولا اعتراض على الله ﷿ ولكن يطلبون فضلًا يتميزون به عمن أغناهم الله؛ فتصدقوا بفضول أموالهم.
فقال النبي ﷺ: (أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟!) يعني إذا
[ ٢ / ١٦١ ]
فاتتكم الصدقة بالمال، فهناك الصدقة بالأعمال الصالحة: (إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة)، وقد سبق الكلام على الأربع الأولى فيما سبق.
أما قوله ﷺ: (أمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة) فإن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أفضل الصدقات؛ لأن هذا هو الذي فضل الله به هذه الأمة على غيرها، فقال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران: ١١٠)، ولكن لابد للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من شروط:
الشرط الأول: أن يكون الأمر والناهي عالمًا بحكم الشرع، فإن كان جاهلًا فإنه لا يجوز أن يتكلم؛ لأن الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يأمر بما يعتقد الناس أنه شرع الله - وليس له أن يتكلم في شرع الله بما لا يعلم؛ لأن الله حرم ذلك بنص القرآن، فقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) .
فمن منكرات الأمور: أن يتكلم الإنسان عن شيء يقول إنه معروف، وهولا يدري أنه معروف، أو يقول: إنه منكر، وهو لا يدري أنه منكر.
الشرط الثاني: أن يكون عالمًا بأن المخاطب قد ترك المأمور أو فعل المحظور، فإن كان لا يدري ' فإنه لا يجوز له أن يفعل؛ لأنه حينئذ يكون
[ ٢ / ١٦٢ ]
قد قفا ما ليس له به علم، وقد قال الله تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الإسراء: ٣٦) .
يوجد بعض الناس الذين عندهم غيرة، وحرص على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يتسرع فينكر من غير أن يعلم الحال التي عليها المخاطب. فمثلًا يجد إنسانًا معه امرأة في السوق، فيتكلم في ذلك مع الرجل: لماذا تمشي مع المرأة؟ وهو لا يدري أنه محرم لها. هذا خطأ عظيم، إذا كنت في شك فسأله قبل أن تتكلم. أما إذا لم تكن هناك قرائن توجب الشك في هذا الرجل فلا تتكلم. ما أكثر الناس الذين يصطحبون نساءهم في الأسواق. وانظر إلى حال النبي - عليه الصلاة السلام - كيف يعامل الناس في هذه المسألة.
دخل رجل يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب، فجلس، فقال له النبي ﷺ: (أصليت؟) قال: لا. قال: (قم فصل ركعتين وتجوز فيهما) . ما قال له: لماذا تقعد؟ لأن الإنسان إذا دخل المسجد ينهى أن يجلس قبل أن يصلي ركعتين، ففي أي وقت تدخل المسجد، في الصباح، في المساء، بعد العصر، بعد المغرب، بعد الفجر؛ لا تجلس حتى تصلي ركعتين، فهذا الرجل جاء وجلس، لكن هناك احتمال أنه صلى قبل أن يجلس، والنبي ﷺ لم يره، ولهذا قال له: (أصليت؟) قال: لا. قال: (قم فصل
[ ٢ / ١٦٣ ]
ركعتين وتجوز فيهما) يعني خفف. فهنا لم يأمره أن يقوم فيصلي حتى سأله، وهذه هي الحكمة.
الشرط الثالث: من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ألا يترتب على النهي عن المنكر ما هو أنكر منه، فإن ترتب على ذلك ما هو أنكر منه فإنه لا يجوز، من باب درء أعلى المفسدتين بأدناهما
فلو فرض أن شخصًا وجدناه على منكر كأن يشرب الدخان مثلًا، ولو نهيناه عن شرب الدخان ذهب يشرب الخمر، فإننا لا ننهاه؛ إذ كنا نعلم أن هذا الرجل سيقدم على ما هو أعظم؛ فإننا لا ننهاه عن شرب الدخان عندئذ. لماذا؟ لأن شرب الدخان أهون من شرب الخمر، ودليل هذه المسألة قول الله تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: ١٠٨)، فسب آلهة المشركين مصلحة مشروعة، لكن إذا ترتب عليها سب الله ﷿ وهو أهل للثناء والمجد، فإنه ينهى عنه. لهذا قال الرسول ﵊: (لعن الله من لعن والديه)، وقال ﷺ: (من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: (نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) .
فالحاصل: أنه لابد ألا يتضمن الإنكار ما هو أنكر من المنكر؛ درءًا
[ ٢ / ١٦٤ ]
لأعلى المفسدتين بأدناهما.
ثم إنه يجب على الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر أن ينوي بهذا إصلاح الخلق. لا الانتصار عليهم، لأن من الناس من يأمر بالمعروف أو ينهي عن المنكر لينفذ سلطته وينتصر لنفسه، وهذا نقص كبير. قد يحصل فيه خير من جهة درء المنكر وفعل المعرف، ولكنه نقص كبير فأنت إذا أمرت بالمعروف، أو نهيت عن المنكر، فانو بقلبك أنك تريد إصلاح الخلق، لا أنك تتسلط عليهم، وتنتصر عليهم، حتى تؤجر، ويجعل الله في أمرك ونهيك بركة. والله المستعان.
ثم قال النبي ﷺ: (وفي بضع أحدكم صدقة) يعني أن الرجل إذا أتى امرأته، فإن ذلك صدقة، قالوا يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: (أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزر؟) يعني لو زنى ووضع الشهوة في الحرام، هل يكون عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) والحمد لله. ومعنى ذلك: أن الرجل إذا استغنى بالحلال عن الحرام، كان له بهذا الاستغناء أجر.
ومن ذلك أيضًا: إذا أكل الإنسان طعامًا، فإنه ينال شهوته بالأكل والشرب، ومع ذلك - لكونه يستغني به عن الحرام - فإنه يكتب له به أجر.
ولهذا قال النبي ﵊ لسعد بن أبي وقاص: (واعلم أنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعله في فم
[ ٢ / ١٦٥ ]
امرأتك)، مع أن ما يجعله الإنسان في فم امرأته أمر لابد منه، إذ إن المرأة تقول: أنفق علي أو طلقني، وتخصمه في ذلك، تغلبه إذا لم ينفق، مع قدرته على الإنفاق، فلها الحق في أن تفسخ النكاح. ومع ذلك إذا أنفق عليها ينبغي بذلك وجه الله، فإن الله تعالى يؤجره على ذلك.
وفي حديث أبي ذر ﵁ تنبيه على ما يسميه الفقهاء قياس العكس: وهو إثبات نقص حكم الأصل في ضد الأصل لمفارقة العلة فهنا العلة في كون الإنسان يؤخر إذا أتى أهله، هو أنه وضع شهوته في حلال، نقيض هذه العلة: إذا وضع شهوته في حرام، فإنه يعاقب على ذلك، وهذا هو ما يسمى عند العلماء بقياس العكس، لأن القياس أنواع قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقياس عكس. والله الموفق.
١٢٣ - السابع: عنه عن النبي ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح) متفق عليه.
(النزل): القوت والرزق وما يهيأ للضيف.
١٢٤ - الثامن: عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (يا نساء المسلمات لا تحقرن
[ ٢ / ١٦٦ ]
جارة لجارتها ولو فرسن شاة) متفق عليه.
قال الجوهري: الفرسن من البعير: كالحافر من الدابة، قال: ربما استعير في الشاة.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديثان اللذان نقلهما المؤلف ﵀ عن أبي هريرة رضي اله عنه - عن النبي ﷺ.
أما الأول: فهو أنه ﷺ قال: (من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلًا كلما غدا أو راح)، غدا: يعني ذهب غدوة، أي ذهب أول النهار، وذلك مثل أن يذهب إلى المسجد لصلاة الفجر. (أو راح): الرواح يطلق على بعد الزوال، مثل الذهاب إلى صلاة الظهر أو العصر، وقد يطلق الرواح على مجرد الذهاب، كما في قول النبي ﵊ في حديث أبي هريرة: (من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى..) إلى آخر الحديث فإن معنى راح في الساعة الأولى: أي ذهب إلى المسجد في الساعة الأولى، لكن إذا ذكرت الغدوة مع الرواح، صارت الغدوة أو النهار، والرواح آخر النهار.
وظاهر الحديث أن من غدا إلى المسجد أو راح، سواء غداء للصلاة،
[ ٢ / ١٦٧ ]
أو لطلب علم، أو لغير ذلك من مقاصد الخير، أن الله يكتب له الجنة نزلًا، والنزل: ما يقدم للضيف من طعام ونحوه على وجه الإكرام، أي أن الله تعالى يعد لهذا الرجل الذي ذهب إلى المسجد صباحًا أو مساءً، يعد له في الجنة نزلًا إكرامًا له.
ففي هذا الحديث إثبات هذا الجزاء العظيم لمن ذهب إلى المسجد أو النهار أو آخره. وفيه بيان فضل الله ﷿ على العبد، حيث يعطيه على مثل هذه الأعمال اليسيرة هذا الثواب الجزيل.
وأما حديثه الثاني: فهو قول النبي ﷺ: (لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة)، يعني أن الرسول ﵊ في هذا الحديث حث على الهدية للجار ولو شيئًا قليلًا، قال: (ولو فرسن شاة) الفرسن ما يكون في ظلف الشاة، وهو شيء بسيط زهيد كأن النبي ﵊ يقول: لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو قل.
وقد جاء عنه ﵊ أنه قال: (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) . حتى المرق إذا أعطيته جيرانك هدية، فإنك تثاب على ذلك. كذلك أيضًا: (لا تحقرن شيئًا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) فإن هذا من المعروف. إذا لم تلق أخاك بوجه عبوس مكفهر، بل بوجه منطلق منشرح، فإن هذا من الخير ومن المعروف، لأن أخاك إذا واجهته بهذه المواجهة يدخل عليه السرور ويفرح، وكل شيء يدخل
[ ٢ / ١٦٨ ]
السرور على أخيك المسلم؛ فإنه خير وأجر، كل شيء تغيظ به الكافر فإنه خير وأجر. قال الله تعالى: (وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِح) (التوبة: ١٢٠) .
* * *
١٢٥ - التاسع عنه عن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة: فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) متفق عليه.
(البضع) من ثلاثة إلى تسعة بكسر الباء وقد تفتح. (والشعبة): القطعة.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث بين فيه الرسول ﵊ أن الإيمان ليس خصلة واحدة، أو شعبة واحدة، ولكنه شعب كثيرة؛ بضع وسبعون، يعني من ثلاث وسبعين إلى تسع وسبعين، أو بضع وستون شعبة، ولكن أفضها كلمة واحدة: وهي لا إله إلا الله، هذه الكلمة لو وزنت بها السماوات والأرض لرجحت بها، لأنها كلمة الإخلاص، وكلمة التوحيد، الكلمة التي سأل الله أن يختم لي ولكم بها، من كانت آخر كلامه من الدنيا دخل
[ ٢ / ١٦٩ ]
الجنة. هذه الكلمة هي أفضل شعب الإيمان، (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، يعني إزالة الأذى عن الطريق، وهو كل ما يؤذي المارين، من حجر، أو شوك، أو زجاج، أو خرق، أو غير ذلك، كل ما يؤذي المارين إذا أزلته فإن ذلك من الإيمان.
(والحياء شعبة من الإيمان) وفي حديث آخر: (الحياء من الإيمان) . والحياء: حالة نفسية تعتري الإنسان عند فعل ما يخجل منه، وهي صفة حميدة كانت خلق النبي ﵊ فكان من خلقه ﵊ الحياء، حتى أنه كان أكثر حياء من العذراء في خدرها ﵊ إلا أنه لا يستحي من الحق.
فالحياء صفة محمودة، لكن الحق لا يستحي منه، فإن الله يقول: (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) (الأحزاب: ٥٣)، وقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) (البقرة: ٢٦) الحق لا يستحي منه، ولكن ما سوى الحق فإن من الأخلاق الحميدة أن تكون حييًا، ضد ذلك من لا يستحي، فلا يبالي بما فعل، ولا يبالي بما قال. ولهذا جاء في الحديث: (إن مما أردك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت) . والله الموفق.
* * *
[ ٢ / ١٧٠ ]
١٢٦ - العاشر: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا، فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث، يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه، حتى رقى فسقى الكلب، فشكر له، فغفر له قالوا: يا رسول الله إن لنا في البهائم أجرًا فقال في كل كبدٍ رطبةٍ أجر) متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: (فشكر الله له، فغفر له، فأدخله الجنة) .
وفي روايى لهما: (بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها فاسقت له به، فسقته فغفر لها به) .
(الموق): الخف. و(يطيف) يدور حول (ركية) وهي البئر.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمة الله تعالى - في باب كثرة طرق الخيرات هذه القصة الغريبة التي رواها أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، أنه بينا رجل يمشي في الطريق مسافرًا، أصابه العطش، فنزل بئرًا فشرب منها، وانتهى عطشه، فلما خرج، وإذا بكلب يأكل الثرى من العطش، يعني: يأكل الطين المبتل الرطب، يأكله من العطش، من أجل أن يمص ما فيه من
[ ٢ / ١٧١ ]
الماء، من شدة عطشه، فقال الرجل: والله لقد أصاب الكلب من العطش ما أصابني، أو بلغ بهذا الكلب من العطش ما يلغي بي، ثم نزل البئر وملأ خفه ماء. الخف: ما يلبس على الرجل من جلود ونحوها، فملأه ماء فأمسكه بفيه، وجعل يصعد بيديه، حتى صعد من البئر، فسقى الكلب، فلما سقى الكلب شكر الله له ذلك العمل، وغفر له، وأدخله الجنة بسببه.
وهذا مصداق قول النبي ﵊: (الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك)، عمل يسير شكر الله به عامل هذا العمل، وغفر له الذنوب، وأدخله الجنة.
ولما حدث ﷺ الصحابة بهذا الحديث، وكانوا ﵃أشد الناس حرصًا على العلم، لا من أجل أن يعلموا فقط، لكن من أجل أن يعلموا فيعملوا. سألوا النبي ﵊ قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: (في كل ذات كبدٍ رطبةٍ أجر)؛ لأن هذا كلب من البهائم، فكيف يكون لهذا الرجل الذي سقاه هذا الأجر العظيم؟ هل لنا في البهائم من أجر؟ قال: (في كل ذات كبد رطبة أجر) الكبد الرطبة تحتاج إلى الماء؛ لأنه لولا الماء ليبست وهلك الحيوان.
[ ٢ / ١٧٢ ]
إذن نأخذ من هذه قاعدة، وهي أن الرسول ﵊ إذا قص علينا قصة من بني إسرائيل فذلك من أجل أن نعتبر بها، وأن نأخذ منها عبرة، وهذا كما قال الله ﷿: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف: ١١١) .
وفي رواية أخرى، ولعلها قصة أخرى، أن امرأة بغيًا من بغايا بني إسرائيل، يعني أنها تمارس الزنى - والعياذ بالله - رأت كلبًا يطوف بركية، يعني يدور عليها عطشان، لكن لا يمكن أن يصل إلى الماء؛ لأنها ركية بئر، فنزعت موقها - يعني الخف الذي تلبسه - استقت له به من هذا البئر، فغفر الله لها.
فدل هذا على أن البهائم فيها أجر. كل بهيمة أحسنت لها بسقي، أو إطعام، أو وقاية من حر، أو وقاية من برد، سواء كانت لك أو لغيرك من بني آدم، أو كانت من السوائب، فإن لك في ذلك أجرًا عند الله ﷿ هذا وهن بهائم؛ فكيف بالآدميين؟ إذا أحسنت إلى الآدميين كان أشد وأكثر أجرًا. ولهذا قال النبي ﵊ (من سقى مسلمًا على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم)، يعني لو كان ولدك الصغير وقف عند البرادة يقول لك: أريد ماء، وأسقيته وهو ظمآن، فقد سقيت مسلمًا على ظمأ، فإن الله يسقيك من الرحيق المختوم. أجر كثير، ولله الحمد، غنائم
[ ٢ / ١٧٣ ]
ولكن أين القابل لهذه الغنائم؟ أين الذي يخلص النية، ويحتسب الأجر على الله ﷿؟ فأوصيك يا أخي ونفسي لأن تحرص دائمًا على اغتنام الأعمال بالنية الصالحة حتى تكون لك عند الله ذخرًا يوم القيامة، فكم من عمل صغيرًا أصبح بالنية كبيرًا! وكم من عمل كبير أصبح بالغفلة صغيرًا!
* * *
١٢٧ - الحادي عشر: عنه عن النبي ﷺ قال: (لقد أريت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة
[ ٢ / ١٧٤ ]
قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) . رواه مسلم.
وفي رواية: (مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة) .
وفي رواية لهما: (بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (لقد أريت رجلًا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين) . وفي الرواية الأخرى: أنه دخل الجنة، وغفر الله له بسبب غصن أزاله عن طريق المسلمين، وسواء كان هذا الغصن من فوق، يؤذيهم من عند رؤوسهم، أو من أسفل يؤذيهم من جهة أرجلهم. المهم أنه غصن شوك يؤذي المسلمين فأزاله عن الطريق، أبعده ونحاه، فشكر الله له ذلك، وأدخله الجنة، مع أن هذا الغصن إذا آذى المسلمين فإنما يؤذيهم في أبدانهم، ومع ذلك غفر الله لهذا الرجل، وأدخله الجنة. ففيه دليل على فضيلة إزالة الأذى عن الطريق، وأنه سبب لدخول الجنة.
وفيه أيضًا دليل على أن الجنة موجودة الآن؛ لأن النبي ﷺ رأى هذا الرجل يتقلب فيها، وهذا أمر دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة؛ أن الجنة موجودة الآن، ولهذا قال الله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: ١٣٣)، أعدت: يعني هيئت. وهذا دليل على أنها موجودة الآن، كما أن النار أيضًا موجودة الآن، ولا تفنيان أبدًا. خلقهما الله ﷿ للبقاء، لا فناء لهما، ومن دخلهما لا يفنى أيضًا، فمن كان من أهل الجنة بقى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبد الآبدين. ومن كان من أهل النار من الكفار دخلها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا الآبدين.
وهذا الحديث دليل على أن من أزال عن المسلمين الأذى فله هذا الثواب العظيم في أمر حسيً، فكيف بالأمر المعنوي؟ هناك بعض الناس - والعياذ بالله - أهل شر وبلاء، وأفكار خبيثة، وأخلاق سيئة، يصدون الناس
[ ٢ / ١٧٥ ]
عن دين الله، فإزالة هؤلاء عن طريق المسلمين أفضل بكثير وأعظم أجرًا عند الله. فإذا أزيل أذى هؤلاء، إذا كانوا أصحاب أفكار خبيثة سيئة إلحادية، يرد عليها، وتبطل أفكارهم.
فإن لم يجد ذلك شيئًا قطعت أعناقهم، لأن الله يقول في كتابه العزيز: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة: ٣٣)، و(أو) هنا قال بعض العلماء: إنها للتنويع، يعني أنهم يقتلون ويصلبون وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف وينفوا من الأرض حسب جريمتهم.
وقال بعض أهل العلم: بل إن (أو) هنا للتخيير، أي أن ولي الأمر مخير: أن شاء قتلهم وصلبهم، وإن شاء قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإن شاء نفاهم من الأرض، حسب ما يرى فيه المصلحة، وهذا القول قول جيد جدًا؛ اعني أن تكون (أو) هنا للتخيير لأنه ربما يكون هذا الإنسان جرمه ظاهر سهل، ولكنه على المدى البعيد يكون صعبًا، ويكون مضلًا للأمة. فهنا مثلًا هل نقول لولي الأمر أن جرم هذا الإنسان سهل. أنفه من الأرض، أطرده يكفي، أو اقطع يده اليمنى ورجله اليسرى يكفي، قد يقول لا يكفي؛ هذا أمر يخشى منه في المستقبل، هذا لا يكفي المسلمين شره إلا أن أقتله؛ نقول: نعم لك ذلك. فكون (أو) هنا للتخيير أقرب للصواب من كونها تنزل على حسب الجريمة.
والواجب على ولاة الأمور أن يزيلوا الأذى عن طريق المسلمين، أي
[ ٢ / ١٧٦ ]
أن يزيلوا كل داعية إلى شر، أو إلى إلحاد، أو إلى مجون، أو إلى فسوق بحيث يمنع من نشر ما يريد من أي شيء كان من الشر والفساد، وهذا هو الواجب.
ولكن لا شك أن ولاة الأمور الذين ولاهم الله على المسلمين في بعضهم تقصير، وفي بعضهم تهاون. يتهاونون بالأمر في أوله حتى ينمو ويزداد، وحينئذ يعجزون عن صده. فالواجب أن يقابل الشر من أول أمره بقطع دابره، حتى لا ينتشر ولا يضل الناس به.
المهم أن إزالة الأذى عن الطريق، والطريق الحسي، طريق الأقدام، والطريق المعنوي، طريق القلوب، والعمل على إزالة الأذى عن هذا الطريق كله مما يقرب إلى الله. وإزالة الأذى عن طريق القلوب، والعمل الصالح أعظم أجرًا، وأشد إلحاحًا من إزالة الأذى عن طريق الأقدام. والله الموفق.
* * *
١٢٨ - الثاني عشر: عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع، أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصا فقد لغا) رواه مسلم.
[ ٢ / ١٧٧ ]
[الشَّرْحُ]
في هذا الحديث دليل على أن الحضور إلى الجمعة بعد أن يحسن الإنسان وضوءه، ثم يستمع إلى الخطيب وهو يخطب، وينصت، فإنه يغفر له ما بين الجمعة إلى الجمعة، وفضل ثلاثة أيام، وهذا عمل يسير ليس فيه مشقة على الإنسان؛ أن يتوضأ ويحضر إلى الجمعة ن وينصت لخطبة الإمام حتى يفرغ.
وقوله في هذا الحديث (من توضأ) لا يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) فإن هذا الحديث الثاني فيه زيادة على الحديث الأول، فيؤخذ بها. كما أنه أيضًا أصح منه. فإنه أخرجه الأئمة السبعة، وهذا لم يخرجه إلا مسلم، فيجب أولًا على من أراد حضور الجمعة أن يغتسل وجوبًا، فإن لم يفعل كان آثمًا، ولكن الجمعة تصح، لأن هذا الغسل ليس عن جنابة حتى نقول أن الجمعة لا تصح؛ بل هو غسل واجب كغيره من الوجبات، إذا تركه الإنسان أثم وإن فعله أثيب.
ويدل على أنه ليس شرطًا لصحة الصلاة وإنما هو واجب؛ أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ دخل ذات يوم وأمير المؤمنين
[ ٢ / ١٧٨ ]
عمر بن الخطاب ﵁ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال أمير المؤمنين عمر: لماذا تأخرت؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين ما زدت على أن توضأت ثم أتيت، يعني كأنه شغل ﵁ ولم يتمكن من الحضور مبتكرًا. فقال عمر - وهو على المنبر والناس يسمعون - قال الأمير المؤمنين عثمان: والوضوء أيضًا، وقد قال النبي ﷺ: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) يعني كيف تقتصر على الوضوء؛ وقد قال النبي ﷺ: (إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل) فأمر من أتى الجمعة بالاغتسال؟! ولكن لم يقل له اذهب فاغتسل، لأنه لو ذهب واغتسل، فربما تفوته الجمعة التي من أجلها وجب الغسل فيضيع الأصل إلى الفرع.
فالحاصل أن هذا الحديث الذي ساقه المؤلف، وإن كان يدل على عدم وجوب الاغتسال؛ لكن هناك أحاديث أخرى تدل على وجوب الاغتسال.
وفي هذا الحديث دليل على فضيلة الاستماع إلى الخطبة، والإنصات، والاستماع: أن يرعاها سمعه، والإنصات: ألا يتكلم، هذا الفرق بينهما. فيستمع الإنسان ويتابع بسمعه كلام الخطيب، ولا يتكلم. وقد ثبت عن النبي ﵊: أن (من يتكلم يوم الجمعة والأمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفارًا) والحمار أبلد الحيوانات،
[ ٢ / ١٧٩ ]
يحمل أسفارًا - يعني كتبًا - ولكنه لا ينتفع بالكتب إذا حملها؟ ووجه الشبه بينهما أن هذا الذي حضر لم ينتفع بالخطبة لأنه تكلم، وقال ﷺ: (والذي يقول له: أنصت - يعني يسكته - فقد لغا) ومعنى لغا أي فاته أجر الجمعة، فالمسألة خطيرة.
ولهذا قال هنا: (ومن مس الحصى فقد لغا) وقد كان في عهد الرسول ﷺ يفرش المسجد بالحصبة، وهي الحصى الصغار مثل العدس، أو أكبر قليلًا، أو أقل، يفرش بها الفرش التي نفرشها الآن، فكان بعض الناس ربما يعبث بالحصى، يحركها بيده، أو يمسحها بيده، أو ما أشبه ذلك، فقال ﷺ (من مس الحصى فقد لغا) لأن مس الحصى يلهيه عن الاستماع للخطبة، ومن لغا فلا جمعة له، يعني يحرم ثواب الجمعة التي فضلت بها هذه الأمة على غيرها.
وإذا كان هذا في مس الحصى، فكذلك أيضًا الذي يعبث بغير مس الحصى، الذي يعبث بتحريك القلم، أو الساعة، أو المروحة التي يحركها ويلفها دون حاجة، أو الذي يعبث بالسواك، يريد أن يتسوك والإمام يخطب إلا لحاجة، كأن يأتيه النوم أو النعاس؛ فأخذ يتسوك ليطرد النعاس عنه؛ فهذا لا بأس به، لأنه لمصلحة استماع الخطبة، وقد سئلنا عن الرجل يكتب ما يستمعه في الخطبة؛ لأن بعض الناس ينسى فيقول: أنا كلما مرت
[ ٢ / ١٨٠ ]
على جملة مفيدة أكتبها، هل يجوز أم لا؟ فالظاهر أنه لا يجوز، لأن هذا إذا اشتغل بالكتابة تلهى عما يأتي بعدها، لأن الإنسان ليس له قلبان. فإذا كان يشتغل بالكتابة تلهى عما يقوله الخطيب أثناء كتابته لما سبق، ولكن الحمد لله، الآن قد جعل الله للناس ما يرحهم، حيث جاءت هذه المسجلات. فبإمكانك أن تحضر المسجل تسجل الخطبة في راحة، وتستمع إليها في بيتك، أو في سيارتك، على أي وضع كنت. والله الموفق.
* * *
١٢٩ - الثالث عشر: عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ العبد المسلم، أو المؤمن، فغسل وجهه، وخرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينه مع الماء، أو مع آخر قطر الماء، فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء، أو مع أخر قطر الماء، فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء، أو مع أخر قطر الماء حتى يخرج نقيًا من الذنوب) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ في فضائل الوضوء الذي أمر الله به في كتابه، في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة: ٦) .
[ ٢ / ١٨١ ]
هذا الوضوء تطهر فيه الأعضاء الأربعة؛ الوجه، اليدان، والرأس، والرجلان، وهذا التطهير يكون تطهيرًا حسيًا، ويكون تطهيرًا معنويًا. أما كونه تطهيرًا حسيًا فظاهر؛ لأن الإنسان يغسل وجهه، ويديه، ورجليه، ويمسح الرأس، وكان الرأس بصدد أن يغسل كما تغسل بقية الأعضاء، ولكن الله خفف في الرأس؛ ولأن الرأس يكون فيه الشعر، والرأس هو أعلى البدن، فلو غسل الرأس ولا سيما إذا كان فيه الشعر؛ لكان في هذه مشقة على الناس، ولا سيما في أيام الشتاء، ولكن من رحمة الله ﷿ أن جعل فرض الرأس المسح فقط، فإذا توضأ الإنسان لا شك أنه يطهر أعضاء الوضوء تطهيرًا حسيًا، وهو يدل على كمال الإسلام؛ حيث فرض على معتنقيه أن يطهروا هذه الأعضاء التي هي غالبًا ظاهرة بارزة.
أما الطهارة المعنوية، وهي التي ينبغي أن يقصدها المسلم، فهي تطهيره من الذنوب، فإذا غسل وجهه، خرجت كل خطايا نظر إليها بعينه، وذكر العين - والله أعلم - إنما هو على سبيل التمثيل، وإلا فالأنف قد يخطئ، والفم قد يخطئ؛ فقد يتكلم الإنسان بكلام حرام، وقد يشم أشياء ليس له حق يشمها، ولكن ذكر العين؛ لأن أكثر ما يكون الخطأ في النظر.
فلذلك إذا غسل الإنسان وجهه بالوضوء خرجت خطايا عينيه، فإذا غسل يديه خرجت خطايا يديه، فإذا غسل رجليه خرجت خطايا رجليه، حتى يكون نقيًا من الذنوب. ولهذا قال الله تعالى حين ذكر الوضوء
[ ٢ / ١٨٢ ]
والغسل والتيمم: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ)، يعني ظاهرًا وباطنًا، حسًا ومعنى، (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة: ٦)، فينبغي للإنسان إذا توضأ أن يستشعر هذا المعنى، أي أن وضوءه يكون تكفيرًا لخطيئاته، حتى يكون بهذا الوضوء محتسبًا الأجر على الله ﷿ والله الموفق.
* * *
١٣٠ - الرابع عشر: عنه عن رسول الله ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
١٣١ - الخامس عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) قالوا بلى يا رسول الله، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) يعني أن الصلوات
[ ٢ / ١٨٣ ]
الخمس تكفر الخطايا ما بين صلاة الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء إلى الفجر، هذه تكفر ما بينها من الخطايا. فإذا عمل الإنسان سيئة وأتقن هذه الصلوات الخمس، فإنها تمحو الخطايا، لكن قال: (إذا اجتنبت الكبائر) يعني إذا اجتنبت كبائر الذنوب.
وكبائر الذنوب هي: كل ذنب رتب عليه الشارع عقوبة خاصة، فكل ذنب لعن النبي ﷺ فاعله فهو من كبائر الذنوب، كل شيء فيه حد في الدنيا كالزنى، أو وعيد في الآخرة كأكل الربا، أو فيه نفي إيمان، مثل (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، أو فيه براءة منه، مثل (من غشنا فليس منا)، أو ما أشبه ذلك فهو من كبائر الذنوب.
واختلف العلماء ﵏ في قوله ﷺ: (إذا اجتنبت الكبائر) هل معني الحديث أن الصغائر تكفر إذا اجتنبت الكبائر، وأنها لا تكفر إلا بشرطين هما: الصلوات الخمس، واجتناب الكبائر؟ أو أن معنى الحديث أنها كفارة لما بينهن إلا الكبائر فلا تكفرها، وعلى هذا فيكون لتكفير السيئات الصغائر شرط واحد، وهو إقامة هذه الصلوات الخمس، أو الجمعة إلى الجمعة، أو رمضان إلى رمضان، وهذا هو المتبادر - والله
[ ٢ / ١٨٤ ]
أعلم - أن المعنى: أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها إلا الكبائر فلا تكفرها، وكذلك الجمعة إلى الجمعة، وكذلك رمضان إلى رمضان، وذلك لأن الكبائر لابد لها من توبة خاصة، فإذا لم يتب توبة خاصة فإن الأعمال الصالحة لا تكفرها، بل لابد من توبة خاصة.
أما حديث أبي هريرة الثاني، فهو أن النبي ﵊ عرض على أصحابه عرضًا، يعلم النبي ﷺ ماذا سيقولون في جوابه، ولكن هذا من حسن تعليمه ﵊، أنه أحيانًا يعرض المسائل عرضًا، حتى ينتبه الإنسان لذلك، ويعرف ماذا سيلقى إليه، قال: (ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟) يعرض عليهم هل يخبرهم، ومن المعلوم أنهم سيقولون: نعم يا رسول الله أخبرنا، ولكنه ﵊ اتخذ هذه الصيغة وهذا الأسلوب من أجل أن ينتبهوا إلى ما سيلقى إليهم، قالوا: بلى يا رسول الله، يعني أخبرنا فإننا نود أن تخبرنا بما ترفع به الدرجات وتمحا به الخطايا، قال: (إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة) هذه ثلاثة أشياء:
أولًا: إسباغ الوضوء على المكاره، يعني إتمام الوضوء في أيام الشتاء؛ لأن أيام الشتاء يكون الماء فيها باردًا. وإتمام الوضوء يعني إسباغه، فيكون فيه مشقة على النفس، فإذا أسبغ الإنسان وضوءه مع هذه المشقة، دل هذا على كمال الإيمان، فيرفع الله بذلك درجات العبد ويحط عنه خطيئته.
ثانيًا: كثرة الخطا إلى المساجد، يعني أن يقصد الإنسان المساجد، حيث شرع له إتيانهن، وذلك في الصلوات الخمس، ولو بعد المسجد فإنه كلما بعد المسجد عن البيت ازدادت حسنات الإنسان، فإن الإنسان إذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء، ثم خرج منه إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة واحدة إلا رفع الله له بها درجة، وحط
[ ٢ / ١٨٥ ]
عنه بها خطيئة.
ثالثًا: انتظار الصلاة بعد الصلاة، يعني أن الإنسان من شدة شوقه إلى الصلوات، كلما فرغ من صلاة، فقلبه متعلق بالصلاة الأخرى ينتظرها، فإن هذا يدل على إيمانه ومحبته وشوقه لهذه الصلوات العظيمة، التي قال عنها رسول الله ﷺ (وجعلت قرة عيني في الصلاة) . فإذا كان ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فإن هذا مما يرفع الله به الدرجات، ويكفر به الخطايا.
وقوله ﷺ: (فذلكم الرباط) أصل الرباط: الإقامة على جهاد العدو بالحرب وارتباط الخيل وإعدادها، وهذا من أعظم الإعمال، فلذلك شبه به ما ذكر من الأفعال الصالحة والعبادة في هذا الحديث، أي أن المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة كالجهاد في سبيل الله.
[ ٢ / ١٨٦ ]
وقيل: إن الرباط هاهنا اسم لما يربط به الشيء، والمعنى: أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه عنها.
هذان الحديثان ذكرهما المؤلف في باب كثرة طرق الخير؛ لأن هذه طرق متعددة من الخير؛ الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، كثرة الخطا إلى المساجد، إسباغ الوضوء على المكاره، انتظار الصلاة بعد الصلاة. والله الموفق.
* * *
١٣٢ - السادس عشر: عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
(البردان) الصبح والعصر.
١٣٣ - السابع عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا) رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صلى البردين دخل الجنة) .
[ ٢ / ١٨٧ ]
البردان: هما صلاة الفجر وصلاة العصر، وذلك لأن صلاة الفجر تقع في أبرد ما يكون من الليل، وصلاة العصر تقع في أبرد ما يكون من النهار بعد الزوال، من صلاهما دخل الجنة، يعني أن المحافظة على هاتين الصلاتين وإقامتهما من أسباب دخول الجنة.
وقد ثبت عن النبي ﵊ أنه قال: (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر) هذا فيه تشبيه الرؤيا بالرؤيا، وليس المعنى تشبيه المرئي بالمرئي، لأن الله ليس كمثله شيء، ولكنكم ترونه رؤية حقيقية مؤكدة كما يرى الإنسان القمر ليلة البدر، وإلا فإن الله ﷿ أجل وأعظم من أن يشابهه شيء من مخلوقاته.
ثم قال النبي ﷺ في آخر هذا الحديث: (فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا) يعني بالتي قبل الطلوع الشمس: الفجر، والتي قبل غروبها: العصر، فهاتان الصلاتان هما أفضل الصلوات، وأفضلها صلاة العصر؛ لأنها هي الصلاة الوسطى التي قال الله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) (البقرة: ٢٣٨) . فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قال في غزوة الأحزاب: (ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)،
[ ٢ / ١٨٨ ]
وهذا نص صريح من رسول الله ﷺ أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
وقوله ﵊: (من صلى البردين) المراد صلاهما على الوجه الذي أمر به، ذلك بأن يأتي بهما في الوقت، وإذا كان من أصحاب الجماعة كالرجال فليأت بهما مع الجماعة، لأن الجماعة واجبة، ولا يحل لرجل أن يدع صلاة الجماعة في المسجد وهو قادر عليها.
أما حديثه الثاني: فهو أن النبي ﷺ قال: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا) يعني أن الإنسان إذا كان من عادته أن يعمل عملًا صالحًا، ثم مرض فلم يقدر عليه، فإنه يكتب له الأجر كاملًا. والحمد لله على نعمه.
إذا كنت مثلًا من عادتك أن تصلي مع الجماعة، ثم مرضت ولم تستطيع أن تصلي مع الجماعة، فكأنك مصل مع الجماعة، يكتب لك سبع وعشرون درجة، ولو سافرت وكان من عادتك وأنت مقيم في البلد أن تصلي نوافل، وأن تقرأ قرآنًا، وأن تسبح وتهلل وتكبر، ولكنك لما سافرت انشغلت بالسفر عن هذا، فإنه يكتب لك ما كنت تعمله في البلد مقيمًا، مثلًا لو سافرت وصليت وحدك في البر ليس معك أحد، فإنه يكتب لك صلاة الجماعة كاملًا إذا كنت في حال الإقامة تصلي مع الجماعة.
وفي هذا تنبيه على أنه ينبغي للعاقل ما دام في حال الصحة والفراغ، أن يحرص على الأعمال الصالحة، حتى إذا عجز عنها لمرض أو شغل كتبت له كاملة. اغتنم الصحة، اغتنم الفراغ، اعمل صالحًا، حتى إذا شغلت عنه بمرض أو غيره كتب لك كاملًا، ولله الحمد. ولهذا قال ابن
[ ٢ / ١٨٩ ]
عمر: (خذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)، هكذا جاء في حديث ابن عمر، أما من قوله، وإما من قول النبي ﵊، أن الإنسان ينبغي له في حال الصحة أن يغتنم الفرصة، حتى إذا مرض كتب له عمله في الصحة، وأن يحرص - ما دام مقيمًا - على كثرة الأعمال الصالحة، حتى إذا سافر كتب له ما كان يعمل في الإقامة. نسأل الله أن يخلص لنا ولكم النية، ويصلح لنا لكم العمل.
* * *
١٣٤ - الثامن عشر: عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (كل معروف صدقة) رواه البخاري، ورواه مسلم من رواية حذيفة ﵁.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله في باب كثرة طرق الخيرات، عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ قال: (كل معروف صدقة) .
المعروف: ما عرف في الشرع حسنه إن كان مما يتعبد به لله، وإن كان
[ ٢ / ١٩٠ ]
مما يتعامل به الناس فهو مما تعارف الناس على حسنه، وهذا الحديث (كل معروف) يشمل هذا وهذا، فكل عمل تتعبد به إلى الله فإنه صدقة، كما ورد في حديث سابق: (كل تسبيحة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن المنكر صدقة) .
وأما ما يتعارف عليه الناس على حسنه مما يتعلق بالمعاملة بين الناس فهو معروف، مثل الإحسان إلى الخلق بالمال، أو بالجاه، أو بغير ذلك من أنواع الإحسان. ومن ذلك: أن تلقى أخاك بوجه طلق لا بوجه عبوس، وأن تلين له القول، وأن تدخل عليه السرور؛ ولهذا قال العلماء ﵏ إن من الخير: إذا عاد الإنسان مريضًا، أن يدخل عليه السرور ويقول: أنت في عافية، وإن كان الأمر على خلاف ما قال، بأن كان مرضه شديدًا، يقول ذلك ناويًا أنه في عافية أحسن ممن هو دونه، لأن إدخال السرور على المريض سبب للشفاء. ولهذا تجد أن الإنسان إذا كان مريضًا مرضًا عاديًا صغيرًا، إذا قال له الإنسان إن هذا شيء يسير هين لا يضر سر بذلك ونسى المرض، ونسيان المرض سبب لشفائه، وكون الإنسان يعلق قلبه بالمرض فذلك سبب لبقائه. وأضرب لكم مثلًا لذلك برجل فيه جرح، تجد أنه تلهى بحاجة أخرى لا يحس بألم الجرح، لكن إذا تفرغ تذكر هذا الجرح وآلمه.
انظر مثلًا إلى الحمالين الذين يحملون الأشياء على السيارات
[ ٢ / ١٩١ ]
وينزلونها، أحيانًا يسقط على قدمه شيء فيجرحه، ولكنه ما دام يحمل لا يشعر به ولا يحس به، فإذا فرغ أحس به وتألم.
إذن فغفلة المريض عن المرض، وإدخال السرور عليه، تأميله بأن الله ﷿ سيشفيه، فهذا خير ينسيه المرض، وربما كان سببًا للشفاء.
إذن كل معروف صدقة. لو أن أحد إلى جنبك ورأيته محترًا يتصبب العرق من جنبيه، فروحت عليه بالمروحة، فإنه لك صدقة، لأنه معروف. لو قابلت الضيوف بالانبساط وتعجيل الضيافة لهم وما أشبه ذلك فهذا صدقة.
انظر إلى إبراهيم ﵊ لما جاءته الملائكة ضيوفًا ماذا صنعه؟ قالوا: سلامًا. قال: سلام. قال العلماء: وقول إبراهيم سلامٌ ابلغ من قول الملائكة سلامًا، لأن قول الملائكة سلامًا يعني نسلم سلامًا، وهو جملة فعلية تدل على التجدد والحدوث. وقول إبراهيم: سلامٌ جملة اسمية تدل على الثبوت والاستمرار فهو أبلغ. وماذا صنع ﵊؟ راغ إلى أهله فجاء بعجل سمين.
(فراغ): قال العلماء: معناه انصرف مسرعًا بخفية، وهذا من حسن الضيافة، ذهب مسرعًا لئلا يمنعوه، أو يقولوا: انتظر ما نريد شيئًا (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦)، وفي الآية الأخرى: (بِعِجْلٍ حَنِيذٍ) (هود: ٦٩) .
حنيذ يعني مشويًا، ومعلوم أن اللحم المشوي أطعم من اللحم المطبوخ، لأن طعمه يكون باقيًا فيه (فَجَاءَ بِعِجْلٍ) والعلماء يقولون: إن
[ ٢ / ١٩٢ ]
العجل من أفضل أنواع اللحم، لأن للحمه لينًا وطعمًا. ثم قال تعالى: (فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ) ما وضعه في مكان بعيد وقال لهم اذهبوا إلى مكان الطعام وإنما قربه إليهم.
ثم قال: (أَلا تَأْكُلُونَ) ولم يقل لهم: كلوا. و(ألا) أداة عرض يعني عرض عليهم الأكل ولم يأمرهم.
ولكن الملائكة لم يأكلوا، فهم لا يأكلون، ليس لهم أجواف، بل خلقهم الله من نور جسرًا واحدًا: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) (الأنبياء: ٢٠)، دائمًا يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فلم يأكلوا لهذا السبب.
(فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً) لأنهم لم يأكلوا، يقولون: أنه من عادة العرب أن الضيف إذا لم يأكل فقد تأبط شرًا، ولهذا فمن عادتنا إلى الآن أنه إذا جاء الضيف ولم يأكل قالوا: مالح، يعني ذق من طعامنا، فإذا لم يمالح قالوا إن هذا الرجل قد نوى بنا شرًا. فنكرهم إبراهيم ﵊ وأوجس منهم خيفة (قَالُوا لا تَخَفْ) ثم بينوا له الأمر (قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ) (الذريات: ٢٨) وكان قد كبر، وكانت امرأته قد كبرت. (فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ) لما سمعت البشرى (فِي صَرَّةٍ) أي في صيحة (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) عجبًا، (وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ)، يعني أألد وأنا عجوز عقيم؟ قالت الملائكة: (كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ) الرب ﷿ يفعل ما يشاء إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون.
ثم قال تعالى: (إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيم ُ) (الذريات: ٣٠)، وهنا قدم الحكيم على العليم، وفي آيات كثيرة يقدم العليم على الحكيم، والسبب
[ ٢ / ١٩٣ ]
أن هذه المسألة، أي كونها تلد وهي عجوز خرجت عن نظائرها، ما لها نظير إلا نادرًا ن فبدأ بالحكيم الدال على الحكمة، يعني أن الله حكيم أن تلدي وأنت عجوز.
المهم أن إبراهيم - عليه الصلاة السلام - قد ضرب المثل في حسن الضيافة، وحسن الضيافة من المعروف، وكل معروف صدقة، فاصنع للناس خيرًا ومعروفًا، واعلم أن هذه صدقة تثاب عليها ثواب الصدقة. والله الموفق.
* * *
١٣٥ - التاسع عشر: عنه قال: قال رسول ﷺ: (ما من مسلم يغرس غرسًا إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة) . رواه مسلم.
وفي رواية له: (فلا يغرس المسلم غرسًا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طير إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة) .
وفي رواية له: (لا يغرس مسلم غرسًا ولا يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة) وروياه جميعًا من رواية أنس رضي
[ ٢ / ١٩٤ ]
الله عنه.
قوله (يرزؤه) أي ينقصه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب كثرة طرق الخيرات ما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄، أن النبي ﷺ ذكر فيمن غرس غرسًا، فأكل من شيء، من إنسان، أو حيوان، أو طير، أو غير ذلك، أو نقصه أو سرق منه، فإنه له بذلك صدقة. ففي هذا الحديث حث على الزرع، وعلى الغرس، وأن الزرع والغرس فيه الخير الكثير، فيه مصلحة في الدين، ومصلحة في الدنيا.
أما مصلحة الدنيا: فما يحصل فيه من إنتاج، ومصلحة الغرس والزرع ليست كمصلحة الدراهم والنقود، لأن الزرع والغرس ينفع نفس الزارع والغارس، وينفع البلد كله، كل الناس ينتفعون منه، بشراء الثمر، وشراء الحب، والأكل منه، ويكون في هذا نمو للمجتمع وكثرة لخيراته، بخلاف الدراهم التي تودع في الصناديق ولا ينتفع بها أحد.
أما المنافع الدينية: فإنه إن أكل منه طير؛ عصفور، أو حمامه، أو دجاجة، أو غيرها ولو حبة واحدة، فإنه له صدقة، سواء شاء ذلك أو لم يشأ، حتى لو فرض أن الإنسان حين زرع أو حين غرس لم يكن بباله هذا
[ ٢ / ١٩٥ ]
الأمر، فإنه إذا أكل منه صار له صدقة، وأعجب من ذلك لو سرق منه سارق، كما لو جاء شخص مثلًا إلى نخل وسرق منه تمرًا، فإن لصاحبه في ذلك أجرًا، مع أنه لو علم بهذا السارق لرفعه إلى المحكمة، ومع ذلك فإن الله تعالى يكتب له بهذه السرقة صدقة إلى يوم القيامة!
كذلك أيضًا إذا أكل من هذا الزرع دواب الأرض وهوامها كان لصاحبه صدقة. ففي هذا الحديث دلاله واضحة على حث النبي ﵊ على الزرع وعلى الغرس، لما فيه من المصلحة الدينية والمصالح الدنيوية.
وفيه دليل على كثرة طرق الخير، وأن ما انتفع به الناس من الخير، فإن لصاحبه أجرًا وله فيه الخير، سواء نوى أو لم ينو، وهذا كقوله تعالى: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء: ١١٤)، فذكر الله ﷾ أن هذه الأشياء فيها خير، سواء نويت أو لم تنو، من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهو خير ومعروف، نوى أم لم ينو، فإن نوى بذلك ابتغاء وجه الله فإن الله يقول: (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) .
وفي هذا دليل على أن المصالح والمنافع إذا انتفع الناس بها كانت خيرًا لصاحبها وأجرًا وإن لم ينو، فإن نوى زاد خيرًا على خير، وآتاه الله تعالى من فضله أجرًا عظيمًا. أسأل الله العظيم أن يمن علي وعليكم بالإخلاص والمتابعة لرسول ﷺ إنه جواد كريم.
[ ٢ / ١٩٦ ]
١٣٦ - العشرون: عنه قال: أراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ رسول الله ﷺ فقال لهم: (إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟) فقالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك، فقال: (بني سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) رواه مسلم.
وفي رواية: (إن بكل خطوة درجة) رواه مسلم. ورواه البخاري أيضًا بمعناه من رواية أنس ﵁.
و(بنو سلمة) بكسر اللام: قبيلة معروفة من الأنصار ﵃، (وآثارهم) خطاهم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - ما نقله عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: أراد بنو سلمة أن يقربوا من المسجد، ينتقلوا من ديارهم وأحيائهم حتى يكونوا قرب مسجد النبي ﷺ، من أجل أن يدركوا الصلوات معه ويتلقوا من عمله، فبلغ ذلك النبي ﷺ فسألهم، قال: (إنه قد بلغني أنكم تريدون أن تنقلوا قرب المسجد) قالوا: نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك. فقال رسول الله ﷺ: (دياركم تكتب آثاركم) قالها مرتين، وبين لهم أن لهم بكل خطوة حسنة أو درجة.
ففي هذا الحديث دليل على أنه إذا مشى الإنسان إلى المسجد، فإنه لا
[ ٢ / ١٩٧ ]
يخطو خطوة إلا رفع له بها درجة، وقد جاء ذلك مفسرًا في حديث أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من توضأ فأسبغ الوضوء، ثم خرج من بيته إلى المسجد، لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا كتب الله له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة) فسيكتب شيئين الأول: أنه يرفع له بها درجة. والثاني: أنه يحط بها عنه خطيئة. هذا إذا توضأ في بيته وأسبغ الوضوء سواء كان ذلك قليلًا - يعني سواء كانت الخطوات قليلة - أم كثيرة، فإنه يكتب له بكل خطوة شيئان: يرفع بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة.
وفي هذا الحديث دليل على أنه نقل للإنسان شيء عن أحد، فإنه يثبت قبل أن يحكم بالشيء، ولهذا سأل النبي ﷺ بني سلمة قبل أن يقول لهم شيئًا، قال: بلغني أنكم تريدون كذا وكذا. قالوا: نعم. فيؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان إذا نقل له شيء عن أحدٍ أن يثبت قبل أن يحكم بمقتضى الشيء الذي نقل له، حتى يكون إنسانًا رزينًا ثقيلًا معتبرًا، أما كونه يصدق بكل ما نقل، فإنه يفوته بذلك الشيء الكثير، ويحصل له ضرر، بل الإنسان ينبغي عليه أن يثبت.
وفي هذا الحديث أيضًا دليل على كثرة طرق الخيرات، وأن منها المشي إلى المساجد، وهو كما سبق مما يرفع الله به الدرجات، ويحط به الخطايا، فإن كثرة الخطايا إلى المساجد سبب لمغفرة الذنوب، وتكفير
[ ٢ / ١٩٨ ]
السيئات، ورفعه الدرجات. والله الموفق.
* * *
١٣٧ - الحادي والعشرون: عن أبي المنذر أبي بن كعب ﵁ قال: كان رجل لا أعلم رجلًا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة، فقيل له، أو فقلت له اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء وفي الرمضاء، فقال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله ﷺ: (قد جمع الله لك ذلك كله) رواه مسلم.
وفي رواية: (إن لك ما احتسبت) .
(الرمضاء): الأرض التي أصابها الحر الشديد.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث يتعلق بما قبله من الأحاديث الدالة على كثرة طرق الخير، وأن طرق الخير كثيرة، ومنها الذهاب إلى المساجد، وكذلك الرجوع منها، إذا احتسب الإنسان ذلك عند الله تعالى، فهذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ في قصة الرجل الذي كان له بيت بعيد عن المسجد، وكان يأتي إلى المسجد من بيته من بعد، يحتسب الأجر على
[ ٢ / ١٩٩ ]
الله، قادمًا إلى المسجد وراجعًا منه. فقال له بعض الناس: لو اشتريت حمارًا تركبه في الظلماء والرمضاء، يعني في الليل حين الظلام، في صلاة العشاء وصلاة الفجر، أو في الرمضاء، أي في أيام الحر الشديد، ولا سيما في الحجاز، فإن جوها حار. فقال ﵁: ما يسرني أن بيتي إلى جنب المسجد؛ يعني أنه مسرور بأن بيته بعيد عن المسجد، يأتي إلى المسجد بخطى، ويرجع منه بخطى، وأنه لا يسره أن يكون بيته قريبًا من المسجد، لأنه لو كان قريبًا لم تكتب له تلك الخطى، وبين أنه يحتسب أجره على الله ﷿، قادمًا إلى المسجد وراجعًا منه، فقال النبي ﷺ (إن له ما احتسب) .
ففي هذا دليل على أن كثرة الخطى إلى المساجد من طرق الخير، وأن الإنسان إذا احتسب الأجر على الله كتب الله له الأجر حال مجيئه إلى المسجد وحال رجوعه منه.
ولا شك أن للنية أثرًا كبيرًا في صحة الأعمال، وأثرًا كبيرًا في ثوابها، وكم من شخصين يصليان جميعًا بعضهما إلى جنب بعض، ومع ذلك يكون بينهما في الثواب مثل ما بين السماء والأرض، وذلك بصلاح النية وحسن العمل، فكلما كان الإنسان أصدق إخلاصًا لله وأقوى اتباعًا لرسول الله ﷺ كان أكثر أجرًا، وأعظم أجرًا عند الله ﷿. والله الموفق.
* * *
[ ٢ / ٢٠٠ ]
١٣٩ - الثالث والعشرون: عن عدي بن حاتم ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه.
وفي رواية لهما عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة) .
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث في بيان من طرق الخيرات، لأن طرق الخيرات - ولله الحمد - كثيرة، شرعها الله لعباده ليصلوا بها إلى غاية المقاصد، فمن ذلك الصدقة، فإن الصدقة كما صح عن النبي ﷺ: (تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) يعني كما لو أنك صببت ماءٍ على النار انطفأت، فكذلك الصدقة تطفئ الخطيئة.
ثم ذكر المؤلف هذا الحديث الذي بين فيه أن الله ﷾
[ ٢ / ٢٠١ ]
سيكلم كل إنسان على حدة يوم القيامة، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإنسان إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الانشقاق: ٦)، يعني سوف تلاقي ربك ويحاسبك على هذا الكدح، أي الكد والتعب الذي عملت، ولكن بشرى للمؤمن، كما قال الله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) (البقرة: ٢٢٣)، الحمد لله. المؤمن إذا لاقى ربه فإنه على خير.
ولهذا قال النبي ﷺ هنا في الحديث: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) يعني بكلمة الله يوم القيامة بدون مترجم، يكلم الله كل عبد مؤمن، فيقرره بذنوبه، يقول له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فإذا أقر بها وظن أنه قد هلك، قال: (إني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) فكم من ذنوب علينا سترها الله ﷿ لا يعلمها إلا هو، فإذا كان يوم القيامة أتم علينا النعمة بمغفرتها وعدم العقوبة علينا. ولله الحمد.
ثم قال: (فينظر أيمن منه) يعني عن يمينه (فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشام منه) أي عن يساره (فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه) . قال النبي ﵊: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة) يعني ولو بنصف تمرة أو قل. أتق النار بهذا.
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ففي هذا الحديث دليل على كلام الله ﷿، وأنه ﷾ يتكلم بكلام مسموع مفهوم، لا يحتاج إلى ترجمة، يعرفه المخاطب به.
وفيه دليل على أن الصدقة ولو قلت تنجي من النار، لقوله: (اتقوا النار ولو شق تمرة) .
قال: (فإن لم يجد فبكلمة طيبة) يعني إن لم يجد شق تمرة فليتق النار بكلمة طيبة.
والكلمة الطيبة تشمل قراءة القرآن، فإن أطيب الكلمات القرآن الكريم. وتشمل التسبيح التهليل، وكذلك تشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتشمل تعليم العلم وتعلم العلم، وتشمل كذلك كل ما يتقرب به الإنسان إلى ربه من القول، يعني إذا لم تجد شق تمرة فإنك تتقي النار ولو بكلمة طيبة. فهذا من طرق الخير وبيان كثرتها ويسرها، فالحمد لله أن شق التمرة تنجي من النار، وأن الكلمة الطيبة تنجب من النار. نسأل الله أن يجنبنا وإياكم من النار.
* * *
١٤٠ - الرابع والعشرين: عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) رواه مسلم.
[ ٢ / ٢٠٣ ]
والأكلة بفتح الهمزة هي الغدوة أو العشوة.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أنس بن مالك ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها) وفسر المؤلف ﵀ الأكلة بأنها الغدوة أو العشوة، أي الغداء أو العشاء.
ففي هذا دليل على أن رضا الله ﷿ قد ينال بأدنى سبب، قد ينال بهذا السبب اليسير ولله الحمد. يرضى الله عن الإنسان إذا انتهى من الأكل قال: الحمد لله، وإذا انتهى من الشرب قال: الحمد لله؛ وذلك أن للأكل والشرب آدابًا فعلية وآدابًا قولية.
أما الآداب الفعلية: فإن يأكل باليمين ويشرب باليمين، ولا يحل له أن يأكل بشماله أو يشرب بشماله، فإن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يأكل الرجل بشماله أو يشرب بشماله، وأخبر أن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله، وأكل رجل بشماله عنده فقال: (كل بيمينك) قال: لا أستطيع، فقال: (لا استطعت)، فما استطاع الرجل بعد ذلك أن يرفع يده اليمنى إلى فمه؛ عوقب والعياذ بالله.
وأما الآداب القولية: فإن يسمي عند الأكل، يقول: باسم الله،
[ ٢ / ٢٠٤ ]
والصحيح أن التسمية عند الأكل أو الشرب واجبة، وأن الإنسان يأثم إذا لم يسم الله عند أكله أو شربه، لأنه إذا لم يفعل، إذا لم يسم عند الأكل والشرب، فإن الشيطان يأكل معه ويشرب معه.
ولهذا يجب على الإنسان إذا أراد يأكل أن يسمي الله، وإذا نسى أن يسمي في أول الطعام ثم ذكر في أثنائه فليقل: باسم الله أوله وآخره، وإذا نسى أحد أن يسمي فذكره؛ لأن النبي ﷺ ذكر عمر بن أبي سلمة وهو ربيبه بن زوجته أم سلمة ﵂، حينما تقدم للأكل فأكل، فقال له النبي ﷺ: (يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) وهذا فيه دليل على أن التسمية - إذا كانوا جماعة - تكون من كل واحد، فكل واحد يسمي، ولا يكفي أن يسمي واحد عن الجميع، بل كل إنسان يسمي لنفسه.
أما عند الانتهاء فمن الآداب أن يحمد الله ﷿ على هذه النعمة حيث يسر له هذا الأكل، مع أنه لا أحد يستطيع أن ييسره، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ) (الواقعة: ٦٣، ٦٤)، (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ) (الواقعة (٨٦، ٩٦) لولا أن الله ﷿ نمى هذا الزرع حتى كمل، وتيسر حتى وصل بين يديك، لعجزت عنه.
وكذلك الماء، لولا أن الله يسره فأنزله من المزن وسلكه ينابيع في
[ ٢ / ٢٠٥ ]
الأرض حتى استخرجته لما حصل لك هذا، ولهذا قال في الزرع: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) (الواقعة: ٦٥)، وقال في الماء: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ) (الواقعة: ٧٠)، فلهذا كان من شكر نعمة الله عليك بهذا الأكل والشرب أن تحمد الله إذا انتهيت من الشرب أو من الأكل، ويكون هذا سببًا لرضا الله عنك.
قوله (الأكلة) فسرها المؤلف بأنها الغدوة أو العشوة، ليست الأكلة اللقمة، ليس كلما أكلت لقمة قلت: الحمد لله، أو كلما أكلت تمرة قلت: الحمد لله، السنة أن تقول إذا انتهيت نهائيًا. وذكر أن الإمام أحمد ﵀ كان يأكل ويحمد على كل لقمة، فقيل له في ذلك فقال: أكل وحمد خير من أكل وسكوت، ولكن لا شك أن خير الهدي هدي محمد ﷺ، وأن الإنسان إذا حمد الله في آخر أكله أو آخر شربه كفى، ولكن إن رأى مصلحة مثلًا في الحمد؛ يذكر غيره أو ما أشبه ذلك، فأرجو ألا يكون في هذا بأس، كما فعله الإمام أحمد ﵀. والله الموفق.
* * *
١٤١ - الخامس والعشرون: عن أبي موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة) قال: أرأيت إن لم يجد؟ قال: (يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق) قال:: أرأيت إن لم يستطع؟ قال: (يعين ذا الحاجة الملهوف) قال: أرأيت إن لم يستطع قال: (يأمر بالمعروف أو الخير) قال: أرأيت إن لم يفعل؟ قال: (يمسك عن الشر فإنها صدقة) متفق عليه.
[ ٢ / ٢٠٦ ]
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف ﵀ عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على كل مسلم صدقة) وقد مر علينا مثل هذا التعبير من رسول الله ﷺ، بل أعم منه، حيث قال: (على كل سلامي من الناس صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس)، والسلامى هي مفاصل العظام، وهذا يدل على أن لله ﷿ علينا صدقة كل يوم، هذه الصدقة متنوعة؛ إما أن تكون تسبيحة، أو تكبيرة، أو تهليلة، أو أمر بمعروف، أو نهيًا عن منكر، أو أن تعين الملهوف، المهم أن طرق الخيرات كثيرة. ولكن النفس الأمارة بالسوء تثبط الإنسان عن الخير، وإذا هم بشيء فتحت له بابًا غيره، ثم إذا هم به فتحت له بابًا آخر حتى يضيع عليه الوقت، ويخسر وقته ولا يستفيد منه شيئًا.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يبادر ويسارع في الخير، كلما فتح له باب من الخير فليسارع إليه؛ لقوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَات) (المائدة: ٤٨)، ولأن الإنسان إذا انفتح له باب الخير أول مرة ولم يفعل فإنه يوشك أن يؤخره الله ﷿. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله)، فالمهم أنه ينبغي للإنسان العاقل الحازم المؤمن أن ينتهز سبل الخير، وأن يحرص غاية الحرص على أن يأخذ من
[ ٢ / ٢٠٧ ]
كل باب منها بنصيب حتى، يكون ممن سارع في الخيرات، وجنى ثمرات هذه الأعمال الصالحة، نسأل الله أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته، إنه جواد كريم.
[ ٢ / ٢٠٨ ]