وتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب منهيٍّ عنه
قال الله تعالى: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا) [طه: ١٣٢]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم: ٦] .
١/٢٩٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: أخذ الحسن بن علي ﵄ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله ﷺ: «كخ كخ، أرم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟» متفق عليه.
وفي رواية: «أنا لا تحل لنا الصدقة»، وقوله: «كخ كخ» يقال بإسكان الخاء ويقال بكسرها مع التنوين، وهي كلمة زجر للصبي عن المستقذرات، وكان الحسن ﵁ صبيًا.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀: باب وجوب أمر أهله وأولاده المميزين وسائر من في رعيته بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم، ومنعهم من ارتكاب منهي عنه.
[ ٣ / ١٦٧ ]
ووجه المناسبة أن المؤلف ﵀، لما ذكر ما يجب للأهل من غذاء الجسم؛ ذكر لهم ما يجب من غذاء الروح على أبيهم ومن له ولاية عليهم، وأولى ما يؤمر به وأوجب وأفضل هي الصلاة، كما قال الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) [طه: ١٣٢]، فأمره أن يأمر أهله بالصلاة.
والأهل كل من في البيت؛ من زوجة، وابن، وبنت، وعمة، وخالة، وأم، كل من في البيت أهل، أمره أن يأمرهم بالصلاة، وأمره أن يصطبر عليهم يعني يحض نفسه على الصبر، ولهذا جاءت التاء التي فيها زيادة البنية وفيها زيادة المعنى اصطبر؛ لأن أصلها اصتبر عليها.
وذكر الله عن إسماعيل أبي محمد ﷺ، إذ أنه أحد أجداده، أنه كان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، وكان عند ربه مرضيًا، فالإنسان مسؤول عن أهله، مسؤول عن تربيتهم، حتى ولو كانوا صغارًا إذا كانوا مميزين، أما غير المميز فإنه يؤمر بما يتحمله عقله.
ثم ذكر حديث الحسن بن على بن أبي طالب رصي الله عنهما أنه أخذ تمرةً من الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي ﷺ «كخ كخ» يعني أنها لا تصلح لك، ثم أمره أن يخرجها من فيه، وقال: إننا لا نحل لنا الصدقة.
فالصدقة لا تحل لآل محمد؛ وذلك لأنهم أشرف الناس، والصدقات والزكوات أوساخ الناس، ولا يتناسب لأشراف الناس أن يأخذوا أوساخ الناس، كما قال النبي ﷺ لعمه العباس بن عبد المطلب ﵁: «إنا
[ ٣ / ١٦٨ ]
آل محمد لا تحل لنا الصدقة؛ إنما هي أوساخ الناس» .
ففي هذا دليل على أن الإنسان بجب عليه أن يؤدب أولاده عن فعل المحرم، كما يجب عليه أن يؤدبهم على فعل الواجب، والله الموفق.
* * *
٢/٢٩٩ - وعن أبي حفص عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد ربيب رسول الله ﷺ قال: كنت غلامًا في حجر رسول الله ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي رسول الله ﷺ «يا غلام، سمّ الله تعالى، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فما زالت تلك طعمتي بعد. متفق عليه.
«وتطيش» تدور في نواحي الصَّحفَةِ.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن عمر بن أبي سلمة ﵁، وكان ربيب النبي ﷺ؛ لأنه ابن زوجته أم سلمة ﵂، أنه كان مع النبي ﷺ في طعام يأكل فجعلت يده تطيش في الصحفة، يعني تذهب يمينًا وشمالًا، فقال له النبي ﷺ: «يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» فهذه ثلاثة آداب علمها النبي ﷺ هذا الغلام وهي:
أولًا: قال: «سمّ الله» وهذا عند الأكل.
فعند ابتداء الأكل يجب أن يقول الإنسان: بسم الله، ولا يحل له أن
[ ٣ / ١٦٩ ]
يتركها؛ لأنه إذا تركها شاركه الشيطان في أكله؛ أعدى عدو له يشاركه في الأكل إذا لم يقل بسم الله، ولو زاد: الرحمن الرحيم فلا بأس؛ لأن قول الرسول ﷺ: «بسم الله»: يعني أذكر اسم الله.
والتسمية الكاملة هي أن يقول الإنسان: بسم الله الرحمن الرحيم كما ابتدأ الله بها كتابه، وكما أرسل بها سليمان ﷺ (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم ِ) [النمل: ٣٠]، فإن اقتصرت على قول بسم الله فلا حرج، وإن زدت الرحمن الرحيم فلا حرج، الأمر في هذا واسع.
وأما التسمية على الذبيحة فهي شرط من شروط التذكية، إذا لم تسمِّ على الذبيحة فهي حرام ميتة، كأنما ماتت بغير ذبح.
ولكن العلماء يقولون: لا ينبغي أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ لأنه الآن يريد أن يذبحها، فالفعل ينافي القول بالنسبة لهذه الذبيحة؛ لأنها ستذبح. هكذا علل بعض العلماء، ولكن لو قالها أيضًا فلا حرج.
الأدب الثاني: قوله: «وكل بيمينك»: وهذا أمر على سبيل الوجوب، فيجب على الإنسان أن يأكل بيمينه وأن يشرب بيمينه؛ لأن النبي ﷺ نهى أن يأكل الإنسان بشماله، أو أن يشرب بشماله، وقال: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» وقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ
[ ٣ / ١٧٠ ]
بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور: ٢١] .
ولهذا كان القول الراجح وجوب الأكل باليمين، ووجوب الشرب باليمين، وأن الأكل بالشمال أو الشرب بالشمال حرام، ثم إن الأكل بالشمال والشرب بالشمال مع كونه من هدي الشيطان؛ فهو أيضًا من هدي الكفار؛ لأن الكفار يأكلون بشمائلهم ويشربون بشمائلهم.
ثم إن بعض الناس إذا كان على الأكل وأراد أن يشرب؛ فإنه يمسك الكأس باليسار ويشرب، ويقول أخشى أن تتلوث الكأس إذا شربت باليمين، فنقول: لتتلوث، فإنها إذا تلوثت فإنما تتلوث بطعام، ولم تتلوث ببول ولا غائط، تلوث بطعام ثم تغسل.
وبإمكانك أن تمسك الكأس من الأسفل بين إبهامك والسبابة، وتجعلها كالحلقة ولا يتلوث منه إلا شيء يسير، ولا عذر لأحد بالشرب بالشمال من أجل هذا؛ لأن المسألة على سبيل التحريم، والحرام لا يجوز إلا عند الضرورة والضرورة مثل أن تكون اليد شلاء، لا يمكن أن يرفعها إلى فيه، أو مكسورة لا يمكن أن يرفعها إلى فيه، فهذه ضرورة، أو تكون متجرحة لا يمكن أن يأكل بها أو يشرب.
المهم إذا كان ضرورة؛ فلا بأس باليسار، وإلا فلا يحل للمسلم أن يأكل باليسار ولا أن يشرب باليسار.
الأدب الثالث: قوله «وكل مما يليك»: يعني لا تأكل من حافة غيرك، بل كُلْ من الذي يليك؛ لأنك إذا اعتديت على حافة غيرك فهذا سوء أدب، فكل من الذي يليك.
[ ٣ / ١٧١ ]
إلا إذا كان الطعام أنواعًا، مثل أن يكون هناك لحم في غير الذي يليك فلا بأس أن تأكل، أو يكون هناك قرع، أو ما أشبه ذلك مما يقصد، فلا بأس أن تأكل من الذي لا يليك؛ لأن أنس بن مالك ﵁ قال: أكلت مع النبي ﷺ «فكان يتتبع الدباّء من حوالي القصعة» .
الدباّء: القرع، يتتبعه يعني يلقطه من على الصحفة ليأكله، هذا لا بأس به.
وفي هذا الحديث من الفوائد أن ينبغي على الإنسان أن يؤدب أولاده على كيفية الأكل والشرب، وعلى ما ينبغي أن يقول في الأكل والشرب، كما فعل النبي ﷺ في ربيبه، وفي هذا حسن خلق النبي ﷺ وتعليمه؛ لأنه لم يزجر هذا الغلام حين جعلت يده في الصحفة، ولكن علمه برفق، وناداه برفق: «يا غلام؛ سمِّ الله، وكل بيمينك» .
وليعلم أن تعليم الصغار لمثل هذه الآداب لا ينسى، يعني أن الطفل لا ينسى إذا علمته وهو صغير، لكن إذا كبر ربما ينسى إذا علمته، وربما يتمرد عليك بعض الشيء إذا كبر، لكن ما دام صغيرًا وعلمته يكون أكثر إقبالًا، ومن اتقى الله في أولاده؛ اتقوا الله فيه، ومن ضيع حق أولاده؛ ضيعوا حقه إذا احتاج إليهم.
* * *
[ ٣ / ١٧٢ ]
٤/٣٠١ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» حديث حسن رواه أبو داود بإسناد حسن.
٥/٣٠٢ - وعن أبي ثرية سبرة بن معبد الجهني ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين» حديث حسن رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.
ولفظ أبي داود: «مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين» .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهو أبناء عشر» وهو حديث حسن له شاهد من حديث سبرة بن معبد الجهني ﵁، وهذا من حقوق الأولاد على آبائهم؛ أن يأمروهم بالصلاة إذا بلغوا سبع سنوات، وأن يضربوهم عليها أي: على التفريط فيها وإضاعتها إذا بلغوا عشر سنين، ولكن بشرط أن يكونا ذوي عقل.
فإن بلغوا سبع سنين أو عشر سنين وهم لا يعقلون، يعني فيهم جنون؛
[ ٣ / ١٧٣ ]
فإنهم لا يؤمرون بشيء، ولا يضربون على شيء، لكن يمنعون من الإفساد؛ سواء في البيت أو خارج البيت.
وقوله: «اضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين»: المراد الضرب الذي يحصل به التأديب بلا ضرر، فلا يجوز للأب أن يضرب أولاده ضربًا مبرحًا، ولا يجوز أن يضربهم ضربًا مكررًا لا حاجة إليه، بل إذا احتاج إليه مثل ألا يقوم الولد للصلاة إلا بالضرب فإنه يضربه ضربًا غير مبرح، بل ضربًا معتادًا؛ لأن النبي ﷺ إنما أمر بضربهم لا لإيلامهم ولكن لتأديبهم وتقويمهم.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن ما ذهب إليه بعض المتأخرين ممن يدّعون أنهم أصحاب تربية من أن الصغار لا يضربون في المدارس إذا أهملوا، ففي هذا الحديث الرد عليهم، وهو دليل على بطلان فكرتهم، وأنها غير صحيحة؛ لأن بعض الصغار لا ينفعهم الكلام في الغالب، لكن الضرب ينفعهم أكثر، فلو أنهم تركوا بدون ضرب؛ لضيّعوا الواجب عليهم، وفرّطوا في الدروس وأهملوا، فلابد من ضربهم ليعتادوا النظام، ويقوموا بما ينبغي أن يقوموا به، وإلا لصارت المسألة فوضى.
إلا أنه كما قلنا لابد أن يكون الضرب للتأديب لا للإيلام والإيجاع، فيضرب ضربًا يليق بحاله، ضربًا غير مبرح، لا يفعل كما يفعل بعض المعلمين في الزمن السابق؛ يضرب الضرب العظيم الموجع، ولا يهمل كما يدعي هؤلاء المربون الذين هم من أبعد الناس عن التربية، لا يقال لهم شيء؛ لأن الصبي لا يمتثل ولا يعرف، لكن الضرب يؤدبه، والله الموفق.
[ ٣ / ١٧٤ ]