قال تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤) .
وقال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الأعراف: ١٩٩) .
وقال تعالى: (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت: ٣٥) .
وقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب الحلم، والأناة، والرفق.
هذه ثلاثة أمور متقاربة: الحلم، والأناة، والرفق.
أما الحلم: فهو أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، إذا حصل غضب وهو قادر فإنه يحلم، ولا يعاقب، ولا يعاجل بالعقوبة.
وأما الأناة فهو التأني في الأمور، وعدم العجلة، وألا يأخذ الإنسان الأمور بظاهرها فيتعجل، ويحكم على الشيء قبل أن يتأنى فيه وينظر.
وأما الرفق فهو معاملة الناس بالرق والهون، حتى وإن استحقوا ما يستحقون من العقوبة والنكال فإنه يرفق بهم.
ولكن هذا فيما إذا كان الإنسان الذي يرفق به محلًا للرفق، أما إذا لم
[ ٣ / ٥٧٣ ]
يكن محلًا للرفق فإن الله ﷾ قال: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور: ٢) .
ثم ساق المؤلف أيات. قال في الأية الأولى قول الله تعالى: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: ١٣٤)، هذه من جملة الأوصاف التي يتصف بها المتقون الذين أعدت لهم الجنة: أنهم يكظمون إذا غضبوا.
وفي قوله: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) دليلٌ على أنهم يشق عليهم ذلك، لكنهم يغلبون أنفسهم فيكظمون غيظهم، ولهذا قال النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصرعة» الصرعة: يعني الذي يصرع الناس إذا صارعوه: «وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» . أما قوله تعالى: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) فقد سبق الكلام عليه، وبيان التفصيل فيمن يستحق العفو ومن لا يتسحق، فالإنسان الشرير الذي لا يزداد بالعفو عنه إلا سواءًا وشراسة ومعاندة هذا لا يعفى عنه.
والإنسان الذي هو أهل للعفو. ينبغي للإنسان أن يعفوعنه؛ لأن الله يقول (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: ٤٠) .
وأما الأية الثانية فهي قوله تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
[ ٣ / ٥٧٤ ]
الْجَاهِلِينَ) (لأعراف: ١٩٩)، قال خذ العفو ولم يقل أعف ولا أفعل العفو، بل قال: (خُذِ الْعَفْوَ) والمراد بالعفو هنا ما عفا وسهل من الناس؛ لأن الناس يعامل بعضهم بعضًا، فمن أراد من الناس أن يعاملوه على الوجه الذي يحب وعلى الوجه الأكمل؛ فهذا شيء يصعب عليه ويشق عليه ويتعب وراء الناس.
وأما من استرشد بهذه الأية، وأخذ ما عفا من الناس وما سهل، فما جاء منهم قبله، وما أضاعوه من حقه تركه، إلا إذا انتهكت محارم الله، فإن هذا هو الذي أرشد الله إليه؛ أن نأخذ العفو، فخذ ما تيسر من أخلاق الناس معاملتهم لك، والباقي أنت صاحب الفضل فيه إذا تركته.
(وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) يعني: مُر بما يتعارفه الناس ويعرفه الشرع من أمور الخير، ولا تسكت عن الأمر بالخير إذا كان الناس أخلوا به فيما بينك وبينهم أفعل ما تشاء في حقك، لكن الشيء المعروف ينبغي أن تأمر به.
(وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين) المراد بالجاهل هنا ليس هو الذي لا يعلم الحكم؛ بل الجاهل السفيه في التصرف، كما قال الله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ) أي بسفاهة (ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِم) (النساء: ١٧) .
فالجاهلون هنا هم السفهاء الذين يجهلون حقوق الغير، ويفرطون فيها، فأعرض عنهم ولا تبال بهم، وأنت إذا أعرضت عنهم ولم بتبال بهم فإنهم سوف يملون يوتعبون، ثم بعد ذلك يرجعون إلى صوابهم، ولكن إذا عاندتهم أو خاصمتهم أو أردت منهم أن يعطوك حقك كاملًا، فإنهم ربما بسفههم يعاندون ولا يأتون بالذي تريد.
[ ٣ / ٥٧٥ ]
فهذه ثلاثة أوامر من الله ﷿ فيها الخير لو أننا سرنا عليها: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) (الاعراف: ١٩٩) .
قوله تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) (الشورى: ٤٣) .
صبر: يعني على الأذي، وغفر: يعني تجاوز عنه إذا وقع به، إن ذلك لمن عزم الأمور: أي لمن معزومات الأمور، أي من الأمور التي تدل على عزم الرجل، وعلى حزمه، وعلى أنه قادر على نفسه مسيطر عليها، وذلك لأن الناس ينقسمون إلى أقسام بالنسبة لسيطرتهم على أنفسهم.
فمن الناس من لا يستطيع أن يسيطر على نفسه أبدًا، ومن الناس من يستطيع لكن بمشقة شديدة، ومن الناس من يستطيع لكن بسهولة، يكون قد جلبه الله ﷿ على مكارم الأخلاق، فيسهل عليه الصبر والغفران.
فالذي يصبر على أذى الناس ويتحمل ويحتسب الأجر من الله ويغفر لهم، هذا هو الذي صنع هذه المعزومة من الأمور أي من الشؤون، وهذا حث واضح على أنه ينبغي للإنسان أن يصبر ويغفر، وقد سبق لنا التفصيل في مسألة العفو عن الجناة والمعتدين، وأنه لا يمدح مطلقًا ولا يذم مطلقًا، يل ينظر إلى الإصلاح.
* * *
١/٦٣٢- وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يُحبهما الله: الحلمُ والأناةُ» رواهُ مسلم.
٢/٦٣٣- وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: " إن الله رفيقٌ
[ ٣ / ٥٧٦ ]
يحبٌ الرفق في الأمر كله" متفق عليه.
٣/٦٣٤- وعنها ﵂ أن النبي ﷺ قال: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يُعطي على العنف ومالا يعطي على ما سواه» رواه مسلم.
٤/٦٣٥- وعنها ﵂ أن النبي ﷺ قال: " إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانهُ، ولا ينزعُ من شيءٍ إلا شانهُ" رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف - ﵀- هنا في سياق الأحاديث ما قاله النبي ﷺ لأشج عبد القيس، قال له: " إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناة".
الحلم: عندما يثار الإنسان ويجنى عليه ويعتدى عليه يحلم، لكنه ليس كالحمار لا يبالي بما فعل به، يتأثر لكن يكون حليمًا لا يتعجل بالعقوبة، حتى إذا صارت العقوبة خيرًا من العفو أخذ بالعقوبة.
والأناة: التأني في الأمور وعدم التسرع، وما أكثر ما يهلك الإنسان ويزل بسبب التعجل في الأمور، وسواء في نقل الأخبار، أو في الحكم على ما سمع، أو في غير ذلك.
فمن الناس مثلًا من يتخطف الأخبار بمجرد ما يسمع الخبر يحدِّث به
[ ٣ / ٥٧٧ ]
وينقله، وقد جاء في الحديث «كفي بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع» .
ومن الناس من يتسرع في الحكم، سمع عن شخص شيئًا من الأشياء، ويتأكد أنه قاله أو أنه فعله ثم يتسرع في الحكم عليه، أنه أخطأ أو ضلّ أو ما أشبه ذلك، وهذا غلط، التأني في الأمور، كله خير.
ثم ذكر المؤلف أحاديث عائشة ﵂ الثلاثة في باب الرفق، وأن الرفق محبوب إلى الله ﷿، وأنه ما كان في شيءٍ إلا زانه، ولا نزع من شيءٍ إلا شانه، ففيه الحثّ على أن يكون الإنسان رفيقًا في جميع شؤونه، رفيقًا في معاملة أهله، وفي معاملة إخوانه، وفي معاملة أصدقائه، وفي معاملة عامة الناس يرفق بهم، فإن الله ﷿ رفيقٌ يحب الرفق.
ولهذا فإن الإنسان إذا عامل الناس بالرفق يجد لذة وانشراحًا، وإذا عاملهم بالشدة والعنف ندم، ثم قال ليتني لم أفعل، لكن بعد أن يفوت الأوان، أما إذا عاملهم بالرفق واللين والأناة انشرح صدره، ولم يندم على شيء فعله.
وفق الله الجميع لما فيه الخير والصلاح وحسن الأخلاق والآداب.
* * *
٥/٦٣٦- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال: بال أعرابيٌ في المسجد، فقام الناسُ إليه ليقعوا فيه، فقال النبي ﷺ: «دعوهُ وأريقُوا على بوله سجلًا من ماءٍ، أو ذنوبًا من ماءٍ، فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا مُعسرين» رواه البخاري.
[ ٣ / ٥٧٨ ]
"السجل" بفتح السين المهملة وإسكان الجيم: وهي الدلو المُمتلئة ماءً، وكذلك الذنوبُ.
[الشَّرْحُ]
ساق المؤلف ﵀ في باب الحلم والأناة والرفق في كتابه رياض الصالحين، حديث أبي هريرة ﵁؛ أن أعرابيًا بال في المسجد.
أعرابي: يعني بدوي؛ والبدوي في الغالب لا يعرف أحكام الشرع؛ لأنه يعيش في البادية في إبله أو في غنمه، وليس له علم بشريعة الله، كما قال الله تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) (التوبة: ٩٧)، يعني أقرب ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله، لأنهم في باديتهم بعيدون عن الناس وعن العلم والشرع.
هذا الأعرابي دخل المسجد واحتاج إلى أن يبول، فبال في طائفة المسجد، أي تنحى وبال في المسجد، فهمّ الناس به أن يقعوا فيه وزجروه، ولكن النبي ﷺ قال: لهم: «دعوه» دعوه يقضي بوله، «وأريقوا على بوله سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» فتركه الناس.
فلما قضى بوله صبّوا عليه ذنوبًا من الماء، يعني دلوًا من الماء، فطهر المحل، وزال المحذور، ثم دعا بالأعرابي وقال له: " إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى أو القذر، وإنما هي للصلاة وقراءة القرآن، والتكبير" أو كما قال الرسول ﷺ.
[ ٣ / ٥٧٩ ]
ففي هذا الحديث فوائد كثيرة:
منها: العذر بالجهل، وأن الإنسان الجاهل لا يعامل كما يعامل العالم؛ لأن العالم معاند، والجاهل متطلع للعلم فيعذر بجهله، ولهذا عذره النبي ﷺ ورفق به.
ومنها: أن الشرع يقتضي دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، يعني إذا كان هناك مفسدتان ولابد من ارتكاب أحدهما؛ فإن يرتكب الأسهل.
فهنا أمامنا مفسدتان:
الأولى: استمرار هذا الأعرابي في بوله، وهذه مفسدة.
والثانية: إقامته من بوله، وهذه مفسدة أيضًا، لكن هذه أكبر؛ لأن هذه يترتب عليها.
أولًا: الضرر على هذا البائل؛ لأن البائل إذا منع البول المتهيىء للخروج ففي ذلك ضرر، فربما تتأثر مجاري البول ومسالك البول.
ثانيًا: أنه إذا قام فإما أن يقطع رافعًا ثوبه؛ لئلا تصيبه قطرات البول، وحينئذٍ تكون القطرات منتشرة في المكان، وربما تأتي على أفخاذه ويبقى مكشوف العورة أمام الناس وفي المسجد، وإما أن يدلي ثوبه، وحينئذٍ يتلوث الثوب ويتلوث البدن وهذه أيضًا مفسدة.
فلهذا ترك النبي ﷺ هذا الرجل يبول حتى انتهى، ثم أمر بأن يصب عليه ذنوبًا من ماء.
وعلى هذا فيكون لدينا قاعدة: إذا اجتمعت مفسدتان لابد من ارتكاب إحداهما، فإنه يرتكب الأسهل والأخف، دفعًا للأعلى، كما إنه
[ ٣ / ٥٨٠ ]
إذا اجتمعت مصالح ولا يمكن فعل جميعها، فإنه يؤخذ بالأعلى فالأعلى، ففي المصالح يقدم الأعلى، وفي المفاسد يقدم الأسهل والأدنى.
ومن فوائد هذا الحديث: وجوب تطهير المسجد وأنه فرض كفاية؛ لقول الرسول ﷺ: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء» فيجب على من رأى نجاسة في المسجد أن يطهرها بنفسه، أو يبلغ من هو معني بالمسجد ومسؤول عنه حتى يقوم بتطهيرها.
ومنها: اشتراط طهارة مكان المصّلي، فالمصلّي يجب عليه أن يطهر ثوبه وبدنه ومكان صلاته، لابد من ذلك سواءً كانت أرضًا أو فراشًا أو غير ذلك، المهم أنه لابد من طهارة مكان المصلي.
ومنها: أن الأرض يكفي في تطهيرها أن يصب على النجاسة ماء مرة واحدة، فإذا عمرت بالماء طهرت، لكن إن كانت النجاسة ذات جرم كالغائط والروث وما أشبهها؛ فلابد من زوال هذا الجرم، وبعدها يطهر المحل بصب ماءٍ عليه.
ومنها: أنه لابد من الماء في تطهير النجاسة؛ لقوله:: «أريقوا على بوله سجلًا من ماء» وأن النجاسة لا تطهر بغير الماء، وهذا ما عليه أكثر العلماء.
والصحيح أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء أو بنزين، أو غيره، وإنما أمر النبي ﷺ بصب الماء على مكان البول؛ لأنه أسرع في تطهير المكان، وإلا فمن الممكن أن يبقى المكان لا يصب عليه الماء، ثم مع الرياح والشمس تزول النجاسة ويطهر، لكن هذا أسرع وأسهل.
[ ٣ / ٥٨١ ]
ومن المعلوم أنه في عهد الرسول ﷺ لا توجد هذه المزيلات الكيماوية أو البترولية، فلذلك كانوا يعتمدون في إزالة النجاسة على الماء، ولكن متى زالت النجاسة طهر المحل بأي مزيل كان؛ لأن النجاسة عين خبيثة نجسة، متى زالت عاد المحل إلى طهارته بأي شيءٍ كان.
ولهذا يطهر البول والغائط بالأحجار؛ يستجمر الإنسان بالحجر ثلاث مرات مع الإنقاء ويكفي.
وثوب المرأة الذي تجره إذا مر بالنجاسة ثم مر بعد ذلك بأرض طاهرة طهرته، وكان من عادة النساء في عهد الرسول ﷺ أن المرأة إذا خرجت واتخذت ثوبًا ضافيًا يستر قدميها، وينجر من ورائها إلى شبر أو شبرين أن ذراع، ولكن لا يزيد على ذراع. هذا في عهد الرسول ﷺ، عهد النساء الطاهرات في الزمن الطاهر، فما بالك اليوم؟!
لكن مع الأسف أن المسلمين اليوم لا ينظرون إلى من سلف من هذه الأمة، ولكنهم ينظرون إلى من تأخر من هذه الأمة؛ إلى الخلف الذين قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) (مريم: ٥٩) .
أصبحنا ننظر الآن إلى من خلف بل ننظر إلى ما دون ذلك؛ ننظر إلى أعدائنا؛ إلى اليهود والنصارى والمجوس والوثنيين وما أشبه ذلك، فنقتدي بهم في مثل هذه الألبسة، فترى النساء الآن كلما جاءت المجلة التي يسمونها البردة، ذهبن ينظرن إليها، ثم تذهب المرأة وتفعل مثل ما فعلوا.
وأقول: يجب على أولياء الأمور أن يمنعوا من تداول هذه المجلات،
[ ٣ / ٥٨٢ ]
وهذه البردات بين أيدي النساء؛ لأن المرأة ضعيفة؛ ضعيفة العقل وضعيفة الدين كما وصفها بهذا الرسول ﷺ: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن» فتغتر وتنخدع بهذه المظاهر.
وكثيرٌ من الرجال مع الأسف الشديد هم رجال في ثياب رجال وإلا فهم نساء، التدبير للنساء عليهم، وهن القوامات عليهم، عكس ما أمر الله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) (النساء: ٣٤)، لكن أصبح الآن في كثير من الناس النساء قوامات على الرجال، هي التي تدبر الرجل، وهي التي تلبس ما شاءت، وتفعل ما شاءت، ولا تبالي بزوجها ولا بوليها.
فالواجب على الأولياء أن يمنعوا من تداول هذه المجلات التي تأتينا بهذه الأزياء البعيدة عن الزي الإسلامي، فالنساء في عهد الرسول ﷺ إذا خرجن إلى السوق لبسن ثيابًا طويلة حتى لا تبدو أقدامهن.
وأما في البيوت فكما يقول شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: المرأة في بيتها في عهد الرسول عليها لباس يستر من كف اليد إلى كعب الرجل، وهي في البيت، ليس عندها إلا النساء أو رجال محارم، ومع ذلك تتستر من الكف إلى الكعب، كلها متسترة.
وبهذا نعرف فساد تصور من تصور قول الرسول ﷺ لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، أن المرأة يجوز لها أن تقتصر في لباسها على لباسٍ يستر ما
[ ٣ / ٥٨٣ ]
بين السرة والركبة، يردن أن تخرج المرأة كاشفة كل بدنها إلا ما بين السرة والركبة، فمن قال هذا؟!
إن الرسول ﷺ يخاطب الناظرة لا اللابسة يقول: «لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة»، يعني ربما تكون اللابسة قد كشفت ثوبها لقضاء حاجة من بول أو غائط، فيقول لا تنظر لعورتها، لم يقل الرسول ﷺ للمرأة أن تلبس ما يستر ما بين السرة والركبة فقط، من توهّم هذا فإنه من وحي الشيطان، ولننطر كيف كانت النساء في عهد الرسول ﷺ تلبس الثياب.
لذلك يجب أن نصَّحح هذا المفهوم الذي تدندن به كل امرأة ليس عندها فهم، وليس عندها نظر لمن سبق، نقول لها: هل تظنين أن الشرع الإسلامي يبيح للمرأة أن تخرج بين النساء ليس عليها إلا سروال قصير يستر ما بين السرة والركبة، فمن قال إن هذا هو الشرع الإسلامي؟ ومن قال إن هذا هو معنى قول رسول الله ﷺ: «لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة» من قال هذا؟!
والرسول ﷺ قال: «ولا الرجل إلى عورة الرجل» ومع ذلك كان الرجال في عهده يلبسون رداءً وإزارًا، ويلبسون قميصًا، ولا يلبسون إزارًا فقط.
حتى أن الرجل الفقير الذي طلب من النبي ﷺ أن يزوجه المرأة التي وهبت نفسها للرسول ولم يردها، قال: زوجنيها، قال: «ما معك من صداق» قال: إزاري، لأنه فقير، كيف يكون الإزار مهرًا للمرأة إن
[ ٣ / ٥٨٤ ]
أعطيتها أياه بقيت بلا إزار، وإن بقي عليك بقيت بلا مهر؟! ارجع فالتمس ولو خاتمًا من حديد ولكنه لم يجد. فلم يكونوا - وهم الرجال- يقتصرون على ما بين السرة والركبة أبدًا.
والحاصل أن العلم يحتاج إلى فقه، ويحتاج إلى نظر في حال الصحابة ﵃؛ كيف فهموا النصوص فنطبقها، حتى دول الغرب الكافرة الآن أكثرهم يلبس ما يستر الصدر والفخذين، ولم يفهم أحد من هذا الحديث أن المعنى للمرأة ان تبقى مكشوفة البدن إلا ما بين السرة والركبة، ما فهم هذا أحدٌ أبدًا.
فالحاصل أن الرسول ﷺ جعل ذيل المرأة - أي طرف ثوبها الذي يمشي على الأرض- إذا التقى بنجاسة ثم مرت على أرض طاهرة فإن الطاهر يطهره، فدل ذلك على أن النجاسة تطهر بكل ما يزيلها من ماء وغيره.
ومن فوائد حديث الأعرابي: حسن خلق الرسول ﷺ، وتعليمه، ورفقه، وأن هذا هو الذي ينبغي لنا إذا دعونا إلى الله، أو أمرنا بمعروف، أو نهينا عن منكر أن نرفق؛ لأن الرفق يحصل به الخير، والعنف يحصل به الشر، ربما إذا عنفت أن يحصل من قبيلك ما يسمونه برد الفعل ولا يقبل منك شيئًا، يرد الشرع من أجلك، لكن إذا رفقت وتأنيت فهذا هو الأقرب إلى الإجابة.
ومنها: أن الرسول ﷺ جعل هذه الأمة مبعوثة، فقال: «فإنما بعثتم» مع أن المبعوث هو، لكن أمته يجب أن تقوم مقامه في الدعوة إلى دينه
[ ٣ / ٥٨٥ ]
ﷺ، وأن يكون الإنسان كأنه المبعوث وكأنه الرسول في تبليغ الشرع، ولهذا قال الرسول ﷺ: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» فنحن أمة محمد ﷺ علينا أن نبلغ شرعه إلى جميع الناس، ولهذا قال: «إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين» .
وفي هذا الحديث أن الرسول ﷺ لما كلم الأعرابي بهذا اللطف واللين، وقال إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من الأذى والقذر، قال الأعرابي: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، انظر كيف انشرح صدره بكلام محمد ﷺ.
أما الجماعة من الصحابة ﵃ لما أغضبوه وانتهروه- وهو أعرابي لا يعرف- رأى أن الجنة والرحمة تكون له ولمحمد، وغيرهما لا يرحمون، وليته قال اللهم ارحمني ومحمدًا وسكت، بل قال ولا ترحم معنا أحدًا، فتحجر الرحمة، لكنه جاهل، والجاهل له حكمه.
فالحاصل أن الإنسان ينبغي له أن يرفق في الدعوة، وفي الأمر، وفي النهي. وجربوا وانظروا أيهما أصلح، ونحن نعلم علم اليقين أن الاصلح هو الرفق؛ لأن هذا هو الذي قاله الرسول ﷺ، وهو الذي أتبعه في هديه ﷺ، والله الموفق.
* * *
[ ٣ / ٥٨٦ ]
٦/٦٣٧- وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يسروا ولا تُعسروا، وبشروا ولا تنفروا» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث ذكره النووي ﵀ في باب الحلم والرفق والأناة في كتابه رياض الصالحين، وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» .
هذه أربع جمل: الأولى قوله: «يسروا» يعني اسلكوا ما فيه اليسر والسهولة سواء كان فيما يتعلق بأعمالكم أو معاملاتكم مع غيركم، ولهذا كان النبي ﷺ من هديه أنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه.
فاختر الأيسر لك في كل أحوالك، في العبادات، في المعاملات مع الناس، في كل شيء؛ لأن اليسر هو الذي يريده الله ﷿ منا، ويريده بنا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: ١٨٥) .
فمثلًا إذا كان لك طريقان إلى المسجد؛ أحدهما صعب فيه حصى وأحجار وأشواك والثاني سهل، فالأفضل أن تسلك الأسهل، وإذا كان هناك ماءان وأنت في الشتاء، وكان أحدهما بارد يؤلمك والثاني ساخن
[ ٣ / ٥٨٧ ]
ترتاح له، فالأفضل أن تستعمل الساخن، لأنه أيسر وأسهل، وإذا كان يمكن أن تحج على سيارة أو تحج على بعير والسيارة أسهل، فالحج على السيارة أفضل.
فالمهم أنه كل ما كان أيسر فهو أفضل ما لم يكن إثمًا؛ لأن أم المؤمنين عائشة ﵂ تقول: كان الرسول ﷺ ما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا.
أما إذا كان فعل العبادة لا يتأتى إلا بمشقة، وهذه المشقة لا تسقطها عنك ففعلتها على مشقة، فهذا أجر يزداد لك، فإن إسباغ الوضوء على المكاره مما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطأيا، لكن كون الإنسان يذهب إلى الأصعب مع إمكان الأسهل هذا خلاف الآفضل، فالأفضل اتباع الأسهل في كل شيء.
وانظر إلى الصوم، قال فيه الرسول ﷺ: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر»، وفي حديث آخر «وأخروا السحور» لماذا؟ لأن تأخير السحور أقوى على الصوم مما لو تقدم، والمبادرة بالفطر أسهل وأيسر على النفس لا سيما مع طول النهار وشدة الظمأ.
فهذا وغيره من الشواهد يدل على أن الأيسر أفضل، فأنت يسِّر على
[ ٣ / ٥٨٨ ]
نفسك.
كذلك أيضًا في مزاولة الأعمال إذا رأيت أنك إذا سلكت هذا العمل فهو أسهل وأقرب ويحصل به المقصود؛ فلا تتعب نفسك في أعمال أخرى أكثر من اللازم وأنت لا تحتاج إليها؛ فافعل ما هو أسهل في كل شيء، وهذه قاعدة: أن اتباع الأسهل والأيسر هو الأرفق بالنفس والأفضل عند الله.
«ولا تعسروا» يعني لا تسلكوا طرق العسر لا في عبادتكم، ولا في معاملاتكم، ولا في غير ذلك، فإن هذا منهي عنه فلا تعسر، ولهذا لما رأى النبي ﷺ رجلًا واقفًا في الشمس، سأل عنه، قالوا يا رسول الله، هو صائم؛ نذر أن يصوم ويقف في الشمس، فنهاه وقال له لا تقف في الشمس؛ لأن هذا فيه عسر على الإنسان ومشقة، والرسول ﷺ يقول لا تعسر.
الجملة الثانية قال: «وبشروا» بشروا يعني اجعلوا طريقكم دائمًا البشارة، بشروا أنفسكم وبشروا غيركم، يعني إذا عملت عملًا فاستبشر وبشر نفسك، فإذا عملت عملًا صالحًا فبشر نفسك بأنه سيقبل منك إذا اتقيت الله فيه، لأن الله يقول: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: ٢٧)، وإذا دعوت الله فبشر نفسك أن الله يستجيب لك؛ لأن الله ﷾ يقول: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠) .
ولهذا قال بعض السلف من وفق للدعاء فليبشر بالإجابة؛ لأن الله قال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم) (غافر: ٦٠)، فأنت بشِّر نفسك
[ ٣ / ٥٨٩ ]
في كل عمل.
وهذا يؤيده أن النبي ﷺ كان يكره الطيرة ويعجبه الفأل؛ لأن الإنسان إذا تفاءل نشط واستبشر وحصل له خير، وإذا تشاءم فإنه يتحسر، وتضيق نفسه، ولا يقدم على العمل، ويعمل وكأنه مكره، فأنت بشر نفسك، كذلك بشر غيرك، فإذا جاءك إنسان، قال فعلت كذا وفعلت كذا وهو خائف فبشره، وأدخل عليه السرور.
لا سيما في عيادة المريض؛ فإذا عدت مريضًا فقل له أبشر بالخير، وأنت على خير، ودوام الحال من المحال، والإنسان عليه أن يصبر ويحتسب ويؤجر على ذلك، وما أشبه ذلك، وبشره قائلًا: أنت اليوم وجهك طيب، وما أشبه ذلك؛ لأنك بهذا تدخل عليه السرور، وتبشره، فاجعل طريقك هكذا فيما تعامل به نفسك وفيما تعامل به غيرك، الزم البشارة، وأدخل السرور على نفسك، وأدخل السرور على غيرك، فهذا هو الخير.
«ولا تنفروا» يعني لا تنفروا الناس عن الأعمال الصالحة، ولا تنفروهم عن الطرق السليمة؛ بل شجعوهم عليها، حتى في العبادات لا تنفروهم.
ومن ذلك أن يطيل الإمام بالجماعة أكثر من السنة، فإن معاذ بن جبل ﵁ كان إذا صلى مع النبي ﷺ صلاة العشاء، ذهب إلى قومه فصلى بهم تلك الصلاة، فدخل يومًا من الأيام في الصلاة، فشرع في سورةٍ طويلة، فانصرف رجلٌ وصلى وحده، فقيل نافق فلان، فذهب الرجل
[ ٣ / ٥٩٠ ]
للنبي ﷺ ثم إن معاذًا أتى إلى رسول الله عليه الله عليه وسلم، فقال له: «أفتان أنت يا معاذ» .
وكذلك الرجل الآخر قال له الرسول ﷺ: «إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليخفف» .
فالتنفير لا ينبغي؛ فلا تنفر الناس بل لِنْ لهم، حتى في الدعوة إلى الله ﷿ لا تدعُهم إلى الله دعوة منفر، لا تقل إذا رأيت إنسانًا على خطأ: يا فلان أنت خالفت، أنت عصيت، أنت فيك. إلى آخر، هذا ينفرهم، ويزيدهم في التمادي في المعصية، ولكن ادعهم بهونٍ ولين حتى يألفك ويألف ما تدعو إليه، وبذلك تمتثل أمر النبي ﷺ في قوله: «بشروا ولا تنفروا» .
فخذ هذا الحديث أيها الأخ، خذه رأس مالٍ لك «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا» سر إلى الله ﷿ على هذا الأصل، وعلى هذا الطريق، وسر مع عباد الله على ذلك تجد الخير كله، والله الموفق.
* * *
[ ٣ / ٥٩١ ]
٧/٦٣٨- وعن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يحرم الرفق يحرم الخير كُله» رواه مسلم.
٨/٦٣٩- وعن أبي هريرة ﵁ أن رجلاٌ قال للنبي ﷺ: أوصني: قال: «لا تغضب» فردد مرارًا: قال: «لا تغضب» رواه البخاري.
[الشَّرْحُ]
ذكر المؤلف ﵀ حديثًا فيه الأمر بالرفق والحث عليه، حيث قال النبي ﷺ: «من يحرم الرفق يحرم الخير كله» يعني أن الإنسان إذا حرم الرفق في الأمور فيما يتصرف فيه لنفسه، وفيما يتصرف فيه مع غيره، فإنه يحرم الخير كله أي فيما تصرف فيه، فإذا تصرف الإنسان بالعنف والشدة فإنه يحرم الخير فيما فعل
وهذا شيء مجرب ومشاهد أن الإنسان إذا صار يتعامل بالعنف والشدة؛ فإنه يحرم الخير ولا ينال الخير، وإذا كان يتعامل بالرفق والحلم والأناة وسعة الصدر؛ حصل على خيرٍ كثير، وعلى هذا فينبغي للإنسان الذي يريد الخير أن يكون دائمًا رفيقًا حتى ينال الخير.
إما حديث أبي هريرة؛ فهو أن رجلًا قال يا رسول الله، أوصنى، قال «لا تغضب» فردد مرارًا وهو يقول: أوصنى، فقال: «لا تغضب» والمعنى لا تكن سريع الغصب يستثيرك كل شيء؛ بل كل شيء؛ بل كن مطمئنًا
[ ٣ / ٥٩٢ ]
متأنيًا؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يغلي القلب، ولهذا تنتفخ الأوداج؛ عروق الدم، وتحمر العين، ثم ينفعل الإنسان حتى يفعل شيئًا يندم عليه.
وإنما أوصى النبي ﷺ هذا الرجل ألا يغضب دون أن يوصيه بتقوى الله أو بالصلاة أو بالصيام أو ما أشبه ذلك؛ لأن حال هذا الرجل تقتضي ذلك، ولهذا أوصى غيره بغير هذا الشيء؛ أوصى؟ أبا هريرة أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وأن يوتر قبل أن ينام، وأوصى أبا الدرداء بمثل ذلك، أما هذا فأوصاه ألا يغضب؛ لأن النبي ﷺ علم من حاله أنه غضوب كثير الغضب، فلذلك قال لا تغضب.
والغضب يحمل الإنسان على أن يقول كلمة الكفر، على أن يطلق زوجته، على أن يضرب أمه، على أن يعق أباه، كما هو مشاهد ومعلوم، ثم تجد الإنسان من حين أن يتصرف يبرد ثم يندم ندمًا عظيمًا، وما أكثر الذين يسألون: غضبت علي زوجتي فطلقت، غضبت عليها فطلقتها بالثلاثة، غضبت علي فلانة فحرمت عليه، وما أشبه ذلك، فأنت لا تغضب. لا تغضب، فإن الغضب لا شك أنه يؤثر على الإنسان حتى يتصرف تصرف المجانين.
ولهذا قال بعض العلماء: إن الإنسان إذا غضب غضبًا شديدًا حتى لا يدري ما يقول؛ فإنه لا عبرة بقوله، ولا أثر لقوله؛ إن كان طلاقًا فإن امرأته لا تطلق، وإن كان دعاءً فإنه لا يستجاب؛ لأنه يتكلم بدون عقل وبدون تصور. نسأل الله لنا ولكم العافية والسلامة.
[ ٣ / ٥٩٣ ]
٩/٦٤٠- وعن أبي يعلى شداد بن أوسٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيءٍ، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدُكم شفرته، وليرح ذبيحتهُ» رواه مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف النووي -رحمه الله تعالى- في كتابه رياض الصالحين في باب الحِلم والرفق والأناة في سياق الأحاديث الواردة في ذلك، نقل عن شداد بن أوس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» .
كتبه على كل شي: يعني في كل شيء كتب الإحسان في كل شيء، يعني أن الله ﷿ شرع الإحسان في كل شيء، حتى في القتل، وحتى في الذبح، وفي غير ذلك من الأمور. عليك أن تكون محسنًا لما تقوم به.
«فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» . وذلك لأن إزهاق النفوس يكون بالقتل أحيانًا، وبالذبح أحيانًا.
فالذبح والنحر يكون فيما يحل أي: فيما يؤكل، ويكون النحر للإبل، والذبح فيما سواها، والنحر يكون في أسفل الرقبة مما يلي الصدر، والذبح يكون في أعلى الرقبة مما يلي الرأس، ولابد في الذبح والنحر من قطع الودجين، وهما العرقان الغليظان اللذان يجري منهما الدم ويتوزع
[ ٣ / ٥٩٤ ]
على بقية البدن؛ لأن النبي ﷺ قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا» "
ولا ينهر الدمَ إلا قطعُ الودجين، فالشرط في حل المذكى أو المنحور أن يقطع الودجان، أما الحلقوم الذي هو مجرى النفس، والمريء الذي هو مجرى الطعام، فقطعهما أكمل في الذبح والنحر، ولكن لي ذلك بشرط.
وأما القتل فيكون فيما لا يحل أكله، فيما أمر بقتله، وفيما أبيح قتله، ومما أمر بقتله الفأر كذلك العقرب، وكذلك الحية، وكذلك الكلب العقور، فتقتل هذه الأشياء، وكذلك كل مؤذٍ فإنه يقتل.
وعند العلماء قاعدة تقول: ما آذى طبعًا قتل شرعًا، يعني ما كان طبيعته الأذى فإنه يقتل شرعًا، وما لم يؤذ طبعًا ولكن صار منه أذية فلك قتله، لكن هذا الأخير مقيد، فلو آذاك النمل في البيت، وصار يحفر البيت ويفسده فلك قتله وإن كان منهيًا عنه في الأصل، لكن إذا آذاك فلك قتله، وكذلك غيره مما لا يؤذي طبعًا ولكن تعرض منه الأذية فاقتله إذا لم يندفع إلا بالقتل. فمثلًا إذا أردت أن تقتل فأرة وقتلها مستحب فأحسن القتلة، أقتلها بما يزهق روحها حالًا، ولا تؤذها، ومن أذيتها ما يفعله بعض الناس حيث
[ ٣ / ٥٩٥ ]
يضع لها شيئًا شيئًا لاصقًا تلتصق به، ثم يدعها تموت جوعًا وعطشًا، وهذا لا يجوز، فإذا وضعت هذا اللاصق؛ فلابد أن تكرر مراجعته ومراقبته، حتى إذا وجدت شيئًا لاصقًا قتلته.
أما أن تترك هذا اللاصق يومين أو ثلاثة وتقع فيه الفارة وتموت عطشًا أو جوعًا، فإنه يخشى عليك أن تدخل النار بذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «دخلت النارَ امرأةٌ في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض» .
المهم أن ما يشرع قتله فاقتله بأقرب ما يكون من إهلاكه وإتلافه، ومن ذلك الوزغ الذي يسمى السام الأبرص، ويسمى البرصي أيضًا، اقتله واحرص على أن تقتله بأن يموت في أول مرة، فهو أفضل وأعظم أجرًا وأيسر له، وكذلك بقية الأشياء التي تقتل.
ومن ذلك من يقتل قصاصًا، لكن الذي يقتل قصاصًا فإنه يفعل به كما فعل في المقتول، ودليل ذلك أن النبي ﷺ رفع إليه قضية امرأة أتاها يهودي، وكان معها حلي، فقتلها وأخذ الحلي، لكن كيف قتلها، وضع رأسها على حجر وقتلها بالحجر الثاني، فرض رأسها بين حجرين. فأُتي إليها وفيها رمق من حياة، فقيل لها من قتلك؟ فلان، فلان، فلان، حتى ذكروا اليهودي فأشارت برأسها أن نعم، فأخذوا اليهودي
[ ٣ / ٥٩٦ ]
فاعترف، فأمر النبي ﷺ أن يرضّ رأسه بين حجرين، فوُضع رأسه على حجر ثم ضرب بالحجر الثاني حتى مات؛ لأن هذا قصاص، والله ﷿ يقول: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) (البقرة: ١٩٤) .
لكن لو وجب قتله بالحرابة، يعني أنه صار يقطع الطريق على الناس، يأخذ الأموال، ويقتل الناس، فهذا يقتل، لكن يقتل بالسيف إلا إذا كان قد مثل بمن قتله فيمثل به حسب ما فعل، يفعل به كما فعل.
فإن قال قائل: ما تقولون في الرجل إذا زنا وهو محصن فإنه يرجم بالحصى، أي بالحجر الصغير حتى يموت، وهذا يؤلمه ويؤذيه قبل أن يموت فهل يعارض ذلك هذا الحديث؟
فالجواب لا. لا يعارضه؛ لأنه يحمل على أحد أمرين:
الأول: إما أن يراد بإحسان القتلة ما وافق الشرع، وحينئذٍ يكون الرجم من إحسان القتلة؛ لأنه موافق للشرع.
والثاني: إما أن يُقال هذا مستثنى دلت عليه السنة؛ بل دل عليه القرآن الذي نسخ لفظه وبقي حكمه، ودل عليه صريح السنة.
فالزاني المحصن الذي تزوج وجامع زوجته، إذا زنا والعياذ بالله فإنه يؤتى به، وتؤخذ حجارة صغيرة أقل من البيضة ومثل التمرة تقريبًا أو أكبر قليلًا يضرب ويرجم حتى يموت، ويتقى المَقاتل يعني لا يضرب في موضع يموت به سريعًا؛ بل يضرب علي ظهره وبطنه وما أشبه ذلك حتى يموت؛ لأن هذا هو الواجب.
والحكمة من هذا أن البدن الذي تلذذ بالشهوة المحرمة، عمَّت
[ ٣ / ٥٩٧ ]
الشهوة جميع بدنه، فمن الحكمة أن تعم العقوبة جميع بدنه، وهذا من حكمة الله ﷿.
ثم قال النبي ﷺ: «وليحد أحدكم شفرته»، اللام هنا للأمر، ويحد: يعني يجعلها حديدة سريعة القطع، والشفرة السكين.
يعني إذا أردت أن تذبح فاذبح بسكين مشحوذة أي مسنونة، بحيث يكون ذلك أقرب إلى القطع بدون ألم.
«وليرح ذبيحته» هذا أمر زائد على شحذ الشفرة، وذلك بأن يقطع بقوة، يضع السكين على الرقبة ثم يجرها بقوة، حتى يكون ذلك أسرع من كونه يجرها مرتين أو ثلاث، وبعض الناس يوفقه الله من مرة واحدة حتى يقطع الودجين والحلقوم والمريء؛ لأنه يأخذ السكين بقوة، وتكون السكين جيدة مشحوذة، فليسهل على الذبيحة أو المنحورة الموت.
ومن إراحة الذبيحة أن تضع رجلك على رقبتها، وتمسك الرأس باليد اليسرى وتذبح باليمنى، وحينئذٍ تكون مضجعة على الجنب الأيسر، ودع القوائم اليدين والرجلين وخلِّها تتحرك بسهولة؛ لأنك إذا أمسكت بها فإن هذا ضغط عليها، وإذا تركتها تتحرك بيدها ورجليها كان هذا أيسر لها، وفيه أيضًا فائدة وهي تفريغ الدم بهذه الحركة؛ لأنه مع الحركة والاضطراب يتفرغ الدم أكثر، وكلما تفرغ فهو أحسن.
وأما ما يفعله بعض العامة من أنه يأخذ بيدها اليسرى ويلويها على عنقها، ثم يبرك على قوائمها الثلاث رجل ويمسك بها حتى لا تتحرك أبدًا؛ فهذا خلاف السنة، السنة أنك تضع الرجل على الرقبة ثم تدع القوائم
[ ٣ / ٥٩٨ ]
تتحرك؛ لأن ذلك أيسر لها وأشد فراغًا أو تفريغًا للدم.
فالشاهد من هذا الحديث قوله ﷺ: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة» فإن هذا من الرفق.
ولننتبه إذا قتل الإنسان بحدٍّ، يعني قتل وهو زانٍ أو قتل قصاصًا، فإنه يصلى عليه، ويدعى له بالرحمة والعفو مثل سائر المسلمين، لعل الله أن يعفو عنه ويرحمه.
أما من قُتل كافرًا مرتدًّا فإنه لا يدعى له بالرحمة، ولا يغسل. مثل أن يقتل إنسان لا يصلى، فإنه يقتل مرتدًا كافرًا، هذا لا يغسل ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن مع المسلمين، ولا يدعى له بالرحمة، ومن دعا له بالرحمة فإنه آثم متبع غير سبيل المؤمنين؛ لقول الله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) (التوبة: ١١٣) .
[ ٣ / ٥٩٩ ]