قال الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (القصص: ٨٣) وقال تعالى: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الاسراء: ٣٧) . وقال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨) . ومعنى (تُصَعِّرْْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي: تميلُه وتعرضُ به عن الناس تكبرًا عليهم "والمرح": التبختُر.
وقال تعالى: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) (القصص: ٧٦) إلى قوله تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (القصص: ٨١) الآيات.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين: فيما جاء في الكبر والإعجاب.
والكبر: هو الترفع واعتقاد الإنسان نفسه أنه كبير، وأنه فوق الناس، وأن له فضلًا عليهم.
والإعجاب: أن يرى الإنسان عمل نفسه فيعجب به، ويستعظمه
[ ٣ / ٥٣٥ ]
ويستكثره.
فالإعجاب يكون في العمل، والكبر يكون في النفس، وكلاهما خلق مذموم الكبر والإعجاب.
والكبر نوعان: كبر على الحق، وكبر على الخلق، وقد بيّنهما النبي ﷺ في قوله: «الكبر بطر الحق وغمط الناس» فبطر الحق يعني رده والإعراض عنه، وعدم قبوله، وغمط الناس يعني احتقارهم وازدراءهم وألا يرى الناس شيئًا، ويرى أنه فوقهم.
وقيل لرجل: ماذا ترى الناس؟ قال لا أراهم إلا مثل البعوض، فقيل له: إنهم لا يرونك إلا كذلك.
وقيل لآخر: ما ترى الناس؟ قال: أرى الناس أعظم مني، ولهم شأن، ولهم منزلة، فقيل له: إنهم يرونك أعظم منهم، وأن لك شأنًا ومحلًا.
فأنت إذا رأيت الناس على أي وجه؛ فالناس يرونك بمثل ما تراهم به، إن رأيتهم في محل الإكرام والإجلال والتعظيم، ونزلتهم منزلتهم عرفوا لك ذلك، ورأوك في محل الإجلال والإكرام والتعظيم، ونزلوك منزلتك، والعكس بالعكس.
أما بطر الحق: فهو ردّه، وألا يقبل الإنسان الحق بل يرفضه ويرده اعتدادًا بنفسه ورأيه، فيرى والعياذ بالله أنه أكبر من الحق، وعلامة ذلك أن
[ ٣ / ٥٣٦ ]
الإنسان يؤتى إليه بالأدلة من الكتاب والسنة، ويُقال: هذا كتاب الله، هذه سنة رسول الله، ولكنه لا يقبل؛ بل يستمر على رأيه، فهذا ردٌّ الحق والعياذ بالله.
وكثيرٌ من الناس ينتصر لنفسه، فإذا قال قولًا لا يمكن أن يتزحزح عنه، ولو رأى الصواب في خلافه، ولكن هذا خلاف العقل وخلاف الشرع.
والواجب أن يرجع الإنسان للحق حيثما وجده، حتى لو خالف قوله فليرجع إليه، فإن هذا أعز له عند الله، وأعز له عند الناس، وأسلم لذمته وأبرأ ولا يضره.
فلا تظن أنك إذا رجعت عن قولك إلى الصواب أن ذلك يضع منزلتك عند الناس؛ بل هذا يرفع منزلتك، ويعرف الناس أنك لا تتبع إلى الحق، أما الذي يعاند ويبقى على ما هو عليه ويرد الحق، فهذا متكبر والعياذ بالله.
وهذا الثاني يقع من بعض الناس والعياذ بالله حتى من طلبة العلم، يتبين له بعد المناقشة وجه الصواب وأن الصواب خلاف ما قاله بالأمس، ولكنه يبقى على رأيه، يملي عليه الشيطان أنه إذا رجع استهان الناس به، وقالوا هذا إنسان إمعه كل يوم له قول، وهذا لا يضر إذا رجعت إلى الصواب، فليكن قولك اليوم خلاف قولك بالأمس، فالأئمة الأجلة كان لهم في المسألة الواحدة أقوال متعددة.
وها هو الإمام أحمد ﵀ إمام أهل السنة، وأرفع الأئمة من حيث اتباع الدليل وسعة الاطلاع، نجد أن له في المسألة الواحدة في بعض
[ ٣ / ٥٣٧ ]
الأحيان أكثر من أربعة أقوال، لماذا؟ لأنه إذا تبين له الدليل رجع إليه، وهكذا شأن كل إنسان منصف عليه أن يتبع الدليل حيثما كان.
ثم ذكر المؤلف ﵀ آيات تتعلق بهذا الباب بيّن فيها رحمة الله أنها كلها تدل على ذم الكبر، وآخرها الآيات المتعلقة بقارون.
وقارون رجل من بني إسرائيل من قوم موسى، أعطاه الله ﷾ مالًا كثيرًا، حتى إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة، أي: مفاتيح الخزائن تثقل وتشق على العصبة، أي الجماعة من الرجال أولي القوة لكثرتها.
(إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ) فإن هذا الرجل بطر والعياذ بالله وتكبّر، ولما ذكر بآيات الله ردها واستكبر (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، فأنكر فضل الله عليه، وقال أنا أخذته بيدي وعندي علم أدركت به هذا المال.
وكانت النتيجة أن الله خسف به وبداره الأرض، وزال هو وأملاكه، (فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا) (القصص: ٨٢، ٨١) . فتأمل نتيجة الكبر والعياذ بالله والعجب والاعتداد بالنفس، وكيف كان عاقبة ذلك من الهلاك والدمار.
ثم ذكر المؤلف عدة آيات منها قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)
[ ٣ / ٥٣٨ ]
الآخرة هي آخر دور بني آدم؛ لأن ابن آدم له أربعة دور كلها تنتهي بالآخرة.
الدار الآولى: في بطن أمه.
الدار الثانية: إذا خرج من بطن أمه إلى دار الدنيا.
الدار الثالثة: البرزخ؛ ما بين موته وقيام الساعة.
والدار الرابعة: الدار الآخرة. وهي النهاية، وهي القرار، هذه الدار قال الله تعالى عنها: (نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا) (القصص: ٨٣)، لا يريدون التعالي على الحق، ولا التعالي على الخلق، وإنما هم متواضعون، وإذا نفى الله عنهم إرادة العلو والفساد، فهو من باب أولى ألا يكون منهم علو ولا فساد، فهم لا يعلون في الأرض، ولا يفسدون، ولا يكون منهم علو ولا فساد، فهم لا يعلون في الأرض، ولا يفسدون، ولا يريدون ذلك؛ لأن الناس ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
١- قسم علا وفسد وأفسد، فهذا اجتمع في حقه الإرادة والفعل.
٢- وقسم لم يرد الفساد ولا العلو فقد انتفى عنه الأمران.
٣- وقسم ثالث يريد العلو والفساد ولكن لا يقدر عليه. فهدا الثالث بين الأول والثاني، لكن عليه الوزر؛ لأنه أراد السوء، فالدار الآخرة إنما تكون (لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ) أي تعاليًا على الحق أو على الخلق (وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) .
فإن قال قائل: ما هو الفساد في الأرض؟ فالجواب أن الفساد في الأرض ليس هدم المنازل ولا إحراق الزروع، بل الفساد في الأرض بالمعاصي، كما قال أهل العلم ﵏ في قوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف: ٥٦)، أي لا تعصوا الله؛ لأن المعاصي
[ ٣ / ٥٣٩ ]
سبب للفساد.
قال الله ﵎: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف: ٩٦)، فلم يفتح الله عليهم بركات من السماء ولا من الأرض، فالفساد في الأرض يكون بالمعاصي نسأل الله العافية.
وقال الله ﵎: (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا) (لقمان: ١٨)، يعنيلا تمش مرحًا مستكبرًا متبخترًا متعاظمًا في نفسك وفي الآية الثانية قال: (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (الاسراء: ٣٧)، يعني مهما كنت فأنت لا تقدر أن تنزل في الأرض ولا تتباهى حتى تساوي الجبال؛ بل إنك أنت أنت. أنت ابن آدم حقير ضعيف، فكيف تمشي في الأرض مرحًا.
وقال تعالى: (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨) .
تصعير الخد للناس: أن يعرض الإنسان عن الناس، فتجده والعياذ بالله مستكبرًا لاويًا عنقه، تحدثه وهو يحدثك وقد صد عنك، وصعّر خده.
(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحا) يعني لا تمش تبخترًا وتعاظمًا وتكبرًا (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (لقمان: ١٨)، المختال في هيئته، والفخور بلسانه وقوله، فهو بهيئته مختال؛ في ثيابه، في ملابسه، في مظهره، في مشيته، فخور بقوله ولسانه، والله تعالى لا يحب هذا، إنما يحب المتواضع الغني الخفي التقي، هذا هو الذي يحبه الله ﷿. نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياكم لأحسن الأخلاق والأعمال وأن يجنبنا سيئات
[ ٣ / ٥٤٠ ]
الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم.
* * *
١/٦١٢- وعن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة نم كبر" فقال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال: «إن الله جميل يحبٌ الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناسِ» رواه مسلم.
٢/٦١٣- وعن سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: «كل بيمينك» . قال: لا أستطيع! قال: «لا استطعت» ما منعه إلا الكبر. قال: فما رفعها على فيه. رواهُ مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والعجب، عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» . وهذا الحديث من أحاديث الوعيد التي يطلقها الرسول ﷺ تنفيرًا عن الشيء، وإن كانت تحتاج إلى تفصيل حسب الأدلة الشرعية.
فالذي في قلبه كبر، إما أن يكون كبرًا عن الحق وكراهة له، فهذا كافر
[ ٣ / ٥٤١ ]
مخلدًا في النار ولا يدخل الجنة؛ لقول الله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٩)، ولا يحبط العمل إلا بالكفر كما قال تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: ٢١٧) .
وأما إذا كان كبرًا على الخلق وتعاظمًا على الخلق، لكنه لم يستكبر عن عبادة الله، فهذا لا يدخل الجنة دخولًا كاملًا مطلقًا لم يسبق بعذاب؛ بل لابد من عذاب على ما حصل من كبره وعلوائه على الخلق ثم إذا طهر دخل الجنة.
ولما حدث النبي ﷺ بهذا الحديث قال رجل: يا رسول الله الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة. يعني فهل هذا من الكبر؟ فقال النبي ﷺ: «إن الله جميل يحب الجمال» جميل في ذاته، جميل في أفعاله، جميل في صفاته، كل ما يصدر عن الله ﷿ فإنه جميل وليس بقبيح؛ بل حسن، تستحسنه العقول السليمة، وتستسيغه النفوس.
وقوله: «يحب الجمال» أي يحب التجمل يعني أنه يحب أن يتجمل الإنسان في ثيابه، وفي نعله، وفي بدنه، وفي جميع شؤونه؛ لأن التجمل يجذب القلوب إلى الإنسان، ويحببه إلى الناس، بخلاف التشوه الذي يكون فيه الإنسان قبيحًا في شعره أو في ثوبه أو في لباسه، فلهذا قال: «إن الله جميل يحب الجمال» أي يحب أن يتجمل الإنسان.
أما الجمال الخلقي الذي منّ الله ﷿، فهذا إلى الله ﷾، ليس للإنسان فيه حيلة، وليس له فيه كسب، وإنما ذكر النبي ﷺ
[ ٣ / ٥٤٢ ]
ما للإنسان فيه كسب وهو التجمل.
أما الحديث الثاني فهو حديث سلمة بن الأكوع ﵁ أن رجلًا أكل عند النبي ﷺ بيده اليسرى، فقال: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع. ما منعه إلا الكبر، فقال النبي ﷺ: " لا استطعت" لأن الرسول ﷺ عرف أنه متكبر، فقال: " لا استطعت" أي دعا عليه بأن الله تعالى يصيبه بأمر لا يستطيع معه رفع يده اليمنى إلى فمه، فلما قال «لا استطعت» أجاب الله دعوته فلم يرفعها إلى فمه بعد ذلك، صارت والعياذ بالله قائمة كالعصا، لا يستطيع رفعها؛ لأنه استكبر على دين الله ﷿.
وفي هذا دليلٌ على وجوب الأكل باليمين والشرب باليمين، وأن الأكل باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان، وكذلك الشرب باليسار حرام، يأثم عليه الإنسان؛ لأنه إذا فعل ذلك أي أكل بشماله أو شرب بشماله شابه الشيطان وأولياء الشيطان، قال النبي صلى ﵊: " لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» .
وإذا نظرنا الآن إلى الكفار، وجدنا أنهم يأكلون بيسارهم ويشربون بيسارهم، وعلى هذا فالذي يأكل بشماله أو يشرب بشماله متشبه بالشيطان وأولياء الشيطان.
ويجب على من رآه أن ينكر عليه، لكن بالتي هي أحسن، أما أن يُعرض إذا كان يخشى أن يخجل صاحبه أو أن يستنكف ويستكبر، يُعرض
[ ٣ / ٥٤٣ ]
فيقول: من الناس من يأكل بشماله أو يشرب بشماله، وهذا حرام ولا يجوز.
أو إذا كان معه طالب علم سأل طالب العلم وقال له: ما تقول فيمن يأكل بالشمال ويشرب بالشمال، حتى ينتبه الآخر، فإن انتبه فهذا المطلوب، وإن لم ينتبه قيل له- ولو سرًا-: لا تأكل بشمالك ولا تشرب بشمالك، حتى يعلم دين الله تعالى وشرعه.
يوجد بعض المترفين يأكل باليمين ويشرب باليمين، إلا إذا شرب وهو يأكل فإنه يشرب بالشمال، يدعي أنه لو شرب باليمين لوث الكأس، فيُقال له: المسألة ليست هينة، وليست على سبيل الاستحباب حتى تقول الأمر هين، بل أنت إذا شربت بالشمال فأنت عاصٍ لأنه محرم، والمحرم لا يجوز إلا للضرورة، ولا ضرورة للشرب بالشمال خوفًا من أن يتلوث الكأس بالطعام.
ثم إنه يمكن أن يتلوث، يمكن أن تمسكه بين الإبهام والسبابة من أسفله وحينئذٍ لا يتلوث، والإنسان الذي يريد الخير والحق يسهل عليه فعله، أما المعاند أوالمترف أو الذي يقلد أعداء الله من الشيطان وأوليائه، فهذا له شأن آخر، والله الموفق.
* * *
٣/٦١٤-وعن حارثة بن وهب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: «ألا أخبركم بأهل النار، كل عُتُل جواظٍ مُستكبرٍ» متفق عليه. وتقدم
[ ٣ / ٥٤٤ ]
شرحُه في باب ضعفة المسلمين.
٤/٦١٥- وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ قال: «احتجت الجنة والنار، فقالت النارُ: فيَّ الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: فيَّ ضعفاء الناس ومساكينهم فقضى الله بينهما: إنك الجنة رحمتى، أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي، أعذب بك من أشاءُ، ولكليكما عليّ ملؤها» رواهُ مسلم.
٥/٦١٦- وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزارهُ بطرًا" متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه أحاديث ساقها المؤلف النووي ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والعجب، وقد سبق لنا الكلام على الآيات الواردة في هذا، وكذلك الكلام على الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب.
ثم ذكر المؤلف ﵀ أن النبي ﷺ قال: «ألا أخبركم بأهل النار»، وهذا من الأسلوب الذي كان النبي ﷺ يستعمله، أن يورد الكلام على
[ ٣ / ٥٤٥ ]
صيغة الاستفهام، من أجل أن ينتبه المخاطب ويعي ما يقول، فهو يقول «ألا أخبركم»، الكل سيقول نعم أخبرنا يا رسول الله. قال: «كل عتلًّ جواظٍ مستكبر» .
العتل: معناها الشديد الغليظ، ومنه العتلة التي تحفر بها الأرض، فإنها شديدة غليظة، فالعتل هو الشديد الغليظ، والعياذ بالله.
الجواظ: يعني أنه فيه زيادة من سوء الأخلاق.
والمستكبر- وهذا هو الشاهد-: هو الذي عنده كِبر والعياذ بالله وغطرسة، وكِبر على الحق، وكِبر على الخلق، فهو لا يلين للحق أبدًا، ولا يرحم الخلق والعياذ بالله.
هؤلاء هم أهل النار، أما أهل الجنة فهم الضعفاء المساكين الذين ليس عندهم ما يستكبرون به؛ بل هم دائمًا متواضعون ليس عندهم كبرياء ولا غلظة؛ لأن المال أحيانًا يفسد صاحبه، ويحمله على أن يستكبر على الخلق ويردّ الحق، كما قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى) (أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق: ٧، ٦) .
وكذلك أيضًا ذكر حديث احتجاج النار والجنة؛ احتجت النار والجنة، فقالت النار: إن أهلها هم الجبارون المتكبرون، وقالت الجنة: إن أهلها هم الضعفاء والمساكين، فاحتجت كل واحدة منها على الأخرى.
فحكم الله بينهما ﷿، وقال في الجنة «أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء» وقال للنار «أنت عذابي أعذب بك من أشاء» فصارت النار دار
[ ٣ / ٥٤٦ ]
العذاب والعياذ بالله، والجنة دار الرحمة، فهي رحمة الله ويسكنها الرحماء من عباده، كما قال النبي ﷺ «وإنما يرحم الله من عباده الرحماء» .
وقال: «ولكل منكما عليّ ملؤها» فوعد الله ﷿ النار ملأها، ووعد الجنة ملأها، وهو لا يخلف الميعاد ﷿.
ولكن أتدرون ماذا تكون العاقبة؟ تكون العاقبة- كما ثبتت بها الأحاديث الصحيحة- أن النار لا يزال يلقى فيها، وهي تقول كما قال تعالى (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) (قّ: ٣٠)، يعني تطلب الزيادة؛ لأنها لم تمتليء، فيضع الرب ﷿ عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض أي ينضم بعضها إلى بعض وتقول «قط قط» أي حسبي، حسبي، لا أريد زيادة فصارت النار تملأ بهذه الطريقة.
أما الجنة: فإن الجنة (عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ) (آل عمران: ١٣٣) ويسكنها أولياء الله، جعلني الله وإياكم منهم، ويسكنها أهلها، ويبقى فيها فضل؛ يعني مكان ليس فيه أحد، فينشىء الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة برحمته.
وهذه هي النتيجة؛ امتلأت النار بعدل الله ﷿، وأمتلأت الجنة
[ ٣ / ٥٤٧ ]
بفضل الله ورحمته.
ثم ذكر المؤلف ﵀ حديثًا في الإنسان المسبل، فقال ﵊: «لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خُيلاء» وهذه مسألة خطيرة وذلك أن الرجل منهي عن أن ينزل ثوبه أو سرواله أو مشلحه أو إزاره عن الكعب، لابد أن يكون من الكعب فما فوق، فمن نزل عن الكعب؛ فإن فعله هذا من الكبائر والعياذ بالله.
لأنه إن نزل كبرًا وخيلاء فإنه لا ينظر الله إليه يوم القيامة، ولا يكلمه، ولا يزكيه، وله عذابٌ أليم، وإن كان نزل لغير ذلك كأن يكون طويلًا ولم يلاحظه، فإنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار» .
فكانت العقوبة حاصلة على كل حال فيما نزل عن الكعبين، لكن إن كان بطرًا وخيلاء فالعقوبة أعظم؛ لا يكلم الله صاحبه يوم القيامة، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذابٌ إليم، وإن كان غير خيلاء، فإنه يعذب بالنار والعياذ بالله.
فإذا قال قائل: ما هي السنة؟ قلنا: من الكعب إلى نصف الساق هذه هي السنة، نصف الساق سنة، وما دونه سنة، وما كان إلى الكعبين فهو سنة؛ لأن هذا هو لبس النبي ﷺ وأصحابه، فإنهم كانوا لا يتجاوز لباسهم الكعبين، ولكن يكون إلى نصف الساق أو يرتفع قليلًا، وما بين
[ ٣ / ٥٤٨ ]
ذلك كله من السنة، والله الموفق.
٦/٦١٧- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان وملك كذابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ» رواه مسلم.
٧/٦١٨- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " قال الله ﷿: العز إزاري، والكبرياءُ ردائي، فمن ينازعني عذبته" رواه مسلم.
٨/٦١٩- وعنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بينما رجلٌ يمشي في حلة تعجبه نفسُه، مُرجلٌ رأسه، يختال في مشيته إذ خسف الله به، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» متفق عليه.
«مرجل رأسهُ» أي: ممشطه «يتجلجل» بالجيمين، أي: يغوصُ وينزل.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب تحريم الكبر والإعجاب، فذكر عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم» ثلاثة: يعني ثلاثة أصناف، وليس المراد ثلاثة رجال، بل قد يكون
[ ٣ / ٥٤٩ ]
آلاف الناس، لكن المراد ثلاثة أصناف. وهكذا كلما جاءت كلمة ثلاثة أو سبعة أو ما أشبه ذلك فالمراد أصنافًا لا أفرادًا.
فهؤلاء الثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم.
الأول: شيخ زانٍ: شيخ يعني رجلًا كبيرًا مسنًا، زانٍ يعني أنه زنى، فهذا لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر اليه، ولا يزكيه، وله عذاب اليم، وذلك لأن الشيخ إذا زنى فليس هناك شهوة تجبره على أن يفعل هذا الفعل.
فالشاب قد يكون عنده شهوة ويعجز أن يملك نفسه، لكن الشيخ قد بردت شهوته وزالت أو نقصت كثيرًا، فكونه يزني هذا يدل على أنه- والعياذ بالله- سيءٌ للغاية؛ لأنه فعل الفاحشة من غير سبب قوي يدفعه إليها.
والزنى كله فاحشة سواء من الشاب أو من الشيخ، لكنه من الشيخ أشد وأعظم والعياذ بالله، إلا أن هذا الحديث مقيدٌ بما ثبت في الصحيحين أن من أتى شيئًا من هذه القاذورات، وأقيم عليه الحد في الدنيا، فإن الله تعالى لا يجمع عليه عقوبتين بل يزول عنه ذلك، ويكون الحد تطهيرًا له.
الثاني: ملك كذَّاب: وكذاب هذه صيغة مبالغة أي كثير الكذب،
[ ٣ / ٥٥٠ ]
وذلك لأن الملك لا يحتاج أن يكذب، كلمته هي العليا بين الناس، فلا حاجة إلى أن يكذب، فإذا كذب صار يعدُ الناس ولكن لا يوفي، يقول سأفعل كذا ولكن لا يفعل، سأترك كذا ولكن لا يترك، ويحدث الناس يلعب بعقولهم ويكذب عليهم، فهذا والعياذ بالله داخل في هذا الوعيد، لا يكلمه الله يوم القيامة ولا ينظر إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم.
والكذب حرامٌ من الملك وغير الملك، لكنه من الملك أعظم وأشد؛ لأنه لا حاجة إلى أن يكذب، كلمته بين الناس هي العليا فيجب عليه أن يكون صريحًا، إذا كان يريد الشيء، يقول نعم يوافق عليه ويفعل، وإذا كان لا يريده، يقول لا يرفضه ولا يفعل، الواحد من الرعية قد يحتاج إلى الكذب فيكذب، ولكن الملك لا يحتاج.
والكذب حرام، ومن صفات المنافقين والعياذ بالله، فإن المنافق إذا حدث كذب، ولا يجوز لأحد أن يكذب مطلقًا، وقول بعض العامة: إن الكذب إذا كان لا يقطع مُحلًاّ من حلاله فلا بأس به، هذه قاعدة شيطانية، ليس لها أساس من الصحة ولا من الدين، والصواب أن الكذب حرامٌ بكل حال.
الثالث: عائل مستكبر: وهذا هو الشاهد من الحديث، عائل يعني فقيرًا، مستكبر يعني يتكبر على الناس والعياذ بالله، فإن هذا العائل الفقير ليس عنده ما يوجب الكبر، والغني ربما يخدعه غناه ويغرّه؛ فيتكبر على عباد الله، أو يتكبر عن الحق، لكن الفقير حشف وسوء كيلة، ما دام فقيرًا فكيف يستكبر؟! فالعائل المستكبر هذا لا يكلمه الله يوم القيامة، ولا ينظر
[ ٣ / ٥٥١ ]
إليه، ولا يزكيه وله عذاب أليم.
والكبر حرامٌ من الغني ومن الفقير، لكنه من الفقير أشد، ولهذا تجد الناس إذا رأوا غنيًا متواضعًا استغربوا ذلك منه، واستعظموا ذلك منه، ورأوا أن هذا الغني في غاية ما يكون من الخلق النبيل، لكن لو يجدون فقيرًا متواضعًا لكان من سائر الناس؛ لأن الفقر يوجب للإنسان أن يتواضع؛ لأنه لأي شيء يستكبر؟! فإذا جاء إنسان والعياذ بالله عائل فقير يستكبر على الخلق، أو يستكبر عن الحق، فليس هناك ما يوجب الكبرياء في حقه فيكون والعياذ بالله داخلًا في الحديث.
ثم ذكر المؤلف ﵀ فيما ساقه من الأدلة على تحريم الكبر والإعجاب، وأنه من كبائر الذنوب، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «العز إزاري والكبرياء ردائى فمن ينازعني عذبته» .
هذا من الأحاديث القدسية التي يرويها النبي صلى الله عيه وسلم عن الله، وهي ليست في مرتبة القرآن، فالقرآن له أحكام تخصه، منها أنه معجزٌ للبشر عن أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور منه، أو بسورة أو بحديث مثله، وأنه لا يجوز للجنب أن يقرأ القرآن، وأن الصلاة تصح إذا قرأ المصلى من القرآن؛ بل تجب القراءة بالفاتحة، أما الأحاديث القدسية فليست كذلك.
ثم القرآن محفوظ لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا ينقل بالمعنى، وليس
[ ٣ / ٥٥٢ ]
فيه شيء ضعيف، أما الأحاديث القدسية فإنها تروى بالمعنى، وفيها أحاديث ضعيفة، وفيها أحاديث مكذوبة على الرسول ﷺ ليست بصحيحة وهو كثير، فالمهم أنه ليس في منزلة القرآن إلا أنه يُقال إن النبي ﷺ يرويه عن ربه.
فالله تعالى يقول: «العز إزاري والكبرياء ردائي» وهذا من الأحاديث التي تمر كما جاءت عن النبي ﷺ، ولا يتعرض لمعناها بتحريف أو تكييف، وإنما يُقال هكذا قال الله تعالى فيما رواه النبي ﷺ عنه، فمن نازع الله في عزته وأراد أن يتخذ سلطانًا كسلطان الله، أو نازع الله في كبريائه وتكبر على عباد الله، فإن الله يعذبه، يعذبه على ما صنع ونازع الله تعالى فيما يختص به.
ثم ذكر المؤلف ﵀ حديث أبي هريرة الآخر عن رسول الله ﷺ أنه قال: «بينما رجل يمشي في حلة، تعجبه نفسه، مرجلٌ رأسه، يختال في مشيته» أي عنده من الخيلاء والكبرياء والغطرسة ما عنده " إذ خسف الله به" أي خسف به الأرض «فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة» يعني انهارت به الأرض وانغمس فيها واندفن، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة؛ لأنه والعياذ بالله لما صار عنده هذا الكبرياء وهذا التيه وهذا الإعجاب خسف به.
وهذا نظير قارون الذي ذكره المؤلف ﵀ في صدر الباب، فإن قارون خرج على قومه في زينته (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
[ ٣ / ٥٥٣ ]
وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ) (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ) (القصص: ٧٩-٨١) .
وقوله: " يتجلجل في الأرض" يحتمل أنه يتجلجل وهو حي حياة دنيوية، فيبقى هكذا معذبًا إلى يوم القيامة، معذبًا وهو في جوف الأرض وهو حي، فيتعذب كما يتعذب الأحياء، ويحتمل أنه لما اندفن مات، كما هي سنة الله ﷿، مات ولكن مع ذلك يتجلجل في الأرض وهو ميت، فيكون تجلجله هذا تجلجلًا برزخيًا لا تُعلم كيفيته، والله أعلم. المهم أن هذا جزاؤه والعياذ بالله.
وفي هذا وما قبله وما يأتي بعده دليلٌ على تحريم الكبر وتحريم الإعجاب، وأن الإنسان يجب عليه أن يعرف قدر نفسه وينزلها منزلتها، والله الموفق.
* * *
٩/٦٢٠- وعن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يُكتبَ في الجبارين، فيصيبهُ ما أصابهم» رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
" يذهب بنفسه: أي: يرتفع ويتكبر.
[ ٣ / ٥٥٤ ]
[الشَّرْحُ]
في هذا الحديث الأخير في هذا الباب أن النبي ﷺ حذّر الإنسان من أن يعجب بنفسه، فلا يزال في نفسه يترفع ويتعاظم حتى يكتب من الجبارين، فيصيبه ما أصابهم.
والجبارون والعياذ بالله، لو لم يكن من عقوبتهم إلا قول الله ﵎: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ) (غافر: ٣٥)، والعياذ بالله؛ لكان عظيمًا. فالجبار والعياذ بالله يُطبع على قلبه، حتى لا يصل إليه الخير، ولا ينتهي عن الشر.
وخلاصة هذا الباب أنه يدور على شيئين:
الأول: تحريم الكبر، وأنه من كبائر الذنوب.
والثاني: تحريم الإعجاب، إعجاب الإنسان بنفسه، فإنه أيضًا من المحرمات، وربما يكون سببًا لحبوط العمل إذا أعجب الإنسان بعبادته، أو قراءته القرآن، أو غير ذلك، ربما يحبط أجره وهو لا يعلم.
[ ٣ / ٥٥٥ ]