قال الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩)، وقال تعالي: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات) (الأحزاب: من الآية٣٥) وقال تعالي: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) (محمد: من الآية٢١) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀ تعالي: باب الصدق.
الصدق: معناه مطابقة الخبر للواقع، هذا في الأصل.
ويكون في الإخبار، فإذا أخبرت بشيء وكان خبرك مطابقًا للواقع قيل: إنه صدق، مثل أن تقول عن هذا اليوم: اليوم يوم الأحد، فهذا خبر صدق؛ لأن اليوم يوم الأحد.
وإذا قلت: اليوم يوم الاثنين، فهذا خبر كذب.
فالخبر إن طابق الواقع فهو صدق، وإن خالف الواقع فهو كذب. وكما يكون الصدق في الأقوال يكون أيضًا في الأفعال.
فالصدق في الأفعال: هو أن يكون الإنسان باطنه موافقًا لظاهره، بحيث إذا عمل عملًا يكون موافقًا لما في قلبه.
فالمرائي مثلا ليس بصادق؛ لأنه يظهر للناس أنه من العابدين وليس كذلك.
والمشرك مع الله ليس بصادق؛ لأنه يظهر أنه موحد وليس كذلك.
والمنافق ليس بصادق، لأنه يظهر الإيمان وليس بمؤمن.
[ ١ / ٢٨٩ ]
والمبتدع ليس بصادق، لأنه يظهر الاتباع للرسول﵊- وليس بمتبع.
المهم أن الصدق مطابقة الخبر للواقع، وهو من سمات المؤمنين وعكسه الكذب، وهو من سمات المنافقين، نعوذ بالله.
ثم ذكر آيات في ذلك:
فقال: وقول الله تعالي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) .
هذه الآية نزلت بعد ذكر قصة الثلاثة الذين خلفوا، وقد تخلفوا عن غزوة تبوك، ومنهم: كعب بن مالك، وقد تقدم حديثه.
وكان هؤلاء الثلاثة حين رجع النبي صلي الله عليه وسلم من غزوة تبوك، وكانوا قد تخلفوا عنها بلا عذر، واخبروا النبي - ﵊بأنهم لا عذر لهم، فخلفهم، أي: تركهم.
فمعني: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) أي: تركوا، فلم يبت في شأنهم؛ لأن المنافقين لما قدم الرسول﵊- من غزوة تبوك جاؤوا إليه يعتذرون إليه ويحلفون بالله إنهم معذورون، وفيهم أنزل الله هذه الآية (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (التوبة: ٩٦) .
أما هؤلاء الثلاثة فصدقوا الرسول ﵊، وأخبروه
[ ١ / ٢٩٠ ]
بالصدق بأنهم تخلفوا بلا عذر.
فأرجأهم النبي - ﵊- خمسين ليلة،) حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) (التوبة: من الآية١١٨) ثم انزل الله توبته عليهم.
ثم قال بعد ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩)، فأمر الله تعالي المؤمنين بان يتقوا الله، وأن يكونوا مع الصادقين لا مع الكاذبين.
وقال الله تعالي: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات) (الأحزاب: من الآية٣٥) هذه في جملة الآية الطويلة التي ذكرها الله في سورة الأحزاب، وهي، (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَات) إلي إن قال: (وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَات) إلي أن قال: (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) (الأحزاب: من الآية٣٥) .
فذكر الله الصادقين والصادقات في مقام الثناء، وفي بيان ما لهم من الأجر العظيم.
وقال تعالي: (فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) أي: لو عاملوا الله بالصدق لكان خيرًا لهم، ولكن عاملوا الله بالكذب فنافقوا وأظهروا خلاف ما في قلوبهم، وعاملوا النبي صلي الله عليه وسلم بالكذب، فأظهروا أنهم متبعون له وهم مخالفون له. فلو صدقوا الله بقلوبهم وأعمالهم وأقوالهم لكان خيرًا لهم، ولكنهم كذبوا الله فكان شرا لهم.
وقال الله: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) (الأحزاب: من الآية٢٤) فقال: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) .
[ ١ / ٢٩١ ]
فدل ذلك على أن الصدق أمره عظيم، وأنه محل للجزاء من الله ﷾.
إذن علينا أن نصدق، وعلينا أن نكون صادقين، وعلينا أن نكون صرحاء، وعلينا أن لا نخفي الأمر عن غيرنا مداهنة أو مراءاة.
كثير من الناس إذا حدث عن شيء فعله وكان لا يرضيه كذب وقال: ما فعلت.
لماذا؟ لا تستح من الخلق وتبارز الخالق بالكذب؟ ! قل الصدق ولا يهمنك أحد، وأنت إذا عودت نفسك الصدق فإنك في المستقبل سوف تصلح حالك، أما إذا أخبرت بالكذب وصرت تكتم عن الناس وتكذب عليهم، فإنك سوف تستمر في غيك، ولكن إذا صدقت فإنك سوف تعدل مسيرتك ومنهاجك.
فعليك بالصدق فيما لك وفيما عليك؛ حتى تكون مع الصادقين الذين أمرك الله أن تكون معهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) .
٥٤ - عن ابن مسعود ﵁ عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى
[ ١ / ٢٩٢ ]
النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (متفق عليه) .
[الشَّرْحُ]
هذا الباب عقده المؤلف ﵀ للصدق فقال: باب الصدق، وذكر آيات سبق الكلام عليها، أما الأحاديث فقال: عن بن مسعود ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة. . .»
قوله: عليكم بالصدق» .. . أي: ألزموا الصدق، والصدق: مطابقة الخير للواقع، يعني: أن تخبر بشيء فيكون الخبر مطابقا للواقع، مثال ذلك: إذا قلت لمن سألك: أي يوم هذا؟ فقلت اليوم يوم الأربعاء (وهو يوم الأربعاء فعلا) فهذا صدق، ولو قلت يوم الثلاثاء لكان كذبا، فالصدق مطابقة الخبر للواقع، وقد سبق في حديث كعب بن مالك ﵁ وصاحبيه ما يدل على فضيلة الصدق وحسن عاقبته، وأن الصادق هو الذي له العاقبة، والكاذب هو الذي يكون عمله هباء. ولهذا يذكر أن بعض العامة قال: إن الكذب ينجي، فقال له أخوه الصدق أنجي وأنجي. وهذا صحيح.
واعلم أن الخبر يكون بالسان ويكون بالأركان.
وأما باللسان فهو القول، وأما بالأركان فهو الفعل، ولكن كيف يكون
[ ١ / ٢٩٣ ]
الكذب بالفعل؟ ! إذا فعل الإنسان خلاف ما يبطن فهذا قد كذب بفعله، فالمنافق مثلا كاذب لأنه يظهر للناس أنه مؤمن، يصلي مع الناس ويصوم مع الناس، ويتصدق ولكنه بخيل. وربما يحج، فمن رأى أفعاله حكم عليه بالصلاح، ولكن هذه الأفعال لا تنبئ عما في الباطن، فهي كذب.
ولهذا نقول: الصدق يكون بالسان، ومتى طابقت أعمال الجوارح ما في القلب فهي صدق بالأفعال.
ثم بين النبي ﵊ عندما أمر بالصدق - عاقبته فقال: «إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة» .
البر كثرة الخير، ومنه أسماء الله: «البر» أي كثير الخير والإحسان ﷿.
فالبر يعني كثرة الخير، وهو من نتائج الصدق، وقوله: «يهدي إلى الجنة» فصاحب البر - نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم - يهديه بره إلى الجنة، والجنة غاية كل مطلب، ولهذا يؤمر الإنسان أن يسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار (فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: ١٨٥) .
وقوله: «إن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا» وفي رواية: «ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا» .
والصديق في المرتبة الثانية من مراتب الخلق من الذين أنعم الله عليهم كما قال الله سبحانه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ
[ ١ / ٢٩٤ ]
مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (النساء: ٦٩)، فالرجل الذي يتحرى الصدق يكتب عند الله صديقا، ومعلوم أن الصديقية درجة عظيمة لا ينالها إلا أفذاذ من الناس، وتكون في الرجال وتكون في النساء، قال الله تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ) (المائدة: ٧٥) .
وأفضل الصديقين على الإطلاق أصدقهم، هو أبو بكر ﵁: عبد الله بن أبي قحافة، الذي استجاب للنبي صلي الله عليه وسلم حين دعاه إلى الإسلام، ولم يحصل عنده أي تردد وأي توقف، بمجرد ما دعاه الرسول ﷺ إلى الإسلام أسلم، وصدق النبي صلي الله عليه وسلم حين كذبه قومه، وصدقه حين تحدث عن الإسراء والمعراج وكذبه الناس وقالوا: كيف تذهب يا محمد من مكة إلى بيت المقدس وترجع في ليلة واحدة ثم تقول: إنك صعدت السماء؟ هذا لا يمكن. ثم ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا له: أما تسمع ما يقول صاحبك؟ قال: ماذا قال؟ قالوا: إنه قال كذا وكذا ! قال: «إن كان قد قال ذلك فقد صدق»، فمنذ ذلك اليوم سمي الصديق، ﵁.
وأما الكذب قال النبي صلي الله عليه وسلم «وإياكم والكذب»
«إياكم» للتحذير، أي: أحذروا الكذب، والكذب هو الإخبار بما يخالف الواقع، سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل.
فإذا قال لك قائل: ما اليوم؟ فقلت يوم الخميس، أو يوم الثلاثاء (وهو يوم الأربعاء) فهذا كذب؛ لأنه لا يطابق الواقع؛ لأن اليوم يوم الأربعاء.
[ ١ / ٢٩٥ ]
والمنافق كاذب؛ لأن ظاهره يدل على أنه مسلم وهو كافر، فهو كاذب بفعله.
وقوله: «وإن الكذب يهدي إلى الفجور» الفجور: الخروج عن طاعة الله؛ لأن الإنسان يفسق ويتعدى طوره ويخرج عن طاعة الله إلى معصيته، وأعظم الفجور الكفر - والعياذ بالله ـ؛ فإن الكفر فجرة، كما قال الله: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) (عبس: ٤٢)، وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ كِتَابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) (المطففين: ٧ - ١١)، وقال تعالى: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) (الانفطار: ١٤) .
فالكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار نعوذ بالله منها.
وقوله: «وإن الرجل ليكذب» وفي لفظ «لا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» الكذب من الأمور المحرمة، بل قال بعض العلماء: إنه من كبائر الذنوب؛ لأن الرسول ﷺ توعده بأنه يكتب عند الله كذابا.
ومن أعظم الكذب: ما يفعله بعض الناس اليوم، يأتي بالمقالة كاذبا يعلم أنها كذب، لكن من أجل أن يضحك الناس، وقد جاء في الحديث الوعيد على هذا، فقال الرسول ﵊: «ويل للذي يحدث
[ ١ / ٢٩٦ ]
فيكذب ليضحك القوم، ويل له، ويل له»، وهذا وعيد على أمر سهل عند كثير من الناس.
فالكذب كله حرام، وكله يهدي إلى الفجور، ولا يستثنى منه شيء.
ورد في الحديث، أنه يستثنى من ذلك ثلاثة أشياء: في الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث المرأة زوجها وحديثه إياها.
ولكن بعض أهل العلم قال: إن المراد بالكذب في هذا الحديث التورية وليس الكذب الصريح.
وقال التورية قد تسمى كذبا، كما في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منهن في ذات الله تعالى قوله (إِنِّي سَقِيمٌ) (الصافات: ٨٩) وقوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا) (الانبياء: ٦٣) وواحدة في شأن سارة. . .» الحديث، وهو لم يكذب، وإنما ورى تورية هو فيها صادق.
وسواء كان هذا أو هذا؛ فإن الكذب لا يجوز إلا في هذه الثلاث على
[ ١ / ٢٩٧ ]
رأي كثير من أهل العلم، وبعض العلماء يقول: الكذب لا يجوز مطلقا: لا مزحا، ولا جدا، ولا إذا تضمن أكل مال أو لا.
وأشد شيء من الكذب أن يكذب ويحلف ليأكل أموال الناس بالباطل، مثل أن يدعي عليه بحق ثابت فينكر ويقول: والله ما لك علي حق، أو يدعي ما ليس له فيقول: لي عندك كذا وكذا، وهو كاذب، فهذا إذا حلف على دعواه وكذب؛ فإن ذلك هو اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، ثم تغمسه في النار والعياذ بالله.
وثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان»، فالحاصل أن الكذب حرام، ولا يجوز للإنسان أن يكذب مطلقا، لا هازلا ولا جادا، إلا في المسائل الثلاث، على خلاف بين العلماء في معنى الحديث السابق.
٥٥ - عن أبي محمد الحسن بن على بن أبي طالب، ﵄، قال: حفظت من رسول الله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك؛ فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة» رواه الترمذي وقال: حديث صحيح.
[ ١ / ٢٩٨ ]
قوله: «يريبك» هو بفتح الياء وضمها؛ ومعناه: اترك ما تشك في حله، واعدل إلى ما لا تشك فيه.
[الشَّرْحُ]
قوله: «دع» أي: اترك. «ما لا يريبك) بفتح الياء، أي: إلى الشيء الذي لا ريب فيه.
وهذا الحديث من أحاديث الأربعين النووية، وهو حديث جامع مهم، وهو باب من أبواب الورع والاحتياط.
وقد سلك أهل العلم ﵏ في أبواب الفقه هذا المسلك، وهو الأخذ بجانب الاحتياط، وذكروا لذلك أشياء كثيرة.
منها: إنسان أصابه ثوبه نجاسة، ولا يدري هل في مقدم الثوب أو في مؤخره، إن غسل المقدم عنده ريبة لاحتمال أن تكون في مؤخرة الثوب! فما هو الاحتياط؟
الاحتياط أن يغسل مقدمه ومؤخره، حتى تزول ريبته ويطمئن.
ومنها: لو شك الإنسان في صلاته: هل صلى ركعتين أو ثلاث ركعات، ولم يترجح عنده شيء؟ فهنا، إن أخذ بركعتين صار عنده ريبه فلعله نقص، وإن أخذ بالثلاث صار عنده ريبه، فلعله لم ينقص، لكن يبقى قلقا؛ فهنا يعمل بما لا ريبة فيه فيعمل بالأقل، فإذا شك هل هي ثلاث أو
[ ١ / ٢٩٩ ]
أربع، فيجعلها ثلاثا، وهكذا.
فهذا الحديث أصل من أصول الفقه، أن الشيء الذي تشك فيه اتركه إلى شيء لا شك فيه.
ثم إن فيه تربية نفسية، وهي أن الإنسان يكون في طمأنينة ليس قلق، لأن كثيرا من الناس إذا أخذ ما يشك فيه يكون عنده قلق إذا كان حي القلب، فهو دائما يفكر: لعلي فعلت. . . لعلي تركت، فإذا قطع الشك باليقين زال عنه ذلك.
قال النبي صلي الله عليه وسلم: «فإن الصدق طمأنينة» وهذا وجه الشاهد من هذا الحديث لهذا الباب (باب الصدق) .
فالصدق طمأنينة، لا يندم صاحبه أبدا، ولا يقول: ليتني وليتني؛ لأن الصدق منجاة، والصادقون ينجيهم الله بصدقهم، وتجد الصادق دائما مطمئنا؛ لأنه لا يتأسف على شيء حصل أو شيء يحصل في المستقبل؛ لأنه قد صدق، و«من صدق نجا» .
أما الكذب، فبين النبي ﵊ أنه ريبة، ولهذا تجد أول من يرتاب في الكاذب نفسه، فيرتاب الكاذب: هل يصدقه الناس أو لا يصدقونه؟
ولهذا تجد الكاذب إذا أخبرك بالخبر قام يحلف بالله أنه صدق؛ لئلا يرتاب في خبره، مع أنه محل ريبة.
تجد المنافقين مثلا يحلفون بالله ما قالوا: ولكنهم في ريبة، قال الله تعالى (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)
[ ١ / ٣٠٠ ]
(التوبة: ٧٤) .
فالكذب لا شك أنه ريبة وقلق للإنسان، ويرتاب الإنسان: هل علم الناس بكذبه أم لم يعلموا؟ فلا يزال في شك واضطراب.
فنأخذ من هذا الحديث أنه يجب على الإنسان أن يدع الكذب إلى الصدق؛ لأن الكذب ريبة، والصدق طمأنينة، وقد قال النبي ﵊: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»: والله الموفق.
٥٦ - عن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ في حديثه الطويل في قصة هرقل، قال هرقل: فماذا يأمركم - يعني النبي صلي الله عليه وسلم - قال أبو سفيان: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق، والعفاف، والصلة» (متفق عليه) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى - فيما نقله عن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁ وكان أبو سفيان مشركا لم يسلم إلا متأخرا فيما بين صلح الحديبية وفتح مكة. وصلح الحديبية كان في السنة السادسة من الهجرة، وفتح مكة كان في السنة الثامنة من الهجرة.
[ ١ / ٣٠١ ]
قدم أبو سفيان ومعه جماعة من قريش إلى هرقل في الشام، وهرقل كان ملك النصارى في ذلك الوقت النبي صلي الله عليه وسلم وكان قد قرأ في التوراة والإنجيل وعرف الكتب السابقة، وكان ملكا ذكيا، فلما سمع بأبي سفيان ومن معه وهم قادمون من الحجاز دعا بهم، وجعل يسألهم عن حال النبي صلي الله عليه وسلم وعن نسبه، وعن أصحابه، وعن توقيرهم له، وعن وفائه ﷺ وكلما ذكر شيئا أخبروه عرف أنه النبي الذي أخبرت به الكتب السابقة، ولكنه - والعياذ بالله - شح بملكه فلم يسلم للحكمة التي أرادها الله ﷿.
لكن سأل أبا سفيان عما كان يأمرهم به النبي صلي الله عليه وسلم فأخبره بأنه يأمرهم أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، فلا يعبدوا غير الله، لا ملكا ولا رسولا، ولا شجرا ولا حجرا، ولا شمسا ولا قمرا، ولا غير ذلك، فالعباد ة لله وحده، وهذا الذي جاء به الرسول ﷺ قد جاءت به الرسل كلهم، جاؤوا بهذا التوحيد قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء: ٢٥) .
وقال الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: ٣٦)، أي: اعبدوا الله واجتنبوا الشرك.
وهذه دعوة الرسل، فجاء النبي صلي الله عليه وسلم بما جاءت به الأنبياء من قبله بعبادة الله وحده لا شريك له.
ويقول: «اتركوا ما كان عليه آباؤكم» انظر كيف الصدع بالحق! كل ما كان آباؤهم من عبادة الأصنام أمرهم النبي صلي الله عليه وسلم بتركه.
وأما ما كان عليه آباؤهم من الأخلاق الفاضلة؛ فإنه لم يأمرهم بتركه.
[ ١ / ٣٠٢ ]
كما قال الله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) فقال سبحانه مكذبا لهم: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) (لأعراف: ٢٨) .
فالحاصل أن الرسول ﵊ أمر أمته الذين باشر دعوتهم أن يدعوا ما كان عليه آباؤهم من الإشراك بالله.
وقوله: «وكان يأمرنا بالصلاة» الصلاة صلة بين العبد وبين ربه، وهي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وبها يتميز المؤمن من الكافر، فهي العهد الذي بيننا وبين المشركين والكافرين، كما قال النبي ﵊: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركه فقد كفر» أي: كفر كفرا مخرجا عن الملة؛ لأن الرسول ﵊ قال: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»، وهذا حد فاصل بين المؤمنين وبين الكافرين.
ولقد أبعد النجعة من قال من العلماء: إن المراد بالكفر الأصغر، كالذي في قوله ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر»؛ لأنه من تدبر الحديث علم أن هذا تأويل خاطئ، وأن الصواب المتعين أن المراد بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج عن الملة؛ لأن الفاصل بين شيئين، بين
[ ١ / ٣٠٣ ]
الإيمان والكفر، لابد أن يميز أحدهما من الآخر، وإلا لما صلح أن يكون فاصلا، كالحدود التي بين أرضين إحداهما لزيد والأخرى لعمرو، فإن هذه الحدود فاصلة لا تدخل أرض زيد في أرض عمرو ولا أرض عمرو في أرض زيد. وكذلك الصلاة حد فاصل، من كان خارجا منها فليس دخلا فيما وراءها.
إذا الصلاة من بين سائر الأعمال إذا تركها الإنسان فهو كافر، لو ترك الإنسان صيام رمضان وصار يأكل ويشرب بالنهار ولا يبالي لم نقل إنه كافر. لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر، ولو ترك الزكاة وصار لا يزكي، يجمع الأموال ولا يزكي، لم نقل إنه كافر، لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر. ولو لم يحج مع قدرته على الحج لم نقل إنه كافر، لكن لو ترك الصلاة قلنا إنه كافر.
قال عبد الله بن شقيق ﵀، وهو من التابعين، وهو مشهور: «كان أصحاب محمد صلى الله ﵊ لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة» .
إذا الصلاة التي كان الرسول ﵊ ت يأمر بها، إذا تركها الإنسان فهو كما لو ترك التوحيد، أي: يكون كافر مشركا والعياذ بالله. وإلى هذا يشير حديث جابر الذي رواه مسلم عن جابر عن النبي صلي الله عليه وسلم
[ ١ / ٣٠٤ ]
أنه قال: «بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة» .
وقوله: «وكان يأمرنا بالصدق» وهذا هو الشاهد من الحديث، كان النبي ﵊ يأمر أمته بالصدق، وهذا كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) (التوبة: ١١٩) .
والصدق خلق فاضل، ينقسم إلى قسمين:
صدق مع الله، وصدق مع عباد الله، وكلاهما من الأخلاق الفاضلة. وضد الصدق الكذب، وهو الإخبار بخلاف الواقع، والكذب ذميم من أخلاق المنافقين، كما قال الرسول ﵊: «آية المنافق ثلاث» وذكر منها: «إذا حدث كذب» وبعض الناس - والعياذ بالله - مبتلى بهذا المرض، فلا يستأنس ولا ينشرح صدره إلا بالكذب، يكذب دائما، إن حدثك بحديث إذا هو كاذب، إن جلس في المجلس جعل يفتعل الأفاعيل ليضحك بها الناس، وقد قال النبي صلي الله عليه وسلم «ويل لمن حدث فكذب ليضحك بها القوم. . . ويل له، ثم ويل له، ثم ويل له» ثلاث مرات.
وقوله «العفاف» أي: العفة، والعفة نوعان: عفة نوعان: عفة عن شهوة الفرج، وعفة عن شهوة البطن.
أما العفة الأولى: فهي أن يبتعد الإنسان عما حرم عليه من الزنى ووسائله وذرائعه؛ لأن الله ﷿ يقول: (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً
[ ١ / ٣٠٥ ]
وَسَاءَ سَبِيلًا) (الاسراء: ٣٢) .
وأوجب على الزاني أن يجلد مائة جلدة، ويطرد عن البلد سنة كاملة إن كان لم يتزوج من قبل، أما إذا كان قد تزوج وجامع زوجته وزنى بعد ذلك فإنه يرجم رجما بالحجارة حتى يموت، كل هذا ردعا للناس عن أن يقعوا في هذه الفاحشة؛ لأنها تفسد الأخلاق والأديان والأنساب، وتوجب أمراضا عظيمة ظهرت أثارها في هذا الزمان لما كثرت فاحشة الزنى والعياذ بالله.
ومنع الله كل ما يوصل إلى الزنا ويكون ذريعة له، فمنع المرأة أن تخرج متبرجة فقال: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (الأحزاب: ٣٣)، فأفضل مكان للمرأة أن تبقي في بيتها ولا تخرج إلا إذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ذلك، فلتخرج كما أمرها الرسول ﵊ تفلة، أي: غير متطيبة ولا متبرجة.
وكذلك أمر باحتجاب المرأة - إذا خرجت - عن كل رجل ليس من محارمها، والحجاب الشرعي هو أن تغطي المرأة جميع ما يكون النظر إليه ذريعة إلى الفاحشة، وأهمه الوجه، فإن الوجه يجب حجبه عن الرجال الأجانب أكثر مما يجب حجب الرأس وحجب الذراع وحجب القدم. ولا
[ ١ / ٣٠٦ ]
عبرة بقول من يقول: إنه يجوز كشف الوجه؛ لأن قوله هذا فيه شيء من التناقض.
كيف يجوز للمرأة أن تكشف وجهها، ويجب عليها عند هذا القائل أن تستر قدميها؟ أيهما أعظم فتنة وأيهما أقرب إلى الزنى: أن تكشف المرأة وجهها أو تكشف قدميها؟ كل إنسان عاقل يفهم ما يقول، يقول: إن الأقرب إلى الزنى والفتنة أن تكشف وجهها.
ومن ذلك أيضا: ألا تخرج المرأة متطيبة، فإن خرجت متطيبة فقد أتت بوسيلة الفتنة منها وبها، فيفتن الناس بها، وهي تفتتن أيضا حيث تمشي في الأسواق وهي متطيبة. نسأل الله العافية. ولا يجوز لأحد أن يمكن أهله من ذلك أبدا، وعليه أن يتفقدهم، سواء كانت الزوجة أو البنت، أو الأخت، أو الأم، او غير ذلك، ولا يجوز لأحد ان يمكن أهله من الخروج على غير الوجه الشرعي.
أما النوع الثاني من العفاف: فهو العفاف عن شهوة البطن، أي: عما في أيدي الناس، كما قال تعالى: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) (البقرة: ٢٧٣)، يعني: من التعفف عن سؤال الناس، بحيث لا يسأل الإنسان أحد شيئا، لأن السؤال مذلة، والسائل يده دنيا، سفلى، والمعطي يده عليا، فلا يجوز أن تسأل أحدا إلا ما لابد منه، كما لو كان الإنسان مضطرا أو محتاجا حاجة شبه ضرورية، فحينئذ لا باس أن يسأل. أما بدون حاجة ملحة أو ضرورة فإن السؤال محرم، وقد وردت أحاديث في التحذير منه، حتى أخبر النبي ﵊ أن السائل يأتي
[ ١ / ٣٠٧ ]
يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم - والعياذ بالله - قد ظهر منه العظم أمام الناس في هذا المقام العظيم المشهود.
ثم إن الصحابة ﵃ بايعوا النبي صلي الله عليه وسلم على أن لا يسألوا الناس شيئا، حتى كان سوط أحدهم يسقط من على راحلته ولا يقول لأحد: ناولني السوط، بل ينزل ويأخذ السوط.
والإنسان الذي أكرمه الله بالغنى والتعفف لا يعرف قدر السؤال إلا إذا ذل أمام المخلوق، كيف تمد يدك إلى مخلوق وتقول له أعطني وأنت مثله؟ «وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله» .
أما الخامس، قوله: «الصلة»
والصلة أن تصل ما أمر الله به أن يوصل من الأقارب الأدنى فالأدنى، وأعلاهم الوالدان، فإن صلة الوالدين بر وصلة. والأقارب لهم من الصلة بقدر ما لهم من القرب، فأخوك أوكد صلة من عمك، وعمك أشد صلة من عم أبيك، وعلى هذا فقس الأدنى فالأدنى.
والصلة جاءت في الكتاب والسنة غير مقيدة، وكل ما جاء في الكتاب والسنة غير مقيد فإنه يحمل على العرف، فما جرى العرف على أنه صلة فهو صلة، وهذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان والأماكن. مثلا إذا كان قريبك مستغنيا عنك وصحيح البدن وتسمع عنه أنه لا يحتاج إلى شيء، فهذا صلته لو تحددت بشهر أو شهر ونصف وما أشبه ذلك فإن هذه صلة بعرفنا، وذلك لأن الناس - والحمد لله - قد استغنى بعضهم عن بعض، وكل واحد منهم لا يجد على الآخر، لكن لو كان هذا
[ ١ / ٣٠٨ ]
الرجل قريبا جدا كالأب، والأم، والأخ، والعم؛ فإنه يحتاج إلى صلة أكثر، وكذلك لو كان فقيرا فإنه يحتاج إلى صلة أكثر، وكذلك لو مرض فإنه يحتاج إلى صلة اكثر. وهكذا.
المهم أن الصلة لما جاءت في القرآن غير مقيدة فإنه يتبع في ذلك العرف، ويختلف هذا باختلاف الأمور التي ذكرنا: القرب، وحال الشخص، والزمان، والمكان، وما جرت العادة بأنه صلة فهو صلة؛ وما جرت العادة بأنه قطيعة فهو قطيعة.
وقد وردت النصوص الكثيرة في فضل صلة الرحم والتحذير من قطيعتها.
٥٧ - عن أبي ثابت، وقيل: أبي سعيد، وقيل: أبي الوليد سهل بن حنيف، وهو بدري، ﵁، أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه» (رواه مسلم)
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث ذكره المؤلف ﵀ في باب الصدق، والشاهد منه قوله: «من سأل الله تعالى الشهادة بصدق» . والشهادة مرتبة عالية بعد الصديقية، كما قال الله سبحانه: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ
[ ١ / ٣٠٩ ]
أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ) (النساء: ٦٩)، وهي أنواع كثيرة:
منها: الشهادة بأحكام الله ﷿ على عباد الله، وهذه شهادة العلماء التي قال الله فيها: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) (آل عمران: ١٨) .
وقد ذهب كثير من العلماء في تفسير قوله: (وَالشُّهَدَاءِ) إلى أنهم العلماء ولا شك أن العلماء شهداء، فيشهدون بأن الله تعالى أرسل رسوله محمد ﷺ بالهدى ودين الحق، ويشهدون على الأمة بأنها بلغت شريعة الله، ويشهدون في أحكام الله: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا واجب، وهذا مستحب، وهذا مكره، ولا يعرف هذا إلا أهل العلم؛ لذلك كانوا شهداء.
ومن الشهداء أيضا: من يصاب بالطعن والبطن والحرق والغرق: المطعون والمبطون والحريق والغريق وما أشبههم.
ومن الشهداء: الذين قتلوا في سبيل الله.
ومن الشهداء: الذين يقتلون دون أموالهم ودون أنفسهم، كما قال النبي ﵊ حينما سأله رجل وقال: «أرأيت يا رسول الله إن جاءني رجل يطلب مالي - أي عنوة - قال: «لا تعطيه مالك، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال قاتله، قال أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار - لأنه معتد ظالم - قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته؟
[ ١ / ٣١٠ ]
قال هو في النار»
وقال النبي ﵊: «من قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد» .
ومن الشهداء أيضا: من قتل ظلما، كأن يعتدي عليه إنسان فيقتله غيلة - ظلما - فهذا شهيد.
ولكن أعلى الشهداء هم الذين يقتلون في سبيل الله؛ كما قال تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ) (آل عمران ١٦٩ ـ١٧١)، هؤلاء الشهداء في الآية وهم: الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، فما قاتلوا لحظوظ أنفسهم، وما قاتلوا لأموالهم، وإنما قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا، كما قال لك النبي ﵊ حين سئل عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه، أي ذلك في سبيل الله؟ قال: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» .
هذا الميزان ميزان عدل، لا يخيس ميزان وضعه النبي صلي الله عليه وسلم يزن الإنسان به عمله.
[ ١ / ٣١١ ]
فمن قاتل لهذه الكلمة فهو في سبيل الله، إن قتلت فأنت شهيد، وإن غنمت فأنت سعيد، كما قال الله سبحانه: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) إما الشهادة وإما الظفر والنصر. (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) التوبة: ٥٢)، أي: إما أن الله يعذبكم، ويقينا شركم، كما فعل الله تعالى بالأحزاب الذين تجمعوا على المدينة يريدون قتل الرسول ﵊، فأرسل الله عليهم ريحا وجنودا وألقى في قلوبهم الرعب، (أَوْ بِأَيْدِينَا) كما حصل في بدر، فإن الله عذب المشركين بأيدي الرسول ﷺ وأصحابه، هذا الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا هو الشهيد.
فإذا سال الإنسان ربه وقال: اللهم إني أسألك الشهادة في سبيلك - ولا تكون الشهادة إلا بالقتال؛ لتكون كلمة الله هي العليا - فإن الله تعالى إذا علم منه صدق القول والنية أنزله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه.
بقي علينا الذي يقاتل دفاعا عن بلده: هل هو في سبيل الله أو لا؟
نقول: إن كنت تقاتل دفاعا عن بلدك لأنها بلد إسلامي فتريد أن تحميها من أجل أنها بلد إسلامي فهذا في سبيل الله، لأنك قاتلت لتكون كلمة الله هي العليا.
إما إذا قاتلت من أجل أنها وطن فقط فهذا ليس في سبيل الله؛ لأن الميزان الذي وضعه النبي ﵊ لا ينطبق عليه من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله، وما سوى ذلك فليس في سبيل الله، ولهذا يجب أن نصحح للإنسان نيته في القتال للدفاع عن بلده، بأن
[ ١ / ٣١٢ ]
ينوي بذلك بأن يقاتل عن هذا البلد لأنه بلد إسلامية فيريد أن يحفظ الإسلام الذي فيه، وبهذا إذا قتل شهيدا له أجر الشهداء، وإذا غنم صار سعيدا وربح، إما ربح الدنيا وإما ربح الآخرة، وقد وتقدم الكلام على هذه المسألة. والله الموفق.
٥٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «غزا نبي من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبني بها، ولا أحد بنى بيوتا لم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها. فغزا، فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه، فجمع الغنائم، فجاءت - يعنى النار - لتأكلها فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا، فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، فقال: فيكم الغلول، فليبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: فيكم الغلول، فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعها فجاءت النار فأكلتها، فلم تحل الغنائم قبلنا، ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» (متفق عليه) .
[ ١ / ٣١٣ ]
«الخلفات» بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام: جمع خلفة، وهي الناقة الحامل.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث الذي نقله المؤلف فيه آيات عظيمة، فإن النبي صلي الله عليه وسلم حدث عن نبي من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أنه غزا قوما أمر بجهادهم، لكنه ﵊ منع كل إنسان عقد على امرأة ولم يدخل بها، وكل إنسان بنى بيتا ولم يرفع سقفه، وكل إنسان اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها. وذلك لأن هؤلاء يكونون مشغولين بما أهمهم، فالرجل المتزوج مشغول بزوجته التي لم يدخل بها، فهو في شوق إليها، وكذلك الرجل الذي رفع بيتًا ولم يسقفه، هو ايضًا مشتغل بهذا البيت الذي يريد ان يسكنه هو وأهله، وكذلك صاحب الخلفات والغنم مشغول بها ينتظر أولادها.
والجهاد ينبغي أن يكون الإنسان فيه متفرغًا، ليس له هم إلا الجهاد، ولهذا قال الله سبحانه:) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ) (الشرح: ٧) أي: إذا فرغت من شؤون الدنيا بحيث لا تنشغل بها فانصب للعبادة.
وقال النبي ﵊: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان» .
[ ١ / ٣١٤ ]
فدل على أنه ينبغي للإنسان إذا أراد طاعة أن يفرغ قلبه وبدنه لها، حتى يأتيها وهو مشتاق إليها، وحتى يؤديها على مهل وطمأنينة وإنشراح صدر.
ثم إنه غزا، فنزل بالقوم بعد صلاة العصر، وقد أقبل الليل، وخاف إن أظلم الليل أن لا يكون هناك انتصار، فجعل يخاطب الشمس يقول: أنت مأمورة وأنا مأمور. لكن أمر الشمس أمر كوني وأما أمره فأمر شرعي.
فهو مأمور بالجهاد والشمس مأمورة أن تسير حيث أمرها الله ﷿، قال الله:) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) (يّصلي الله عليه وسلم: ٣٨) منذ خلقها الله ﷿ وهي سائرة حيث أمرت لا تتقدم ولا تتأخر ولا تنزل ولا ترتفع.
قال: «اللهم فاحبسها عنا» فحبس الله الشمس ولم تغب في وقتها، حتى غزا هذا النبي وغنم غنائم كثيرة، ولما غنم الغنائم وكانت الغنائم في الأمم السابقة لا تحل للغزاة، بل حل الغنائم من خصائص هذه الأمة ولله الحمد، أما الأمم السابقة فكانوا يجمعون الغنائم فتنزل عليها مار من السماء فتحرقها، فجمعت الغنائم فلم تنزل النار ولم تأكلها، فقال هذا النبي: فيكم الغلول.
ثم أمر من كل قبيلة أن يتقدم واحد يبايعه على أنه لا غلول، فلما بايعوه على أنه لا غلول لزقت يد أحد منهم بيد النبي ﵊، فلما لزقت قال: فيكم الغلول- أي: القبيلة هذه- ثم أمر بأن يبايعه كل واحد على حده من هذه القبيلة، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة منهم، فقال:
[ ١ / ٣١٥ ]
فيكم الغلول: فجاؤوا به. والغلول هو السرقة من الغنيمة، بأن تخفي شيئا منها، فإذا هم قد اخفوا مثل راس الثور من الذهب، فلما جيء به ووضع مع الغنائم أكلتها النار- سبحان الله- وهذه من آيات الله ﷿.
ففي هذا الحديث دليل على فوائد عديدة:
منها: أن الجهاد مشروع في الأمم السابقة كما هو مشروع في هذه الأمة، وقد دل علي هذا كتاب الله في قوله:) وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا) (آل عمران: من الآية١٤٦)، وكذلك قصة طالوت وجالوت وداود - ﵊- في سورة البقرة، الآيات ٢٤٦/٢٥٢.
ومنها أيضًا من الفوائد: دليل على عظمة الله ﷿، وأنه هو مدبر الكون، وأنه- سبحانه وتعالي- يجري الأمور على غير طبائعها، أما لتأييد الرسول، وأما لدفع شر عنه، وإما لمصلحة في الإسلام.
المهم أن آيات الأنبياء فيها تأييد لهم بأي وجه كانت. وذلك لأن الشمس حسب طبيعتها التي خلقها الله عليها تجري دائما ولا تقف ولا تتقدم ولا تتأخر إلا بأمر الله، لكن الله هنا أمرها أن تنحس، فطال وقت ما بين صلاة العصر إلي الغروب، حتى فتح الله على يد النبي صلي الله عليه وسلم.
وفي هذا رد على أهل الطبيعة الذين يقولون إن الأفلاك لا تتغير؟! سبحان الله من الذي خلق الأفلاك؟ الله ﷿، فالذي خلقها قادر على تغييرها، ولكن هم يرون أن هذه الأفلاك تجري بحسب الطبيعة ولا أحد يتصرف فيها والعياذ بالله؛ لأنهم ينكرون الخالق.
[ ١ / ٣١٦ ]
وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الأفلاك تتغير بأمر الله؛ فهذا النبي دعا الله ووقفت الشمس، ومحمد رسول الله ﷺ طلب منه المشركون أن يريهم آية تدل على صدقة فأشار ﷺ إلى القمر فانشق شقتين وهم يشاهدون، شقة على الصفا وشقة على المروة.
وفي هذا يقول الله ﷿: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) (القمر ١، ٢) .
قالوا: هذا محمد سحرنا والقمر لم ينشق، بل محمد سحرنا، أفسد نظرنا وعيوننا، لأن الكافر - والعياذ بالله - الذي حقت عليه كلمة الله لا يؤمن، كما قال الله: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) (وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ) (يونس: ٩٦، ٩٧) . نسأل الله لنا ولكم العافية، وأن يهدي قلوبنا.
القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويصرفها كيف يشاء. فالذي حقت عليه كلمة العذاب لا يؤمن أبدا ولو جئته بكل آية، ولهذا طلبوا من الرسول ﷺ آية، وأراهم هذه الآية العجيبة، التي لم يقدر أحد عليها، وقالوا:) اسِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ) (القمر ٢، ٣) .
وفي هذا الحديث من الفوائد: بيان نعمة الله على هذه الأمة، حيث أحل لها المغانم التي تنغمها من الكفار - وكانت حراما على من سبقا - لأن هذه الغنائم فيها خير كثير على الأمة الإسلامية، تساعد على الجهاد وتعينها عليه.
[ ١ / ٣١٧ ]
فهم يغنمون من الكفار أموالا يقاتلون بها مرة أخرى، وهذا من فضل الله، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي. . . وذكر منها: وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي»
وفي الحديث أيضا من آيات الله أن الذين غلوا لزقت أيديهم بأيدي النبي، وهذا خلاف العادة، ولكن الله على كل شيء قدير؛ لأن العادة إذا صافحت اليد يدا أخرى أنها تنطلق، ولكن الذين غلوا لم تنطلق أيديهم، أمسكوا بيد النبي، فهذه علامة، فالنبي لا يعلم الغيب.
ومن فوائد الحديث: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب - وهو واضح - إلا ما أطلعهم الله عليه، أما هم فلا يعلمون الغيب.
وشواهد كثيرة فيما جرى لنبينا محمد ﵊، حيث يخفى أشياء كثيرة، كما قال الله: (قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) (التحريم: ٣)، أما هو فلا يعلم الغيب.
وأصحابه - رضوان الله عنهم - يكونون معه يخفون عليه، فكان معه ذات يوم أبو هريرة ﵁ وكان عليه جنابة، فانخنس ليغتسل، فقال له عندما رجع من غسل الجنابة: «أين كنت يا أبا هريرة؟»، إذا فالرسول
[ ١ / ٣١٨ ]
﵊ لا يعلم الغيب، ولا أحد من الخلق يعلم الغيب، كما قال الله ﷿: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا) (الجن ٢٦، ٢٧) .
وفي هذا الحديث أيضا دليل على قدرة الله من جهة أن هذه النار لا يدرى من اين جاءت، بل تنزل من السماء، لا هي من أشجار الأرض، ولا من حطب الأرض، بل من السماء يأمرها الله فتنزل فتأكل هذه الغنيمة التي جمعت. والله الموفق.
٥٩ - عن أبي خالد حكيم بن حزام، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما» (متفق عليه) .
[الشَّرْحُ]
«البيعان» أي: البائع والمشتري، وأطلق عليهما أسم البيع من باب التغليب، كما يقال: القمران: للشمس والقمر، والعمران: لأبي بكر وعمر، فالبيعان يعني: البائع والمشتري.
وقوله: «بالخيار» أي: كل منهما يختار ما يريد ما لم يتفرقا، أي:
[ ١ / ٣١٩ ]
ما دام في مكان العقد لم يتفرقا فإنهما بالخيار.
ومثاله: رجل باع على آخر سيارة بعشرة آلاف، فما داما في مكان العقد ولم يتفرقا فهما بالخيار، إن شاء البائع فسخ البيع، وإن شاء المشتري فسخ البيع، وذلك من نعمة الله ﷾ وتوسيعه على العباد، لأن الإنسان إذا كانت السلعة عند غيره صارت غالية في نفسه يحب أن يحصل عليها بكل وسيلة، فإذا حصلت له فربما تزول رغبته عنها لأنه أدركها النبي صلي الله عليه وسلم فجعل الشارع له الخيار لأجل أن يتروى ويتزود بالتأني والنظر.
فما دام الرجلان - البائع والمشتري - لم يتفرقا فهما بالخيار وإن طال الوقت، حتى بقيا عشر ساعات، فلو باع عليه السلعة في أول النهار وبقيا مصطحبين إلى الظهر فهما بالخيار؛ لعموم قوله ﷺ: «ما لم يتفرقا» وفي حديث ابن عمر: «أو يخير أحدهما الآخر» أي: أو يقول أحدهما للآخر: الخيار لك وحدك، فحينئذ يكون الخيار له وحده، والثاني لا خيار له. أو يقولا جميعا: لا خيار بيننا.
فالصور أربع:
١ - إما يثبت الخيار لهما، وذلك عند البيع المطلق الذي ليس فيه شرط، يكون الخيار لهما - للبائع والمشتري - وكل منهما له الحق أن
[ ١ / ٣٢٠ ]
يفسخ العقد.
٢ - وإما أن يتبايعا على أن لا يكون الخيار لواحد منهما، وحينئذ يلزم البيع لمجرد العقد ولا خيار لأحد.
٣ - وإما أن يتبايعا أن الخيار للبائع وحده دون المشتري، وهنا يكون الخيار للبائع، والمشتري لا خيار له.
٤ - وإما أن يتبايعا على أن الخيار للمشتري والبائع لا خيار له، وحينئذ يكون الخيار للمشتري، وليس للبائع خيار. وذلك لأن الخيار حق للبائع والمشتري فإذا رضينا بإسقاطه أو رضي أحدهما دون الآخر، فالحق لهما لا يعدوهما، وقد قال النبي ﵊: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرما حلالا أو أحل حراما» .
وقول النبي ﵊: (ما لم يتفرقا» لم يبين التفرق، ولكن المراد التفرق بالبدن، يعني ما لم يتفرق أحدهما عن الآخر، فإن تفرقا بطل الخيار ولزم البيع.
قال النبي صلي الله عليه وسلم: «فإن صدقا وبيتا بورك لهما في بيعهما» وهذا هو الشاهد من الحديث في الباب؛ لأن الباب باب الصدق.
قوله: «فإن صدقا وبينا بورك في بيعهما» . «إن صدقا» فيما يصفان السلعة به من الصفات المرغوبة، «وبينا» فيما يصفان به السلعة من
[ ١ / ٣٢١ ]
الصفات المكروهة. فمثلا لو باع عليه هذه السيارة وقال: هذه السيارة جديدة صنع عام كذا، ونظيفة وفيها كذا وكذا، ويمدحها بما ليس فيها، نقولا: هذا كذب فيما قال: وإذا باعه السيارة وفيها عيب ولم يخبره بالعيب نقول: هذا كتم ولم يبين. والبركة في الصدق والبيان. فالفرق بين الصدق والبيان أن الصدق فيما يكون مرغوبًا من الصفات، والبيان فيما يكون مكروها من الصفات، فكتمان العيب هذا ضد البيان، ووصف السلعة بما ليس فيها هذا ضد الصدق.
ومثال آخر: باع عليه شاة ويقول: هذه الشاة لبنها كثير، وفيها كذا وكذا في اللبن، وهو يكذب، فهذا ضد الصدق؛ لأنه وصف السلعة بصفات مطلوبة مرغوبة، أما لو باع عليه الشاة وفيها مرض غير بين لكنه كتمه، نقول: هذا لم يبين. وإذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق، فالبيان إذا للصفات المكروهة، والصدق للصفات المطلوبة، إذا وصفها بما ليس فيها من الصفات المطلوبة فهذا قد كذب ولم يصدق، وإذا كتم ما فيها من الصفات المكروهة فهذا كتم ولم يبين.
ومن هذا ما يفعله بعض الناس الآن - نسأل الله العافية- يجعل الطيب من المال فوق والرديء أسفل، فهذا لم يبين ولم يصدق أيضًا، لم يبين لأنه ما بين التمر المعيب، ولم يصدق لأنه أظهر التمر بمظهر طيب وليس كذلك.
ومن هذا ما يفعله بعض الذين يبيعون السيارات، يبيعونها في المعارض، والبائع يعلم علم اليقين أن فيها عيبًا، لكن يكتمه ويقول
[ ١ / ٣٢٢ ]
للمشتري: ابصر بكل عيب فيها، فيبصر المشتري. لكن لو عين له العيب وحدده له ما اشتراها، وإنما يلبسون على الناس ويقولون لهم: فيها كل عيب ولم لأبع إليك إلا الإطارات أو مصابيح الإنارة، وهو يكذب ويدري ان فيها عيبًا لكن لا يخبر المشتري، وهذا حرام على الدلال (صاحب المعرض) وصاحب السيارة، فعليهما أن يبينا للمشتري ويقولا له: فيها العيب كذا وكذا ويخبرانه في الشراء.
أما إذا كان لا يعلم العيب فلا بأس أن يبيعها، ويشترط أنه بريء من كل عيب.
[ ١ / ٣٢٣ ]