قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: ٢٣٣]، وقال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَئهَا) [الطلاق: ٧]، وقال تعالى (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى ـ: باب النفقة على العيال.
العيال: هم الذين يعولهم الإنسان من زوجة أو قريب أو مملوك، وقد سبق الكلام على حقوق الزوجة، أما الأقارب فلهم حق، قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى) [النساء: ٣٦] .
فالقريب له حق في أن ينفق عليه، يعني أن تبذل له من الطعام والشراب والكسوة والسكنى ما يقوم بكفايته، كما قال الله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المولود له هو الأب، عليه أن ينفق على أولاده وعل زوجاته، وعلى من أرضعت ولده ولو كانت في غير حباله؛ لأنه قال: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) من أجل الإرضاع، أما إذا كانت في حباله فلها النفقة من أجل الزوجية.
[ ٣ / ١٥٤ ]
وقوله: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) يشمل الأب الأدنى والأب الأعلى؛ كالجد ومن فوقه، فعليه أن ينفق على أولاد أولاده، وإن نزلوا.
لكن يشترط لذلك شروط:
الشرط الأول: أن يكون المنفق قادرًا على الإنفاق؛ فإن كان عاجزًا فإنه لا يجب عليه الإنفاق، لقوله تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَهَا) أي: إلا ما أعطاها، (آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) [الطلاق: ٧] .
الشرط الثاني: أن يكون المنفق عليه عاجزًا عن الإنفاق على نفسه، فإن كان قادرًا على الإنفاق على نفسه فنفسه أولى، ولا يجب على أحد أن ينفق عليه؛ لأنه مستغن، وإذا كان مستغنيًا، فإنه لا يستحق أن ينفق عليه.
الشرط الثالث: أن يكون المنفق وارثًا للمنفق عليه؛ لقوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣]،
فإن كان قريبًا لا يرث؛ فلا يجب عليه الإنفاق.
فإذا تمت الشروط الثلاثة؛ فإنه يجب على القريب أن ينفق على قريبه ما يحتاج إليه من طعام، وشراب، ولباس، ومسكن، ونكاح، وإن كان قادرًا على بعض الشيء دون بعض؛ وجب على القريب الوارث أن يكمل ما نقص؛ لعموم قوله تعالى: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) [البقرة: ٢٣٣] .
ثم ذكر المؤلف ثلاث آيات: الآية الأولى قول الله ﵎: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: من الآية٢٣٣]، والآية الثانية: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ
اللَّهُ) [الطلاق: ٧]، والآية
[ ٣ / ١٥٥ ]
الثالثة قوله تعالى: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [سبأ: ٣٩] .
فقوله: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي شيء يكون قد أنفقتموه لله ﷿ (فَهُوَ يُخْلِفُه) أي يعطيكم خلفه وبدله وهو خير الرازقين.
* * *
١/٢٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينار أنفقته على أهلك، أعظمها أجر الذي أنفقته على أهلك» رواه مسلم.
٢/٢٩٠ - وعن أبي عبد الله - ويقال له: أبو عبد الرحمن - ثوبان ابن بجدد مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله» رواه مسلم.
٣/٢٩١ - وعن أم سلمة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله، هل لي أجر في بني أبي سلمة أن أتفق عليهم، ولست بتاركتهم هكذا وهكذا إنما هم بنيّ؟ فقال: «نعم لك أجر ما أنفقت عليهم» متفق عليه
٤/٢٩٢ - وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ في حديثه الطويل الذي
[ ٣ / ١٥٦ ]
قدمناه في أول الكتاب في باب النية أن رسول الله ﷺ قال له: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فيَ امرأتك» متفق عليه.
٥/٢٩٣ - وعن أبي مسعود البدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا انفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة» متفق عليه.
٦/٢٩٤ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» حديث صحيح رواه أبو داود وغيره.
ورواه مسلم في صحيحه بمعناه قال: «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته» .
٧/٢٩٥ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: قال «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا» متفق عليه.
٨/٢٩٦ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ
[ ٣ / ١٥٧ ]
بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله» رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب النفقة على الأهل، كلها تدل على فضيلة الإنفاق على الإنفاق على الأهل، وأنه أفضل من الإنفاق في سبيل الله، وأفضل من الإنفاق في الرقاب، وأفضل من الإنفاق على المساكين؛ وذلك لأن الأهل ممن ألزمك الله بهم، وأوجب عليك نفقتهم، فالإنفاق عليهم فرض عين، والإنفاق على من سواهم فرض كفاية، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية.
وقد يكون الإنفاق على من سواهم على وجه التطوع، والفرض أفضل من التطوع؛ لقوله تعالى في الحديث القدسي: «ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه» .
لكن الشيطان يرغب الإنسان في التطوع ويقلل رغبته في الواجب، فتجده مثلًا يحرص على الصدقة ويدع الواجب، يتصدق على مسكين أو ما أشبه ذلك ويدع الواجب لأهله، يتصدق على مسكين أو نحوه ويدع الواجب لنفسه؛ كقضاء الدين مثلًا، تجده مدينًا يطالبه صاحب الدين بدينه وهو لا يوفي، ويذهب يتصدق على المساكين وربما يذهب للعمرة أو
[ ٣ / ١٥٨ ]
لحج التطوع وما أشبه ذلك ويدع الواجب، وهذا خلاف الشرع وخلاف الحكمة، فهو سفه في العقل وضلال في الشرع.
والواجب على المسلم أن يبدأ بالواجب الذي هو محتم عليه، ثم بعد ذلك ما أراد من التطوع بشرط ألا تكون مسرفًا ولا مقطرًا، فتخرج عن سبيل الاعتدال؛ لقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [الفرقان: ٦٧] .
يعني لا إقتار ولا إسراف، بل قوامًا، ولم يقل بين ذلك فقط، بل بين ذلك قوامًا، قد يكون الأفضل أن تزيد أو أن تنقص أو بين ذلك بالوسط.
على كل حال هذه الأحاديث كلها تدل على أنه يجب على الإنسان أن ينفق على من عليه نفقته، وأن إنفاقه على من عليه نفقته أفضل من الإنفاق على الغير.
وفي هذه الأحاديث أيضًا التهديد والوعيد على من ضيع عمن يملك قوته، وهو شامل للإنسان وغير الإنسان، فالإنسان يملك الأرقة مثلًا، ويملك المواشي من إبل وبقر وغنم فهو آثم إذا ضيع من يلزمه قوته من آدميين أو غير آدميين، «كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم»، واللفظ الثاني في غير مسلم: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت» وفي هذا دليل على وجوب رعاية من ألزمك الله بالإنفاق عليه.
[ ٣ / ١٥٩ ]