قال الله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) [النساء: ٣٦]، وقال تعال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) [النساء: ١] وقال تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) [الرعد: ٢١] وقال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الاسراء: ٢٣، ٢٤]، وقال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ) [لقمان: ١٤] .
١/٣١٢ - عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: سألت النبي ﷺ: «أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين» قلت: ثم أي؟ قال «الجهاد في سبيل الله» متفق عليه» .
٢/٣١٣ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجري ولد والدا إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» رواه مسلم.
[ ٣ / ١٨١ ]
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب بر الوالدين وصلة الأرحام.
الوالدان: هما الأب والأم، وعبر بحق الوالدين بالبر اتباعًا لما جاء في النص، وعبر عن صلة الأرحام بالصلة، لأنه هكذا جاء أيضًا بالنص، والأرحام هم القرابة.
وبر الوالدين من أفضل الأعمال؛ بل هو الحق الثاني بعد حق الله ورسوله.
وذكر المؤلف ﵀، آيات كثيرة في هذا المعنى كقوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [النساء: ٣٦]، وقوله تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [الإسراء: ٢٣]،
وقوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا) [العنكبوت: ٨]، وقوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) [لقمان: ١٤]، وقوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) [الاسراء: ٢٣، ٢٤] .
وكل هذه الآيات وغيرها تدل على عظم حق الوالدين، وقد بين الله ﷾ حال الأم، وأنها تحمل ولدها وهنا على وهن: أي ضعفًا على ضعف، من حين أن تحمل به إلى أن تضعه وهي في ضعف ومشقة وعناء وكذلك عند الوضع كما قال تعالى: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ
[ ٣ / ١٨٢ ]
كُرْهًا) [الأحقاف: ١٥]، كل هذا البيان سبب حفها العظيم.
ثم ذكر الله أشد حالة يكون عليها الوالدان فقال تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)؛ لأن الوالدين إذا بلغا الكبر؛ ضعفت نفوسهما، وصارا عالة على الولد، ومع ذلك يقول (إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ) يعني لا تقل إني متضجر منكما؛ بل عاملهما باللطف والإحسان والرفق، ولا تنهرهما إذا تكلما، (أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُل) يعني: رد عليهما ردًا جميلًا لعظم الحق.
ثم ذكر حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال حين سأله عبد الله بن مسعود: أي العمل أحب إلى الله؟ قال «الصلاة على وقتها» قلت: ثم أي؟ قال «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»
فجعل النبي ﷺ مرتبة البر بالوالدين مقدمة على مرتبة الجهاد في سبيل الله، قال: ولو استزدته لزادني، وفي هذا دليل على فضل بر الوالدين.
فإن قال قائل: ما هو البر؟ قلنا: هو الإحسان إليهما؛ بالقول والفعل والمال بقدر المستطاع، اتقوا الله ما استطعتم، وضد ذلك العقوق.
ثم ذكر الحديث الثاني وهو قول الرسول ﷺ: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه» يعني يعتقه بشرائه؛ لأنه فك أباه من رق العبودية للإنسان، وهذا الحديث لا يدل على أن من ملك أباه لا يعتق عليه؛ بل نقول: إن معناه إلا أن يشتريه فيعتقه، أي فيعتقه بشرائه؛ لأن
[ ٣ / ١٨٣ ]
الإنسان إذا ملك أباه عتق عليه بمجرد الملك، ولا يحتاج إلى أن يقول عتقته، وكذلك إذا ملك أمه تعتق بمجرد الملك، ولا يحتاج إلى أن يقول عتقتها.
* * *
٤/٣١٥ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال فذلك لك، ثم قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا إن شئتم: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) [محمد: ٢٢، ٢٣] متفق عليه.
وفي رواية للبخاري: فقال الله تعالى: «من وصلك، وصلته، ومن قطعك، قطعته» .
٥/٣١٦ - وعنه ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أبوك» متفق عليه.
[ ٣ / ١٨٤ ]
وفي رواية: قال يا رسول الله «من أحق بحسن الصحبة؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أباك، ثم أدناك أدناك»
«والصحابة» بمعنى: الصحبة. وقوله: «ثم أباك» هكذا منصوب بفعل محذوف، أي: ثم برأباك، وفي رواية «ثم أبوك» وهذا واضح.
[الشَّرْحُ]
هذان الحديثان في بيان فضل صلة الرحم، والرحم سبق لنا أنهم هم الأقارب، وصلتهم بما جرى به العرف واتبعه الناس؛ لأنه لم يبين في الكتاب والسنة نوعها ولا جنساها ولا مقدارها؛ لأن النبي صلى عليه الله وسلم لم يقيده بشيء معين، فلم يقيده بأن يأكلوا معك أو يشربوا معك، أو يكتسوا معك؛ أو يسكنوا معك، بل أطلق، ولذلك يرجع فيها للعرف، فما جرى به العرف أنه صلة فهو الصلة، وما تعارف عليه الناس أنه قطيعة فهو قطيعة، هذا هو الأصل.
فلو فرض أن االأعراف فسدت وصار الناس لا يبالون بالقطيعة، وصارت القطيعة عندهم صلة فلا عبرة بهذا العرف؛ لأن هذا العرف ليس عرفًا إسلاميًا، فإن الدول الكافرة الآن لا تتلائم أسرها، ولا يعرف بعضهم بعضًا، حتى إن الإنسان إذا شبّ ولده وكبر صار مثله مثل الرجل الأجنبي الذي لا يعرف أن له أبًا؛ لأنهم لا يعرفون صلة الأرحام، ولا يعرفون حسن الجوار، وكل أمورهم فوضى فاسدة؛ لأن الكفر دمرهم تدميرًا والعياذ
[ ٣ / ١٨٥ ]
بالله لكن كلامنا عن المجتمع المسلم المحافظ، فما عده الناس صلة فهو صلة، وما عدوه قطيعة فهو قطيعة.
وفي حديث أبي هريرة الأول أن الله ﷾ تكفل للرحم بأن يصل من وصلها ويقطع من قطعها، وفي هذا الحديث حث وترغيب في صلة الرحم، فإذا أردت أن يصلك الله - وكل إنساك يريد أن يصله ربه - فصل رحمك، وإذا أردت أن يقطعك الله فاقطع رحمك، جزاء وفاقًا، وكلما كان الإنسان لرحمه أوصل؛ كان الله له أوصل، وكلما قصر جاءه من الثوب بقدر ما عمل، لا يظلم الله أحدًا.
وذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - قوله سبحانه: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ) فبين ﷾ أن الذين يفسدون في الأرض ويقطعون أرحامهم ملعونون والعياذ بالله أي: مطرودون ومبعدون عن رحمة الله، وقد أصمهم الله أي: جعلهم لا يسمعون الحق، ولو سمعوا ما انتفعوا به، وأعمى أبصارهم؛ فلا يرون الحق، ولو رأوه لم ينتفعوا به، فسد عنهم طرق الخير؛ لأن السمع والبصر يوصل المعلومات إلى القلب، فإذا انسد الطريق لم يصل إلى القلب خير، والعياذ بالله.
وقد ذكر أهل العلم من جملة الصلة النفقة على الأقارب، فقالوا: إن الإنسان إذا كان له أقارب فقراء وهو غني وهو وارث لهم، فإنه يلزمه النفقة عليهم؛ كالأخ الشقيق مع أخيه الشقيق، إذا كان الأخ هذا يرثه لو مات فإنه يجب على الوارث أن ينفق على أخيه ما دام غنيًا، وأخوه فقيرًا عاجزًا عن
[ ٣ / ١٨٦ ]
التكسب، فإن هذا من جملة الصلة.
وقالوا أيضًا: إن من جملة الإنفاق أنه إذا احتاج إلى النكاح فإنه يزوجه؛ لأن إعفاف الإنسان من أشد الحاجات.
وعلى هذا فإذا كان للإنسان أخ شقيق ولا يرثه إلا أخوه، وأخوه غني وهو فقير عاجز عن التكسب، وجب عليه أن ينفق عليه طعامًا وشرابًا وكسوة ومسكنًا ومركوبًا إذا كان يحتاجه، وأن يزوجه أيضًا إذا احتاج إلى النكاح؛ لأن الإعفاف من أشد الحاجات فيدخل في صلة الرحم.
وهذه الأمور يجب على الإنسان إذا كان لا يعلم عنها شيئًا أن يسأل أهل العلم حتى يدلوه على الحق؛ لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [الأنبياء: ٧]
والحديث الثاني في بيان أحق الناس بحسن صحبة الإنسان، فبين النبي ﷺ أن أحق الناس بذلك الأم، فأعيد عليه السؤال فقال: أمك مرة ثانية، كرر ذلك ثلاث مرات، ثم بعد ذلك الأب؛ لأن الأم حصل عليها من العناء والمشقة للولد ما لم يحصل لغيرها؛ حملته أمه وهنا على وهن، حملته كرها ً ووضعته كرهًا، وفي الليل تمهد وتهدئه حتى ينام، وإذا أتاه ما يؤلمه لم تنم الليلة حتى ينام. ثم إنها تفديه بنفسها بالتدفئة عند البرد، والتبريد عند الحر وغير ذلك، فهي أشد عناية من الأب بالطفل، ولذلك كان حقهما مضاعفًا ثلاث مرات على حق الأب.
ثم إنها أيضًا ضعيفة أنثى لا تأخذ بحقها، فلهذا أوصى بها النبي ﷺ
[ ٣ / ١٨٧ ]
ثلاث مرات، وأوصى أشد بالأب مرة واحدة، وفي هذا الحث على أن يحسن الإنسان صحبة أمه وصحبة أبيه أيضًا بقدر المستطاع. أعاننا الله والمسلمين على ذلك.
وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح ووصلنا والمسلمين بفضله وإحسانه.
* * *
٧/٣١٨ - وعنه ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلى، وأحلم عنهم ويجهلون على فقال: «لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك» رواه مسلم.
«وتسفهم» بضم التاء وكسر السين المهملة وتشديد الفاء، «والمل» بفتح الميم، وتشديد اللام وهو الرماد الحار: أي كأنما تطعمهم الرماد الحار وهو تشبيه لما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد الحار من الآلم، ولا شيء على هذا المحسن إليهم، لكن ينالهم إثم عظيم بتقصيرهم في حقه، وإدخالهم الأذى عليه والله أعلم.
٨/٣١٩ - وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره؛ فليصل رحمه» متفق عليه.
[ ٣ / ١٨٨ ]
ومعنى «ينسأ له في أثره»: أي يؤخر له في أجله وعمره.
٩/٣٢٠ - وعنه قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالًا من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها، ويشرب من ماء فيها طيب، فلما نزلت هذه الآية: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن الله ﵎ يقول: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله تعالى، أرجو برها وذخرها عند الله تعالى، فضعها يا رسول الله، حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ: «بخ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح! وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الآقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه. متفق عليه.
وسبق بيان ألفاظه في باب الإنفاق مما يحب.
١٠/٣٢١ - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: أقبل رجل إلى نبي الله ﷺ، فقال: أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله تعالى. قال: «فهل لك من والديك أحد حي؟» قال: نعم بل كلاهما قال: «فتبتغي الأجر من الله تعالى؟» قال: نعم. قال: «فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما» متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
[ ٣ / ١٨٩ ]
وفي رواية لهما: جاء رجل فاستأذنه في الجهاد فقال: «أحي والداك؟ قال: نعم قال،: «ففيهما جاهد»
١١/٣٢٢ - وعنه عن النبي ﷺ قال: «ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمة وصلها» رواه البخاري.
و«قطعت» بفتح القاف والطاء. و«رحمة» مرفوع.
١٢/ ٣٢٣ - وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني: وصله الله، ومن قطعني؛ قطعه الله» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان فضيلة صلة الرحم، وأن الإنسان الواصل ليس المكافئ الذي إذا وصله أقاربه وصلهم، ولكن الواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها، فتكون صلته لله لا مكافأة لعباد الله، ولا من أجل أن ينال بذلك مدحًا عن الناس، قال النبي ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ» يعني بالذي إذا وصله أقاربه وصلهم مكافأة لهم، وإنما الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.
وكذلك أيضًا في هذه الأحاديث أن الرحم متعلقة بالعرش،
[ ٣ / ١٩٠ ]
تقول: «من وصلني؛ وصله الله ومن قطعني؛ قطعه الله»، وهذا يحتمل أن يكون خبرًا وأن يكون دعاءً، يعني يحتمل أن الرحم تخبر بهذا أو تدعو الله ﷿ به، وعلى كل حال فهو دليل على عظم شأن الرحم وصلتها، وأنها تحت العرش تدعو بهذا الدعاء، أو تخبر بهذا الخبر.
ثم ذكر المؤلف حديث الرجل الذي كان يحسن إلى قرابته فيسيئون إليه، ويصلهم فيقطعونه، فقال النبي ﷺ: «إن كنت»: يعني كما تقول «فكأنما تسفهم الملَ»، والملّ: هو الرماد الحار، وتسفهم: يعني تجعله في أفواههم، والمعنى: أنك كأنما ترغمهم بهذا الرماد الحار عقوبة لهم، ولا يزال لك من الله عليهم ظهير، يعني عون عليهم مادمت على ذلك، أي تصلهم وهم يقطعونك.
فكل هذه الأحاديث وما شابهها تدل على أنه يجب على الإنسان أن يصل رحمه وأقاربه بقدر ما يستطيع، وبقدر ما جرى به العرف، ويحذر من قطيعة الرحم.
* * *
١٤/٣٢٥ - وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: قدمت على أمي وهي مشركة في عهد رسول الله ﷺ، فاستفتيت رسول الله ﷺ قلت: قدمت على أمي وهي راغبة، أفأصل أمي؟ قال: «نعم صلي أمك» متفق عليه.
[ ٣ / ١٩١ ]
وقولها: «راغبة» أي: طامعة عندي تسألني شيئًا؛ قيل: كانت أمها من النسب، وقيل: من الرضاعة، والصحيح الأول.
١٥/٣٢٦ - وعن زينب الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ وعنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن» قالت: فرجعت إلى عبد الله بن مسعود فقلت له: إنك رجل خفيف ذات اليد، وإن رسول الله ﷺ قد أمرنا بالصدقة فأته، فسأله، فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم. فقال عبد الله: بل ائتيه أنت، فانطلقت، فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله ﷺ حاجتي حاجتها، وكان رسول الله ﷺ، قد ألقيت عليه المهابة، فخرج علينا بلال فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ، فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزوجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، فدخل بلال على رسول الله ﷺ، فسأله، فقال له رسول الله ﷺ: «من هما» قال امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله ﷺ «أي الزيانب هي؟» قال: امرأة عبد الله، فقال رسول الله ﷺ: «لهما أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف فيما نقله عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها: إن أمها قدمت عليها المدينة وهي راغبة فاستفتت النبي ﷺ هل
[ ٣ / ١٩٢ ]
تصلها أم لا؟ وقالت: يا رسول الله، إني أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ فأمرها أن تصلها.
وقولها: «وهي راغبة» قال بعض العلماء معناه: وهي راغبة في الإسلام؛ فيكون الأمر بصلتها من أجل تأليفها على الإسلام، وقيل: بل معنى قولها: وهي راغبة في أن أصلها، ومتطلعة إلى ذلك، فأمرها النبي ﷺ أن تصلها، وهذا هو الأقرب أنها جاءت تتشوق وتتطلع إلى أن تعطيها ابنتها ما شاء الله.
ففي هذا دليل على أن الإنسان يصل أقاربه ولو كانوا على غير الإسلام؛ لأن لهم حق القرابة، ويدل لهذا قوله تعالى في سورة لقمان: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: ١٥]، يعني إن أمرك والداك وألحا في الطلب على أن تشرك بالله فلا تطعهما؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكن صاحبهما في الدنيا معروفًا، أي أعطهم من الدنيا ما يجب لهم من الصلة، ولو كانا كافرين أو فاسقين؛ لأن لهما حق القرابة.
وهذا الحديث يدل على ما دلت عليه الآية، وهو أن النبي ﷺ أمر أسماء بنت أبي بكر ﵂ وعن أبيها أن تصل أمها مع أنها كافرة.
ثم إن صلة الأقارب بالصدقة يحصل بها أجران: أجر الصدقة، وأجر الصلة، ودليل ذلك حديث زينب بنت مسعود الثقفية امرأة عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ أمر النساء بالصدقة، فرجعت إلى بيتها وكان زوجها عبد الله بن مسعود خفيف ذات اليد يعني أنه ليس عنده مال،
[ ٣ / ١٩٣ ]
فأخبرته، فطلب منها أن تتصدق عليه، وعلى أيتام كانوا في حاجتها، ولكنه أشكل عليها الأمر فذهبت إلى رسول الله ﷺ تستفتيه، فلما وصلت إلى بيته وجدت عنده امرأة من الأنصار، حاجتها كحاجة زينب، تريد أن تسأل النبي ﷺ أن تتصدق على زوجها ومن في بيتها.
فخرج بلال وكان النبي صلى الله قد أعطاه الله المهابة العظيمة، وكل من رآه هابه، لكنه من خالطه معاشرةً أحبه وزالت عنه الهيبة، لكن أول ما يراه الإنسان يهابه هيبة عظيمة، فإذا خالطه وعاشره أحبه وألفه ﷺ، فخرج بلال فسألهما عن حاجتهما فأخبرتاه أنهما يسألان النبي ﷺ: هل تجوز الصدقة على أزواجهما ومن في بيتهما؟ ولكنهما قالتا له: لا تخبر الرسول ﷺ من هما؛ أحبتا أن تختفيا.
فدخل بلال على النبي صلى الله وأخبره وقال: إن بالباب امرأتين حاجتهما كذا وكذا، فقال: من هما؟ وحينئذٍ وقع بلال بين أمرين بين أمانة ائتمنتاه عليها المرأتان؛ حيث قالتا: لا تخبره من نحن، ولكن الرسول قال من هما؟ قال: امرأة من الأنصار، وزينب.
فقال: أي الزيانب؟ حيث اسم زينب كثير، فقال: امرأة عبد الله، وكان عبد الله بن مسعود خادمًا للرسول ﷺ يدخل بيته حتى بلا استئذان، وقد عرف النبي ﷺ أهله وعرف حاله.
وهو إنما أخبره مع قولهما له لا تخبره؛ لأن طاعة النبي ﷺ واجبة مقدمة على طاعة كل أحد.
فقال: إن صدقتهما على هؤلاء صدقة وصلة، يعني فيها أجران: أجر
[ ٣ / ١٩٤ ]
الصدقة، وأجر الصلة؛ فدل ذلك على أنه يجوز للإنسان أن يتصدق على أولاده عند الحاجة، ويتصدق على زوجته، وكذلك الزوجة تتصدق على زوجها، وأن الصدقة عليهم صدقة وصلة.
أما الزكاة فإن كان مما يجب على الإنسان أن يدفعه فإنه لا يصح أن يدفع إليهم الزكاة، مثل لو كانت الزكاة لدفع حاجتهما من نفقة، وهو ممن تجب عليه النفقة، وماله يتحمل، فإنه لا يجوز له أن يعطيهما من الزكاة، أما إذا كان ممن لا يجب عليه، كما لو قضى دينًا عن أبيه أو عن ابنه أو زوجته، أو قضت دينًا على زوجها فإن ذلك لا بأس به إذا كان المدين حيًا، أما إذا كان المدين ميتًا فلا يقضي عنه إلا تبرعًا، أو من التركة، ولا يقضي عنه من الزكاة.
١٦/٣٢٧ - وعن أبي سفيان صخر بن حرب ﵁، في حديثه الطويل في قصة هرقل: أن هرقل قال لأبي سفيان: فماذا يأمركم به؟ يعني النبي ﷺ قال: قلت: يقول: «اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة» متفق عليه.
١٨ / ٣٢٨ - وعن أبي ذر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنكم ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط» .
[ ٣ / ١٩٥ ]
وفي رواية: «ستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خبرًا؛ فإن لهم ذمة ورحما» .
وفي رواية: «فإذا افتتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها، فإن لهم ذمة ورحما» أو قال: «ذمة وصهرًا» رواه مسلم.
قال العلماء: الرحم التي لهم كون هاجر أم إسماعيل ﷺ منهم «والصهر»: كون مارية أم إبراهيم ابن رسول الله ﷺ منهم.
١٨/ ٣٢٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية: (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: ٢١٤]، دعا رسول الله ﷺ قريشًا، فاجتمعوا فعم، وخص وقال: «يا بني عبد شمس، يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها» رواه مسلم.
قوله ﷺ: «ببلالها» هو بفتح الباء الثانية وكسرها، «والبلال»: الماء. ومعنى الحديث: سأصلها، شبة قطيعتها بالحرارة تطفأ بالماء وهذه تبرد بالصلة.
[ ٣ / ١٩٦ ]
١٩/٣٣٠ - وعن أبي عبد الله عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ جهارًا غير سر يقول «إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي، إنما وليي الله وصالح المؤمنين، ولكن لهم رحم أبلها ببلالها» متفق عليه واللفظ للبخاري.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ كلها تدل على أهمية صلة الرحم، أي صلة القرابة، وصدرها بحديث أبي سفيان صخر بن حرب حين وفد ومعه قوم من قريش على هرقل، وكان قد وفد على هرقل قبل أن يسلم ﵁؛ لأنه أسلم عام الفتح.
وأما قدومه إلى هرقل، فإنه كان بعد صلح الحديبية، ولما سمع بهم هرقل وكان رجلًا عاقلًا، عنده علم من كتاب، وعنده علم بمبعث النبي ﷺ وبما يدعو إليه؛ لأن صفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم موجودة في التوراة والإنجيل، كما قال ﵎: (النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ) [الأعراف: ١٥٧]، مكتوبًا بصفته ومعروفًا، حتى إنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لا يشكون فيهم.
فلما قدم هؤلاء الجماعة من العرب من مبعث النبي ﷺ، من الحجاز دعاهم يسألهم عن حال النبي ﷺ، وعما يأمر به، وعما ينهى عنه، وعن
[ ٣ / ١٩٧ ]
كيفية أصحابه، ومعاملتهم له، إلى غير ذلك مما سألهم عنه، وقد ذكره البخاري مطولًا في صحيحه، وكان من جملة ما سألهم عنه: ماذا يأمر به؟ قالوا: كان يأمرنا بالصلة، والصدق، والعفاف.
الصلة: يعني صلة الرحم، والصدق: الخبر الصحيح المطابق للواقع، والعفاف: عن الزنى، وعما في أيدي الناس من الأموال، وكذلك الأعراض.
ثم إنه لما ذكر لهم ما ذكر قال له: إن كان ما تقوله حقًا فسيملك ما تحت قدمي هاتين، يقول ذلك وهو أحد الرئيسين في الدولتين الكبيرتين: الروم والفرس.
يقول ذلك وهو ملك له مملكة كبيرة عظيمة، لكنه يعلم أن ما جاء به النبي ﷺ حق، وأنه هو الصواب المطابق للفطرة ولمصالح الخلق، كلن يأمر بالصدق والعفاف والأرحام. ثم ذكر المؤلف ﵀ أحاديث في هذا المعنى، أي في صلة الأرحام، ومنها أن النبي ﷺ لما أنزل الله عليه (َأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء ٢١٤]، جمع قريشًا، وعمم وخص وقال: «يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان» يعدهم أفخاذًا أفخاذًا حتى وصل إلى ابنته فاطمة، قال: «يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لكم من الله شيئًا» وهذا من الصلة.
وبين أن لهم رحمًا سيبلها ببلالها، أي سيبلها بالماء؛ وذلك لأن قطيعة الرحم نار والماء يطفئ النار، وقطيعة الرحم موت والماء به الحياة، كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيّ) [الأنبياء: ٣٠]، فشبه
[ ٣ / ١٩٨ ]
الرسول ﷺ صلة الرحم بالماء الذي يبل به الشيء.
وكذلك أيضًا من الأحاديث التي ساقها المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ قال: «إن آل بني فلان ليسوا بأوليائي» وذلك لأنهم كفار.
والواجب على المؤمن أن يتبرأ من ولاية الكافرين، كما قال الله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: ٤]، فتبرأ منهم مع قرابتهم له.
قال: «ولكن لهم رحم أبلها ببلها» يعني سأعطيها حفها من الصلة، وإن كانوا كفارًا.
وهذا يدل على أن القريب له حق الصلة وإن كان كافرًا، لكن ليس له الولاية، فلا يوالى ولا يناصر لما عليه من الباطل.
ثم ذكر أيضًا من الأحاديث أن النبي ﷺ أخبر الصحابة بأنهم سيفتحون مصر، وأوصى بأهلها خيرًا، وقال: إن لهم رحما وصهرًا، وذلك أن هاجر أم إسماعيل سرية إبراهيم الخليل ﵊ كانت من مصر، ولهذا قال «إن لهم صهرًا ورحمًا»؛ لأنهم أخوال إسماعيل، وإسماعيل هو أبو العرب المستعربة كلها.
فدل ذلك على أن الرحم لها صلة ولو كانت بعيدة. ما دمت تعرف أن هؤلاء من قبيلتك فلهم الصلة ولو كانوا بعداء.
ودل أيضًا على أن صلة القربة من جهة الأم كصلة القرابة من جهة الأب.
* * *
[ ٣ / ١٩٩ ]
٢٠/٣٣١ - وعن أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار فقال النبي ﷺ «تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» متفق عليه.
٢١/٣٣٢ - وعن سلمان بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «إذا أفطر أحدكم، فيفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد تمرًا، فالماء، فإنه طهور»، وقال: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان: صدقة وصلة» . رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
٢٢/٣٣٣ وعن ابن عمر ﵄ قال: كانت تحتي امرأة، وكنت أحبها، وكان عمر يكرهها فقال لي: طلقها، فأبيت، فأتى عمر ﵁ النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ «طلقها» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.
٢٣/٣٣٤ - وعن أبي الدر داء ﵁ أن رجلًا أتاه فقال: إن لي امرأة وإن أمي تأمرني بطلاقها؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت، فأضع ذلك الباب أو احفظه» رواه الترمذي وقال
[ ٣ / ٢٠٠ ]
حديث حسن صحيح.
٢٤/٣٣٥ - وعن البراء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ قال «الخالة بمنزلة الأم» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح مشهورة؛ منها أصحاب الغار، وحديث جريج وقد سبقا، وأحاديث مشهورة في الصحيح حذفتها اختصارًا، ومن أهمها حديث عمرو بن عبسة ﵁، الطويل المشتمل على جمل كثيرة من قواعد الإسلام وآدابه وسأذكره بتمامه إن شاء الله تعالى في باب الرجاء قال فيه:
دخلت على النبي ﷺ بمكة، في أول النبوة فقلت له: ما أنت؟ قال: «نبي» فقلت وما نبي؟ قال: «أرسلني الله تعالى» فقلت بأي شي أرسلك؟ قال: «أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيء» وذكر تمام الحديث. والله أعلم.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان صلة الرحم وبر الوالدين.
منها حديث خالد بن زيد الأنصاري، أنه سأل النبي ﷺ عن عمل يدخله الجنة ويباعده من النار، فقال له: «تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم» . والشاهد هنا حيث قال:
[ ٣ / ٢٠١ ]
«تصل الرحم»، فجعل النبي ﷺ النبي صلة الرحم من الأسباب التي تدخل الإنسان الجنة وتباعده عن النار.
ولا شك أن كل إنسان يسعى إلى هذا الكسب العظيم؛ أن ينجو من النار ويدخل الجنة، فإن من زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز، وكل مسلم يسعى إلى ذلك، وهذا يحصل بهذه الأمور الأربعة:
الأول: تعبد الله لا تشرك به شيئًا؛ لا شركًا أصغر ولا شركًا أكبر.
الثاني: تقيم الصلاة، وتأتي بها كاملة في أوقاتها مع الجماعة إن كنت رجلا، ودون الجماعة أن كانت امرأة.
والثالث: تؤتي الزكاة، بأن تؤدي ما أوجب الله عليك من الزكاة في مالك إلى مستحقه.
والرابع: تصل الرحم؛ بأن تؤتيهم حقهم بالصلة حسب ما يتعارف الناس، فما أعده الناس صلة فهو صلة، وما لم يعدوه صلة فليس بصلة، إلا إذا كان الإنسان في مجتمع لا يبالون بالقرابات، ولا يهتمون بها، فالعبرة بالصلة نفسها المعتبرة شرعًا.
ثم ذكر حديث سلمان بن عامر الضبي في الإفطار على التمر، فإن لم يجد فعلى ماء، وأن الصدقة على الفقير صدقة، وعلى ذي القرابة ثنتان: صدقة وصلة.
ولهذا قال العلماء: إذا اجتمع فقيران أحدهما من قرابتك والثاني من غير قرابتك، فالذي من قرابتك أولى؛ لأنه أحق بالصلة.
ثم ذكر حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه كان له امرأة يحبها،
[ ٣ / ٢٠٢ ]
فأمره أبوه أن يطلقها، لكنه أبى ذلك؛ لأنه يحبها، فذكر عمر ذلك للنبي ﷺ، فأمر ابن عمر بطلاقها.
وكذلك الحديث الآخر في امرأة كانت تأمر ابنها بطلاق زوجته فبين النبي ﷺ أن صلة الرحم أو بر الوالدين سبب لدخول الجنة، وهو إشارة إلى أنه إذا بر والدته بطلاق زوجته كان ذلك سببًا لدخول الجنة.
ولكن ليس كل والد يأمر ابنه بطلاق زوجته تجب طاعته؛ فإن رجلًا سأل الإمام أحمد بن حنبل ﵀، قال إن أبي يقول: طلق امرأتك، وأنا أحبها، قال: لا تطلقها، قال: أليس النبي ﷺ قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته لما أمره عمر، فقال له الإمام أحمد: وهل أبوك عمر؟ لأن عمر نعلم علم اليقين أنه لن يأمر عبد الله بطلاق زوجته إلا لسبب شرعي، وقد يكون ابن عمر لم يعلمه؛ لأنه من المستحيل أن عمر بأمر ابنه بطلاق زوجته ليفرق بينه وبين زوجته بدون سبب شرعي. فهذا بعيد.
وعلى هذا فإذا أمرك أبوك أو أمك بأن تطلق امرأتك، وأنت تحبها ولم تجد عليها مأخذًا شرعيًاَ، فلا تطلقها؛ لأن هذه من الحاجات الخاصة التي لا يتدخل أحد فيها بين الإنسان وبين زوجته.
[ ٣ / ٢٠٣ ]