قال الله تعالى: (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) [البقرة: ٤٠] .
وقال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ) [البروج: ١٢] .
وقال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) [هود: ١٠٢ - ١٠٦] .
وقال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨] .
وقال تعالى: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٤ ـ٣٧] .
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١ ـ٢] .
وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦] .
وقال تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) [الطور: ٢٥ - ٢٨] .
[ ٣ / ٢٨٥ ]
والآيات في الباب كثيرة جدًا معلومات، والغرض الإشارة إلى بعضها وقد حصل.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف ﵀: باب الخوف، الخوف ممن؟ الخوف من الله ﷿؛ لأن الذي يعبد الله يجب أن يكون خائفًا راجيًا؛ إن نظر إلى ذنوبه وكثرة أعماله السيئة خاف، إن نظر إلى أعماله الصالحة وأنه قد يشوبها شي من العجب والإدلال على الله خاف، إن نظر إلى عفو الله، ومغفرته، وكرمه، ورحمته رجا؛ فيكون دائرًا بين الخوف والرجاء.
قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) يعني: يعطون ما أعطوا من الأعمال الصالحة (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) خائفة ألا تقبل منهم (أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: ٦٠] .
فينبغي بل يجب أن يكون سير الإنسان إلى الله ﷿ دائرًا بين الخوف والرجاء، لكن أيهما يغلب؟ هل يغلب الرجاء؟ أو يغلب الخوف؟ أو يجعلهما سواء؟
قال الإمام أحمد ﵀: ينبغي أن يكون خوفه ورجاءه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء، صار من الآمنين من عذاب الله، وإن غلب جانب الخوف؛ صار من القانطين من رحمة الله، وكلاهما سيء، فينبغي أن يكون خوفه ورجاءه واحدًا.
[ ٣ / ٢٨٦ ]
ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات في سياق باب الخوف، سبق بعضها، ومنها قوله تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) [آل عمران: ٢٨]، يعني أن الله ﷿ يحذرنا من نفسه أن يعاقبنا على معاصينا وذنوبنا، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج: ١، ٢] .
هذا أيضًا فيه أن الإنسان يجب أن يخاف هذا اليوم العظيم، الذي قال الله عنه: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ) يعني من شدة ما ترى من الأهوال ومن الأفزاع.
(وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى) يعني مشدوهين، ليس عندهم عقول، ولكنهم ليسوا بسكارى (وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) .
وقال الله ﵎: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: ٣٤]، وسبق الكلام عليها.
وقال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٤٦]، إلى آخر السورة، أي من خاف المقام بين يدي الله ﷿، فإنه سوف يقوم بطاعته، ويخشى من عقابه، فله جنتان، وفي أثناء الآيات يقول: (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) [الرحمن: ٦٢]، فهذه أربع جنات لمن خاف مقام الله ﷿، ولكن الناس فيها درجات. نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين من أهلها
[ ٣ / ٢٨٧ ]
بمنه وكرمه.
وأما الأحاديث فكثير جدًا، فنذكر منها طرفًا وبالله التوفيق.
١/ ٣٩٦ - عن ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفه، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغه مثل ذلك، ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: يكتب رزق، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينهما إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون
[ ٣ / ٢٨٨ ]
بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - رحمه الله تعالى - في باب الخوف والتحذير من الأمن من مكر الله، قال فيما نقله عن عبد الله بن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد، فو الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل أهل الجنة حتى ما يكون بيته وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» .
قوله ﵁: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق، يعني الصادق فيما يقول، والمصدوق، فيما يوحى إليه من الوحي، وفيما يقال له من الوحي، فهو صادق لا يخبر إلا بالصدق، مصدوق لا ينبأ إلا بالصدق صلوات الله وسلامه عليه.
وإنما قدم هذه المقدمة؛ لأنه سيخبر عن أمر غيبي باطن يحدث في ظلمات ثلاث: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة» إذا جامع الرجل امرأته، وألقى في رحمها الماء بقي أربعين يومًا وهو نطفة على ما هو عليه، ماء، لكنه يتغير شيئًا فشيئًا، يميل إلى الحمرة، حتى يتم عليه أربعون يومًا.
فإذا تم عليه أربعون يومًا، إذا هو قد استكمل الحمرة وصار قطعة دم؛ علقة، فيمضي عليه أربعون يومًا أخرى وهو علقة، يعني قطعة دم، لكنها جامدة، ولكنه يثخن ويغلظ شيئًا فشيئًا، حتى يتم له ثمانون يومًا.
فإذا تم له ثمانون يومًا فإذا هو مضغة؛ قطعة لحم، في الرحم هذه المضغة قال الله تعالى فيها: (مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) [الحج: ٥]، فتبقى أربعين يومًا، تخلق من واحد وثمانين يومًا إلى مائة وعشرين يومًا، ولا يتبين فيها الخلق تبينًا ظاهرًا إلا إذا تم لها تسعون يومًا في الغالب.
فإذا مضى عليها أربعون يومًا وهي مضغة، أرسل الله إليها الملك
[ ٣ / ٢٨٩ ]
الموكل بالأرحام؛ لأن الله ﷿ يقول: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) [المدثر: ٣١]، فالملائكة جنود الله ﷿، وكل منهم موكل بشيء؛ منهم الموكل بالأرحام، ومنهم الموكل بالنفوس يقبضها، ومنهم الموكل بالأعمال يكتبها، ومنهم الموكل بالأبدان يحفظها، وظائف عظيمة للملائكة، أمرهم الله ﷿ بها.
فيأتي ملك الأرحام إلى كل رحم، فينفخ فيه الروح بإذن الله ﷿، وهذه الروح أمر لا يعلمه إلا رب العالمين. قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) [الإسراء: ٨٥] ينفخها في هذا البدن، الذي هو قطعة لحم في الرحم، ليس فيها حراك ولا إحساس ولا شيء، فإذا نفخ هذه الروح دخلت في هذا البدن، فتسير فيه كما تسير الجمرة في الفحمة بإذن الله، أو الطين في المدر اليابس، فتدب في هذا الجسد حتى تدخل في الجسد كله، فيكون إنسانًا، يتحرك، وتحس الأم بتحركه بعد مائة وعشرين يومًا، وحينئذ يكون إنسانًا، أما قبل فهو ليس بشيء
ولو سقط الجنين قبل تمام مائة وعشرين يومًا، فليس له حكم من جهة الصلاة عليه، بل يؤخذ ويدفن في أي حفرة من الأرض، ولا يصلى عليه.
أما إذا تم مائة وعشرين يومًا، يعني أربعة أشهر، صار حينئذ إنسانًا، فإذا سقط بعد ذلك، فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، لو كان قدر اليد، فإنه يصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين إن كان مسلمًا.
وإن كان من أولاد النصارى، يعني أمه وأبوه من النصارى، فلا يدفن
[ ٣ / ٢٩٠ ]
في مقابر المسلمين، بل يخرج ويدفن بدون تغسيل ولا تكفين؛ لأنه وإن كان طفلًا، فإن الرسول سئل عن أولاد المشركين فقال: «هم منهم» .
والحاصل أنه إذا تم له أربعة أشهر يغسل، ويكفن، ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، ويسمى، ويعق عنه على الأرجح ليشفع لوالديه يوم القيامة؛ لأنه يبعث يوم القيامة.
قال النبي عليه والصلاة والسلام: «ويؤمر» الملك «بأربع» كلمات: يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.
فيكتب رزقه: وكتب الرزق يعني هل هو قليل، أم كثير؟ ومتى يأتيه؟ وهل ينتقص أم لا ينتقص؟ المهم أنه يكتب كاملًا.
ويكتب أجله أيضًا: في أي يوم؟ وفي أي مكان؟ وفي أي ساعة؟ وفي أي لحظة؟ وعن بعد أم قرب؟ وبأي سبب من الأسباب موته؟ والمهم أنه يكتب كاملًا.
ويكتب عمله: هل هو صالح، أم سيء، أم نافع، أم قاصر على الشخص نفسه؟ والمهم يكتب كل أعماله.
ويكتب مآله: وما أدراك ما المآل؟ فيكتب هل هو شقي أم سعيد؟ (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا
[ ٣ / ٢٩١ ]
فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) [هود: ١٠٦ـ١٠٨] .
وكل هذا يكتب. لكن أين يكتب؟ وردت آثار أنه يكتب في جبينه على جبهته.
فإن قال قائل: كيف تتسع الجبهة لكتاب هذه الأشياء كلها؟
قلنا: لا تسأل عن أمور الغيب. ومن أنت حتى تسأل عن أمور الغيب؟ قل آمنت بالله وصدقت بالله وبرسوله، ولا تسأل: كيف؟
وقد وقع الآن في وقتنا ما يشهد لمثل هذا - كمبيوتر قدر اليد يكتب به الإنسان آلاف الكلمات، وهو من صنع البشر. فما بالك بصنع الله ﷿.
والحاصل أن هذا من المسائل التي يخبر بها الرسول ﵊ وأنت لا تدركها بحسك، فإن الواجب عليك أن تصدق وتسلم؛ لأنك لو لم تصدق وتسلم إلا بما تدركه بحسك لم تكن مؤمنًا، وما كنت مؤمنًا بالغيب، فالذي يؤمن بالغيب هو الذي يقبل كل ما جاء عن الله ورسوله، ويقول آمنت بالله ورسوله وصدقت.
قال: «فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها» . ولكن أبشروا فإن هذا الحديث مقيد، بأنه لا يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وأما الذي يعمل بعمل أهل الجنة بقلب وإخلاص فإن الله لا يخذله ﷿، والله أكرم من العبد، فإذا
[ ٣ / ٢٩٢ ]
عملت بعمل أهل الجنة بإخلاص - نسأل الله أن يجعلنا والمسلمين منهم - فإن الله لا يخذلك، لكن فيما يبدو للناس.
والدليل على هذا القيد ما ثبت في صحيح البخاري، أن رجلًا كان مع النبي ﷺ في غزوة، وكان شجاعًا مقدامًا، لا يترك للعدو شاذة ولا فاذة إلا قضى عليه، فتعجب الناس منه؛ ومن شجاعته، من إقدامه، فقال النبي ﷺ ذات يوم: «إنه من أهل النار» أعوذ بالله، هذا الشجاع الذي يفتك بالعدو من أهل النار؟ فكبُر ذلك على المسلمين، وعظم عليهم، وخافوا، كيف يصير هذا من أهل النار؟
فقال رجل: والله لألزمنه؛ أتابعه وأراقبه؛ لأرى نهايته كيف تكون؟ فمشى معه، وفي أثناء القتال أصاب هذا الرجل الشجاع السهم فجزع، فأخذ بسيفه فسله، فوضعه في صدره، واتكأ عليه حتى خرج من ظهره، قتل نفسه جزعًا، فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. قال: وبم؟
قال: الرجل الذي قلت إنه من أهل النار. حصل له كذا وكذا.
فقال النبي ﷺ: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس»
الحمد لله على هذا القيد، يعمل فيما يبدو للناس بعمل أهل الجنة وهو من أهل النار، يظنون أنه صالح، ولكن في قلبه فساد وهو من أهل النار.
قال في حديث ابن مسعود: «وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» هذا عكس الأول.
[ ٣ / ٢٩٣ ]
الأول: وجدنا له شاهدًا في الواقع وهي قصة هذا الرجل.
وهذا له أيضًا شاهد في الواقع، يعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها. وقع هذا عهد الرسول ﷺ، رجل يقال له الأصيرم من بني عبد الأشهل، كافر منابذ للدعوة الإلهية، ضد المسلمين، فلما كان في غزوة أحد، وخرج الناس من المدينة يغزون، ألقى الله في قلبه الإسلام، فأسلم وخرج يجاهد.
فلما حصل ما حصل للمسلمين، وقتل منهم من قتل، وذهب الناس ينظرون في قتلاهم، فوجدوا الأصيرم، فقال له قومه: ما الذي جاء بك؛ فقد عهدناك ضد هذه الدعوة، أحدب على قومك، يعني عصبية، أم رغبة في الإسلام؟
قال: بل رغبة في الإسلام، وأقرئوا الرسول ﷺ مني السلام، وأخبروه أني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثم مات، فأخبروا بذلك النبي ﷺ وأظنه قال: «إنه من أهل الجنة» فهذا الرجل أمضى عمره كله في الكفر، ضد الإسلام وضد المسلمين، وكان خاتمته هذه الخاتمة، عمل بعض أهل النار، حتى كم يكن بينه وبينهما إلا ذراع، فسبق عليه الكتاب، فعمل بعمل أهل الجنة، فكان من أهل الجنة.
ساق المؤلف هذا الحديث من أجل أن نخاف وأن نرجو، نخاف على أنفسنا من الفتنة، ولهذا ينبغي للإنسان أن يسأل الله دائمًا الثبات: اللهم ثبتني بالقول الثابت، وكان النبي على الصلاة والسلام يقول: «اللهم مقلب
[ ٣ / ٢٩٤ ]
القلوب، ثبت قلبي على دينك، اللهم مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك» هذا هو النبي ﷺ.
وأيضًا نأخذ من هذا الحديث ألا نيأس، ولا نيأس من شخص نجد على الكفر أو على الفسق، ربما يهديه الله في آخر لحظة، ويموت على الإسلام. نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يتوفانا على الإيمان بمنه وكرمه.
* * *
٢/٣٩٧ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بجهنم يؤمئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها» رواه مسلم.
٣/٣٩٨ - وعن النعمان بن بشير ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل يوضع في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا» متفق عليه.
٤/٣٩٩ وعن سمرة بن جندب ﵁ أن نبي الله ﷺ قال: «منهم من تأخذه النار إلى كعبيه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى
[ ٣ / ٢٩٥ ]
حجزته، ومنهم من تأخذه إلى ترقوته»
«الحجزة»: معقد الإزار تحت السرة. و«الترقوة» بفتح التاء وضم القاف: هي العظم الذي عند ثغرة النحر، وللإنسان ترقوتان في جانبي النحر.
٥/٤٠٠ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه» متفق عليه.
«والرشح» العرق.
٦/٤٠١ - وعن أنس ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط فقال: لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلً ولبكيتم كثيرًا» فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم، ولهم خنين. متفق عليه.
وفي رواية: بلغ رسول الله ﷺ عن أصحابه شيء فخطب، فقال: «عرضت علي الحنة والنار، فلم أر كاليوم في الخير والشر، ولو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلًا، ولبكيتم كثيرًا» فما أتى على أصحاب رسول الله ﷺ يوم أشد منه غطوا رؤوسهم ولهم خنين.
«الخنين» بالخاء المعجمة: هو البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف.
[ ٣ / ٢٩٦ ]
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀، كلها أحاديث تفيد الخوف من يوم القيامة ومن عذاب النار، فذكر أحاديث منها:
أنه يؤتى يوم القيامة بجهنم، لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها، وهذا يدل على هول هذه النار - نسأل الله أن يعيذنا والمسلمين منها، ومن هول ذلك اليوم ـ؛ لأن الله تعالى جعل سبعين ألف ملك مع كل زمام من سبعين ألف زمام يجرون بها جهنم والعياذ بالله. فهذا العدد الكبير من الملائكة يدل على أن الأمر عظيم والخطر جسيم.
وبين النبي ﷺ أن أهون أهل النار عذابًا، من يوضع في قدميه جمرتان من نار يغلي منهما دماغه. وهو يرى أنه أشد الناس عذابًا، وأنه لأهونهم؛ لأنه لو رأى غيره؛ لهان عليه الأمر، وتسلى به، ولكنه يرى أنه أشد الناس عذابًا والعياذ بالله، فحينئذ يتضجر ويزداد بلاء ومرضا نفسيًا والعياذ بالله، ولذلك ذكر النبي ﷺ هذا الحديث تحذيرًا لأمته من عذاب النار.
وذكر أيضًا أن من الناس من تبلغ النار إلى كعبيه وإلى ركبتيه وإلى حُجزته.
وذكر أيضًا أن الناس في يوم القيامة يبلغ العرق منهم إلى الكعبين، وإلى الركبتين، والحقوين، ومن الناس من يلجمه العرق.
فالأمر خطير، فيجب علينا جمعيًا أن نحذر من أهوال هذا اليوم، وأن نخاف الله ﷾، فنقوم بما أوجب علينا، وندع ما حرم علينا.
[ ٣ / ٢٩٧ ]
نسأل الله أن يعيننا والمسلمين على ذلك بمنه وكرمه.
* * *
٧/٤٠٢ - وعن المقداد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تدنى الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل» .
قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: فو الله ما أدري ما يعني بالميل، أمسافة الأرض، أم الميل الذي تكتحل به العين «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حِقوية، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما» وأشار رسول الله ﷺ بيده إلى فيه» رواه مسلم.
٨/٤٠٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عرقهم في الأرض سبعين ذراعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم» متفق عليه.
ومعنى «يذهب في الأرض»: ينزل ويغوص.
٩/٤٠٤ - وعنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ إذ سمع وجبة فقال: «هل تدرون ما هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها فسمعتم وجبتها» رواه
[ ٣ / ٢٩٨ ]
مسلم.
١٠/٤٠٥ - وعن عدي بن حاتم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر بين يديه، فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» متفق عليه.
١١/٤٠٦ - وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
و«أطت» بفتح الهمزة وتشديد الطاء، و«تئط» بفتح التاء وبعدها همزة مكسورة، والأطيط: صوت الرحل والقتب وشبههما، ومعناه: أن كثرة من في السماء من الملائكة العابدين قد أثقلتها حتى أطت.
و«الصعدات» بضم الصاد والعين: الطرقات: ومعنى «تجأرون»: تستغيثون.
١٢/٤٠٧ - وعن أبي برزة - براء ثم زاي - نضله بن عبيد الأسلمي رضي الله
[ ٣ / ٢٩٩ ]
عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما عبد حتى يسأل عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، كلها تدل على عظم يوم القيامة، وأن على المؤمن أن يخاف من هذا اليوم العظيم.
ذكر أحاديث فيها دنو الشمس من الخلائق بقدر ميل، قال سليم بن عامر الراوي عن المقداد: لا أدري أيريد بذلك: مسافة الأرض، أم ميل المكحلة، وكلاهما قريب، وإذا كانت الشمس في أوجها في الدنيا وبعدها عنا بهذه الحرارة، فكيف إذا كانت بهذا القرب؟ !
ولكن هذه الشمس ينجو منها من شاء الله، فإن الله تعالى يظل أقوامًا بظله يوم لا ظل إلا ظله، منهم من سبق ذكره وهم: السبعة الذين بظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في طاعة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال؛ فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
وكذلك من أنظر معسرًا، أو وضع عنه، المهم أن هناك أناسًا ينجون من هذه الشمس، فيظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
وذكر أحاديث العرق، وأن الناس يعرقون، حتى يبلغ العرق من الأرض سبعين ذراعًا، وحتى يلجم بعضهم إلجامًا، وبعضهم يصل إلى كعبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، يختلف الناس حسب أعمالهم في هذا العرق.
وذكر أيضًا أحاديث أخرى، فيها التحذير من نار جهنم، نسأل الله لنا والمسلمين السلامة منها.
والحاصل أن الإنسان إذا قرأ هذه الأحاديث وغيرها مما لم يذكره المؤلف، فإن المؤمن يخاف ويحذر، وليس بين الإنسان وبين هذا إلا أن ينتهي أجله في الدنيا، ثم ينتقل إلى دار الجزاء؛ لأنه ينتهي العمل. أحسن الله لنا وللمسلمين الخاتمة.
* * *
١٥/٤١٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من خاف أدلج، ومن أدلج، بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، إن سلعة الله الجنة» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
و«أدلج» بإسكان الدال، ومعناه: سار من أول الليل، والمراد: التشمير في
[ ٣ / ٣٠١ ]
الطاعة. والله أعلم.
١٦/٤١١ - وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا» قلت: يا رسول الله: الرجال والنساء جميعا؛ ينظر بعضهم إلى بعض!؟ قال «يا عائشة الأمرأشد من أن يهمهم ذلك» .
وفي رواية: «الأمر أهم من أن ينظر بعضهم إلى بعض» متفق عليه.
«غرلًا» بضم الغين المعجمة، أي: غير مختونين.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ﵀ في باب الخوف: عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل» أدلج يعني: مشى في الدلجة، وهي أول الليل «ومن أدلج بلغ المنزل»؛ لأنه إذا سار في أول الليل، فهو يدل على اهتمامه في المسير، وأنه جاد فيه، ومن كان كذلك بلغ المنزل.
«ألا وإن سلعة الله غالية، ألا وإن سلعة الله الجنة» .
السلعة: يعني التي يعرضها الإنسان للبيع، والجنة قد عرضها الله ﷿ لعباده ليشتروها. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ
[ ٣ / ٣٠٢ ]
أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: ١١١] .
فمن خاف: يعني من كان في قلبه خوف لله؛ عمل العمل الصالح الذي ينجيه مما يخاف.
وأما حديث عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «يحشر الناس» يعني يجمعون يوم القيامة «حفاة» ليس لهم نعال «عراة» ليس عليهم ثياب «غرلًا» غير مختونين.
يخرج الناس من قبورهم كيوم ولدتهم أمهاتهم يعني في كمال الخلقة، كما قال تعالى: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ) [الأنبياء: ١٠٤]، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله، الرجال والنساء، يعني عراة ينظر بعضهم إلى بعض. قال: الأمر أكبر أو أعظم من أن يهمهم ذلك، أو من أن ينظر بعضهم إلى بعض، أي: إن الأمر عظيم جدًا، لا ينظر أحد إلى أحد (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: ٣٧] .
نسأل الله تعالى أن ينجينا وإياكم من عذاب النار، وأن يجعلنا وإياكم ممن يخافه ويرجوه.
[ ٣ / ٣٠٣ ]