٣/٥٢٤- وعن حكيم بن حِزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني ثم قال: " يا حكيمُ، إن هذا المال خضر حُلو، فمن أخذه بسخاوة نفس؛ بورك له فيه، ومن أخذهُ بإشرافِ نفسٍ لم يبارك لهُ فِيه، وكان كالذِي يأكلُ ولا يشبعُ، واليد العُليا خيرٌ من اليد السفلى» .
قال حكيم؛ فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئأً حتى أفارق الدنيا.
فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيمًا ليعطيه العطاءَ، فيأبى أن يقبل منه شيئا.
ثم إن عمر رضي الله دعاه ليعطيهُ، فأبى أن يقبلهُ، فقال: يا معشر المسلمين، أشهدكم على حكيم أني أعرضُ عليه حقهُ الذي قسمهُ الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذهُ. فلم يرزأ أحدًا من الناس بعد النبي ﷺ حتى تُوفي. متفق عليه.
«يرزأ» براء ثم زأي ثم همزة، أي: لم يأخذ من أحد شيئًا، وأصل الرزء: النقصان، أي: لم ينقص أحدًا شيئًا بالأخذ منه. و«إشراف النفس»: تطلعها وطمعها بالشيء. و«سخاوة النفس» هي عدم الإشراف إلى الشيء، والطمع فيه،
[ ٣ / ٣٨٦ ]
والمبالاة به والشره.
٦/٥٢٧- وعن حكيم بن حزام ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اليدُ العليا خيرٌ من السُفلى، وابدأ بمن تعُولُ، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يُغنه الله» متفق عليه. وهذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم أخصر.
٧/٥٢٨- وعن أبي سُفيان صخر بن حرب ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسل: «لا تُلحفوا في المسألة، فو الله لا يسألني أحد منكم شيئًا، فتخرج له مسألتهُ مني شيئًا وأنا له كارة، فيبارك له فيما أعطيتهُ» رواه مسلم.
٩/٥٣٠- وعن ابن عُمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تزالُ المسألةُ بأحدكم حتى يلقى الله تعالى وليس في وجههِ مزعةُ لحمٍ» متفق عليه.
«المزعة» بضم الميم وإسكان الزأي وبالعين المهملة: القطعة.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى فيما نقله عن حكيم بن حزام ﵁ أنه سأل النبي ﷺ فأعطاه؛ أي سأله مالًا فأعطاه، ثم سأله فأعطاه، ثم سأله فأعطاه.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
وكان من هدي النبي ﷺ وكرمه وحسن خلقه أنه لا يرد سائلًا سأله شيئًا، فما سئل شيئًا على الإسلام إلا أعطاه ﵊، ثم قال لحكيم: «إن هذا المال خضر حلو» خضر يسر الناظرين، حلو يسر الذائقين، فتطلبه النفس وتحرص عليه.
«فمن أخذه بسخاوة نفسه بورك به فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه»، فكيف بمن أخذه بسؤال؟ يكون أبعد وأبعد، ولهذا قال النبي ﵊ لعمر بن الخطاب: " ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك". يعني ما جاءك بإشراف نفس وتطلع وتشوف فلا تأخذه، وما جاءك بسؤال فلا تأخذه.
ثم قال النبي ﵊ لحكيم بن حزام: «اليد العليا خير من اليد السفلي»: اليد العليا هي يد المعطي، واليد السفلى هي يد الآخذ، فالمعطي يده خير من يد الآخذ؛ لأن المعطي فوق الآخذ، فيده هي العليا كما قال النبي ﷺ.
فأقسم حكيم بن حزام ﵁ بالذي بعث النبي ﷺ بالحق ألا يسأل أحدًا بعده شيئًا، فقال: «يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزًا أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا» .
[ ٣ / ٣٨٨ ]
فتوفي الرسول ﵊، وتولى الخلافة أبو بكر ﵁، فكان يعطيه العطاء فلا يقبله، ثم توفي أبو بكر، فتولى عمر فدعاه ليعطيه، فأبى، فاستشهد الناس عليه عمر، فقال: اشهدوا أني أعطيه من بيت مال المسلمين ولكنه لا يقبله، قال ذلك ﵁ لئلا يكون له حجة على عمر يوم القيامة بين يدي الله، وليتبرأ من عهدته أمام الناس، ولكن مع ذلك أصر حكيم ﵁ ألا يأخذ منه شيئًا حتى توفي.
وفي اللفظ الآخر الذي ساقه المؤلف أن الرسول ﷺ قال: «اليد العليا خيرٌ من اليد السفلي وابدأ بمن تعول» فالإنسان يبدأ بمن يعول، يعني بمن يلزمه نفقته، فالإنفاق على الأهل أفضل من الصدقة على الفقراء؛ لأن الإنفاق على الأهل صدقة وصلة وكفاف وعفاف، فكان ذلك أولى، ابدًا بمن تعول والإنفاق على نفسك أولى نم الإنفاق على غيرك، كما جاء في الحديث «ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك» .
وذكر المؤلف ﵀ حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله وليس في وجهه مزعة لحم» . يعني لا يزال الرجل يسأل الناس- يعني يسأل المال- حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم. نسأل الله العافية.
وهذا وعيد شديدٌ يدل على تحريم كثرة السؤال من الناس، ولهذا قال العلماء: لا يحل لأحد أن يسأل شيئًا إلا عند الضرورة، إذا اضطر الإنسان
[ ٣ / ٣٨٩ ]
فلا بأس أن يسأل، أما أن يسأل للأمور الكماليات لأجل أن يسابق الناس فيما يجعله في بيته، فإن هذا لا شك في تحريمه، ولا يحل له أن يأخذ ولا الزكاة حتى لو أعطيها فلا يأخذ الزكاة من أجل الكماليات التي لا يريد منها إلا أن يسابق الناس ويماريهم، أما الشيء الضروري فلا بأس به. والله أعلم.
* * *
١١/٥٣٢- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من سأل الناس تكثرًا فإنما يسأل جمرًا؛ فليستقل أو ليستكثر» رواه مسلم.
١٢/٥٣٣- وعن سمرة بن جُندب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن المسألة كد يكد بها الرجلُ وجههُ، إلا أن يسأل الرجل سُلطانًا أو في أمرِ لابُد منه» رواهُ الترمذي، وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ.
١٣/٥٣٤- وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصابتهُ فاقةُ فانزلها بالناس لم تسد فاقتهُ، ومن أنزلها بالله، فيُوشك الله له برزق عاجلٍ أو آجل» رواه أبو داود، والترمذي، وقال حديث حسن.
[ ٣ / ٣٩٠ ]
١٤/٥٣٥- وعن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من تكفل لي أن لا يسأل الناس شيئًا، وأتكفل له بالجنة؟ فقلت: أنا، فكان لا يسألُ أحدًا شيئًا) . رواه أبو داود بإسناد صحيح.
١٥/٥٣٦- وعن أبي بشر قبيصة بن المُخارقِ ﵁ قال: «تحملتُ حمالةً فأتيتُ رسول الله ﷺ أسألهُ فيها، فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقةُ فنأمر لك بها» ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة: فحلت له المسألة حتى يُصيبها، ثم يمسك. ورجل أصابتهُ جائحة اجتاحت مالهُ فحلت له المسالةُ حتى يصيب قوامًا من عيش، أو قال: سدادا من عيش، ورجل أصابته فاقة، حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجى من قومه: لقد أصابت فلانًا فاقة، فحلت له المسألة حتى يُصيب قومًا من عيش، أو قال: سدادًا من عيش فما سواهن من المسالة يا قبيصةُ، سحتٌ، يأكلها صاحبُها سحتًا» رواه مسلم.
١٦/٥٣٧- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ليس المسكينُ الذي يطوفُ على الناس تردهُ اللقمةُ واللقمتانِ، والتمرةُ والتمرتانِ ولكن المسكين الذي لا يجدُ غنى يُغنيه، ولا يفطن له، فيتصدق عليه، ولا يقومُ فيسأل الناس» متفق عليه.
[ ٣ / ٣٩١ ]
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان الوعيد لمن سأل الناس أموالهم بغير ضرورة. ففي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر»، يعني من سأل الناس أموالهم ليكثر بها ماله، فإنما يسأل جمرًا فليستقل أو ليستكثر، إن استكثر زاد الجمر عليه، وإن استقل قلَّ الجمر عليه، وإن ترك سلم من الجمر ففي هذا دليلٌ على أن سؤال الناس بلا حاجة من كبائر الذنوب.
ثم ذكر أحاديث منها أن من أنزل حاجته بالناس، وفاقته بالناس فإنها لا تقضى حاجته؛ لأن من تعلق شيئًا وُكِل إليه، ومن وكل إلى الناس أمره، فإنه خائب لا تقضى حاجته، ويستمر دائمًا يسأل ولا يشبع، ومن أنزلها بالله ﷿ واعتمد على الله وتوكل عليه، وفعل الأسباب التي أمر بها؛ فإنه يوشك أن تقضى حاجته؛ لأن الله ﷾ يقول: (ُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِه) (الطلاق: ٣) .
وذكر حديث قبيصة أنه جاء يسأل النبي ﷺ في حمالة تحملها، فأمره أن يقيم عنده حتى تأتيه الصدقة فيأمر له بها، وذكر ﷺ أن المسألة لا تحل إلا لواحد من ثلاثة:
رجل تحمل حمالة، يعني التزم ذمته لإصلاح ذات البين، فهذا يعطى وله أن يسأل حتى يصيبها، ثم يمسك ولا يسأل.
ورجل آخر أصابته جائحة اجتاحت ماله، كنارٍ وغرق وعدوٍ وغير ذلك، فيسأل حتى يصيب قوامًا من عيش.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
والثالث: رجلٌ كان غنيًا فافتقر بدون سبب ظاهر، وبدون جائحة معلومة، فهذا له أن يسأل، لكن لا يعطى حتى يشهد ثلاثة من أهل العقول من قومه بأنه أصابته فاقة، فيعطى بقدر ما أصابه من الفقر.
فهؤلاء الثلاثة هم الذين تحل لهم المسألة وما سوى ذلك يقول الرسول ﷺ: «فما سواهن من المسألة يا قبيصة، سحت يأكلها صاحبها سحتًا» .
والسحت هو الحرام وسمي سحتًا؛ لأنه يسحت بركة المال، وربما يسحت المال كله، فيكون عليه آفات وغرامات تسحت ماله من أصله والله الموفق.
[ ٣ / ٣٩٣ ]