قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) [التوبة: ٥] .
١/٣٩٠ - وعن ابن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى» متفق عليه.
٣/٣٩١ - وعن أبي عبد الله طارق بن أشيم ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه، وحسابه على الله تعالى» رواه مسلم.
٣/٣٩٢ - وعن أبي معبد المقداد بن الأسود ﵁، قال: قلت لرسول الله ﷺ: أرايت إن لقيت رجلًا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف، فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال «أسلمت لله» أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ فقال «لا تقتله» .
[ ٣ / ٢٧٥ ]
فقلت: يا رسول الله قطع إحدى يدي، ثم قال ذلك بعد ما قطعها؟ !
فقال: «لا تقتله، فإن قتلته، فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال» متفق عليه.
ومعنى «أنه بمنزلتك» أي: معصوم الدم محكوم بإسلامه، ومعنى «أنك بمنزلته» أي: مباح الدم بالقصاص لورثته، لا أنه بمنزلته في الكفر، والله أعلم.
٤/٣٩٣ - وعن أسامة بن زيد ﵄، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة من جهينة، فصبحنا القوم على مياههم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكف عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، فلما قدمنا المدينة، بلغ ذلك النبي ﷺ فقال لي: «يا أسامة، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ فما زال يكررها على حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم) متفق عليه.
وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ: «أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟!» قلت: يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟!» فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ.
«الحرقة» بضم الحاء المهملة وفتح الراء: بطن من جهينة القبيلة المعروف، وقوله: «متعوذًا»: أي معتصمًا بها من القتل لا معتقدًا لها.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب حمل الناس على ظواهرهم، وأن يكل الإنسان سرائرهم إلى الله ﷿.
أولًا: اعلم أن العبرة في الدنيا بما في الظواهر؛ اللسان والجوارح، وأن العبرة في الآخرة بما في السرائر بالقلب.
فالإنسان يوم القيامة يحاسب على ما في قلبه، وفي الدنيا على ما في لسانه وجوارحه، قال الله ﵎: (إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ) [الطارق: ٨، ٩]، تختبر السرائر والقلوب. وقال تعالى: (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ) [العاديات: ٩ ـ١١] .
فاحرص يا أخي على طهارة قلبك قبل طهارة جوارحك. كم من إنسان يصلي، ويصوم، ويتصدق، ويحج، لكن قلبه فاسد.
وهاهم الخوارج حدث عنهم النبي ﵊؛ أنهم يصلون، ويصومون، ويتصدقون، ويقرؤون القرآن، ويقومون الليل، ويبكون، ويتهجدون، ويحقر الصحابي صلاته عند صلاتهم، لكن قال النبي ﵊: «لا يجاوز إيمانهم حناجرهم» لا يدخل الإيمان قلوبهم.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
مع أنهم صالحو الظواهر، لكن ما نفعهم. فلا تغتر بصلاح جوارحك، وانظر قبل كل شيء إلى قلبك، أسأل الله أن يصلح قلبي وقلوبكم. أهم شيء هو القلب.
رفع رجل إلى الرسول ﵊ قد شرب الخمر فجلده، ثم رفع إليه مرة أخرى فجلده، فسبه رجل من الصحابة، وقال: لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به إلى الرسول ﵊.
فقال له الرسول ﷺ: «لا تلعنه؛ فإن يحب الله ورسوله» فالقلب هو الأصل ولهذا قال الله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ) [المائدة: ٤١] .
أما في الدنيا بالنسبة لنا مع غيرنا، فالواجب إجراء الناس على ظواهرهم؛ لأننا لا نعلم الغيب، ولا نعلم ما في القلوب، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وقد قال النبي ﵊: «إنما أقضي بنحو ما أسمع»
ولسنا مكلفين بأن نبحث عما في قلوب الناس، ولهذا قال الله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التوبة: ٥]، يعني المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة؛ فخلوا سبيلهم وأمرهم إلى الله، إن الله غفور رحيم.
[ ٣ / ٢٧٨ ]
وقال النبي ﵊ فيما رواه ابن عمر ﵄: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله» .
وبذلك يكون العمل بالظواهر؛ فإذا شهد إنسان أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة؛ عصم دمه وماله، وحسابه على الله؛ فليس لنا إلا الظاهر.
وكذلك أيضا من قال لا إله إلا الله؛ حرم دمه وماله، هكذا قال النبي ﵊.
ثم ذكر المؤلف حديثين عجيبين فيهما قصتان عجيبتان:
الأول: حديث المقداد بن الأسود ﵁ قال: يا رسول الله، إن لقيت رجلًا من المشركين، فقاتلته، فضربني بالسيف حتى قطع يدي، ثم لاذ مني بشجرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. أفأقتله؟
قال: «لا تقتله» وهو مشرك قطع يد رجل مسلم، ولاذ بالشجرة، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أأقتله؟
قال «لا تقتله»، فإن قتلته فأنت مثله قبل أن يقول هذه الكلمة، يعني تكون كافرًا.
مع العلم بأني أنا وأنتم، نظن أن هذا الرجل قال أشهد أن لا إله إلا الله خوفًا من القتل، ومع ذلك يقول: لا تقتله، فعصم دمه وماله.
وفي هذا الحديث أيضًا الدليل على أن ما أتلفه الكفار من أموال
[ ٣ / ٢٧٩ ]
المسلمين وما جنوه على المسلمين غير مضمون. يعني الكافر لو أتلف شيئًا للمسلمين، أو قتل نفسًا لا يضمن إذا أسلم، فالإسلام يمحو ما قبله.
القصة الثانية: بعث النبي ﷺ أسامة بن زيد في سرية إلى الحرقة من جهينة، فلما وصلوا إلى القوم وغشوهم، هرب من المشركين رجل، فلحقه أسامة ورجل من الأنصار يتبعانه يريدان قتله، فلما أدركاه قال: لا إله إلا الله، أما الأنصاري فكان أفقه من أسامة، فكف عنه، تركه لما قال لا إله إلا الله. وأما أسامة فقتله.
فلما رجعوا إلى المدينة. وبلغ ذلك النبي ﷺ قال لأسامة: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا لله» قال: نعم يا رسول الله؛ إنما قال ذلك يتعوذ من القتل، يستجير بها من القتل، قال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله» قال: نعم قالها يتعوذ من القتل. كرر ذلك عليه، حتى قال له في رواية لمسلم: «ما تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة؟» .
يقول أسامة ﵁: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل هذا اليوم؛ لأنه لو كان كافرًا ثم أسلم عفا الله عنه، لكن الآن فعل هذا الفعل وهو مسلم، فهذا مشكل جدًا على أسامة.
والرسول ﷺ يكرر: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله» . «ما تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءتك يوم القيامة؟» . مع العلم بأن الذي يغلب على الظن ما فهمه أسامة؛ أنه قالها متعوذًا من القتل يستجير بها من القتل، لكن مع ذلك إذا قال لا إله إلا الله انتهى الأمر ويجب الكف عنه، ويعصم بذلك دمه وماله، وإن كان قالها متعوذًا أو قالها نفاقًا، فحسابه على الله.
[ ٣ / ٢٨٠ ]
فهذا دليل على أننا نحمل الناس في الدنيا على ظواهرهم، أما ما في القلوب فموعده يوم القيامة، تنكشف السرائر، ويحصل ما في الضمائر، ولهذا علينا أيها الأخوة أن نطهر قلوبنا قبل كل شيء ثم جوارحنا.
أما بالنسبة لمعاملتنا لغيرنا، فعلينا أن نعامل غيرنا بالظاهر. واسمع إلى قول الرسول ﷺ: «إنكم تختصمون إلىّ» يعني تخاصمون مخاصمات بينكم «ولعل يعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» يعني أفصح وأقوى دعوى «فأقضي له بنحو ما أسمع، فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقتطع له جمرة من نار، فليستقل أو ليستكثر» .
فحمل النبي ﵊ الأمر في الخصومة على الظاهر، لكن وراءك النار إذا كنت كاذبًا في دعواك، وأنك أخذت القاضي بلسانك وبشهادة الزور، فإنما يقتطع لك جمرة من النار فاستقل أو استكثر.
وخلاصة ما تقدم: أن الإنسان في الدنيا على الظاهر، وأما يوم القيامة فعلى الباطن.
فعلينا نحن أن نعامل غيرنا يظهر لنا من حاله، وأمره إلى الله، وعلينا نحن أنفسنا أن نطهر قلوبنا، لا يكون فيها شيء؛ لا يكون فيها بلاء، كبر، حقد، حسد، شرك، شك، نسأل الله أن يعيذنا من هذه الأخلاق، فإن هذا خطير جدًا.
[ ٣ / ٢٨١ ]
نسأل الله أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا هو، وأن يجنبنا سيئات الأخلاق والأعمال، ولا يجنبنا إياها إلا هو.
* * *
٦/٣٩٥ - وعن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁، يقول: إن ناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا، أمناه وقربناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا، لم نأمنه، ولم نصدقه وإن قال: إن سريرته حسنة» رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف فيما نقله عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من رواية عبد الله بن عتبة بن مسعود؛ عمه عبد الله ابن مسعود - الصحابي الجليل ﵁؛ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إنا نعلم يعني عمن أسر سريرة باطلة في وقت الوحي بما بنزل من الوحي؛ لأن أناسًا في عهد الرسول ﵊ كانوا منافقين يظهرون الخير ويبطنون الشر، ولكن الله تعالى كان يفضحهم بما ينزل من الوحي على رسوله ﷺ، يفضحهم لا بأسمائهم، ولن بأوصافهم التي تحدد أعيانهم.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
والحكمة من ذكرهم بالأوصاف دون الأعيان؛ أن ذلك يكون للعموم، يعني لكل من اتصف بهذه الصفات، مثل قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُم نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِم إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ [التوبة: ٧٥، ٧٧]
ومثل قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) [التوبة: ٥٨]
ومثل قوله: (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ) [التوبة: ٧٩]
وهذا كثير في سورة التوبة التي سماها بعض السلف: الفاضحة؛ لأنها فضحت المنافقين.
لكن لما انقطع الوحي صار الناس لا يعلمون من المنافق؛ لأن النفاق في القلب والعياذ بالله.
يقول ﵁: من أظهر لنا خيرًا؛ أخذناه بما أطهر لنا، وإن أسر سريرة، يعني سيئة، ومن أظهر لنا شرًا، فإننا نأخذ بشره ولو أضمر ضميرةً طيبة؛ لأننا نحن لا نكلف إلا بالظاهر، وهذا من نعمة الله ﷾ علينا ألا نحكم إلا بالظاهر؛ لأن الحكم على الباطن من الأمور الشاقة، والله ﷿ لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
[ ٣ / ٢٨٣ ]
فمن أبدى خيرًا؛ عاملناه بخيره الذي أبداه لنا، ومن أبدى شرًا؛ عاملناه بشره الذي أبداه لنا، وليس لنا من نيته مسؤولية، النية موكولة إلى رب العالمين ﷿، الذي يعلم ما توسوس به نفس الإنسان.
[ ٣ / ٢٨٤ ]