قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: من الآية١٩] .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀: باب ستر عورات المسلمين والنهي عن إشاعتها.
العورة هنا هي العورة المعنوية؛ لأن العورة نوعان: عورة حسية، وعورة معنوية.
فالعورة الحسية: هي ما يحرم النظر إليه؛ كالقبل والدبر وما أشبه ذلك مما هو معروف في الفقه.
والعورة المعنوية: وهي العيب والسوء الخلقي أو العملي.
ولا شك أن الإنسان كما وصفه الله ﷿ في قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) [الأحزاب: ٧٢] .
فالإنسان موصوف بهذين الوصفين: الظلم والجهل؛ فإما أن يرتكب الخطأ عن عمد؛ فيكون ظالما، وإما أن يرتكب الخطأ عن جهل؛ فيكون جهولًا، هذه حال الإنسان إلا من عصم الله ﷿ ووفقه للعلم والعدل، فإنه يمشي بالحق ويهدي إلى الحق.
[ ٣ / ٥ ]
وإذا كان الإنسان من طبيعته التقصير والنقص والعيب؛ فإن الواجب على المسلم نحو أخيه أن يستر عورته ولا يشيعها إلا من ضرورة. فإذا دعت الضرورة إلى ذلك فلابد منه، لكن بدون ضرورة فالأولى والأفضل أن يستر عورة أخيه؛ لأن الإنسان بشر ربما يخطئ عن شهوة - يعني عن إرادة سيئة - أو عن شبهة، حيث يشتبه عليه الحق فيقول بالباطل أو يعمل به، والمؤمن مأمور بأن يستر عورة أخيه.
هب أنك رأيت رجلًا على كذب وغش في البيع والشراء؛ فلا تفش ذلك بين الناس؛ بل أنصحه واستر عليه، فإن توفق واهتدى وترك ما هو عليه؛ كان ذلك هو المراد، وإلا وجب عليك أن تبين أمره للناس؛ لئلا يغتروا به.
وهب أنك وجدت إنسانًا مبتلى بالنظر إلى النساء، ولا يغض بصره، فاستر عليه، وانصحه وبين له أن هذا سهم من سهام إبليس؛ لأن النظر - والعياذ بالله - سهم من سهام إبليس يصيب به قلب العبد، فإن كان عنده مناعة، اعتصم بالله من هذا السهم الذي ألقاه الشيطان في قلبه، وإن لم يكن عنده مناعة؛ أصابه السهم، وتدرج به إلى أن يصل إلى الفحشاء والمنكر والعياذ بالله يكون أشد عذابًا.
فما دام الستر ممكنا، ولم يكن في الكشف عن عورة أخيك مصلحة راجحة أو ضرورة ملحة، فاستر عليه ولا تفضحه.
ثم أستدل المؤلف ﵀ بقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: من الآية١٩] .
[ ٣ / ٦ ]
ولمحبة شيوع الفاحشة في الذين آمنوا معنيان:
المعنى الأول: أن يحب شيوع الفاحشة في المجتمع المسلم، ومن ذلك من يبثون الأفلام الخليعة، والصحف الخبيثة الداعرة، فإن هؤلاء - لا شك - يحبون أن تشيع الفاحشة في المجتمع المسلم، ويريدون أن يفتتن المسلم في دينه بسبب ما يشاع من هذه المجلات، والأفلام الخليعة الفاسدة، أو ما أشبه ذلك.
وكذلك تمكين هؤلاء مع القدرة على منعهم، داخل في محبة (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا) [النور: ١٩]، فالذي يقدر على منع هذه المجلات وهذه الأفلام الخليعة، ويمكن من شيوعها في المجتمع المسلم، فهو ممن يحب أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي عذاب مؤلم في الدنيا والآخرة.
ونقول: إنه يحب على كل مسلم أن يحذر من هذه الصحف وأن يتجنبها، وألا يدخلها في البيت، لما فيها من الفساد: فساد الخلق ويتبعه فساد الدين؛ لأن الأخلاق إذا فسدت؛ فسدت الأديان، نسأل الله العافية.
المعنى الثاني: أن يحب أن تشيع الفاحشة في شخص معين، وليس في المجتمع الإسلامي كله، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا والآخرة، مثل أن يحب أن تشيع الفاحشة في زيد من الناس لسبب ما، فهذا أيضا له عذاب أليم في الدنيا الآخرة، لاسيما فيمن نزلت الآية في سياق الدفع عنه، وهي أم المؤمنين عائشة ﵂؛ لأن هذه الآية في سياق آيات
[ ٣ / ٧ ]
الإفك، والإفك هو الكذب الذي افتراه من يكرهون النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ومن يحبون أن يتدنس فراشه، ومن يحبون أن يعير بأهله من المنافقين وأمثالهم.
وقضية الإفك مشهورة، وهي أن النبي ﷺ كان إذا أراد سفرا؛ أقرع بين نسائه، وذلك من عدله عليه الصلاة السلام، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأقرع بين نسائه ذات سفرة؛ فخرج السهم لعائشة فخرج بها.
وفي أثناء رجوعهم عرّسوا في أرض، يعني ناموا في آخر الليل، فلما ناموا احتاجت عائشة ﵂ أن تبرز لتقضي حاجتها، فأمر النبي ﷺ بالرحيل في آخر الليل، فجاء القوم فحملوا هودجها ولم يشعروا أنها ليست فيه؛ لأنها كانت صغيرة لم يأخذها اللحم، فقد تزوجها النبي ﷺ ولها ست سنين، ودخل عليها ولها تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، فحملوا الهودج وظنوا أنها فيه ثم ساروا.
ولما رجعت؛ لم تجد القوم في مكانهم، ولكن من عقلها وذكائها لم تذهب يمينًا وشمالًا تطلبهم؛ بل بقيت في مكانها وقالت: سيفقدونني ويرجعون إلى مكاني.
ولما طلعت الشمس إذا برجل يقال له صفوان بن المعطل، وكان من قوم إذا ناموا لم يستيقظوا، كما هو حال بعض الناس الذين إذا ناموا لا
[ ٣ / ٨ ]
يستيقظون، حتى ولو علت الأصوات من حوله. فكان صفوان من جملة هؤلاء القوم، فكان إذا نام؛ تعمق في النوم فلا يمكن أن يستيقظ إلا إذا أيقظه الله ﷿ كأنه ميت.
فلما استيقظ وجاء وإذا أم المؤمنين عائشة ﵂ وحدها في مكان في البر - وكان يعرفها قبل أن ينزل الحجاب - فما كان منه إلا أن أناخ بعيره ولم يكلمها بكلمة، لم يقل لها: ما الذي أقعدك؟ أو لماذا؟
والسبب في أنه لم يتكلم هو احترامه لفراش رسول الله ﷺ، لا يريد أن يتكلم مع أهله بغيبته ﵁، فأناخ البعير ووضع يده على ركبة البعير ولم يقل اركبي ولا تكلم بشيء، فركبت ثم ذهب بالبعير يقودها، ولم يكن يسوقها حتى لا ينظر إليها ﵁.
ولما أقبل على القوم ضحى وقد ارتفع النهار؛ فرح المنافقون أعظم فرح أن يجدوا مدخلًا للطعن في رسول الله ﷺ، فاتهموا الرجل بالعفاف الرزان الطاهرة النقية فراش رسول الله ﷺ، اتهموه بها وصاروا يشيعون الفاحشة بأن هذا الرجل فعل ما فعل، وسقط في ذلك أيضا ثلاثة من الصحابة الخلَص وقعوا فيما وقع فيه المنافقون، وهم: مسطح بن أثاثة بن خالة أبي بكر، وحسان بن ثابت ﵄، وحمنة بنت جحش.
فصارت ضجة، وصار الناس يتكلمون: ما هذا؟ وكيف يكون؟ من مشتبه عليه الأمر، ومن منكر غاية الإنكار. وقالوا: لا يمكن أن يتدنس فراش رسول الله ﷺ لأنه أطهر الفراش على وجه الأرض.
وأراد الله بعزته وقدرته وحكمته لما وصل النبي ﷺ المدينة أن تمرض
[ ٣ / ٩ ]
عائشة ﵂ وبقيت حبيسة البيت لا تخرج، وكان النبي ﷺ من عادته إذا عادها في مرضها سأل وتكلم وتحفَّى. أما في ذلك الوقت فكان ﵊ لا يتكلم، يأتي ويدخل ويقول: «كيف تيكم؟» أي كيف هذه، ثم ينصرف، وقد استنكرت ذلك منه ﵂، ولكنها ما كان يخطر ببالها أن أحدا يتكلم في عرضها بما فيه دنس فراش رسول الله ﷺ.
فقد أشاع المنافقون هذه الفرية على الصديقة بنت الصديق عائشة ﵂ فراش رسول الله ﷺ لا كراهة لذاتها؛ ولكن كراهة لرسول الله ﷺ، وبغضًا له، ومحبة في إيذائه وأن يدنس فراشه قاتلهم الله أنى يؤفكون.
ولكن الله تعالى أنزل في هذه القصة عشر آيات من القرآن ابتدأها بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ١١]، والذي تولى كبره هو رأس المنافقين عبد الله بن أبيّ المنافق، فإنه هو الذي كان يشيع الخبر.
لكنه خبيث لا يشيعه بلفظ صريح فيقول مثلًا إن فلانًا زنى بفلانة، لكنه يشيع ذلك بالتعريض والتلميح؛ كأن يقول: يذكر، يقال، يقولون: وما أشبه ذلك لأن المنافقين جبناء يتسترون ولا يصرحون بما في نفوسهم، فيقول ﷿: (وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) [النور: ١١ ـ١٢] .
وفي هذا توبيخ من الله ﷿ للذين تكلموا في هذا الأمر، يقول: لولا إذا سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا، وذلك أن أم
[ ٣ / ١٠ ]
المؤمنين أمهم فكيف يظنون ما لا يليق بها ﵂، وكان الواجب عليهم لما سمعوا هذا الخبر؛ أن ظنوا بأنفسهم خيرًا وتبرؤوا منه وممن قاله.
(لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النور: ١٣]، يعني هلا جاءوا عليه بأربعة شهداء يشهدون على هذا الأمر.
(فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) ولو صدقوا، ولهذا لو أن شخصا شاهد إنسانا يزني، وجاء إلى القاضي وقال أنا أشهد أن فلانا يزني، قلنا: هات أربعة شهداء، فإذا لم يأت بأربعة شهداء؛ جلدناه ثمانين جلدة، فإن جاء برجل ثان معه؛ جلدناهم كل واحد ثمانين جلدة، وثالث أيضا نجلد كل واحد ثمانين جلدة.
فمثلًا لو جاءنا ثلاثة يشهدون بأنهم رأوا فلانا يزني بفلانة، ولم يثبت ذلك، فإننا نجلد كل واحد ثمانين جلدة، ولهذا قال الله تعالى: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٣ - ١٤] .
لولا الفضل والرحمة من الله؛ لأصابكم فيما أفضتم فيه العقاب المذكور، وفي قوله: (أَفَضْتُمْ فِيهِ) دليل على أن الحديث انتشر وفاض واستفاض واشتهر؛ لأنه أمر جلل عظيم خطير، وقد جرت العادة بأن الأمور الكبيرة تنتشر بسرعة وتملأ البيوت، وتملأ الأفواه والآذان (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِذْ
[ ٣ / ١١ ]
تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: ١٤، ١٥] .
(إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ) من غير روِيهّ، ومن غير بينة، ومن غير يقين، (وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) لأنه قذف لأطهر امرأة على وجه الأرض، هي وصاحباتها زوجات رسول الله ﷺ، فالأمر صعب وعظيم.
وفي ذلك أيضا تدنيس لرسول الله ﷺ؛ لأن الله تعالى يقول: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ) [النور: ٢٦] .
فإذا كانت عائشة أم المؤمنين زوج رسول الله ﷺ يحصل منها هذا الأمر - وحاشاها منه - فإن ذلك يدل على خبث زوجها والعياذ بالله؛ لأن الخبيثات للخبيثين، ولكنها ﵂ طيبة وزوجها طيب، فزوجها محمد رسول الله ﷺ، وهي الصديقة بنت الصديق ﵂ وعن أبيها.
ولهذا يقول تعالى: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ) [النور: ١٥]، ثم قال تعالى: (وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) يعني: هلا إذ سمعتموه (قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور: ١٦]، وهذا هو الواجب عليك؛ أن تنزه الله أن يقع مثل هذا من زوج النبي ﷺ، ولهذا قال: (سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) .
وتأمل كيف جاءت هذه الكلمة التي تتضمن تنزيه الله ﷿، إذ أنه لا يليق بحكمة الله ورحمته وفضله وإحسانه أن يقع مثل هذا من زوج رسول
[ ٣ / ١٢ ]
الله ﷺ، ثم قال تعالى: (يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [النور: ١٧]، يعني لا تعودا لمثل هذا أبدًا إن كنتم مؤمنين.
ثم قال تعالى: (وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور: ١٨] .
والحمد لله على بيانه، ولهذا أجمع العلماء على أن من رمى أم المؤمنين عائشة ﵂ بما جاء في حديث الإفك؛ فإنه كافر مرتد، كافر كالذي يسجد للصنم، فإن تاب وأكذب نفسه؛ وإلا قتل كافرًا؛ لأنه كذب القرآن مع أن الصحيح أن من رمى زوجه من زوجات الرسول ﷺ بمثل هذا فإنه كافر؛ لأنه منتقص لرسول الله ﷺ، كل من رمى زوجة من زوجات الرسول بما برّأ الله منه عائشة؛ فإنه يكون كافر مرتدًا، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل بالسيف، وألقيت جيفته في حفرة من الأرض، بدون تغسيل، ولا تكفين، ولا صلاة؛ لأن الأمر خطير.
ثم قال ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [النور: ١٩، ٢٠] .
وسبق أن أشرنا إلى أن ثلاثة من الصحابة الخُلّص تورطوا في هذه القضية، وهم: حسان بن ثابت ﵁، ومسطح بن أثاثة، وهو ابن خالة أبي بكر، وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وزينب بنت جحش زوج الرسول ﷺ وضرة عائشة، ومع ذلك حماها الله، لكن أختها تورطت، ولما أنزل الله براءتها؛ أمر النبي ﷺ أن يُحدّ الثلاثة حد القذف، فجلد كل واحد ثمانين جلدة.
[ ٣ / ١٣ ]
أما المنافقون فلم يقم النبي ﷺ عليهم الحد، واختلف العلماء في ذلك:
فقيل: لأن المنافق لا يصرحون وإنما يقولون: يُقال، أو يذكر أو سمعنا، أو ما أشبه ذلك.
وقيل: لأن المنافق ليس أهلًا للتطهير، فالحد طهرة للمحدود، وهؤلاء المنافقون ليسوا بأهل للتطهير، ولهذا لم يجلدهم الرسول ﵊؛ لأن لو جلدهم؛ لطهرهم من موبق هذا الشي، لكنهم ليسوا أهلًا للتطهير، فهم في الدرك الأسفل من النار، فتركهم وذنوبهم، فليس فيهم خير، وقيل غير ذلك.
وعلى كل حال فإن هذه القصة قصة عظيمة، فيها عِبر كثيرة، والله الموفق.
* * *
١/٢٤٠ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال «لا يستر عبد عبدًا في الدنيا إلا ستره الله تعالى يوم القيامة» .
الستر يعني الإخفاء، وقد سبق لنا أن الستر ليس محمودًا على كل حال، وليس مذمومًا على كل حال، فهو نوعان:
[ ٣ / ١٤ ]
النوع الأول: ستر الإنسان الستير، الذي لم تجر منه فاحشة، ولا ينبغي منه عدوان إلا نادرًا، فهذا ينبغي أن يستر وينصح ويبين له أنه على خطأ، وهذا الستر محمود.
والنوع الثاني: ستر شخص مستهتر متهاون في الأمور معتدٍ على عباد الله شرير، فهذا لا يستر؛ بل المشروع أن يبين أمره لولاة الأمر حتى يردعوه عما هو عليه، وحتى يكون نكالًا لغيره.
فالستر يتبع المصالح؛ فإذا كانت المصلحة في الستر؛ فهو أولى، وإن كانت المصلحة في الكشف فهو أولى، وإن تردد الإنسان بين هذا وهذا؛ فالستر أولى، والله الموفق.
* * *
٢/٢٤١ - وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملًا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا كذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين» . يعني بـ «كل الأمة»
[ ٣ / ١٥ ]
أمة الإجابة الذين استجابوا للرسول ﷺ.
معافى: يعني قد عافاهم الله ﷿.
إلا المجاهرين: والمجاهرون هم الذين يجاهرون بمعصية الله ﷿، وهم ينقسمون إلى قسمين:
الأول: أن يعمل المعصية وهو مجاهر بها، فيعملها أمام الناس، وهم ينظرون إليه، هذا لا شك أنه ليس بعافية؛ لأنه جر على نفسه الويل، وجره على غيره أيضا.
أما جره على نفسه: فلأنه ظلم نفسه حيث عصى الله ورسوله، وكل إنسان يعصي الله ورسوله؛ فإنه ظالم لنفسه، قال الله تعالى: (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [البقرة: ٥٧]، والنفس أمانة عندك يجب عليك أن ترعاها حق رعايتها، وكما أنه لو كان لك ماشية فإنك تتخير لها المراعي الطيبة، وتبعدها عن المراعي الخبيثة الضارة، فكذلك نفسك، يجب عليك أن تتحرى لها المراتع الطيبة، وهي الأعمال الصالحة، وأن تبعدها عن المراتع الخبيثة، وهي الأعمال السيئة.
وأما جره على غيره: فلأن الناس إذا رأوه قد عمل المعصية؛ هانت في نفوسهم، وفعلوا مثله، وصار - والعياذ بالله - من الأئمة الذين يدعون إلى النار، كما قال الله تعالى عن آل فرعون: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ) [القصص: ٤١] .
وقال النبي ﵊: «من سن في الإسلام سنة سيئة؛
[ ٣ / ١٦ ]
فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة» .
فهذا نوع من المجاهرة، ولم يذكره النبي ﷺ؛ لأنه واضح، لكنه ذكر أمرًا آخر قد يخفى على بعض الناس فقال: ومن المجاهرة أن يعمل الإنسان العمل السيئ في الليل فيستره الله عليه، وكذلك في بيته فيستره الله عليه ولا يُطلع عليه أحدًا، ولو تاب فيما بينه وبين ربه؛ لكان خيرًا له، ولكنه إذا قام في الصباح واختلط بالناس قال: عملت البارحة كذا، وعملت كذا، وعملت كذا، فهذا ليس معافى، هذا والعياذ بالله قد ستر الله عليه فأصبح يفضح نفسه.
وهذا الذي يفعله بعض الناس أيضًا يكون له سببان:
السبب الأول: أن يكون الإنسان غافلًا سليمًا لا يهتم بشيء، فتجده يعمل السيئة ثم يتحدث بها عن طهارة قلب.
والسبب الثاني: أن يتحدث بالمعاصي تبجحًا واستهتارًا بعظمة الخالق، - والعياذ بالله - فيصبحون يتحدثون بالمعاصي متبجحين بها كأنما نالوا غنيمة، فهؤلاء والعياذ بالله شر الأقسام.
ويوجد من الناس من يفعل هذا مع أصحابه، يعني أنه يتحدث به مع أصحابه فيحدثهم بأمر خفي لا ينبغي أن يذكر لأحد، لكنه لا يهتم بهذا الأمر فهذا ليس من المعافين؛ لأنه من المجاهرين.
والحاصل أنه ينبغي للإنسان أن يتستر بستر الله ﷿، وأن يحمد
[ ٣ / ١٧ ]
الله على العافية، وأن يتوب فيما بينه وبين ربه من المعاصي التي قام بها، وإذا تاب إلى الله وأناب إلى الله؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله الموفق.
* * *
٣/٢٤٢ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «إذا زنت الأمة فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فليبعها ولو بحبل من شعر» متفق عليه.
التثريب: التوبيخ.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب» .
والأمة: هي المملوكة التي تباع وتشترى، فإذا زنت يقول ﵊: فليجلدها الحد، وحد الأمة نصف حد الحرة، كما قال تعالى: (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] .
والحرة إذا كانت بكرًا وزنت تجلد مائة جلدة وتغرب سنة، والأمة نصف ذلك يعني خمسين جلدة، وأما تغريبها؛ ففي ذلك قولان للعلماء:
منهم من: قال تغرب نصف سنة.
ومنهم من قال: إنها لا تغرب؛ لأنه قد تعلق بها حق السيد.
[ ٣ / ١٨ ]
ثم إن زنت المرة الثانية؛ فليجلدها الحد ولا يثرب، ثم إن زنت يعني في الثالثة أو الرابعة؛ فليبعها ولو بحبل من شعر، يعني ولا يبقيها؛ لأنه لا خير فيها.
ففي هذا دليل على أن السيد يقيم الحد على مملوكه، وأما غير السيد؛ فلا يقيم الحد.
وإنما يتولى إقامة الحد الإمام، أو نائب الإمام حتى الأب لا يملك إقامة الحد على ابنه؛ لأن هذا موكول للإمام أو نائبه، وفي قوله «فليبعها ولو بحبل من شعر» وإذا قال قائل: وإذا باعها فما الفائدة إذا كانت قد ألفت الزنا والعياذ بالله؟ نقول: لأنه إذا تغيرت بها الأحوال؛ فربما تتغير حالها، وأيضا إذا باعها؛ فسوف يخبر المشتري بأنها أمة تزني. وسوف يكون المشتري شديدًا عليها حتى يمنعها من ذلك.
* * *
٤/٢٤٣ - وعنه قال: أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمرًا قال: «اضربوه» قال أبو هريرة فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه، فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله قال: «لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان» رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف - رحمة الله - عن أبي هريرة ﵁ قال «أتي النبي ﷺ برجل قد شرب خمرًا» .
[ ٣ / ١٩ ]
والخمر: كل ما أسكر، ومعنى الإسكار أن يغيب العقل من شدة اللذة؛ لأن غيبوبة العقل أحيانًا تكون بدواء كالبنج، فهذا ليس بسكر، وأحيانًا تكون بإغماء، وأحيانًا تكون بسكر، وهو تغطية العقل بلذة وطرب، ولهذا تجد السكران - والعياذ بالله - يتخيل نفسه وكأنه ملك من الملوك، كما قال الشاعر:
ونشربها فتتركنا ملوكا
وكما قال حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ حين جاءه النبي ﷺ وقد ثمل من السكر قبل أن تحرم الخمر فعلمه في ذلك، فقال له حمزة: هل أنتم إلا عبيد أبي، يقول للرسول ﵊ وهو ﵁ من أشد الناس تعظيمًا للرسول، لكنه سكران.
والحاصل أن السكر تغطية للعقل على وجه اللذة والطرب.
ولذلك فلما جاء إلى النبي ﷺ هذا الشارب للخمر قال: «اضربوه» .
فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، ومنا الضارب بسوطه، ومنا الضارب بنعله، ولم يحدد لهم النبي ﷺ عددا معينًا، فلما انصرف بعضهم قال له رجل: أخزاك الله، فقال النبي ﷺ: «لا تعينوا عليه الشيطان»؛ لأن الخزي معناه العار والذل، فأنت إذا قلت لرجل: أخزاك الله؛ فإنك قد دعوت الله عليه بما يذله ويفضحه، فتعين عليه الشيطان.
وفي هذا الحديث دليل على أن عقوبة الخمر ليس لها حد معين، ولهذا لم يحد لهم النبي ﷺ حدًا، ولم يعدها عدًا، كل يضرب بما تيسر، من يضرب بيده، ومن يضرب بطرف ثوبه، ومن يضرب بعصاه، ومن
[ ٣ / ٢٠ ]
يضرب بنعله، لم يحد فيها حدًا، وبقي الأمر كذلك.
وفي عهد أبي بكر صارت تقدر بنحو أربعين، وفي عهد عمر كثر الناس الذين دخلوا في الإسلام، ومنهم من دخل عن غير رغبة، فكثر شرب الخمر في عهد عمر ﵁، فلما رأى الناس قد أكثروا منها استشار الصحابة فقال عبد الرحمن بن عوف ﵁: أخف الحدود ثمانون وهو حد القذف، فرفع عمر ﵁ عقوبة شارب الخمر إلى ثمانين جلدة.
ففي هذا دليل على أن الإنسان إذا فعل ذنبًا وعوقب عليه في الدنيا؛ فإنه لا ينبغي لنا أن ندعو عليه بالخزي والعار؛ بل نسأل الله له الهداية، ونسأل الله له المغفرة، والله الموفق.
[ ٣ / ٢١ ]