قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وقال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران: ١٣٤) .
١/٦٢١- وعن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا) . متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق، يعني باب الحث عليه، وفضيلته، وبيان من اتصف به من عباد الله، وحسن الخلق يكون مع الله ويكون مع عباد الله.
أما حسن الخلق مع الله: فهو الرضا بحكمه شرعًا وقدرًا، وتلقي ذلك بالانشراح وعدم التضجر، وعدم الأسى والحزن، فإذا قدر الله على المسلم شيئًا يكرهه رضي بذلك واستسلم وصبر، وقال بلسانه وقلبه: رضيت بالله رباّ، وإذا حكم الله عليه بحكم شرعي؛ رضي واستسلم، وانقاد لشريعة الله ﷿ بصدر منشرح ونفس مطمئنة، فهذا حسن الخلق مع الله ﷿.
أما مع الخَلق فيحسن الخُلق معهم بما قاله بعض العلماء: كف الأذى، وبذل الندى، وطلاقه الوجه، وهذا حسن الخلق.
[ ٣ / ٥٥٦ ]
كف الأذى بألا يؤذي الناس لا بلسانه ولا بجوارحه، وبذل الندى يعني العطاء، يبذل العطاء من مال وعلم وجاه وغير ذلك، وطلاقة الوجه بأن يلاقي الناس بوجه منطلق، ليس بعبوس، ولا مصعّرٍ خده، وهذا هو حسن الخلق.
ولا شك أن الذي يفعل هذا؛ فكيف الأذى ويبذل الندى ويجعل وجه منطلقًا؛ لا شكل أنه سيصبر على أذى الناس أيضًا، فإن الصبر على أذى الناس لا شك أنه من حسن الخُلق، فإن من الناس من يؤذي أخاه، وربما يعتدي عليه بما يضرّه؛ بأكل ماله، أو جحد حق له، أو ما أشبه ذلك، فيصبر ويحتسب الأجر من الله ﷾، والعاقبة للمتقين، وهذا كله من حسن الخلق مع الناس.
ثم صدّر المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بقوله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وهذا معطوف على جواب القسم (نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ) (القلم: ١-٤) . إنك: يعني يا محمد، لعلى خلق عظيم لم يتخلق أحد بمثله، في كل شيء؛ خلق مع الله، خلق مع عباد الله، في الشجاعة والكرم وحسن المعاملة وفي كل شيء، وكان ﵊ خلقه القرآن يتأدب بآدابه؛ يمتثل أوامره ويجتنبُ نواهيه.
ثم ساق المؤلف جزءًا من آية آل عمران في قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) (آل عمران١٣٤)، وهذه من صفات المتقين الذين أعد الله لهم الجنة، كما قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ
[ ٣ / ٥٥٧ ]
رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٣-١٣٤) .
(وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) يعني الذين يكظمون غضبهم، إذا غضب، ملك نفسه وكظم غيظه، ولم يتعد على أحدٍ بموجب هذا الغضب.
(َ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاس) إذا أساءوا إليهم، (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) فإن هذا من الإحسان أن تعفو عمّن ظلمك، ولكن العفو له محل؛ إن كان المعتدي أهلًا للعفو فالعفو محمود، وإن لم يكن أهلًا للعفو؛ فإن العفو ليس بمحمود؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه) (الشورى: ٤٠) .
فلو أن رجلًا اعتدى عليك بضربك، أو أخذ مالك، أو إهانتك، أو ما أشبه ذلك، فهل الأفضل أن تعفو عنه أم لا؟
نقول في هذا تفصيل: إن كان الرجل شريرًا، سيئًا، إذا عفوت عنه ازداد في الاعتداء عليك وعلى غيرك، فلا تعفُ عنه، خذ حقك منه بيدك، إلا أن تكون تحت ولاية شرعية فترفع الأمر إلى من له الولاية الشرعية، وإلا فتأخذه بيدك ما لم يترتب على ذلك ضرر أكبر.
والحاصل أهه إذا كان الرجل المعتدى سيئًا شريرًا هذا ليس أهلًا للعفو فلا تعفُ عنه، بل الأفضل أن تأخذ بحقك؛ لأن الله يقول: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ)، والعفو في مثل هذه الحال ليس بإصلاح.
[ ٣ / ٥٥٨ ]
والنفس ربما تأمرك أن تأخذ بحقك، ولكن كما قلت إذا كان الإنسان أهلًا للعفو فالأفضل أن تعفو عنه وإلا فلا.
* * *
٢/٦٢٢- وعنه ﵁ قال: ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألين من كف رسول الله ﷺ، ولا شممتُ رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله ﷺ، ولقد خدمتُ رسول الله ﷺ عشر سنين، فلما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلتهُ: لم فعلتهُ؟ ولا لشيءٍ لم أفعلهُ: ألا فعلت كذا؟. متفق عليه.
٣/٦٢٣-وعن الصعب بن جثامة ﵁ قال: أهديتُ رسول الله ﷺ حمارًا وحشيًا، فردهُ على، فلما رأى ما في وجهي قال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف الحافظ النووي ﵀ في كتابه رياض الصالحين في باب حسن الخلق ما نقله عن أنس بن مالك ﵁ قال ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من يدي رسول الله ﷺ.
وكان أنس بن مالك ﵁ قد خدم النبي ﷺ عشر سنين؛
[ ٣ / ٥٥٩ ]
جاءت به أمه حين قدم النبي ﷺ المدينة، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس ابن مالك يخدمك، فقبل ﵊ أن يخدمه لله، ودعا له أن يبارك الله له في ماله وولده، فبارك الله له في ماله وولده، حتى قيل إنه كان له بستان يثمر في السنة مرتين، من بركة المال الذي دعا له رسول الله ﷺ به، أما أولاده فبلغوا مائة وعشرين ولدًا، أولاده من صلبه، كل هذا ببركة دعوة النبي ﷺ.
يقول إنه ما مس ديباجًا ولا حريرًا ألين من يد رسول الله ﷺ، فكانت يده ﷺ لينة إذا مسها الإنسان فإذا هي لينة.
وكما ألان الله يده فقد ألان الله ﷾ قلبه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم) ْ يعني صرت لينًا لهم (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (آل عمران: ١٥٩) .
وكذلك أيضًا رائحته ﷺ، ما شم طيبًا قط أحسن من رائحة النبي ﷺ، وكان ﵊ طيب الريح كثير استعمال الطيب، قال: «حُبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة» هو نفسه طيب ﷺ، حتى كان الناس يتبادرون إلى أخذ عرقه ﷺ من حسنه وطيبه، ويتبركون بعرق؛ لأن من خصائص الرسول ﷺ أننا نتبرك بعرقه وبريقه وبثيابه، أما غير الرسول فلا يتبرك بعرقه ولا بثيابه ولا بِريقه.
[ ٣ / ٥٦٠ ]
يقول: ولقد خدمت النبي ﷺ عشر سنين، فما قال لي أفّ قط، يعني ما تضجر منه أبدًا، عشر سنوات يخدمه ما تضجر منه، والواحد منا إذا خدمه أحد أو صاحبه أحد لمدة أسبوع أو نحوه لابد أن يجد منه تضجرًا، لكن الرسول ﷺ عشر سنوات وهذا الرجل يخدمه، ومع ذلك ما قال له أفّ قط.
ولا قال لشيءٍ فعلت لما فعلت كذا؟ حتى الأشياء التي يفعلها أنس اجتهادًا منه ما كان الرسول ﷺ يؤنبه أو يوبخه أو يقول لما فعلت كذا، مع أنه خادم، وكذلك ما قال لشيء لم أفعله لم لم تفعل كذا وكذا؟ فكان ﵊ يعامله بما أرشده الله ﷾ إليه في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .
والعفو ما عفا من أخلاق الناس وما تيسر، يعني خذ من الناس ما تيسر، ولا تريد أن يكون الناس لك على ما تريد في كل شيء، من أراد أن يكون الناس له على ما يريد في كل شيء فاته كل شيء، ولكن خذ ما تيسر، عامل الناس بما إن جاءك قبلت وإن فاتك لم تغضب، ولهذا قال: ما قال لشيء لم أفعله لِمَ لَم تفعل كذا وكذا، وهذا من حسن خلقه ﵊.
ومن حسن خلقه ﷺ أنه كان لا يُداهن الناس في دين الله، ولا يفوته أن يطيب قلوبهم، فالصعب بن جثامة ﵁ مرّ به النبي ﷺ، والنبي ﷺ محرم، وكان الصعب بن جثامة عداءً راميًا، عداء: يعني سبوقًا، راميًا: يعني يجيد الرمي.
[ ٣ / ٥٦١ ]
فلما نزل به النبي ﷺ ضيفًا رأى أنه لا أحد أكرم ضيفًا منه، فذهب يصيد للرسول ﷺ صيدًا، فصاد له حمارًا وحشيًا وكان في الجزيرة العربية في ذلك الوقت كثيرٌ من الصيد، لكنها قلت صاد له حمارًا وحشيًا وجاء به إليه فرده النبي ﷺ فَصَعُبَ ذلك على الصعب؛ كيف يرد النبي ﷺ هديته؟ فتغير وجهه، فلما رأى ما في وجهه طيب قلبه وقال: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حُرم» يعنى محرمون، والمحرم لا يأكل من الصيد الذي صيد من أجله.
فلو أن محرمًا مر بك وأنت في بلدك وهو محرم وصدت له صيدًا أو ذبحت له صيدًا عندك، فإنه لا يحل له أن يأكل منه، وذلك لأنه ممنوع من أكل ما صيد من أجله، أما إذا لم تصده من أجله، فالصحيح أنه حلال له إذا لم تصده لأجله.
ولهذا أكل النبي ﷺ من الصيد الذي صاده أبو قتادة ﵁؛ لأن أبا قتادة لم يصده من أجل الرسول ﷺ، وهذا أحسن ما قيل في هذه المسألة، إنه إذا صيد الصيد من أجل المحرم كان حرامًا عليه، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.
قال بعض العلماء: إن المحرم لا يأكل من الصيد مطلقًا؛ صيد من أجله أم لم يصد، قالوا لأن حديث الصعب بن جثامة متأخر عن حديث أبي قتادة، فإن حديث أبي قتادة كان في غزوة الحديبية في السنة السادسة، وحديث الصعب بن جثامة في حجة الوداع في السنة العاشرة، ويؤخذ بالأخر فالآخر.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
ولكن القاعدة الأصولية الحديثية تأبى هذا القول؛ لأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، فإذا أمكن الجمع فلا نسخ، والجمع هنا ممكن، وهو أن يقال: إن صيدَ لأجل المُحرم فحرام، وإن صاده الإنسان لنفسه وأطعم منه المحرم فلا بأس.
ويؤيد هذا حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صيد البر حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصد لكم»، وهذا تفصيل واضح؛ ما لم تصيدوه أو يصد لكم.
والحاصل أن هذا الحديث؛ حديث الصعب بن جثامة ﵁ فيه فائدتان عظيمتان.
الأولي: أن النبي ﷺ لا يداهن أحدًا في دين الله، وإلا قبل الهدية من الصعب، وسكت إرضاءً له ومداهنة له، لكنه ﵊ لا يمكن أن يفعل هذا.
الثانية: أنه ينبغي للإنسان أن يجبر خاطر أخيه إذا فعل معه ما لا يحب، ويبين له السبب؛ لأجل أن تطيب نفسه، ويطمئن نفسه، ويطمئن قلبه، فإن هذا من هدي النبي ﷺ؛ والله الموفق.
* * *
[ ٣ / ٥٦٣ ]
٤/٦٢٤- وعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: «البر حُسنُ الخُلق، والإثمُ ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناسُ» رواه مسلم.
٥/٦٢٥- وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا. وكان يقولُ: " إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا: متفق عليه.
٦/٦٢٦- وعن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: «ما من شيءٍ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلقِ، وإن الله يبغضُ الفاحش البذي» رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
(البذي): هو الذي يتكلم بالفحش، ورديء الكلامِ.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث ساقها النووي ﵀ في باب حسن الخلق من كتاب رياض الصالحين، وقد سبق شيء من هذه الأحاديث.
أما حديث النواس بن سمعان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (البر حسن الخلق)، وقد تقدم شرح هذه الجملة، وبينا أن حسن الخلق يحصل
[ ٣ / ٥٦٤ ]
فيه الخير الكثير؛ لأن البر هو الخير الكثير.
وأما الإثم فقال هو: (ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) يعني بما حاك في النفس، يعني لم تطمئن إليه النفس، بل ترددت فيه، وكرهت أن يطلع عليه الناس.
ولكن هذا خطاب للمؤمن، أما الفاسق فإن الإثم لا يحيك في صدره، ولا يهمه أن يطلع عليه الناس؛ بل يجاهر به ولا يبالى، لكن المؤمن لكون الله ﷾ قد أعطاه نورًا في قلبه، إذا هم بالإثم حاك في صدره، وتردد فيه، وكره أن يطلع عليه الناس، فهذا الميزان إنما هو في حق المؤمنين.
أما الفاسقون فإنهم لا يهمهم أن يطلع الناس على آثامهم، ولا تحيك الآثام في صدورهم؛ بل يفعلوها والعياذ بالله بانطلاق وانشراح؛ لأن الله ﷾ يقول: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: ٨) .
فقد يزين للإنسان سوء العمل فينشرح له صدره، مثل ما نرى من أهل الفسق الذين يشربون الخمر، وتنشرح صدورهم له، والذين يتعاملون بالربا وتنشرح صدورهم لذلك، والذين يتعودون العهر والزنا وتنشرح صدورهم لذلك، ولا يبالون بهذا؛ بل ربما إذا فعلوا ذلك سرًا ذهبوا يشيعونه ويعلنونه، مثل ما يوجد من بعض الفساق إذا ذهبوا إلى البلاد الخارجية الماجنة الفاجرة ورجعوا، قاموا يتحدثون فعلت كذا وفعلت كذا، يعني أنهم زنوا بكذا وزنوا بكذا والعياذ بالله- وشربوا الخمر وما أشبه ذلك.
[ ٣ / ٥٦٥ ]
وفي هذه الأحاديث بيان صفة الرسول ﷺ وأنه لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، يعني أنه ﷺ بعيد عن الفحش طبعًا وكسبًا، فلم يكن فاحشًا في نفسه ولا في غريزته؛ بل هو لين سهل، ولم يكن متفحشًا أي متطبعأً بالفحشاء؛ بل كان ﷺ أبعد الناس عن الفحش في مقاله وفي فعاله ﷺ.
وفيه أيضًا الحث على حسن الخلق، وأنه من أثقل ما يكون في الميزان يوم القيامة، وهذا من باب الترغيب فيه، فعليك يا أخي المسلم أن تحسن خلقك مع الله ﷿؛ في تلقي أحكامه الكونية والشرعية، بصدر منشرح منقاد راضٍ مستسلم، وكذلك مع عباد الله فإن الله تعالي يحب المحسنين، والله الموفق.
* * *
٧/٦٢٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: تقوى الله وحسنُ الخلقِ" وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار، فقال: " الفمُ والفرجُ".
رواه الترمذي وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٨/٦٢٨- وعنه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم"
رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ صحيحٌ
[ ٣ / ٥٦٦ ]
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث في بيان فضل حسن الخلق، ذكرها النووي - ﵀- في رياض الصالحين في باب حسن الخلق، ومنها عن أبي هريرة رضي اله عنه أن النبي ﷺ سئل: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ يعني ما هو الشيء الذي يكون سببًا لدخول الجنة كثيرًا؟ فقال: (تقوى الله وحسن الخلق) .
تقوى الله تعالى، وهذه كلمة جامعة لفعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه هذه هي التقوى، أن تفعل ما أمرك الله به وأن تدع ما نهاك عنه؛ لأن التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي أن يتخذ الإنسان ما يقيه من عذاب الله، ولا شيء يقي من عذاب الله إلا فعل الأوامر واجتناب النواهي.
وأكثر ما يدخل الناس النار الفم والفرج. الفم يعني بذلك قول اللسان فإن الإنسان قد يقول كلمة لا يُلقي لها بالًا يهوي بها في النار سبعين خريفًا، والعياذ بالله أي سبعين سنة، ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل: (أفلا أخبرك بملاك ذلك كله؟) قلت بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: (كف عليك هذا) قلت: يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ يعني هل نؤاخذ بالكلام؟ قال (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على وجوههم-. أو قال: " على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم) .
[ ٣ / ٥٦٧ ]
ولما كان عمل اللسان سهلًا صار إطلاقه سهلًا؛ لأن الكلام لا يتعب به الإنسان، ليس كعمل اليد، وعمل الرجل، وعمل العين يتعب فيه الإنسان. فعلم اللسان لا يتعب في الإنسان، فتجده يتكلم كثيرًا بأشياء تضره؛ كالغيبة، والنميمة، واللعن، والسب، والشتم، وهو لا يشعر بذلك، فيكتسب بهذا آثامًا كثيرة.
أما الفرج فالمراد به الزنا، وأخبث منه اللواط، فإن ذلك أيضًا تدعو النفس إليه كثيرًا- ولا سيما من الشباب- فتهوي بالإنسان وتدرِّجه حتى يقع في الفاحشة وهو لا يعلم.
ولهذا سدَّ النبي ﷺ كل باب يكون سببًا لهذه الفاحشة، فمنع من خلو الرجل بالمرأة، ومنع المرأة من كشف وجهها أمام الرجال الأجانب، ونهى المرأة أن تخضع بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض، إلى غير ذلك من السياج المنيع الذي جعله النبي ﷺ حائلًا دون فعل هذه الفاحشة، لأن هذه الفاحشة تدعو إليها النفس، فهذا أكثر ما يدخل الناس النار: أعمال اللسان وأعمال الفرج، نسأل الله الحماية.
ثم ذكر أيضًا من فضائل حسن الخلق أن أحسن الناس أخلاقًا هم أكمل الناس إيمانًا، قال النبي ﷺ: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) وفي هذا دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت، وأن الناس يختلفون فيه، فبعضهم في الإيمان أكمل من بعض بناء على الأعمال، وكلما كان الإنسان أحسن خلقًا كان أكمل إيمانًا، وهذا حثٌ واضحٌ على أن الإنسان ينبغي له أن يكون حسن الخلق بقدر ما يستطيع.
[ ٣ / ٥٦٨ ]
قال: (وخياركم خياركم لنسائهم) المراد خيركم خيركم لأهله كما جاء ذلك في السنن أن النبي ﷺ قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) فينبغي للإنسان أن يكون مع أهله خير صاحب وخير محب وخير مُربًّ؛ لأن الأهل أحق بحسن خلقك من غيرهم. أبدا بالأقرب فالأقرب.
على العكس من ذلك حال بعض الناس اليوم وقبل اليوم؛ تجده مع الناس حسن الخلق، لكن مع أهله سيء الخلق والعياذ بالله، وهذا خلاف هدي النبي ﷺ، والصواب أن تكون مع أهلك حسن الخلق ومع غيرهم أيضًا، لكن هم أولى بحسن الخلق من غيرهم.
ولهذا لما سئلت عائشة: ماذا كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان في مهنة أهله. أي يساعدهم على مهمات البيت، حتى أنه ﷺ كان يحلب الشاة لأهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، وهكذا ينبغي للإنسان مع أهله أن يكون من خير الأصحاب لهم.
* * *
٩/٦٢٩- وعن عائشة ﵂، قالت: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: (إن المؤمن ليدركُ بحسن خُلقه درجة الصائم القائم) رواه أبو داود.
[ ٣ / ٥٦٩ ]
١٠/٦٣٠- وعن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (أنا زعيم ببيت في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراء، وإن كان مُحقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب، وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) حديث صحيح، رواه أبو داود بإسناد صحيح.
الزعيم: الضامنُ.
١١/٦٣١- وعن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن من أحبكم إلى، وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحسانكم أخلاقًا وإن أبغضكم إلى، وأبعدكم مني يوم القيامة، الثرثارُون والمتشدقون والمتفيهقون" قالوا: يا رسول الله قد علمنا (الثرثارُون والمتُشدقون) فما المُتفيهقُون؟ قال: (المتكبرون) رواه الترمذي وقال: حديث حسنٌ.
(الثرثارُ): هو كثيرُ الكلامِ تكلفًا. (والمُتشدقُ): المتطاولُ على الناس بكلامه، ويتكلم بملء فيه تفاصحًا وتعظيمًا لكلامه؛ والمتفيهقُ أصلهُ من الفهق وهو الامتلاءُ، وهو الذي يملأ فمه بالكلام ويتوسعُ فيه، ويغربُ به تكبرًا وارتفاعًا، وإظهارًا للفضيلة على غيره.
وروى الترمذي عن عبد الله بن المبارك ﵀ في تفسير حُسن الخُلقِ قال: هُو طلاقةُ الوجه، وبذلُ المعروف. وكف الأذى.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ أحاديث متعددة في بيان حسن الخلق، وأن من أقرب الناس إلى رسول الله ﷺ أحاسنهم أخلاقًا، فكلما كنت أحسن خلقًا؛ كنت أقرب إلى الله ورسوله من غيرك، وأبعد الناس منزلة من رسول الله ﷺ الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون.
الثرثارون الذين يكثرون الكلام ويأخذون المجالس عن الناس، فإذا جلس في المجلس أخذ الكلام عن غيره، وصار كأن لم يكن في المجلس إلا هو؛ يتكلم ولا يدع غيره يتكلم، وهذا لا شك أنه نوع من الكبرياء.
لكن لو فرضنا أن أهل المجلس فوضوه وقالوا أعطنا نصحية، أعطنا موعظة فتكلم فلا حرج، إنما الكلام العادي كونك تملك المجلس ولا تدع أحدًا يتكلم، حتى إن بعض الناس يحب أن يتكلم لكن لا يستطيع أن يتكلم، يخشي من مقاطعة هذا الرجل الذي ملك المجلس بكلامه.
كذلك أيضًا المتشدقون، والمتشدق هو الذي يتكلم بملء شدقيه، تجده يتكلم وكأنه أفصح العرب تكبيرًا وتبخترًا، ومن ذلك من يتكلم باللغة العربية أمام العامة، فإن العامة لا يعرفون اللغة العربية، لو تكلمت بينهم باللغة العربية لعدّوا ذلك من باب التشدق في الكلام والتنطع، أما إذا كنت تدرس لطلبة فينبغي أن تتكلم باللغة العربية، لأجل أن تمرّنهم على اللغة العربية وعلى النطق بها، أما العامة الذين لا يعرفون فلا ينبغي أن تتكلم بينهم باللغة العربية، بل تكلم معهم بلغتهم التي يعرفون، ولا تغرب في الكلمات، يعني لا تأتي بكلمات غريبة تُشكِل عليهم، فإن ذلك من
[ ٣ / ٥٧١ ]
التشدق في الكلام.
أما المتفيهقون فقد وصفهم النبي ﷺ بالمتكبرين، المتكبر الذي يتكبر على الناس ويتفيهق، وإذا قام يمشي كأنه يمشي على روق من تكبره وغطرسته، فإن هذا لا شك خلق ذميم، ويجب على الإنسان أن يحذر منه؛ لأن الإنسان بشر فينبغي أن يعرف قدر نفسه، حتى لو أنعم الله عليه بمال، أو أنعم الله عليه بعلم، أو أنعم الله عليه بجاه، فينبغي أن يتواضع، وتواضع هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بالمال والعلم والجاه افضل من تواضع غيرهم، ممن لا يكون كذلك.
ولهذا جاء في الحديث من الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم: (عائل مستكبر) لأن العائل لا داعي لاستكباره، والعائل هو الفقير، فهؤلاء الذين منَّ الله عليهم بالعلم والمال والجاه كلما تواضعوا؛ صاروا أفضل ممن تواضع من غيرهم الذين لم يمنّ الله عليهم بذلك.
فينبغي لكل من أعطاه الله نعمة أن يزداد شكرًا لله، وتواضعًا للحق وتواضعًا للخلق، وفقني الله وإياكم لأحاسن الأخلاق والأعمال، وجنبنا وإياكم سيئات الأخلاق والأعمال إنه جواد كريم.
[ ٣ / ٥٧٢ ]