قال الله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٩)
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الانسان: ٨) إلى آخر الآيات.
[الشَّرْحُ]
باب الإيثار والمواساة. ذكر المؤلف هذا الباب عقب باب النهي عن البخل والشح؛ أنهما متضادان.
فالإيثار: أن يقدم الإنسان غير على نفسه.
والمواساة: أن يواسي غيره بنفسه، والإيثار أفضل ولكن ليعلم أن الإيثار ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ممنوع، والثاني: مكروه أو مباح، والثالث: مباح.
أما الممنوع فهو أن تؤثر غيرك بما يجب عليك شرعًا فإنه لا يجوز أن تقدم غيرك فيما يجب عليك شرعًا.
ومثاله إذا كان معك ماء يكفي لوضوء رجل واحد، وأنت لست على وضوء، وهناك صاحب لك ليس على وضوء فالماء لك، لكن إما أن يتوضأ به صاحبك وتتيمم أنت، أو تتوضأ أنت ويتيمم صاحبك، ففي هذه الحال لا يجوز أن تعطيه الماء وتتيمم أنت؛ لأنك واجد للماء، والماء في ملكك، ولا يجوز العدول عن الماء إلى التيمم إلا لعادم.
[ ٣ / ٤١٦ ]
فالإيثار في الواجبات الشرعية حرام، ولا يحل؛ أنه يستلزم إسقاط الواجب عليك.
وأما القسم الثاني: وهو المكروه أوالمباح: فالإيثار بالأمور المستحبة، وقد كرهه بعض أهل العلم وأباحه بعضهم، لكن تركه أولى لا شك إلا لمصلحته.
ومثاله: أن تؤثر غيرك في الصف الأول الذي أنت فيه، مثل أن تكون أنت في الصف الأول في الصلاة، فيدخل إنسان فتقوم عن مكانك وتؤثره به، فقد كره أهل العلم هذا، وقالوا: إن هذا دليلٌ على أن الإنسان يرغب عن الخير، والرغبة عن الخير مكروهة، إذ كيف تقدم غيرك إلى مكان فاضل أنت أحق به منه؟!
وقال بعض العلماء تركه أولى إلا إذا كان فيه مصلحة، كما لو كان أبوك وتخشى أن يقع في قلبه شيء عليك فتؤثره بمكانك الفاضل، فهذا لا بأس به.
القسم الثالث: وهو المباح: وهذا المباح قد يكون مستحبًا، وذلك أن تؤثر غيرك في أمر غير تعبدي، أي تؤثر غيرك وتقدمه على نفسك في أمر غير تعبدي.
مثل: أن يكون معك طعام وأنت جائع، وصاحب لك جائع مثلك ففي هذه الحال إذا آثرته فإنك محمود على هذا الإيثار؛ لقول الله ﵎ في وصف الأنصار: (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ
[ ٣ / ٤١٧ ]
وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ َ) (الحشر: ٩) .
ووجه إيثارهم على أنفسهم أن المهاجرين لم اقدموا المدينة تلقاهم الأنصار بالإكرام والاحترام والإيثار بالمال، حتى أن بعضهم يقول لأخيه المهاجري: إن شئت أن أتنازل عن إحدى زوجتي لك فعلت؛ يعني يطلقها فيتزوجها المهاجريّ بعد بمضي عدتها. وهذا من شدة إيثاره رضي اله عنهم لإخوانهم المهاجرين.
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) (الانسان: ٨)
يعني يطعمون الطعام وهم يحبونه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا، ويتركون أنفسهم، هذا أيضًا من باب الإيثار.
* * *
١/٥٦٤- وعن أبي هُريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني مجهود، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماءً، فقال النبي ﷺ: «من يُضيفُ هذا الليلة؟» فقال رجلٌ من الأنصارِ: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحلهِ، فقال لأمرأته: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ.
وفي رواية قال لامراته: هل عندك شيء؟ فقالت: لا، إلا قوت صبياني. قال: علليهم بشيءٍ وإذا أرادوا العشاء، فنوميهم، وإذا دخل ضيفنا، فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكلُ؛ فقعدوا وأكل الضيف وباتا طاويين، فلما أصبح، غدا على النبي ﷺ فقال: «لقد عجبَ الله من صنيعكما بضيفكما الليلة"» متفق عليه.
[ ٣ / ٤١٨ ]
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في باب الإيثار على النفس هذا الحديث العظيم العجيب؛ الذي يبين حال رسول الله ﷺ وأصحابه حيث جاءه رجل فقال: «يا رسول الله ﷺ إني مجهود» يعني مجهد من الفقر والجوع، وهو ضيف على رسول الله ﷺ، فأرسل النبي ﷺ إلى زوجاته واحدة تلو الآخرى يسألها هل عندها شيء، فكانت كلّ واحدة تقول: «لا والذي يعثك بالحق ما عندي إلا الماء» .
تسعة أبيات للرسول ﵊ ليس فيها إلا الماء، مع أن النبي ﷺ لو شاء أن يسيّر الله الجبال معه ذهبًا لسارت، لكنه ﵊ كان أزهد الناس في الدنيا، كل بيوته التسعة ليس فيها شيء إلا الماء.
فقال النبي ﵊: «من يُضيف هذا الليلة» يعني هذا الضيف.
فقال رجلٌ من الأنصار: «أنا يا رسول» أنا أضيفه. «فانطلق به إلى رحله، فقال لآمراته: هل عندك شيء؟ قالت: لا؛ إلا قوت صبياني» يعني ليس عندها في البيت إلا العشاء لهم تلك الليلة فقط. فقال: «أكرمي ضيف رسول الله ﷺ» وأمرها أن تشغل أولادها وتلهيهم.
حتى إذا جاء وقت الطعام نومتهم، وأطفأت المصباح، ورأت الضيف
[ ٣ / ٤١٩ ]
أنهم يأكلون معه ففعلت، هدأت الصبيان وعللتهم ونومتهم، فناموا على غير عشاء، ثم إن العشاء لما قدم أطفأت المصباح وأرت الضيف أنها تأكل هي وزوجها معه، وهما لا يأكلان، فشبع الضيف وباتا طاويين، يعني غير متعشيين إكرامًا لضيف الرسول ﷺ.
ثم إنه أصبح فغدا إلى رسول الله ﷺ فأخبره الرسول ﵊ أن الله قد عجب من صنيعهما تلك الليلة، والعجب هنا عجب استحسان، استحسن ﷿ صنيعهما من تلك الليلة لما يشتمل عليه من الفوائد العظيمة.
ففي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:
أولًا: بيان حال رسول الله ﷺ وما هو عليه من شظف العيش وقلة ذات اليد، مع أنه ﵊ أكرم الخلق على الله، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله شيئًا؛ لكان أبر الناس بها وأحقهم رسول الله ﷺ، ولكنها لا تساوي شيئًا.
قال ابن القيم ﵀:
لو ساوت الدنيا جناح بعوضة لم يسق منها الرب ذا الكفران
لكنها والله أحقر عنده من ذا الجناح القاصر الطيران
أحقر من جناح البعوضة عند الله؛ فليست بشيء.
ومنها: حسن أدب الصحابة مع النبي ﷺ، فإن هذا الأنصاري رضي
[ ٣ / ٤٢٠ ]
الله عنه قال لزوجته: «أكرمي ضيف رسول الله ﷺ» ولم يقل أكرمي ضيفنا مع أن الذي أضافه في الحقيقة هو هذا الرجل، لكنه أضافه نيابة عن الرسول ﵊، فجعله ضيفًا لرسول الله ﷺ.
ومنها: إنه يجوز عرض الضيافة على الناس، ولا يعد هذا من المسالة المذمومة، أولًا لأنه لم يعين، فلم يقل: يا فلان ضيف هذا الرجل حتى نقول: إنه أحرجه، وإنما هو على سبيل العموم، فيجوز للإنسان مثلًا إذا نزل به ضيف وكان مشغولًا، أو ليس عنده ما يضيفه به، أن يقول لمن حوله: من مضيف هذا الرجل؟ ولا حرج في ذلك
ومنها: الإيثار العظيم من هذا الرجل الأنصاري، حيث بات هو وزوجته وصبيته من غير عشاء إكرامًا لهذا الضيف الذي نزل ضيفًا على رسول الله ﷺ.
ومنها: أنه ينبغي للإنسان ألا يُري ضيفه أنه مانّ عليه، أو أن الضيف مضيق عليه، ومحرج له؛ لأن الرجل أمر بإطفاء المصباح حتى لا يظن الضيف أنه ضيق عليهم وحرمهم العشاء، وهذا مأخوذ من أدب الخليل إبراهيم ﵇ حين نزلت به الملائكة ضيوفًا (فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ) (الذريات: ٢٦)، حينئذٍ، لكنه راغ إلى أهله، أي ذهب بسرعة وخفية لئلا يخجل الضيف.
ومنها: أنه يجوز للإنسان أن يؤثر الضيف ونحوه على عائلته، وهذا في الآحوال النادرة العارضة، وإلا فقد قال النبي ﷺ: «أبدا بنفسك
[ ٣ / ٤٢١ ]
فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك»
ولكن إذا عرضت مثل هذه الأحوال؛ فلا حرج على الإنسان أن يقدم الضيف أو نحوه ممن يجب عليه إكرامه.
ومن تأمل سنة الرسول ﵊ وهديه وهدي أصحابه؛ وجد فيها من مكارم الأخلاق ومعالي الآداب ما لو سار الناس عليه لنالوا بذلك رفعة الدنيا والآخرة. وفقنا الله وإياكم لما فيه الخير في الدنيا والآخرة.
٢/٥٦٥- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «طعام الإثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة» متفق عليه.
وفي رواية لمسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «طعامُ الواحد يكفي الإثنين، وطعام الإثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية» .
٣/٥٦٦- وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي ﷺ إذ جاء رجلٌ على راحلة لهُ، فجعل يصرفُ بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله ﷺ: «من كان معه فضلُ ظهرٍ فليعد به على من لا ظهر له، ومن
[ ٣ / ٤٢٢ ]
كان له فضل زاد، فليعد به على من لا زاد له» فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضل. رواه مسلم..
٤/٥٦٧- وعن سهل بن سعد ﵁ أن امرأة جاءت إلى رسول الله ﷺ ببردة منسوجة، فقالت نسجتها بيدي لأكسوكها، فأخذها النبي ﷺ مُحتاجًا إليها، فخرج إلينا وإنها لإزاره، فقال فلان: اكسينها ما أحسنها!
فقال: «نعم» فجلس النبي ﷺ في المجلس ثم رجع فطواها ثم أرسل بها إليه.
فقال له القوم: ما أحسنت! لبسها النبي ﷺ محتاجًا إليها، ثم سألتهُ، وعلمت أنهُ لا يرد سائلًا، فقال: إني والله ما سألتهُ لألبسها، إنما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنهُ. رواه البخاري
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ هذه الآحاديث الآربعة في باب الإيثار وهي حديث أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وسهل بن سعد.
ففي الحديثين الأولين، بين النبي ﷺ إن طعام الواحد يكفي الإثنين، وأن طعام الإثنين يكفي الأربعة، وأن طعام الأربعة يكفي الثمانية، وهذا حث منه ﵊ على الإيثار، يعني أنك لو أتيت بطعامك الذي قدرت أنه يكفيك، وجاء رجلٌ آخر فلا تبخل، لا تبخل عليه وتقول
[ ٣ / ٤٢٣ ]
هذا طعامي وحدي، بل أعطه حتى يكون كافيًا للاثنين.
وكذلك لو جاء اثنان بطعامهما، ثم جاءهما اثنان، فلا يبخلان عليه ويقولان هذا طعامنا، بل يطمعانهما؛ فإن طعامهما يكفيهما ويكفي الإثنين، وهكذا الأربعة مع الثمانية.
وإنما ذكر الرسول ﵊ هذا من أجل أن يؤثر الإنسان بفضل طعامه على أخيه.
وكذلك أيضًا حديث أبي سعيد في قصة الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ على رحل له، فجعل يلتفت يمينًا وشمالًا، وكأن النبي ﷺ فهم أن الرجل محتاج، فقال ﵊: «من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» .
وذكر أنواعًا ولم يبادر فيقول من كان له فضل زاد مثلًا لئلا يخجل الرجل، بل قال: «من كان له فضل ظهر»، والرجل لا يحتاج إلى الظهر، لأنه كان على راحلته، لكن هذا من حسن خطاب النبي ﷺ.
يقول الراوي: «حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل» يعني أن الإنسان يبذل كل ما عنده حتى لا يبقى معه فضل، يعني من الطعام والشراب والرحل وغير ذلك، وهذا كله من باب الإيثار.
وأما الحديث الرابع حديث سهل بن سعد، فإن امرأة جاءت وأهدت إلى النبي ﷺ بردة، وكان ﷺ لا يرد الهدية؛ بل يقبل الهدية ويثيب عليها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من كرمه وحسن خلقه، فتقدم رجل إليه، فقال: ما أحسن هذا، طلبها من النبي ﷺ، ففعل الرسول عليه الصلاة
[ ٣ / ٤٢٤ ]
والسلام، خلعها وطواها، وأعطاه إياها.
فقيل للرجل: كيف تطلبها من النبي ﷺ وأنت تعلم أنه لا يرد سائلًا؟ فقال: والله ما طلبتها لألبسها، ولكن لتكون كفني ﵁، فأبقاها عنده فصارت كفنه، ففي هذا إيثار النبي ﷺ على نفسه؛ لأنه آثر بها هذا الرجل مع أن الذي يظهر أنه في حاجة لها.
* * *
٥/٥٦٨- وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الأشعريين إذا أرملُوا في الغزوِ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموهُ بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم» متفق عليه.
"ارملوا": فرغ زادهم، أو قارب الفراغ.
[ ٣ / ٤٢٥ ]