والدعاء إلى هدى أو ضلالة
قال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) (الحج: ٦٧)، وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ) (النحل: ١٢٥) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى: (باب في الدلالة على خير والدعاء إلى هدى أو ضلالة) الدلالة على الخير هي أن يبين الإنسان للناس الخير الذي ينتفعون به في أمور دينهم ودنياهم، ومن دل على خير فهو كفاعله، أما الدعوة إليه فهي أخص من الدلالة؛ لأن الإنسان قد يدل فيبين ولا يدعو، فإذا دعا كان هذا أكمل وأفضل، والإنسان مأمور بالدعوة إلى الخير أي: الدعوة إلى ﷿، كما قال تعالى: (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ) وآخر الآية: (إِنَّكَ لَعَلَى هُدىً مُسْتَقِيمٍ) (الحج: ٦٧) .
وقال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: ١٢٥)، وقال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: ١٠٤، ١٠٥) .
فهذه الآيات وأمثالها كلها تدل على أن الإنسان ينبغي له أن يكون داعيًا إلى الله ولكن لا يمكن أن تتم الدعوة إلا بعلم الإنسان بما يدعو
[ ٢ / ٣٤٧ ]
إليه؛ لأن الجاهل قد يدعو إلى شيء يظنه حقًا وهو باطل، وقد ينهى عن شيء يظنه باطلًا وهو حق، فلابد من العلم أولًا فيتعلم الإنسان ما يدعو إليه.
وسواء كان عالمًا متبحرًا فاهمًا في جميع أبواب العلم، أو كان عالمًا في نفس المسألة التي يدعو إليها، فليس بشرط أن يكون الإنسان عالمًا متبحرًا في كل شيء، بل لنفرض أنك تريد أن تدعو الناس إلى أقام الصلاة، فإذا فقهت أحكام الصلاة وعرفتها جيدًا فادع إليها ولو كنت لا تعرف غيرها من أبواب العلم؛ لقول النبي ﷺ: (بلغوا عني ولو آية) .
ولكن لا يجوز أن تدعو بلا علم ابدًا؛ لأن ذلك فيه خطر؛ خطر عليك أنت، خطر على غيرك، أما خطره عليك فلأن الله حرم عليك أن تقول على الله ما لا تعلم، قال الله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣)، وقال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم) (الإسراء: ٣٦)، أي لا تتبع ما ليس لك به علم، فإنك مسئول عن ذلك، (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الإسراء: ٣٦) .
ولابد أيضًا من أن يكون الإنسان حكيمًا في دعوته، ينزل الأشياء في منازلها، ويضعها في مواضعها، فيدعو الإنسان المقبل إلى الله ﷿
[ ٢ / ٣٤٨ ]
بما يناسبه، ويدعو الإنسان الجاهل بما يناسبه، كل أناس لهم دعوة خاصة حسب ما يليق بحالهم، ودليل هذا أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب)، فأعلمه بحالهم من أجل أن يستعد لهم وأن ينزلهم منزلتهم؛ لأنهم إذا كانوا أهل كتاب صار عندهم من الجدل بنا عندهم من العلم ما ليس عند غيرهم، فالمشركين جهال ضلال لكن أهل الكتاب عندهم علم، يحتاجون إلى استعداد تام، وأيضًا يجابهون بما يليق بهم؛ لأنهم يرون أنفسهم أهل كتاب وأهل علم - فيحتاج الأمر إلى أن يراعوا في كيفية الدعوة، ولهذا قال له: (إنك تأتي قومًا أهل كتاب) .
ولنضرب لهذا مثلًا واقعيًا: لو أن رجلًا جاهلًا تكلم وهو يصلي، يظن أن الكلام لا يضر، فهذا لا نوبخه ولا ننهره ولا نشدد عليه، بل نقول له إذا فرغ من صلاته: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، لكن لو علمنا أن شخصًا يعلم أم الكلام في الصلاة حرام ويبطلها، لكنه إنسان مستهتر والعياذ بالله؛ يتكلم ولا يبالي فهذا نخاطبه بما يليق به ونشدد عليه وننهره، فكل مقام مقال.
ولهذا قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ) والحكمة أن تضع الأشياء في مواضعها، وتنزل الناس في منازلهم، فلا تخاطب الناس
[ ٢ / ٣٤٩ ]
بخطاب واحد، ولا تدعوهم بكيفية واحدة، بل أجعل لكل إنسان ما يليق به.
فلابد أن يكون الإنسان على علم بحال من يدعوه؛ لأن المدعو له حالات: إما أن يكون جاهلًا، أو معاندًا مستكبرًا، أو يكون قابلًا للحق ولكنه قد خفي عليه مجتهدًا متأولًا، فلكل إنسان ما يليق به.
ثم ذكر المؤلف قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وسبيل الله هي دينه وشريعته التي شرعها الله لعباده، وأضافها إلى نفسه لسببين:
السبب الأول: أنه هو الذي وضعها ﷿ للعباد، ودلهم عليها.
السبب الثاني: أنها موصلة إليه، فلا شيء يوصل إلى الله إلا سبيل الله التي شرعها لعباده على ألسنة رسله صلوات الله وسلامه عليهم.
وقوله: (بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ) الحكمة قال العلماء: إنها من الأحكام وهو الإتقان، إتقان الشيء أن يضعه الإنسان في موضعه فهي وضع الأشياء في مواضعها، وأما الموعظة فهي التذكير المقرون بالترغيب أو الترهيب، فإذا كان الإنسان معه شيء من الأعراض فإنه يوعظ وينصح، فإن لم يفد فيه ذلك فيقول تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) فإذا كان الإنسان عنده شيء من المجادلة فيجادل، والمجادلة بالتي هي أحسن أي من حيث المشافهة، فلا تشدد عليه ولا تخفف عنه، انظر ما هو أحسن، بالتي هي أحسن أيضًا من حيث الأسلوب، والإقناع، وذكر الأدلة التي يمكن أن يقتنع بها؛ لأن من الناس من يقتنع بالأدلة الشرعية أكثر مما يقتنع
[ ٢ / ٣٥٠ ]
بالأدلة العقلية، وهذا هو الذي عنده إيمان قوي.
ومن الناس من يكون بالعكس لا يقتنع بالأدلة الشرعية إلا إذا ثبت ذلك عنده بالأدلة العقلية، فتجده يعتمد على الأدلة العقلية أكثر مما يعتمد على الأدلة الشرعية، بل ولا يقتنع بالأدلة الشرعية إي حيث تؤيدها عنده الأدلة العقلية، وهذا النوع من الناس يخشى عليه من الزيغ والعياذ بالله؛ إذا كان لا يقبل الحق إلا بما عقله بعقله الفاسد فهذا خطر عليه، ولهذا كان أقوى الناس إيمانًا أعظمهم إذعانًا للشرع أي: للكتاب والسنة، فإذا رأيت من نفسك الإذعان للكتاب والسنة والقبول والاقتياد؛ فهذا يبشر بخير، وإذ رأيت من نفسك القلق من الأحكام الشرعية إلا حيث تكون مؤيدة عنك بالأدلة العقلية؛ فاعلم أن في قلبك مرضًا؛ لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) يعني: لا يمكن أن يختاروا شيئًا سوى ما قضاه الله ورسوله، (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا) (الأحزاب: ٣٦) .
وقوله: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) جاء في آية العنكبوت (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) (العنكبوت: ٤٦)، فهؤلاء لا تلينوا معهم إذا كانوا ظالمين، فقاتلوهم بالسيف حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وعلى هذا فتكون المراتب أربعة: الحكمة، الموعظة، المجادلة بالتي هي أحسن، المجادلة بالسيوف لمن كان ظالمًا، والله الموفق.
* * *
[ ٢ / ٣٥١ ]
وقال تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) (آل عمران: ١٠٤) .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - ﵀ - في باب الدلالة على الخير، قوله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤)، وهذا أمر من الله - ﷿ - بأن يكون منا هذه الأمة، والامة بمعنى الطائفة، وترد الأمة في القرآن الكريم على أربعة معان: أمة بمعنى الطائفة، وأمة بمعنى الملة، أمة بمعنى السنين، وأمة بمعنى القدوة، فمن الطائفة هذه الآية (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي طائفة (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) (آل عمران: ١٠٤) إلى آخره.
والأمة بمعنى الملة مثل قوله تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (المؤمنون: ٥٢) أي دينكم دين واحد.
والأمة بمعنى السنين مثل قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) (يوسف: ٤٥) أي بعد زمن.
والأمة بمعنى القدوة والإمام مثل قوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا) (النحل: ١٢٠)
فقوله هنا (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) اللام في قوله للأمر (وَلْتَكُنْ)، " ومن" في قوله: (مِنْكُمْ) فيها قولان لأهل العلم: منهم من قال إنها للتبعيض، ومنهم من قال إنها لبيان الجنس، فعلى القول الأول يكون الأمر هنا أمرًا كفائيًا، أي أنه إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين؛ لأنه قال: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ) يعني بعض منكم يدعون إلى الخير،
[ ٢ / ٣٥٢ ]
وعلى القول الثاني يكون الأمر امرًا عينينًا، وهو أنه يجب على كل واحد أن يكرس جهوده لهذا الأمر.. يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
الدعوة إلى الخير تشمل كل شيء فيه مصلحة للناس في معاشهم ومعادهم؛ لأن الخير كما يكون في عمل الآخرة يكون في عمل الدنيا، كما قال الله تعالى: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) (البقرة: ٢٠١)
وما ينفع الناس من الأمور الدنيوية فهو خير، ولهذا سمى الله - ﷾- المال خيرًا، فقال (وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) (العاديات: ٨)
وقوله:: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: ١٠٤)، المعروف ما عرفه الشرع وأقره، المنكر ما أنكره ونهى عنه، فإذا يكون الأمر بالمعروف هو الأمر بطاعة الله، والنهي عن المنكر هو النهي عن معصية الله، فهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
لكن لابد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروط هي:
الشرط الأول: أن يكون الآمر أنه الناهي عالمًا بأن هذا معروف يأمر به، وهذا منكر ينهى عنه، وهذا، لم يكن عالمًا فإنه لا يجوز أن يأمر أو ينهى، لقوله تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) (الاسراء: ٣٦)، والتحريم والتحليل لا يكون بحسب العاطفة؛ لأنه لو كان بحسب العاطفة والهوى لوجدنا من الناس من يكره كل شيء يستغربه، حتى لو حصل شيء ينفع الناس وهو مستغرب له قال هذا منكر، ومن الناس من هو بالعكس يتهاون ويرى أن كل شيء معروف،
[ ٢ / ٣٥٣ ]
فالمعروف والمنكر أمرهما إلى الشارع.
كذلك أول ما ظهرت مكبرات الصوت أنكرها بعض الناس، وقال: إن هذا منكر، كيف نؤدي الصلاة أو الخطبة بهذه الأبواق التي تشبه بوق اليهود؟ ومن العلماء المحققين كشيخنا عبد الرحمن السعدي ﵀ قال: إن هذه من نعمة الله؛ أن الله يسَّر لعباده ما يوصل أصوات الحق إلى الخلق، وأن مثل هذه كمثل نظارات العين، فالعين إذا ضعف النظر تحتاج إلى تقوية بلبس النظارات، فهل نقول لا تلبس النظارات؛ لأنها تقوي النظر وتكبر الصغير؟ لا، لا نقول هكذا.
فالحاصل أالمعروف والمنكر أمرهما إلى الله تعالى ورسوله ﷺ، لا إلى ذوق الإنسان، أو هوى الإنسان، أو فكر الإنسان.
إذًا لا بد أيكون الإنسان عالمًا بأن هذا معروف وأن هذا منكر، هذا معروف يأمر به، وهذا منكر ينهى عنه، ولكن ما الطريق إلى معرفة ذلك؟ الطريق إلى معرفة ذلك الكتاب والسنة فقط، وإجماع الأمة، أو القياس الصحيح، وإجماع الأمة والقياس الصحيح كلاهما مستند إلى الكتاب والسنة، ولولا الكتاب والسنة ما عرفنا أن الإجماع حُجة، وأن القياس حُجة.
الشرط الثاني: أن يعلم بوقوع المنكر من الشخص المدعو، أو بتركه للمعروف، فإن كان لا يعلم فإنه يرجم الناس بالغيب، مثلا ذلك: لو أن رجلًا دخل المسجد وجلس، فإن الذي تقتضيه الحكمة أن يسأله: لماذا جلس ولم يصل؟ ولا ينهاه أو يزجره، بدليل أن النبي صلة الله عليه وسلم كان يخطب
[ ٢ / ٣٥٤ ]
الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس، فقال له: " أصليت" قال: لا، قال: " قم فصل ركعتين"، فلم يزجره حين ترك الصلاة؛ لأنه يحتمل أن يكون صلى والنبي ﵊ لم يره.
كذلك أيضًا إذا رأيت شخصًا يأكل في نهار رمضان أو يشرب في نهار رمضان فلا تزجره، بل اسأله ربما يكون له عذر في ترك الصيام. قل له لماذا لم تصم؟ فقد يكون مسافرًا، وقد يكون مريضًا مرضًا يحتاج معه إلى شرب الماء بكثرة؛ مثل أوجاع الكلى تحتاج إلى شرب ماء كثير، ولو كان الإنسان صحيحًا فيما يظهر للناس، فالمهم أنه لابد أن تعرف أنه ترك المعروف حتى تأمره به، ولا بد أيضًا أن تعرف انه وقع في المنكر حتى تنهاه عنه؛ لأنه قد لا يكون واقعًا في المنكر وأنت تظنه واقعًا.
مثال ذلك: إذا رأيت رجلًا في سيارة ومعه امرأة فهناك احتمال أن المرأة أجنبية منه، وهناك احتمال أن تكون المرأة من محارمه، أو أنها زوجته. إذًا لا تنكر عليه حتى تعلم أنه فعل منكرًا، وذلك بقرائن الأحوال، لو فرضن امثلًا أن الإنسان رأى ريبة من هذا الشخص لكونه أهلًا لسوء الظن، ورأى حركات، والإنسان العاقل البصير يعرف، فهذا ربما نقول: يتوجه ويسأله: من هذه المرأة التي معك؟ أو لماذا تحمل امرأة في سيارتك ليست من محارمك؟ ولكن ليس لك لمجرد أن ترى رجلًا يمشي مع امرأة أو حاملًا امرأة في سيارته تنكر عليه وأنت لا تدري هل هذا منكر أم لا.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وعلى كل حال خلو المرأة بالسيارة وهو غير محرم منكر، لكن لا تدري لعل هذه المرأة من محارمه.
فالمهم أنه لابد من العلم بأن هذا معروف وأن هذا منكر، ولابد من العلم أن هذا ترك المعروف أو فعل المنكر.
الشرط الثالث: أن لا يتحول المنكر إذا نهى عنه إلى ما هو أنكر منه وأعظم. مثال ذلك: لو رأين اشخصًا يشرب الدخان، وشرب الدخان حرام لا شك ومنكر يجب إنكاره، لكننا لو أنكرنا عليه لتحول إلى شرب الخمر، يعني أنه ذهب إلى الخمارين وشرب الخمر فهنا لا ننهاه عن منكره الأول؛ لأن منكره الأول أهون، وارتكاب أهون المفسدتين واجب إذا كان لابد من ارتكاب العليا.
ودليلُ هذا الشرط قول الله ﷿: فسبُ آلهة المشركين من الأمور المطلوبة شرعًا، ويجب علينا أن نسب آلهة المشركين، وأن نسب أعياد الكفار، وأن نحذر منها، وأن لا نرضى بها، وأن نبصر إخواننا الجهال السفهاء بأنه لا يجوز مشاركة الكفار في أعيادهم؛ لأن الرضا بالكفر يخشى أن يوقع صاحبه في الكفر والعياذ بالله، هل ترضى أن شعائر الكفر تقام وتشارك فيها؟ لا يرضى بهذا أحد من المسلمين، لهذا قال ابن القيم - ﵀- وهو من تلاميذ شيخ الإسلام البارزين: إن الذي يشارك هؤلاء في أعيادهم ويهنئهم فيها، إن لم يكن أتى الكفر فإنه قد فعل محرمًا بلا شك، وصدق ﵀، ولهذا يجب علينا أن نحذر إخواننا المسلمين
[ ٢ / ٣٥٦ ]
من مشاركة الكفار في أعيادهم، لأن مشاركتهم في أعيادهم أو تهنئتهم فيها، مثل قول: عيد مبارك، أو هنأك الله بالعيد وما أشبه ذلك، لا شك أنه رضًا بشعائر الكفر والعياذ بالله.
أقول: إن شب آلهة المشركين وشعائر المشركين وغيرهم من الكفار الكتابيين أمر مطلوب شرعًا، ولكن إذا كان يؤذى إلى شيء أعظم منه نكرًا فإنه يُنهى عنهن يقول الله ﷿ (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) يعني الأصنام لا تسبوها (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: ١٠٨) يعني عدوانًا منهم بغير علم، أما أنتم إذا سببتم آلهة المشركين فإنه بعدل وعلم، لكن سبهم لإلهكم عدوان بلا علم، فأنتم لا تسبوهم فيسبوا الله.
إذًا نأخذ من هذه الآيات الكريمة أنه إذا كان نهي الإنسان عن منكر ما يوقع الناس فيما هو أنكر منه، فإن الواجب الصمت، حتى يأتي اليوم الذي يتمكن فيه من النهي عن المنكر ليتحول المنكر إلى معروف.
ويُذكر أن شيخ الإسلام ابن تيميه﵀- مرّ في الشام ومعه صاحب له على قوم من التتار- والتتار أمة معروفة تسلطت على المسلمين في سنة من السنوات، وحصل بهم فتنة كبيرة عظيمة - وهم يشربون الخمر فسكت وما نهاهم، فقال له صاحبه: لماذا لم تنه عن هذا المنكر؟ قال له: إن نهيناهم عن هذا الشيء ذهبوا يفسدون نساء المسلمين بالزنا، ويستبيحون أموالهم، وربما يقتلونهم، وشرب الخمر أهون، وهذا من
[ ٢ / ٣٥٧ ]
فقه ﵀ ورضي عنه، فإذا كان الإنسان يخشى أن يزول المنكر ويتحول إلى ما هو أنكر منه؛ فإن الواجب الصمت.
ومن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- وليس من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول فاعل للمعروف وأول منتهٍ عن المنكر- بمعنى أنه لا يأمر بالمعروف ثم لا يفعله، أو لا ينه عن المنكر ثم يقع فيه؛ لأن هذا داخل في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف: ٢-٣)، وفي الحديث الصحيح: " إنه يؤتى بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار حتى تندلق أقتاب بطنه"، يعني أمعاءه، وتندلق: ينعى تتفجر: " فيدور عليها كما يدور الحمار على رحاه، فيجتمع إليه أهل النار ويقولون له: ما لك يا فلان ألست تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر. فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه "
فمن آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون الإنسان أول ممتثل للأمر، وأول منتهٍ عن النهي.
وذكر أن ابن الجوزي﵀- الواعظ المشهور وهو من أصحاب
[ ٢ / ٣٥٨ ]
الإمام أحمد - ﵀ - يعني ممن يقلدون الإمام أحمد، وكان واعظًا مشهورًا بالوعظ يوضع له كرسي يوم الجمعة ويلقي المواعظ، ويحضره مئات الآلاف، وكان من شدة تأثيره على القلوب أن بعض الحاضرين يصعق ويموت، من شدة تأثيره على القلوب، فجاءه ذات يوم عبد رقيق، فقال له: يا سيدي، إن سيدي يتعبني، ويشق علي ويأمرني بأشياء ما أطيقها، فلعلك تعظ الناس وتحثهم على العتق فيُعتقني، فقال: نعم أفعل فبقي جمعة أو جمعتين أو ما شاء الله ولم يتكلم عن العتق بشيء، فجاء إليه العبد، وقال له: يا سيدي أنا قلت لك تكلم عن العتق منذ زمن، ولم تتكلم إلى الآن، قال: نعم، لأني لست أملك عبدًا فأعتقه، ولا أحب أن أحث على العتق وأنا لم أعتق- سبحان الله- فلما منّ الله عليّ بعبد وأعتقته صار لي مجال أن أتكلم في العتق، ثم تكلم يومًا من الأيام عن العتق فأثر ذلك نفوس الناس فأعتق الرجل عبده.
فالحاصل أن هذا من آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداعين إلى الخير الآمرين بالمعروف والناهيين عن المنكر، إنه جواد كريم.
* * *
[ ٢ / ٣٥٩ ]
١٧٤- وعن أبي هريرة﵁- أن رسول الله ﷺ قال: " من دعا إلى هُدى كان لهُ من الأجر مثل أجوز من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعهُ لا ينقصُ ذلك من آثامهم شيئًا" رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة﵁ - أن النبي ﷺ قال: "من دعا إلى هدى؛ كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" من دعا إلى هدى: يعني بيّنه للناس ودعاهم إليه، مثل أن يبين للناس أن ركعتي الضحى سنة، وأنه ينبغي للإنسان أن يصلي ركعتين في الضحى، ثم تبعه الناس وصاروا يصلون الضحى، فإن له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا؛ لأن فضل الله واسع.
أو قال للناس مثلًا: اجعلوا أخر صلاتكم بالليل وترًا، ولا تناموا إلا على وتر إلا من طمع أن يقوم من آخر الليل فليجعل وتره في آخر الليل، فتبعه ناس على ذلك فإن له مثل أجرهم يعني كلما أوتر واحد هداه الله على يده؛ فله مثل أجره، وكذلك بقية الأعمال الصالحة.
" من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"، أي إذا دعا إلى وزر وإلى ما فيه الإثم، مثل أن يدعو
[ ٢ / ٣٦٠ ]
الناس إلى لهو أو باطل أو غناء أو ربا أو غير ذلك من المحارم، فإن كل إنسان تأثر بدعوته فإنه يُكتب له مثل أوزارهم؛ لأنه دعا إلى الوزر، والعياذ بالله.
وأعلم أن الدعوة إلى الهدي والدعوة إلى الوزر تكون بالقول؛ كما لو قال أفعل كذا أفعل كذا، وتكون بالفعل خصوصًا من الذي يُقتدي به من الناس، فإنه إذا كان يُقتدي به ثم فعل شيئًا فكأنه دعا الناس إلى فعله، ولهذا يحتجون بفعله ويقولون فعل فلان كذا وهو جائز، أو ترك كذا وهو جائز.
فالمهم أن من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه مثل وزر من تبعه.
وفي هذا دليلٌ على أن المتسبب كالمباشر، فهذا الذي دعا إلى الهدى تسبب فكان له مثل أجر من فعله، والذي دعا إلى السوء أو إلى الوزر تسبب فكان عليه مثل وزر من اتبعه.
وقد أخذ العلماء الفقهاء﵏- من ذلك قاعدة: بأن السبب كالمباشرة، لكن إذا اجتمع سببٌ ومباشرة أحالوا الضمان على المباشرة؛ لأنه أمس بالإتلاف، والله أعلم.
١٧٥- وعن أبي العباس سهل بن سعدٍ الساعدي﵁- أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: " لاُعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله في يديه، يحبُ الله ورسوله، ويحبه الله ورسولهُ" فبات الناسُ يدوكُون ليلتهم أيهم يعطاها، فلما
[ ٢ / ٣٦١ ]
أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ: " كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: "أين على بن أبي طالب؟ " فقيل: يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال: " فأرسلوا إليه" فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا لهُ، فبرأ حتى كان لم يكن به وجع فأعطاهُ الرايةُ، فقال على﵁-: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يحبُ عليهم من حق الله تعالى فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمرِ النعم" متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قوله ﷺ: " لأعطين الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسولهُ" هذا يتضمن بشرى عامة، وبشرى خاصة، أما العامة فهي قوله: " يفتح اله على يديه" وأما الخاصة فهي قوله: " يجب الله ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه".
وخيبر مزارع وحصون لليهود، كانت نحو مائة ميل في الشمال الغربي من المدينة، وسكنها اليهود كما سكن طائفة منهم المدينة نفسها؛ لأن اليهود يقرؤون في التوراة أنه سيُبعث نبي، وسيكون مهاجره إلى المدينة، وتسمى في العهد القديم يثرب، لكنه نهى عن تسميتها يثرب، وأنه سيهاجر إلى المدينة وسيقاتل وينتصر على أعدائه، فعلموا أن هذا حق،
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وذهبوا إلى المدينة وسكنوها، وسكنوا خيبر، وكانوا يظنون أن هذا النبي سيكون من بني إسرائيل، فلما بُعث من بني إسماعيل من العرب حسدوهم، وكفروا به، والعياذ بالله، بعد أن كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه) (البقرة: ٨٩) وقالوا ليس هذا هو النبي الذي بُشرنا به.
وحصل منهم ما حصل من العهد مع النبي ﵊، ثم الخيانة، وكانوا في المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، وكلهم عاهد النبي صلى الله ﵊، ولكنهم نقضوا العهد كلهم.
فهزمهم الله- والحمد لله- على يد النبي ﷺ وكان آخرهم بني قريظة الذين حكم فيهم سعد بن معاذ﵁- بأن تقتل مقاتلتهم، وتسبى نساؤهم وذريتهم، وتغنم أموالهم، وكانوا سبعمائة، فأمر النبي صلى الله عليه وسل بقتلهم فحصدوهم عن آخرهم فهكذا اليهود أهل غدر وخيانة ونقض للعهود، منذ بُعث فيهم موسى ﵊ إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، هم أغدر الناس بالعهد، وأخونهم بالأمانة، ولذلك لا يوثق منهم أبدًا؛ لا صرفًا ولا عدلًا، ومن وثق بهم، أو وثق منهم. فإنه في الحقيقة لم يعرف سيرتهم منذ عهد قديم.
قوله صلي الله عليه وسلم: " لأعطين الراية رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله ويحبه اللهُ ورسولُه" هاتان منقبتان عظيمتان.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
الأولى: أن يفتح الله على يديه؛ لأن من فتح الله على يديه نال خيرًا كثيرًا، فإنه إذا هدى الله به رجلًا واحدًا، كان خيرًا له من حمر النعم: يعني من الإبل الحمر وإنما خص الإبل الحمر؛ لأنها أغلى الأموال عند العرب.
الثانية: يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وفي ذلك فضل لعلى بن أبي طالب - ﵁- لأن الناس في تلك الليلة جعلوا يدوكون يعني يخوضون ويتكلمون من هذا الرجل؟
فلما أصبح النبي ﷺ قال: " أين علي بن أبي طالب؟ " فقيل: هو يشتكي عينيه، يعني أن عينيه تؤلمه ويشتكيها، فدعا به فأتي به، فبصق في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع، وهذه من آيات الله ﷿ فليس هناك قطرة ولا كي وإنما هو ريق النبي ﷺ ودعاؤه.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه يجوز للناس أن يتحدثوا في الأمر ليتفرسوا فيمن يصيبه؛ لأن الصحابة صاروا في تلك الليلة يدوكون ليلتهم: من يحصل هذا؟ وكل واحد يقول: لعله أنا.
وفيه أيضًا دليلٌ على أن الإنسان قد يهبه الله تعالى من الفضائل ما لم يخطر له على بال، فعلي ليس حاضرًا وربما لا يكون عنده علم بأصل المسألة ومع ذلك جعل الله له هذه المنقبة ففي هذا دليلٌ على أن الإنسان قد يحرم الشيء مع ترقبه له، وقد يُعطى الشيء مع عدم خطورته على باله.
" فأعطاه الراية" الراية يعني العلم الذي يكون علمًا على القوم في
[ ٢ / ٣٦٤ ]
حال الجهاد، لأن الناس في الجهاد يقسمون هؤلاء إلى جانب وهؤلاء إلى جانب، وهذه القبيلة وهذه القبيلة، أو هذا الجنس من الناس كالمهاجرين مثلًا والأنصار، كل له راية أي: علم يدل عليه.
فقال علي ﵁ " يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا" يعني أقاتلهم حتى يكونوا مسلمين أم ماذا فقال له النبي ﷺ: " انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم" ومل يقل له قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وذلك لأن الكفار لا يقاتلون على الإسلام ويرغمون عليه، وإنما يقاتلون ليذلوا لأحكام الإسلام فيعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون أو يدخلوا في الإسلام.
وقد اختلف العلماء - ﵏ - هل هذا خاص بأهل الكتاب أي مقاتلتهم حتى يعطوا الجزية- أو أنه عام لجميع الكفار؟ فأكثر العلماء يقولون: إن الذي يقاتل حتى يعطي الجزية أو يسلم هم أهل الكتاب اليهود والنصارى، وأما غيرهم فيقاتلون حتى يسلموا ولا يقبل منهم إلا الإسلام، واستدلوا بقوله تعالى (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة: ٢٩) .
والصحيح أنه عام، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسمل أخذ الجزية من مجوس
[ ٢ / ٣٦٥ ]
هجر، وهم ليسوا أهل كتاب كما أخرجه البخاري، ودليلٌ آخر: حديث بريدة بن الحصيب الذي أخرجه مسلم، أن النبي ﷺ كان إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه ومن معه من المسلمين خيرًا وذر في الحديث ا، هـ يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فالجزية فإن أبوا يقاتلهم والصحيح أن هذا عام. ولذلك لم يقل النبي ﷺ لعلي حين سأله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، نعم قاتلهم حتى يكونوا مثلنا، وإنما أرشده أن يفعل ما أمره به، وأن يمشي على رسله، حتى ينزل بساحتهم.
قوله: " على رسلك" أي لا تمسي عجلًا فتتعب أنت، ويتعب الجيش، ويتعب من معك، ولكن على رسلك حتى تنزل بساحتهم أي يجانبهم، قوله ﷺ: " ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه" فأمره ﷺ بأمرين:
الأمر الأول: الدعوة إلى الإسلام: بان يقل لهم: أسلموا إذا كانوا يعرفون معنى الإسلام ويكفي ذلك، وإن كانوا لا يعرفونه، فإنه يبين لهم أن الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، أن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت.
الأمر الثاني: قال: " وأخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه"
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وهو السمع والطاعة لأوامر الله ورسوله، لأجل أن يكون الداخل في الإسلام داخلًا على بصيرة، لأن بعض الناس يدخل في الإسلام على أنه دين ولكن لا يدري ما هو ثم إذ بينت له الشرائع ارتد والعياذ بالله، فصار كفره والثاني أعظم من كفره الأول؛ لأن الردة لا يُقر عليها صاحبها، بل يقال له: إما أن ترجع لما خرجت منه، وإما أن نقتلك.
ولهذا ينبغي لنا في هذا العصر لما كثر الكفار بيننا من نصارى وبوذيين ومشركين وغيرهم، إذا دعوناهم إلى الإسلام أن نبين لهم الإسلام أولًا، ونشرحه شرحًا يتبين فيه الأمر، حتى يدخلوا على بصيرة، لا تكتفي بقولنا: اسلموا فقط لأنهم لا يعرفون ما يجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام فإذا دخلوا على بصيرة صار لنا العذر فيما بعد إذا ارتدوا أن نطلب منهم الرجوع إلى الإسلام أو نقتلهم، أما إن بين لهم إجمالًا هكذا، فإنها دعوة قاصرة، والدليل على هذا حديث سهل بن سعد - ﵁ - الذي نشرحه.
وفي الحديث، في قوله ﷺ: " فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم" يهديه: أي يوفقه بسببك إلى الإسلام فإنه خير لك من حمر النعم يعني من الإبل الحمر، وذلك لأن الإبل الحمر عند الغرب كانت من أنفس الأموال، إن لم تكن أنفس الأموال، ففعل ﵁ ونزل بساحتهم، ودعاهم إلى الإسلام ولكنهم لم يسلموا.
ثم في النهاية كانت الغلبة - ولله الحمد - وللمسلمين، ففتح الله على يدي علي بن أبي طالب﵁- والقصة مشهورة في كتب المغازي
[ ٢ / ٣٦٧ ]
والسير، ولكن الشهاد من هذا الحديث: أنه أمرهم أن يدعوهم إلى الإسلام، وأن يخبرهم بما يحب عليهم من حق الله تعالى فيه.
وفي هذا الحديث من الفوائد:
ظهور آية من آيات النبي ﷺ وهي أنه لما بصق في عيني على بن أبي طالب ﵁ برىء حتى كأن لم يكن به وجع.
وفيه أيضًا آية أخرى: وهي قوله" يفتح الله علي يديه" وهي خبر غيبي، ومع ذلك فتح الله علي يديه.
وفيه أيضًا من الفوائد: أنه ينبغي نصب الرايات في الجهاد، وهي الأعلام، وأن يُجعل لكل قوم راية معينة يعرفون بها كما سبقت الإشارة إليه.
وفيه أيضًا من الفوائد: تحري الإنسان للخير والسبق إليه لأن الصحابة جعلوا في تل الليلة يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم، يدوكون ليلتهم يعني يدوكون في ليلتهم، في منصوبة على الظرفية، يعني انهم يبحثون من يكون.
وفيه أيضًا: أن الإنسان قد يعطى الشيء من غير أن يخطر له على بال، وأنه يحرم من كان متوقعًا أن يناله هذا الشيء، لأن علي بن أبي طالب﵁ - كان مريضًا في عينيه، ولا أظن أنه يخطر بباله أن رسول الله ﷺ سيعطيه الراية، ومع ذلك أدركها وفضل الله تعالى يؤتيه من يشاء والله الموفق.
* * *
[ ٢ / ٣٦٨ ]
١٧٦- وعن أنس - ﵁- أن فتى من اسلم قال: يا رسول الله إني أريد الغزو وليس معي ما اتجهز به؟ قال: " أئت فلانًا فإنه قد كان تجهز فمرض" فقال: يا فلانةُ أعطيه الذي تجهزت به، ولا تحبسى منه شيئًا، فواالله لا تحبسين منه شيئًا فيبارك لك فيه " رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث الذي ذكره المؤلف فيه الدلالة على الخير، فإن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسم ليطلب منه أن يتجهز إلى الغزو، فأرشده النبي صلى الله عليه وسمل ودله على رجل كان قد تجهز براحلته وما يلزمه لسفره ولكنه مرض، فلم يتمكن من الخروج إلى الجهاد، فجاء الرجل إلى صاحبه الذي كان قد تجهز فأخبره بما قال النبي صلى الله عليه وسمل، فقال لامرأته: أخرجي ما تجهزت به ولا تحبسي منه شيئًا، فو الله لا تحبسين منه شيئًا فيُبارك لنا فيه.
ففي هذا دليلٌ على أن الإنسان إذا دلّ أحدًا على الخير فإنه يثاب على ذلك، وقد سبق أن " من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله".
وفيه دليلٌ أيضًا على أن من أراد عملًا صالحًا فحبسه عنه مرض، فإنه ينبغي أن يدفع ما بذله لهذا العمل الصالح إلى من يقوم به حتى يكتب له
[ ٢ / ٣٦٩ ]
الأجر كاملًا؛ لأن الإنسان إذا مرض وقد أراد العمل وتجهز له، ولكن حال بينه وبين العمل مرضه، فإنه يكتب له الأجر كاملًا ولله الحمد، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (النساء: ١٠٠) .
وفيه دليلٌ أيضًا من كلام الصاحبة - ﵃ - أن الإنسان إذا بذل الشيء في الخير فإن الأفضل أن ينفذه، فمثلًا لو أردت أن تتصدق بمال، وعزلت المال الذي تريد أن تتصدق به أو تبذله في مسجد، أو في جمعية خيرية أو ما أشبه ذلك، فلك الخيار أن ترجع عما فعلت؛ لأنه ما دام الشيء لم يبلغ محله فهو بيدك، ولكن الأفضل أن تنفذه وألا ترجع فيما أردت من أجل أن تكون من السباقين إلى الخير، والله الموفق.
[ ٢ / ٣٧٠ ]