قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: ٧٤) وقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء: ٧٣) .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه اله تعالى - هذا الباب (باب فيمن سن سنة حسنة أو سنة سيئة) ليبين أن من الأشياء ما يكون أصله ثابتًا، فإذا فعله الإنسان وكان أول من يفعله كان كمن سنه وصار له أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة.
وقد سبق لنا أن الدين الإسلامي ولله الحمد كامل، لا يحتاج إلى تكميل، ولا إلى بدع؛ لأن الله تعالى قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا) (المائدة: ٣) .
ثم استشهد المؤلف بآيتين من كتاب الله، أولاهما: قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) (الفرقان: ٧٤)، هذا من جملة ما يدعو به عباد الرحمن، الذين ذكر الله أوصافهم في آخر سورة الفرقان (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) إلى أن قال (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) (الفرقان: ٦٣، ٧٤) .
(هَبْ لَنَا) يعني أعطنا، و(الأزواج) جمع زوج، وهو صالح للذكر
[ ٢ / ٣٣٨ ]
والأنثى، والزوج الذكر يسمى زوجًا ولهذا تجد في الأحاديث: عن عائشة زوج النبي ﷺ، وهذه هي اللغة الفصحى أن المرأة تسمى زوجًا، لكن أهل الفرائض ﵏ جعلوا للرجل زوج وللمرأة زوجة، من أجل التفريق عند قسمة المواريث، أما في اللغة العربية فالزوج صالح للذكر والأنثى.
فهذا الدعاء (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ) كما هو صالح للرجال صالح للنساء أيضًا.
(قُرَّةَ أَعْيُنٍ) في المرأة أنك إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك وفي ولدك، وإذا بحثت عنها وجدتها قانتة لله (فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) (النساء: ٣٤)، فهذه تسر زوجها.
وكذلك أيضًا الذرية إذا جعلهم الله تعالى قرة عين للإنسان، يطيعونه إذا أمر، وينتهون عما نهاهم عنه، ويسرونه في كل مناسبة، ويصلحون فهذا من قرة الأعين للمتقين.
والجملة الأخيرة: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) هي الشاهد لهذا الباب، يعني اجعلنا للمتقين أئمة، يقتدى بنا المتقون في أفعالنا وأقوالنا، فيما نفعل وفيما نترك، فإن المؤمن ولا سيما أهل العلم يقتدى بهم؛ بأقوالهم وأفعالهم، ولهذا تجد العامة إذا أمرتهم بشيء أو نهيتهم عن شيء، قالوا: هذا فلان يفعل كذا وكذا، ممن جعلوه إمامًا لهم.
والأئمة تشمل الأئمة في الدين الذي هو العبادة الخاصة بالإنسان،
[ ٢ / ٣٣٩ ]
والأئمة في الدعوة، وفي التعليم، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شعائر الدين وشرائعه، اجعلنا للمتقين إمامًا في كل شيء.
أما الآية الثانية فقال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا) (الأنبياء: ٧٣)، أي صيرناهم أئمة علماء يهدون الناس، أي يدلونهم على دين الله بأمر الله ﷿، ولكن ليت المؤلف ذكر آخر الآية؛ لأن الله بين أنه جعلهم أئمة بسبب (يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤)، لما صبروا على طاعة الله، وصبروا عن معصية الله، وصبروا على أقدار الله؛ صبروا على طاعة الله ففعلوا ما أمر، وصبروا عن معصية الله فتركوا ما نهى عنه، وصبروا على أقدار الله التي تأتيهم من أجل دعوتهم إلى الحق وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر؛ لأن الإنسان إذا نصب نفسه داعية للحق آمرًا بالمعروف وناهيًا عن المنكر، فلابد أن يصيبه من الأذى ما يصيبه، لأن أكثر الذين يكرهون الحق سوف يكونون أعداء له فليصبر، وكذلك أقدار الله التي تأتي بدون هذا أيضًا يصبرون عليها.
(وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) يوقنون بما أخبرهم الله به، ويوقنون بالجزاء الذي يحصل لهم في فعل الأوامر، وترك النواهي، وفي الدعوة إلى الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أنهم يعملون وهم يوقنون بالجزاء، وهذه نقطة ينبغي لنا أن ننتبه لها، أن نعمل ونحن نوقن بالجزاء، كثير من الناس يعملون، يصلون ويصومون ويتصدقون بناء على أن هذا أمر الله، وهذا طيب ولا شك أنه خير، لكن ينبغي أن تدرك وأن تستحضر بأنك
[ ٢ / ٣٤٠ ]
إنما تفعل هذا رجاء الثواب وخوف العقاب، حتى تكون موقنًا بالآخرة.
وقد أخذ شيخ الإسلام ﵀ من هذه الآية عبارة طيبة، فقال: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) أخذها من قوله تعالى: (لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة: ٢٤)، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. أسأل الله أن يجعلني وإياكم أئمة في دين الله، هداة لعباد الله مهتدين، إنه جواد كريم.
* * *
١٧١ - عن أبي عمرو، جرير بن عبد الله ﵁ قال: كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار، أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر: فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة: فدخل ثم خرج، فأمر بلالًا فأذن وأقام، فصلى ثم خطب: فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) إلى آخر الآية: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: ١)، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر: ١٨) تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة) فجاء، رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة؛ فقال رسول الله ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام
سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن
[ ٢ / ٣٤١ ]
ينقص من أوزارهم شيء) . رواه مسلم.
قوله (مجتابى النمار) هو بالجيم وبعد الألف باء موحده، والنمار: جمع نمرة، وهي: كساء من صوف مخطط، زمعنى (مجتابيها) أي: لابسيها قد خرقوها في رؤوسهم (والجوب): القطع ومنه قوله تعالى: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) (الفجر: ٩)، أي: نحتوه وقطعوه. وقوله (تمعر) هو بالعين المهملة، أي تغير، وقوله: (رأيت كومين) بفتح الكاف وضمها؛ أي صبريتين. وقوله: (كأنه مذهبة) هو بالذال المعجمة، وفتح الهاء والباء الموحدة. قاله القاضي عياض وغيره. وصحفه بعضهم فقال: (مدهنة) بدال مهملة وضم الهاء والنون، وكذا ضبطه الحميدي، والصحيح المشهور هو الأول. والمراد به على الوجهين: الصفاء والاستنارة.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في باب من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها حديث جرير بن عبد اله البجلي ﵁، وهو حديث عظيم يتبين منه حرص النبي ﷺ وشفقته على أمته صلوات الله وسلامه عليه، فبينما هم مع رسول الله ﷺ في أول النهار إذا جاء قوم عامتهم من مضر أو كلهم من مضر مجتابي النمار، مقلدي السيوف ﵃، يعني أن الإنسان ليس عليه إلا ثوبه قد اجتباه يستر به
[ ٢ / ٣٤٢ ]
عورته، وقد ربطه على رقبته، ومعهم السيوف استعدادًا لما يؤمرون به من الجهاد ﵃.
فتمعر وجه النبي ﷺ يعني تغير وتلون لما رأى فيهم من الحاجة، وهم من مضر، من أشرف قبائل العرب، وقد بلغت بهم الحاجة إلى هذا الحال، ثم دخل بيته ﵊، ثم خرج، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى، ثم خطب الناس ﵊، فحمد الله ﷺ كما هي عادته، ثم قرا قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: ١)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر: ١٨) .
ثم حث على الصدقة، فقال: (تصدق رجل بديناره، وتصدق بدرهمه، تصدق بثوبه، تصدق بصاع بره، تصدق بصاع تمره، حتى ذكر ولو شق تمرة) وكان الصحابة ﵃ أحرص الناس على الخير، وأسرعهم إليه، وأشدهم مسابقة، فخرجوا إلى بيوتهم فجاءوا بالصدقات، حتى جاء رجل بصرة معه في يده كادت تعجز يده عن حملها، بل قد عجزت من فضة ثم وضعها بين يدي الرسول ﵊.
ثم رأى جرير كومين من الطعام والثياب وغيرها قد جمع في المسجد، فصار وج النبي ﵊ بعد أن تعمر، صار يتهلل كأنه مذهبة، يعني من شدة بريقه ولمعانه وسروره ﵊ لما حصل من هذه المسابقة التي فيها سد حاجة هؤلاء الفقراء، ثم قال ﷺ:
[ ٢ / ٣٤٣ ]
(من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة قوليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) .
والمراد بالسنة في قوله ﷺ: (من سن في الإسلام سنة حسنة) ابتدأ العمل بسنة، وليس من أحدث؛ لأن من أحدث في الإسلام ما ليس منه فهو رد وليس بحسن، لكن المراد بمن سنها أي صار أول من عمل بها؛ كهذا الرجل الذي جاء بالصرة ﵁، فدل هذا على أن الإنسان إذا وفق لسن سنة في الإسلام سواء إليها أو أحياها بعد أن أميتت.
وذلك لأن السنة في الإسلام ثلاثة أقسام:
سنة سيئة: وهي البدعة، فهي سيئة وإن استحسنها من سنها لقول النبي ﷺ: (كل بدعة ضلالة) .
وسنة حسنة: وهي على نوعين:
النوع الأول: أن تكون السنة مشروعة ثم يترك العمل بها ثم يجدها من يجددها، مثل قيام رمضان بإمام، فإن النبي ﷺ شرع لأمته في أول الأمر الصلاة بإمام في قيام رمضان، ثم تخلف خشية أن تفرض على الأمة، ثم ترك الأمر في آخر حياة النبي ﷺ، وفي عهد أبي بكر ﵁ وفي أو خلافة عمر، ثم رأى عمر ﵁ أن يجمع الناس على إمام واحد ففعل، فهو ﵁ قد سن في الإسلام سنة حسنة؛ لأنه أحيا
[ ٢ / ٣٤٤ ]
سنة كانت قد تركت.
والنوع الثاني: من السنن الحسنة أن يكون الإنسان أول من يبادر إليها، مثل حال الرجل الذي بادر بالصدقة حتى تتابع الناس ووافقوه على ما فعل.
فالحاصل أن من سن في الإسلام سنة حسنة، ولا سنة حسنة إلا ما جاء به الشرع فله أجره وأجر من عمل بها من بعده.
وقد أخذ هذا الحديث أولئك القوم الذين يبتدعون في دين الله ما ليس منه، فيبتدعون أذكارًا ويبتدعون صلوات ما أنزل الله بها من سلطان، ثم يقولون: هذه سنة حسنة، نقول: لا، كل بدعة ضلالة وكلها سيئة، وليس في البدع من حسن، لكن المراد في الحديث من سابق إليها وأسرع، كما هو ظاهر السبب في الحديث، أو من أحياها بعد أن أميتت فهذا له أجرها وأجر من عمل بها.
وفي هذا الحديث الترغيب في فعل السنن التي أميتت وتركت وهجرت، فإنه يكتب لمن أحياها أجرها وأجر من عمل بها، وفيه التحذير من السنن السيئة، وأن من سن سنة سيئة؛ فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، حتى لو كانت في أول الأمر سهلة ثم توسعت، فإن عليه وزر هذا التوسع، مثل لو أن أحدًا من الناس رخص لأحد في شيء من المباح الذي يكون ذريعة واضحة إلى المحرم وقريبًا، فإنه إذا توسع الأمر بسبب ما أفتى به الناس فإن عليه الوزر ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، نعم لو كان الشيء مباحًا ولا يخشى منه أن يكون ذريعة إلى محرم، فلا
[ ٢ / ٣٤٥ ]
بأس للإنسان أن يبينه للناس، كما لو كان الناس يظنون أن هذا الشيء محرم وليس بمحرم، ثم يبينه للناس من أجل أن يتبين الحق، ولكن لا يخشى عاقبته، فهذا لا باس به، أما شيء تخشى عاقبته، فإنه يكون عليه وزره ووزر من عمل به. والله أعلم.
[ ٢ / ٣٤٦ ]