قال الله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء: ١٠٩] . وقال تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠] .
١/٤٤٦ - وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال لي النبي ﷺ: اقرأ علي القرآن» قلت: يا رسول الله أقرأ عليك، وعليك أنزل؟ ! قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأت عليه سورة النساء، حتى جئت إلى هذه الآية: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١] قال: «حسبك الآن» فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان. متفق عليه.
٢/٤٤٧ - وعن أنس ﵁ قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» قال فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين. متفق عليه، وسبق بيانه في باب الخوف.
٣/٤٤٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يلج
[ ٣ / ٣٤٢ ]
النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم» رواه الترمذي. وقال حديث حسن صحيح.
٤/٤٤٩ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف - رحمه الله تعالى ـ: باب فضل البكاء من خشية الله ﷿، يعني خوفًا منه وشوقًا إليه ﵎، وذلك أن البكاء له أسباب: تارة يكون الخوف، وتارة يكون الألم، وتارة يكون الشوق، وغير ذلك من الأسباب التي يعرفها الناس.
ولكن البكاء من خشية الله إما خوفًا منه وإما شوقًا إليه ﵎، فإذا كان البكاء من معصية فعلها
الإنسان؛ فهذا البكاء سببه الخوف من الله ﷿، وإذا كان عن طاعة فعلها، كان هذا البكاء شوقًا إلى الله ﷾.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
وذكر المؤلف ﵀ آيتين: آية فيها الثناء على الذين يبكون من خشية الله وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ) [الإسراء: ١٠٧] أي أوتوا العلم من قبل القرآن، وهم أهل الكتاب (إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) [الإسراء: ١٠٧، ١٠٨]، يعني إن وعد ربنا واقع لا محالة، فإن هنا للتوكيد.
(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ) يعني عليها، والمراد المبالغة في السجود، حتى تكاد أذقانهم تضرب بالأرض من شدة المبالغة في سجودهم (وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) خشوعًا في القلب يظهر أثره وعلامته على الجوارح.
والآية الثانية قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ) [لنجم: ٥٩، ٦٠]، وهذا ذم لهم أن يضحك الإنسان من القرآن ويعجب منه عجب استنكار وسخرية ولا يبكي منه، والقرآن أعظم واعظ، يعظ الله به القلوب، لكنه إذا ورد على قلوب كالحجارة والعياذ بالله؛ فإنها لا تلين ولكنها تزداد صلابة. نسأل الله العافية.
ثم ذكر المؤلف حديث ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ طلب منه أن يقرأ عليه القرآن، فقال: يا رسول الله، كيف أقرؤه عليك وعليك أنزل؟ يعني: أنت أعلم به مني، فكيف أقرؤه عليك؟ . قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري» .
هكذا قال النبي ﵊، وفيه إشارة إلى أن الإنسان قد يكون إنصاته لقراءة غيره أخشع لقلبه مما لو قرأ هو، وهو كذلك أحيانًا،
[ ٣ / ٣٤٤ ]
فأحيانًا إذا سمعت القرآن من غيرك خشعت وبكيت، لكن لو قرأته أنت خشعت على هذه الهيئة.
فقرا عليه سورة النساء، فلما بلغ هذه الآية العظيمة: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) [النساء: ٤١]، يعني ماذا تكون حالك؟ ! وماذا تكون حالهم؟ !
كيف هنا للاستفهام، والاستفهام يشد النفس وينبه القلب (إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيد) يوم القيامة.
والشهداء طائفتان من الناس:
الطائفة الأولى: الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [البقرة: ١٤٣] .
والثانية: أهل العلم الذين ورثوا الأنبياء، فإنهم شهداء بعد ميراث الأنبياء بعد أن يموت الأنبياء، فالشهداء على الخلق هم العلماء بعد الرسل يشهدون بأن الرسل بلغوا، ويشهدون على الأمة بأن الرسالة قد بلغتهم، ويالها من ميزة عظيمة لأهل العلم، أن يكونوا هم شهداء الله في أرضه.
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا)، وقد ذكر الله في سورة الجاثية (وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً) على ركبها (كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا) كتاب الأعمال، أو إلى كتابها الذي نزل
عليها بالوحي (تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .
يقول: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ) يعني يا محمد (عَلَى هَؤُلاء) الأمم (شَهِيدًا) ماذا تكون الحال. فقال النبي
[ ٣ / ٣٤٥ ]
ﷺ: «حسبك الآن» . قال ابن مسعود: فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان.
يبكي ﵊ خوفًا من هذه الحالة الرهيبة العظيمة. ففي هذا دليل على البكاء من قراءة القرآن وأن الإنسان يبكي من قراءة القرآن.
وذكر المؤلف حديثًا آخر سبق لنا شرحه وهو أن الرسول ﵊ قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا» يعني لو تعلمون ما أعلم من حقائق الأمور التي أخفاها الله عنكم وعلمها الرسول ﷺ لكنه أخفاها عن الخلق رحمة بهم وعلمها النبي ﷺ ولكنه لم يؤمر بإبلاغها للناس، وقد يكون المراد بذلك حقائق ما أخبره أنه يعلم شيئًا من الحقائق لا يعلمها الناس، فالله أعلم.
ولما قال ﷺ: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قيلا ً ولبكيتم كثيرًا» غطى الصحابة وجوههم ولهم خنين. يعني أصوات بكاء. يبكون لأن المراد بقول الرسول ﵊: «لو تعلمون ما أعلم» التحذير مما علمه ﵊، فجعلوا يبكون ﵃ وأرضاهم، وهذا يدل على كمال إيمانهم، وكمال تصديقهم بما أخبر به الرسول ﷺ.
ثم ذكر المؤلف حديث أبي هريرة المشهور، وقد سبق أيضًا «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» ذكر الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وأحكامه وآياته، ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه، إما شوقًا إليه، وإما خوفًا منه، فهذا من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
والمراد بالظل هنا: ظل يخلقه الله ﷿ يوم القيامة يظلل فيه من
[ ٣ / ٣٤٦ ]
شاء من عباده، وليس المراد ظل نفسه جل وعلا؛ لأن الله نور السموات والأرض، ولا يمكن أن يكون الله ظلًا من الشمس، فتكون الشمس فوقه وهو بينها وبين الخلق، ومن فهم هذا الفهم فهو بليد أبلد من الحمار؛ لأنه لا يمكن أن يكون الله ﷿ تحت شيء من مخلوقاته، فهو العلي الأعلى، ثم هو نور السموات والأرض.
قال النبي ﵊ «حجابه» يعني حجاب الله «النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه»، يعني لو كشف هذا الحجاب - والحجب أيضًا من نور، لكنها نور دون نور البارئ ﷿. لو كشف الله هذا النور لأحرقت سبحات وجهه أي بهاؤه وعظمته ونوره، ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبصره ينتهي إلى كل شيء.
والمعنى لو كشفه لأحرق هذا النور كل شيء، كيف يكون المراد بالظل ظل الرب ﷿؟! لكن كما قلت: بعض الناس أجهل من الحمار، لا يدري ما يترتب على قوله الذي يقوله في تفسير كلام الله وكلام رسوله ﷺ، ولا يمكن أن يريد الرسول ﵊ هذا.
حتى الرواية التي وردت في ظل عرشه فيها نظر؛ لأن المعروف أن العرش أكبر من السموات والأرض والشمس والقمر والنجوم، السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة،
[ ٣ / ٣٤٧ ]
فكيف يكون العرش تحت الشمس يظل الناس؟!
لو صح الحديث لقلنا: ربما يكون طرف العرش مثلًا، والله ﷿ على كل شيء قدير، لكن هذه اللفظة في صحتها نظر، والصواب أنه ظل يخلقه الله ﷿ في ذلك اليوم؛ إما من الغمام أو من غير ذلك، الله أعلم، لكنه ظل يستر الله به من شاء من عباده حر الشمس.
وإنما قال: «يوم لا ظل إلا ظله»؛ لأننا في الدنيا نستظل بالبناء الذي نبنيه، ونستظل بالأشجار التي تغرس، ونستظل بسفوح الجبال، وبالجدران، وبغير ذلك، نستظل بأشياء نحن نصنعها بأيدينا وبأشياء خلقها الله ﷿.
لكن في الآخرة ليس هناك ظل، قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) [طه: ١٠٥]، كل الجبال تنسف مهما عظمت، أكبر الجبال وأعظمها تنسف؛ تكون رملًا، هباءً منثورًا، تطير في الجو (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) [النمل: ٨٨]، تطير في الهواء وإن كنت تظنها جامدة لا تتحرك.
وقد سمعت عن بعض الناس المتأخرين يقول: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً) يعني في الدنيا، وأن هذا دليل على أن الأرض تدور، وعلل ذلك بان يوم القيامة يقين ليس فيه شيء من الحسبان.
وهذا من جهله وعدم معرفته؛ لأن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (ا١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا
[ ٣ / ٣٤٨ ]
هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: ١، ٢]، هذا من يراهم على خلاف الواقع، فالأمر إذا ذهل الإنسان ولو كان أمامه شيء متيقن، فإنه تضيع حواسه وإدراكا ته.
المهم أن قوله «يوم لا ظل إلا ظله» أي: إلا الظل الذي يخلقه الله ﷿، يظل به من شاء من عباده. وهذا هو الشاهد.
قوله: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه» فأنت يا أخي إذا ذكرت الله فاذكر ربك خالي القلب، لا تفكر في شيء، إن فكرت في شيء لم يحصل لك أن تبكي من خشية الله أو الشوق إليه؛ لأنه لا يمكن أن يبكي الإنسان وقلبه مشغول بشيء آخر، كيف تبكي شوقًا إلى الله وخوفًا منه وقلبك مشغول بغيره؟! ولهذا قال: «ذكر الله خاليًا» يعني: خالي القلب مما سوى الله ﷿، خالي الجسم أيضًا، ليس عنده أحد حتى يكون بكاؤه رياء وسمعه، فهو مخلص القلب، فهذا أيضًا ممن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. أسأل الله أن يظلني وإياكم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
* * *
٥/٤٥٠ - وعن عبد الله بن الشخير ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء.»
حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي في الشمائل بإسناد صحيح.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
٦/٤٥١ - وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي بن كعب ﵁: «إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا) قال: وسماني؟ قال: «نعم» فبكى أبي. متفق عليه. وفي رواية: فجعل أبي يبكي.
٧/٤٥٢ - وعنه قال: قال أبو بكر لعمر ﵄، بعد وفاة رسول الله ﷺ، انطلق بنا إلى أم أيمن ﵄ نزورها كما كان رسول الله يزورها، فلما انتهينا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ أما تعلمين أن ما عند الله تعالى خير لرسول الله ﷺ قالت: إني لا أبكي أني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ، ولكني أبكي أن الوحي قد أنقطع من السماء؛ فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان معها. رواه مسلم. وقد سبق في باب زيارة أهل الخير.
٨/٤٥٣ - وعن ابن عمر ﵄ قال: لما اشتد برسول الله ﷺ وجعه، قيل له في الصلاة، فقال «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت عائشة ﵂: إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال: «مروه فليصل» .
وفي رواية عن عائشة ﵂ قالت: قلت: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء. متفق عليه.
[ ٣ / ٣٥٠ ]
٩/٤٥٤- وعن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عّوف أنَّ عبدَ الرحمنِ بن عَوف ﵁ أتي بطَعام وكان صائمًا، فقال قُتل مًُصعب بن عُمير ﵁ وهو خير مني. فلم يوجد له ما يكفنُ فيه إلا بُردة إن غطي بها رأسهُ بدت رجلاه وإن غُطي بها رجلاهُ بدا رأسُه، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسِط - أو قال: أعطينا من الدنيا ما أُعطينا- وقد خشينا أن تكُون حسناتنا عُجلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعامَ. رواه البخاري
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في باب البكاء من خشية الله أو من الشوق إليه ﷾، ذكر فيها عدة أحاديث، منها: حديث عبد الله ابن الشخير ﵁ أنه أتى النبي ﷺ وهو يصلي وكان لصدره أزيز كأزيز المرجل.
المرجل: القِدر يغلي على النار وله صوت معروف، وأزيز صدر النبي ﷺ كان من خَشية الله بلا شك، فهذا بكاء من خشية الله.
وذكر حديث أنس أن النبي ﷺ قال لأُبي بن كعب" إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ) (البينة: ١)، فقال: وسماني لك؟ قال: "نعم". فبكى أُبي.
لكن هذا البكاء يحتمل أن يكون شوقًا إلى الله ﷿؛ لأن أمر نبيه ﷺ أن يقرأ هذه السورة على أُبي تدل على رفعة أُبي بن كعب ﵁،
[ ٣ / ٣٥١ ]
ويحتمل أن يكون ذلك من الفرح؛ فإن الإنسان ربما يبكي إذا فرح، كما أنه يبكي إذا حزن.
ثم ذكر المؤلف ﵀ أحاديث كلها تدل على البكاء على الحزن على ما مضى، منها حديث أم أيمن ﵂ حين زارها الصحابيان: أبو بكر وعمر، أتيا إليها كما كان النبي صلى الله عليه وسل يزورها، فلما أتيا إليها بكت فقالا لها: "ما يبكيك"؟ أما عملت أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ؟ قالت بلى إني لا أبكي أني لا أعلم". يعني: بل أنا أعلم" ولكن أبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء" انقطع الوحي " فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها".
وكذلك حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ حين جيء إليه بالطعام وهو صائم، والصائم يشتهي الطعام عادة، ولكنه ﵁ تذكر ما كان عليه الصحابة الأولون، وهو ﵁ من الصحابة الأولين من المهاجرين ﵃، لكنه قال احتقارًا لنفسه قال: إن مصعب بن عمير ﵁ كان خيرًا مني.
وكان مصعبٌ رجلًا شابًا، كان عند والديه بمكة وكان والداه أغنياء، وأمه وأبوه يلبسانه من خير اللباس: لباس الشباب والفتيان، وقد دلّلاه دلالًا عظيمًا، فلما أسلم هجراه وأبعداه، وهاجر مع النبي ﷺ، فكان مع المهاجرين، وكان عليه ثوب مرقع بعدما كان في مكة عند أبويه يلبس أحسن الثياب، لكنه ترك ذلك كله مهاجرًا إلى الله ورسوله.
وأعطاه النبي ﷺ الراية يوم أحد، فاستشهد ﵁، وكان معه
[ ٣ / ٣٥٢ ]
بردة- أي ثوب- إذا غطوا به رأسه بدت رجلاه- وذلك لقصر الثوب- وإن غطوا رجليه بدا رأسه، فأمر النبي ﷺ أن يستر به رأسه وأن تستر رجلاه بالإذخر؛ نبات معروف.
فكان عبد الرحمن بن عوف يذكر حال هذا الرجل، ثم يقول: إنهم قد مضوا وسلموا مما فتح الله به من الدنيا على من بعدهم من المغانم الكثيرة، كما قال تعالى: (وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا) (الفتح: ١٩) .
ثم قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: " قد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا"؛ لأن الكافر يجزى على حسناته في الدنيا، وله في الآخرة عذاب النار، والمؤمن قد يجزى في الدنيا وفي الآخرة، لكن جزاء الآخرة هو الأهم.
فخشي ﵁ أن تكون حسناتهم قد عجلت لهم في هذه الدنيا، فبكى خوفًا وفرقًا، ثم ترك الطعام ﵁.
ففي هذا دليلٌ على البكاء من خشية الله ومخافة عقابه، والله الموفق.
[ ٣ / ٣٥٣ ]