قال الله تعالى: (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) (المطففين: ٢٦) .
١/٥٦٩- وعن سهل بن سعدٍ ﵁ أن رسول الله ﷺ أتي بشراب، فشرب منهُ، وعن يمينه غُلام وعن يساره الأشياخ، فقال للغلام «أتأذن لي أن أعطي هؤلاء؟» فقال الغلامُ: والله يا رسول الله، لا أوثرُ بنصيبي منك أحدًا، فتلهُ رسول الله ﷺ في يده. متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ في آخر باب فضل الإيثار، حديث أبي موسى الأشعري ﵁، وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية. قال النبي ﷺ: «فهم مني وأنا منهم» قال ذلك تشجيعًا لما يفعلونه.
وهذا الحديث أصلُ في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقًا يجمعون فيه ما يريد الله ﷿ من المال؛ إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيكون مثلًا على
[ ٣ / ٤٢٦ ]
كل واحد منهم أن يدفع اثنين في المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق معدًا للحوائج والنكبات التي تحصل على واحد منهم.
فهذا أصله حديث أبي موسى ﵁ الذي سبق، فإذا جمع الناس صندوقًا على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها، فإن لذلك أصلًا في السنة، وهو من الأمور المشروعة.
ولكن ينبغي أن نعمل أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث، وقد يكون لمن يقع منه الحادث.
ِأما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح؛ مثل جوائح تتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو ما أشبه ذلك، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.
أما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثًا مثل دعس أحد أو ما أشبه ذلك يساعد، فهذا ينبغي أن ينظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقًا لهذا فإن السفهاء قد يتهورون، ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإذا قدر أننا وضعنا صندوقًا لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة؛ دراسة ما حدث من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحدث منه تهورٌ ولم يحدث منه تفريطٌ، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يومًا يدعسون شخصًا، ويومًا يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكرٍ، أو عن
[ ٣ / ٤٢٧ ]
حال يفرط فيها الإنسان كالنوم وما أشبه ذلك.
والحاصل أن هذه الصناديق تكون على وجهين:
الوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه حادث، فهذا طيب ولا إشكال فيه.
والوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه حادث، فهذا إن وضع- ولا أحبذ أن يوضع، لكن إن وضع - فإنه يجب التحرز والتثبت من كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تعدِّ.
ثم إن هذا المال الذي يوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ من القدر، وذلك لأنه ليس له مالك، ومن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالك، وهذا الصندوق ليس له مالك؛ بل من حصل عليه حادث فإنه يساعد منه، وأصحابه الذين وضعوا هذه النقود في هذا الصندوق فإنهم لا يملكون أخذها؛ لأنهم قد أخرجوها من أموالهم لمال من؛ لا لأحدٍ وإنما هو للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة.
ثم هاهنا مسألة يسأل عنها الكثير من الناس، وهي أنه يجتمع أناس من الموظفين مثلًا، ويقولون: سنخصم من كل راتب من رواتب هؤلاء النفر ألف ريال على كل واحد، أو عشرة في المائة من راتبه، يعني إما بالنسبة أو بالتعيين، ونعطيها واحدًا منا، وفي الشهر الثاني نعطيها الثاني، وفي الشهر الثالث نعطيها الثالث، وفي الشهر الرابع نعطيها الرابع، حتى تدور عليهم ثم ترجع للأول للمرة الثانية، فبعض الناس يسأل عنها.
والجواب على هذا أن نقول: إن هذا صحيحٌ ولا بأس به، وليس فيه
[ ٣ / ٤٢٨ ]
حرج، ومن توهم أنه من باب القرض الذي جر نفعًا فقد وهم؛؛ لأني إذا سلفتُ أنا هؤلاء الإخوان الذين معي شيئًا فأنا لا آخذ أكثر مما أعطيت، وكونهم يقولون سوف يرجع إليه مال كثيرٌ نقول: نعم، ولكن لم يرجع عليه أكثر مما أعطى، فغاية ما فيه أنه سلف بشرط أن يوفى وليس في هذا شيء.
فهذا وهم من بعض الإخوان وهم بعض طلبة العلم الذين يظنون أن هذا من باب الربا؛ هذا ليس فيه ربا إطلاقًا، بل هو من باب التساعد والتعاون، وكثيرًا ما يحتاج بعض الزملاء إلى أموال حاضرة تفك مشاكله، ويسلم من أن يذهب إلى أحد يتدين منه ويربي عليه، أو يذهب إلى بنك يأخذ منه بالربا أو ما أشبه ذلك، فهذه مصلحة وليس فيها مفسدة بأي وجه من الوجوه والله الموفق.
[ ٣ / ٤٢٩ ]