قال الله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠) وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: ٧)
وفي الباب أحاديث منها.
١/٦٤٩- وعن أبي مسعودٍ عُقبة بن عمرو البدري ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لأتأخرُ عن صلاة الصبح من أجل فلان مما يطيل بنا! فما رأيت النبي ﷺ غضب في موعظة قط أشد مما غضب يومئذ؛ فقال: «يا أيها الناس: إن منك منفرين، فأيكم أم الناس فليتجوز؛ فإن من ورائه الكبير والصغير وذا الحاجة» متفق عليه.
[الشَّرْحُ]
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى في كتابه رياض الصالحين، باب الغضب إذا انتهكت حرمات الشرع، والانتصار لدين الله.
والغضب له عدة أسباب؛ منها أن ينتصر الإنسان لنفسه؛ يفعل أحدٌ معه ما يغضبه فيغضب لينتصر لنفسه، وهذا الغضب منهيٌّ عنه؛ لأن رجلًا سأل النبي ﷺ قال له: أوصني، قال: «لا تغضب» فردد مرارًا يقول:
[ ٣ / ٦١٥ ]
أوصني، وهو يقول: «لا تغضب» .
والثاني من أساب الغضب: الغضب لله ﷿، بأن يرى الإنسان شخصًا ينتهك حرمات الله فيغضب غيرة لدين الله، وحمية لدين الله، فإن هذا محمود ويُثاب الإنسان عليه؛ لأن الرسول ﷺ كان هذا من سنته، ولأنه داخل في قوله تعالى: (وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ) (الحج: ٣٠)، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: ٣٢)، فتعظيم شعائر الله وتعظيم حرمات الله أن يجدها الإنسان عظيمة، وأن يجد امتهانها عظيمًا فيغضب ويثأر لذلك، حتى يفعل ما أُمر به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك.
ثم ذكر المؤلف آية ثانية، وهي قوله تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد: ٧)، والمراد بنصر الله نصر دينه، فإن الله ﷾ بنفسه لا يحتاج إلى نصر، هو غني عمن سواه، لكن النصر هنا نصر دين الله، بحماية الدين، والذب عنه، والغيظ عند انتهاكه، وغير ذلك من أسباب نصر الشريعة.
ومن هذا الجهاد في سبيل الله القتال؛ لتكون كلمة الله هي العليا، هذا من نصر الله، وقد وعد الله ﷾ من ينصره بهذين الأمرين: (يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) ينصركم على من عاداكم، ويثبت أقدامكم على دينه حتى لا تزالّوا، فتأمل الآن إذا نصرنا الله مرة؛ أثابنا مرتين؛ (ينْصُرْكُمْ
[ ٣ / ٦١٦ ]
وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) . ثم قال بعدها: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد: ٨)، يعني أن الكافرين أمام المؤمنين الذين ينصرون الله لهم التعس، وهو الخسران والذل والهوان، وأضل أعمالهم يعني يكون تدبيرهم تدميرًا عليهم، وتكون أعمالهم ضالة لا تنفعه ولا ينتفعون بها.
ثم ذكر حديث عقبة بن عمرو البدري ﵁، أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ قال: إني لأتأخر عن صلاة الصبح- الفجر- من أجل فلان مما يطيل بنا، وكان هذا الإمام يطيل بهم إطالة أكثر من السنة، فغضب النبي ﷺ يقول: فما رأيته غضب في موعظةٍ قط أشد مما غضب يومئذٍ.
وقال" «يا أيها الناس إن منكم منفرين فأيكم أمَّ الناس فليتجوز» منفرين: يعني ينفرون الناس عن دين الله، وهذا الرجل لم يقل للناس لا تصلوا صلاة الفجر، لكنه نفرهم بفعله؛ بالتطويل الذي هو خارجٌ عن السنة، فنفر الناس، وفي هذا إشارة إلى أن كلَّ شيء ينفر الناس عن دينهم- ولو لم يتكلم الإنسان بالتنفير؛ فإنه يدخل في التنفير عن دين الله.
ولهذا كان الرسول ﷺ يداري في الأمور الشرعية، فيترك ما هو حسن لدرء ما هو أشد منه فتنة وضررًا، فإنه ﷺ هم أن يبني الكعبة على قواعد إبراهيم، ولكن خاف من الفتنة فترك ذلك، وكان يصوم في السفر فإذا رأى أصحابه صائمين- وقد شق عليهم الصوم- أفطر ليسهل عليهم.
فكون الإنسان يحرص على أن يقبل الناس دين الله بطمأنينة ورضى وإقبال بدون محذور شرعي؛ فإن هذا هو الذي كان من هدي الرسول ﷺ.
[ ٣ / ٦١٧ ]
والشاهد من هذا الحديث غضب النبي ﷺ من هذا الفعل الذي فعله هذا الإمام، وفيه أيضًا إشارة إلى أن النبي ﷺ كان يغضب عند الموعظة لانتهاك حرمات الله، وقد قال جابر ﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب يوم الجمعة؛ احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم.
ثم قال ﷺ: «فأيكم أم الناس فليتجوز» يعني فليخفف الصلاة، على حسب ما جاءت به السنة.
«فأن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة» أي في المأمومين ضعيف البينة، وضعيف القوة، وفيهم مريض، وفيهم ذو حاجة؛ قد وعد أحدًا يذهب إليه، أو ينتظر أحدًا، أو ما أشبه ذلك، فلا يجوز للإمام أن يثقل بالناس أكثر مما جاءت به السنة.
وأما صلاته بالناس بحسب ما جاءت به السنة فليفعل، غضب من غضب، ورضي من رضي، والذي لا ترضيه السنة فلا أرضاه الله، السنة تتبع ولكن ما زاد عليها فلا.
والأئمة في هذه الحال، أو في هذه المسألة ينقسمون إلى ثلاثة أٌقسام:
قسم مُفرّط، يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، وهذا مخطئ، وآثم ولم يؤد الأمانة التي عليه.
وقسم مُفرِط إي زائد، يثقل بالناس وكأنه يصلي لنفسه، فتجده يثقل
[ ٣ / ٦١٨ ]
بالقراءة، والركوع، والسجود، والقيام بعد الركوع، والجلوس بين السجدتين، وهذا أيضًا مخطئ ظالمٌ لنفسه.
والثالث: يصلي بهم كصلاة النبي ﷺ، فهذا خير الأقسام، وهو الذي قام بالأمانة على الوجه الأكمل، والله الموفق.
* * *
٢/٦٥٠- وعن عائشة ﵂ قالت: قدم رسول الله ﷺ من سفرٍ وقد سترتُ سهوة لي بقرامٍ فيه تماثيلُ، فلما رآهُ رسولُ الله ﷺ هتكه وتلون وجهه وقال: «يا عائشةُ: أشدُّ الناس عذابًا «السهوةُ»: كالصُّفة تكون بين يدي البيت. و«القِرام» بكسر القاف: ستر رقيق، و«هتكه» أفسد الصورة التي فيه.
٣/٦٥١- وعنها ﵂ أن قريشًا أهمهم شأنُ المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: من يجترئ عليه إلا أسامةُ بن زيد حب رسول الله ﷺ؟ فكلمه أسامةُ؛ فقال رسول الله ﷺ: أتشفع في حد من حُدودِ الله تعالى؟! " ثم قام فاختطب ثم قال: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهمُ الشريف تركوهُ، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد! وايم الله، لو أن فاطمة بنت مُحمدٍ سرقت لقطعتُ يدها» متفقٌ عليه.
[ ٣ / ٦١٩ ]
[الشَّرْحُ]
نقل المؤلف النووي - ﵀- في كتابه رياض الصالحين في باب الغضب إذا انتهك شرع الله- وسبق لنا الكلام على الآيات التي صدر بها المؤلف هذا الباب، وأما الأحاديث فمنها حديث عائشة ﵂؛ والأول أن النبي ﷺ قدم من سفر فوجدها قد سترت سهوةً لها بقرامٍ فيه تماثيل، يعني فيه صورة، فهتكه النبي ﷺ، وأخبر «أن أشد الناس عذابًا الذين يضاهون بخلق الله» يعني المصورين، فهم أشد الناس عذابًا، لأنهم أرادوا أن يضاهوا الله ﷾ في خلقه، وفي تصويره.
وكانوا فيما سبق يصورون باليد؛ لأنه ليس عندهم آلات وأجهزة تلتقط الصور بدون عمل يدوي، فكانوا يخططون بأيديهم، فيأتي الحاذق منهم ويصور صورة بيده على أنها كالذي صوره ويتقنها لتشابه صورة الله، ليُقال: ما أشد مهارة هذا الرجل، وما أعرفه، كيف استطاع أن يقلد خلق الله ﷿؟
فهم يريدون بذلك أن يشاركون الله ﷾ في تصويره، وهو ﷾ لا شريك له: (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) (آل عمران: ٦)، (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (غافر: ٦٤) .
فهتكه: يعني مزقه ﵊.
[ ٣ / ٦٢٠ ]
وفي هذا دليلٌ على مشروعية تمزيق الصور التي تصور باليد؛ لأنه يضاهي بها خلق الله ﷿، وإقرار المنكر كفعل المنكر، وفيه العضب إلذا انتهكت حرمات الله ﷿؛ لأن النبي ﷺ غضب وهتكه.
وأما في الحديث الثاني عن عائشة ﵂ في قصة المخزومية وهي امرأة من بني مخزوم كانت تستعير المتاع فتجحده، يعني تأتي للناس تقول: أعرني قدرًا، أعرني إناءً، أعرني كذا، فإذا أعاروها جحدت وقالت: لم آخذ منكم شيئًا، فأمر النبي ﷺ أن تقطع يدها؛ لأن هذا نوع من السرقة.
وكانت هذه المرأة من بني مخزوم، من قبيلة من أشرف قبائل العرب ذات الأهمية والشأن، فأهم قريشًا شأنُها، وقالوا كيف تُقطع يد مخزومية، ثم طلبوا شفيعًا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: أسامة بن زيد حِب رسول الله ﷺ. حِبّه يعني محبوبه، يعني أنه يحبه.
وأسامة هو ابن زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان عبدًا وهبته خديجة للنبي ﷺ فأعتقه، وأسامة أبنه، وكان النبي ﷺ يحبهما، وقالوا: ليس إلا أسامة بن زيد، فتقدم أسامة بن زيد ﵁ إلى النبي ﷺ ليشفع، فأنكر عليه وقال: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟» .
ثم قام فأختطب، فخطب الناس وقال لهم ﵊: «إنما أهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله- يعني أقسم بالله - لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» .
[ ٣ / ٦٢١ ]
والشاهد من هذا أن الرسول ﵊ غضب لشفاعة أسامة بن زيد في حدّ من حدود الله. فالغضب لله ﷿ محمود، وأما الغضب للانتقام وحظ النفس فإنه مذموم، وقد نهى عنه النبي ﷺ حين طلب أحد الصحابة أن يوصيه، فقال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب»، قال: أوصني، قال: «لا تغضب"» فالفرق بين الغضبين ظاهر.
الغضب لله ولشرائع الله محمود، وهو من هدي الرسول ﷺ، ودليل على غيرة الإنسان وعلى محبته لإقامة شريعة الله، أما الغضب للنفس فينبغي للإنسان أن يكتمه وأن يحلم، وإذا أصابه الغضب فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كان قائمًا فليجلس، وإن كان جالسًا فليضطجع كل هذا مما يخفف عنه الغضب والله الموفق.
* * *
٤/٦٥٢- وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى نُخامة في القبلة، فشق ذلك عليه حتى رُئي في وجهه، فقام فحكه بيده فقال: «إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنهُ يناجي ربهُ، وإن ربه بينهُ وبين القبلةِ فلا يبزقن أحدكم قبل القبلة، ولكن عن يساره، أو تحت قدمه، ثُم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضهُ على بعضٍ فقال: «أو يفعل هكذا» متفقٌ عليه.
[ ٣ / ٦٢٢ ]
والأمرُ بالبُصاقِ عن يساره أو تحت قدمه هو فيما إذا كان في غير المسجد، فأما في المسجد فلا يبصقُ إلا في ثوبه.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث الذي ذكره النووي ﵀ في رياض الصالحين في باب الغضب إذا انتهك شرع الله ﷿، أن الرسول ﷺ رأى نخامة في القبلة، أي: في قبلة المسجد، فغضب ﵊ وحكها بيده وقال: «إن أحدكم يناجي ربه» يعني إذا كان يصلي فإنه يناجي الله يعني يخاطبه، والله ﷿ يرد عليه.
فقد ثبت في الصحيح أن العبد إذا قال: الحمد لله رب العالمين، أجابه الله فقال: «حمدني عبدي»، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال: «أثنى على عبدي»، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: «مجدني عبدي» وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين"، فإذا قال: أهدنا الصراط المستقيم، قال: «هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» .
فأنت تناجي الله ﷿ بكلامه، وتدعوه ﷾، وتسبحه؟، وتمجده، وتعظمه. فهو ﷾ أمامك بينك وبين القبلة، وإن كان ﷾ في السماء فوق عرشه، فإنه أمامك؛ لأنه محيط بكل شيء و(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى: ١١) .
[ ٣ / ٦٢٣ ]
ثم إن النبي ﷺ لما ذكر منع التنخم أمام القبلة يعني في قبلة الإنسان ذكر الشيء المباح؛ لأن هذا هو الهدي، وهذه هي الحكمة، أنك إذا ذكرت للناس ما هو ممنوع أن تذكر لهم ما هو جائز حتى لا تسد الأبواب عليهم. فأمر الإنسان أن يبصق عن يساره، أو تحت قدمه، أو في ثوبه ويحك بعضه ببعض؛ ثلاثة أمور: إما تحت قدمه يبصق ويطؤ عليها، وإما عن يساره، وهذا والذي قلبه متعذر إذا كان الإنسان في المسجد؛ لأنه يلوثه، وقد قال النبي ﷺ: «البصاقُ في المسجد خطيئة"»، وإما في ثوبه، فيبصق في ثوبه ويحك بعضه ببعض.
وفي هذا الحديث دليلٌ على أن النخامة ليست نجسة؛ لأن النبي ﷺ أمر أن يبصق المصلي تحت قدمه أو في ثوبه، ولو كانت نجسة ما أذن له أن يبصق في ثوبه، وفيه التعليم بالفعل؛ لقول النبي ﷺ: ِ «أو يقول هكذا، وبصق في ثوبه وحك بعضه ببعض» وفيه أيضًا إطلاق القول على الفعل في قوله: «أو يقول هكذا» وهو يريد الفعل.
وفيه أيضًا: أن الإنسان لا حرج عليه أن يبصق أمام الناس، ولا سيما إذا كان للتعليم.
وفيه أن من المروءة ألاَّ يرى في ثوبك شيء يستقذره الناس- لأنه حكَّ بعضها ببعض- لئلا تبقى صورتها في ثوبك فإذا رآها الناس تأذوا منه
[ ٣ / ٦٢٤ ]
وكرهوه. فالإنسان ينبغي أن يكون نظيفًا في مظهره وفي ثيابه وفي غير ثيابه، حتى لا يتقزر الناس مما يشاهدونه منه.
والشاهد من هذا أن الرسول ﷺ تأثر وعُرف في وجهه الكراهية لما رأى النخامة في قبلة المسجد، والله الموفق.
[ ٣ / ٦٢٥ ]