قال الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا إلى قوله تعالى: (قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [٦٠، ٦٦] .
وقال تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الكهف: ٢٨] .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - باب زيارة أهل الخير ومحبتهم وصحبتهم وطلب الزيارة منهم.
أهل الخير أهل العلم والإيمان والصلاح، ومحبتهم واجبة؛ لأن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، فإذا كان الإنسان محبته تابعة لمحبة الله، وبغضه تابعًا لبغض الله؛ فهذا هو الذي ينال ولاية الله ﷿.
وأهل الخير إذا جالستهم فأنت على خير؛ لأن النبي ﷺ مثل الجليس الصالح بحامل المسك؛ إما أن يحذيك يعني: يعطيك، وإما أن يبيعك، يعني يبيع عليك، وإما أن تجد منه رائحة طيبة.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
وكذلك ينبغي أن تطلب منهم أن يزوروك ويأتوا إليك لما في مجيئهم إليك من الخير.
ثم ذكر المؤلف قصة موسى ﵇ مه الخضر فإن موسى قال لفتاه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) [الكهف: ٦٠]؛ لأن الله أخبره بأن له عبدًا من عباده آتاه رحمة منه وعلمه من لدنه علمًا، فذهب موسى يطلب هذا الرجل حتى لقيه، وذكر الله تعالى قصتهما مبسوطة في سورة الكهف وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله، والله أعلم.
* * *
١/٣٦٠ وعن أنس ﵁ قال: قال أبو بكر لعمر ﵄ بعد وفاة رسول الله ﷺ: انطلق بنا إلى أم أيمن ﵂ نزورها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهيا إليها، بكت، فقالا لها: ما يبكيك أما تعلمين أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ؟ فقالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم.
٢/٣٦١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد الله تعالى على مدرجته ملكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال. هل لك عليه من نعمة تربها عليه؟ قال: لا، غير أنى أحببته في الله تعالى، قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك
[ ٣ / ٢٤١ ]
كما أحببته فيه» رواه مسلم.
يقال: «أرصده» لكذا: إذا وكله بحفظه، و«المدرجة» بفتح الميم والراء: الطريق، ومعنى «تربّها» تقوم بها، وتسعى في صلاحها.
٣/٣٦٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «من عاد مريضًا أو زار أخًا في الله، ناداه منادٍ: بأن طبت، وطاب معشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا» رواه الترمذي وقال: حديث حسن، وفي بعض النسخ غريب..
٤/٣٦٣ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا منتنة» متفق عليه.
«يحذيك»: يعطيك.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان فضل زيارة الإخوان بعضهم لبعض والمحبة في الله ﷿.
ففي الحديث الأول في قصة الرجلين من الصحابة ﵄،
[ ٣ / ٢٤٢ ]
زارا امرأة كان النبي ﷺ يزورها. فزاراها من أجل زيارة النبي ﷺ إياها.
فلما جلسا عندها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله ﷾ خير لرسوله؟ يعني خير من الدنيا.
فقالت: إني لا أبكي لذلك ولكن لا نقطاع الوحي؛ لأن النبي ﷺ لما مات انقطع الوحي، فلا وحي بعد رسول الله ﷺ، ولهذا أكمل الله شريعته قبل أن يتوفى، فقال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا) [المائدة: ٣]، فجعلا يبكيان؛ لأنها ذكرتهما بما كانا قد نسياه.
وأما الأحاديث الأخرى ففيها أيضًا فضل الزيارة لله ﷿، وأن الله ﷾ يثيب من زار أخاه أو عاده في مرضه، فيقال له: طبت وطاب ممشاك. ويقال لمن زار أخاه لغير أمر دنيوي ولكن لمحبته في الله: إن الله أحبك كما أحببته فيه.
والزيارة لها فوائد فمع هذا الأجر العظيم، فهي تؤلف القلوب، وتجمع الناس، وتذكر الناسي، وتنبه الغافل، وتعلم الجاهل، وفيها مصالح كثيرة يعرفها من جربها.
وأما عيادة المريض ففيها كذلك أيضًا من المصالح والمنافع الشيء الكثير، وقد سبق لنا أنها من حقوق المسلم على المسلم: أن يعوده إذا مرض، ويذكره بالله ﷿، بالتوبة والوصية وغير ذلك مما يستفيد منه.
فهذه الأحاديث وأشباهها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يفعل ما فيه المودة والمحبة لإخوانه؛ من زيارة وعيادة واجتماع وغير ذلك.
[ ٣ / ٢٤٣ ]
٥/٣٦٤ - وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك» متفق عليه.
ومعناه: أن الناس يقصدون في العادة من المرأة هذه الخصال الأربع، فاحرص أنت على ذات الدين، واظفر بها، واحرص على صحبتها.
٦/٣٦٥ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ لجبريل: «ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟» فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) رواه البخاري.
٧/٣٦٦ - وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا تصاحب إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامك إلا تقي» .
رواه أبو داود، والترمذي بإسناد لا بأس به.
٨/٣٦٧ - وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» .
رواه أبو داود، والترمذي بإسناد صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
٩/٣٦٨ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال «المرء مع من أحب» متفق عليه.
وفي رواية قال: قيل للنبي ﷺ: الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟
قال: «المرء مع من أحب» .
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ فيما نقله عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها، وحسبها، وجمالها، ودينها. فاظفر بذات الدين» .
يعني لأن الأغراض التي تنكح من أجلها المرأة في الغالب تنحصر في هذه الأربع:
المال: من أجل أن ينتفع به الزوج.
والحسب: يعني أن تكون من قبيلة شريفة، من أجل أن يرتفع بها الزوج.
والجمال: من أجل أن يتمتع بها الزوج.
والدين: من أجل أن تعينه على دينه، وتحفظ أمانته وترعى أولاده.
قال النبي ﷺ: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» يعني تمسك بها واحرص عليها، وحث على ذلك بقوله: «تربت يداك» وهذه الكلمة تقال
[ ٣ / ٢٤٥ ]
عند العرب للحث على الشيء.
ثم ذكر المؤلف أيضًا حديث جبريل أن النبي ﷺ قال: «ألا تزورنا أكثر مما تزورنا» فنزلت: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: ٦٤]
ففي هذا الحديث طلب زيارة أهل الخير إلى بيتك. فتطلب منهم أن يزوروك من أجل تنتفع بصحبتهم.
وكذلك في حديث أبي هريرة صحبة المرأة الدينة تعينك على دين الله.
وقد سبق أيضًا أن مثل الجليس الصالح كحامل المسك، إما أن يحذيك يعني يعطيك منه، أو يبيعك، أو تجد منه رائحة طيبة.
ثم ذكر المؤلف أحاديث بهذا المعنى، مثل ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل» يعني أن الإنسان يكون في الدين، وكذلك في الخلق على حسب من يصاحبه، فلينظر أحدكم من يصاحب، فإن صاحب أهل الخير؛ صار منهم، وإن صاحب سواهم؛ صار مثلهم.
فالحاصل أن هذه الأحاديث وأمثالها كلها تدل على أنه ينبغي للإنسان أن يصطحب الأخيار، وأن يزورهم ويزوروه لما في ذلك من الخير، والله الموفق.
* * *
[ ٣ / ٢٤٦ ]
١٠/٣٦٩ - وعن أنس ﵁ أن أعرابيًا قال لرسول الله ﷺ: «متى الساعة؟ قال رسول الله ﷺ: «ما أعددت لها؟» قال: حب الله ورسوله. قال: «أنت مع من أحببت»
متفق عليه، وهذا لفظ مسلم.
وفي رواية لهما: ما أعددت لها من كثير صوم، ولا صلاة ولا صدقة، ولكن أحب الله ورسوله.
١١/٣٧٠ - وعن أبن مسعود ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله ﷺ «المرء مع من أحب» متفق عليه.
١٢/٣٧١ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف» رواه مسلم.
وروى البخاري قوله: «الأرواح» إلخ من رواية عائشة ﵂.
[ ٣ / ٢٤٧ ]
١٣/٣٧٢ - وعن أسير بن عمرو ويقال: ابن جابر وهو «بضم الهمزة وفتح السبن المهملة» قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟
حتى أتى على أويس ﵁، فقال له: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم قال: من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم. قال فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم قال: لك والدة؟ قال: نعم.
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل» فاستغفر لي فاستغفر له.
فقال له: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبراء الناس أحب إلي.
فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم، فوافى عمر، فسأله عن أويس، فقال: تركته رث البيت قليل المتاع.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع امداد من أهل اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر لو أقسم على الله لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك، فافعل» .
فأتى أويسًا، فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدا ً بسفر صالح، فاستغفر لي قال: لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له ففطن له الناس، فانطلق على
[ ٣ / ٢٤٨ ]
وجهه رواه مسلم.
وفي رواية لمسلم أيضًا عن أسير جابر ﵁ أن أهل الكوفة وفدوا على عمر ﵁، وفيهم رجل ممن كان يسخر بأويس، فقال عمر: هل هاهنا أحد من القربيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال عمر: إن رسول الله ﷺ قد قال: «إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، قد كان به بياض فدعا الله تعالى، فأذهبه إلا موضع الدينار أو الدرهم فمن لقيه منكم فليستغفر لكم» .
وفي رواية له عن عمر ﵁ قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن خير التابعين رجل يقال له: أويس، وله والدة وكان به بياض فمروه، فيستغفر لكم» .
قوله: «غبراء الناس» بفتح الغين المعجمة، وإسكان الباء وبالمد، وهم فقراؤهم وصعاليكهم ومن لا يعرف عينه من أخلاطهم، و«الأمداد» جمع مدد وهم الأعوان والناصرون الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد.
١٤/٣٧٣ - وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: استأذنت النبي ﷺ في العمرة، فإذن لي، وقال: «لا تنسنا يا أخي من دعائك» فقال كلمة ما يسرني
[ ٣ / ٢٤٩ ]
أن لي بها الدنيا.
وفي رواية قال: «أشركنا يا أخي في دعائك» .
حديث صحيح رواه أبو داود، والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
١٥/٣٧٤ - وعن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يزور قباء راكبًا وماشيًا، فيصلى فيه ركعتين، متفق عليه.
وفي رواية: «كان النبي ﷺ يأتي مسجد قباء كل سبت راكبًا وماشيًا، وكان ابن عمر يفعله»
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث تتعلق بالباب الذي ذكره المؤلف؛ من أنه ينبغي إكرام العلماء وتوقيرهم واحترامهم ومصاحبة أهل الخير والصلاح وزيارتهم ودعوتهم للزيارة وما أشبه ذلك.
ففي الحديث الأول عن أنس بن مالك ﵁ أن أعرابيًا قال: يا رسول الله؛ متى الساعة؟ فقال له النبي ﷺ: «ماذا أعددت لها؟» قال: حب الله ورسوله.
ففي هذا الحديث دليل على أنه ليس الشأن كل الشأن أن يسأل الإنسان
[ ٣ / ٢٥٠ ]
متى يموت؟ ولكن على أي حال يموت؟ هل يموت على خاتمة؟ أو على خاتمة سيئة؟
ولهذا قال: «ماذا أعددت لها؟» يعني لا تسأل عنها فإنها ستأتي.
قال تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا) [النازعات: ٤٢] وقال تعالى: (يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا) [الأحزاب: ٦٣]، وقال تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) [الشورى: ١٧] .
لكن الشأن ماذا أعددت لها؟ هل عملت؟ هل أنبت إلى ربك؟ هل تبت من ذنبك؟ هذا هو المهم.
وكذلك حديث ابن مسعود وما ذكره المؤلف بعد من فضل محبة الله ورسوله ﷺ، وأن الإنسان إذا أحب قومًا كان منهم. قال النبي ﷺ: «المرء مع من أحب» .
قال أنس: فما فرحنا بعد الإسلام بشيء فرحنا بهذا الحديث، فأنا أحب الله ورسوله. أحب رسول الله ﷺ، وأحبا أبا بكر وعمر، فالمرء مع من أحب؛ لأنه إذا أحب قومًا فإنه يألفهم، ويتقرب منهم، ويتخلق بأخلاقهم، ويقتدي بأفعالهم، كما هي طبيعة البشر.
وأما حديث عمر بن الخطاب ﵁ أنه أراد أن يعتمر فقال له النبي ﷺ «لا تنسنا من دعائك - أو - أشركنا في دعائك» فهذا حديث ضعيف وإن صححه المؤلف، فطريقة المؤلف ﵀ له أنه يتساهل في الحكم على الحديث إذا كان في فضائل الأعمال.
[ ٣ / ٢٥١ ]
وهذا وإن كان يصدر عن حسن نية، لكن الواجب اتباع الحق؛ فالصحيح صحيح، والضعيف ضعيف، وفضائل الأعمال تدرك بغير تصحيح الأحاديث الضعيفة.
نعم أمر النبي ﵊ من رأى أويسًا القرني أو القرني أن يطلب منه الدعاء. لكن هذا خاص به؛ لأنه كان رجلًا بارًا بأمه، وأراد الله ﷾ أن يرفع ذكره في هذه الدنيا قبل جزاء الآخرة.
ولهذا لم يأمر النبي ﵊ أن يطلب أحد من أحد أن يدعو له، مع أن هناك من هو أفضل من أويس؛ فأبو بكر أفضل من أويس بلا شك، وغيره من الصحابة أفضل منه من حيث الصحبة، وما أمر النبي ﵊ أحدًا أن يطلب الدعاء من أحد.
فالصواب أنه لا ينبغي أن يطلب أحد الدعاء من غيره ولو كان رجلًا صالحًا، وذلك لأن هذا ليس من هدي النبي ﷺ ولا من هدي خلفائه الراشدين، أما إذا كان الدعاء عامًا، يعني تريد أن تطلب من هذا الرجل الصالح أن يدعو بدعاء عام، كأن تطلب منه أن يدعو الله تعالى بالغيث أو برفع الفتن عن الناس أو ما أشبه ذلك، فلا بأس؛ لأن هذا لمصلحة غيرك، كما لو سألت المال للفقير، فإنك لا تلام على هذا ولا تذم.
وكذلك النبي ﵊ فإن سؤال الصحابة له من خصوصياته، يسألونه أن يدعو الله لهم، كما قال الرجل حين حدث النبي ﷺ عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقام عكاشة ابن محصن قال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «أنت منهم» ثم قال رجل آخر
[ ٣ / ٢٥٢ ]
فقال ﷺ: «سبقك بها عكاشة» .
وكما قالت المرأة التي كانت تصرع، حيث طلبت من النبي ﷺ أن يدعو الله لها. فقال: «إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة» . فقالت: أصبر ولكن ادع الله ألا تنكشف عورتي.
فالحاصل أن الرسول ﵊ من خصوصياته أن يسأل الدعاء، أما غيره فلا.
نعم لو أراد الإنسان أن يسأل من غيره الدعاء وقصده مصلحة الغير، يعني يريد أن الله يثيب هذا الرجل على دعوته لأخيه، أو أن الله تعالى يستجيب دعوته؛ لأنه إذا دعا الإنسان لأخيه بظهر الغيب قال الملك: آمين ولك بمثله، فالأعمال بالنيات. فهذا لم ينو ذلك لمصلحة نفسه خاصة؛ بل لمصلحة نفسه ومصلحة أخيه الذي طلب منه الدعاء، فالأعمال بالنيات.
أما المصلحة الخاصة فهذا كما قال الشافعي ﵀ يدخل في المسألة المذمومة، وقد بايع ﷺ أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئًا.
[ ٣ / ٢٥٣ ]