قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) (النساء: ٥٩) .
١/٦٦٣- وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصيةٍ فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» متفقٌ عليه.
٢/٦٦٤- وعنه ﵁ قال: كنا إذا بايعنا رسول الله ﷺ على السمعِ والطاعةِ يقول لنا: «فيما استطعتم» متفقٌ عليه.
٣/٦٦٥- وعنه ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعةٍ؛ لقي الله يوم القيامة ولا حُجة لهُ، ومن مات وليس في عُنقه بيعةٌ مات ميتة جاهلية» رواه مسلم.
وفي رواية له: «ومن مات وهو مفارقٌ للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية» «الميتة» بكسر الميم.
[ ٣ / ٦٥٠ ]
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتاب رياض الصالحين: باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية وتحريم طاعتهم في معصية الله
ثم استدل لذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) .
ولاة الأمور، ذكر أهل العلم أنهم قسمان: العلماء والأمراء.
أما العلماء فهم ولاة أمور المسلمين في بيان الشرع، وتعليم الشرع، وهداية الخلق إلى الحق، فهم ولاة أمور في هذا الجانب، وأما الأمراء فهم ولاة الأمور في ضبط الأمن وحماية الشريعة وإلزام الناس بها، فصار لهم وجهة لهؤلاء وجهة.
والأصل: العلماء؛ لأن العلماء هم الذين يبينون الشرع ويقولون للأمراء هذا شرع الله فاعملوا به، ويلزمُ الأمراءُ بذلك، لكن الأمراء إذا علموا الشرع ولا طريق لهم إلى علم الشرع إلا عن طريق العلماء؛ نفذوه على الخلق.
والعلماء يؤثرون على من في قلبه إيمان ودين؛ لأن الذي في قلبه إيمان ودين ينصاع للعلماء ويأخذ بتوجيهاتهم وأمرهم.
والأمراء ينصاع لهم من خاف من سطوتهم وكان عنده ضعف إيمان، يخاف من الأمير أكثر مما يخاف من العالم، أو يخاف بعضهم أكثر مما يخاف من الله والعياذ بالله.
فلذلك كان لابد للأمة الإسلامية من علماء وأمراء، وكان واجبًا على
[ ٣ / ٦٥١ ]
الأمة الإسلامية أن يطيعوا العلماء وأن يطيعوا الأمراء، ولكن طاعة هؤلاء وهؤلاء تابعة لطاعة الله؛ لقوله تعالى:: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل أطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن طاعة ولاة الأمر تابعة لا مستقلة، أما طاعة الله ورسوله فيهي مستقلة، ولهذا أعاد فيها الفعل فقال: أطيعوا وأطيعوا، أما طاعة ولاة الأمور فإنها تابعة ليست مستقلة.
وعلى هذا فإذا أمر ولاة الأمور بمعصية الله؛ فإنه لا سمع لهم ولا طاعة؛ لأن ولاة الأمور فوقهم ولي الأمر الأعلى جل وعلا وهو الله، فإذا أمروا بمخالفته فلا سمع لهم ولا طاعة
أما الأحاديث التي ذكرها المؤلف ﵀؛ فمنها حديث عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .
قوله «على المرء» هذه كلمة تدل على الوجوب، وأنه يجب على المرء المسلم بمقتضى إسلامه أن يسمع ويطيع لولاة الأمور فيما أحب وفيما كره، حتى لو أمر بشيء يكرهه؛ فإنه يجب عليه أن يقوم به ولو كان يرى خلافه، ولو كان يكره أن ينفذه. فالواجب عليه أن ينفذ، إلا إذا أمر بمعصية الله، فإذا أمر بمعصية الله فطاعة الله تعالى فوق كل طاعة، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وفي هذا دليلٌ على بطلان مسلك من يقول: لا نطيع ولاة الأمور إلا فيما أمرنا الله به، يعني إذا أمرونا أن نصلي صلينا، إذا أمرونا أن نزكي
[ ٣ / ٦٥٢ ]
زكينا. أما إذا أمرونا بشيء ليس فيه أمر شرعي؛ فإنه لا يجب علينا طاعتهم؛ لأننا لو وجبت علينا طاعتهم لكانوا مشرعين، فإن هذه نظرة باطلة مخالفة للقرآن والسنة؛ لأننا لو قلنا: إننا لا نطيعهم إلا فيما أمرنا الله به لم يكن بينهم وبين غيرهم فرق، كل إنسان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر فإنه يطاع.
ثم نقول: بل نحن قد أمرنا بطاعتهم فيما لم يأمرنا الله ﷿؛ إذا لم يكن ذلك منهيًا عنه أو محرمًا، فإننا نطيعهم حتى في التنظيم إذا نظموا شيئًا من الأعمال، يجب علينا أن نطيعهم؛ وذلك أن بطاعتهم يكون امتثال أمر الله ﷿، وامتثال أمر رسول الله ﷺ، وحفظ الأمن، والبعد عن التمرد على ولاة الأمور، وعن التفرق، فإذا قلنا لا نطيعهم إلا في شيء أمرنا به؛ فهذا معناه أنه لا طاعة لهم.
يأتي بعض الأنظمة: مثلًا تنظم فيها الحكومة شيئًا نظامًا لا يخالف الشرع، لكن لم يأتِ به الشرع بعينه، فيأتي بعض الناس ويقول: لا نطيع في هذا، فيقال: بل يجب عليك أن تطيع، فإن عصيت فإنك آثم مستحق لعقوبة الله، ومستحق لعقوبة ولاة الأمور.
وعلى ولاة الأمور أن يعزروا مثل هؤلاء الذين يعصون أوامرهم التي يلزمهم أن يقوموا بها؛ لأنهم إذا عصوا أوامر ولاة الأمور - وقد أمر الله تعالى بطاعتهم فيها- فهذا معصية لله. وكل إنسان يعص الله فإنه مستحق التعزيز يعني التأديب بما يراه ولي الأمر.
ومن ذلك مثلًا أنظمة المرور؛ أنظمة المرور هذه مما نظمه ولي
[ ٣ / ٦٥٣ ]
الأمر، وليس فيها معصية، فإذا خالفها الإنسان فهو عاصٍ وآثم، مثلًا السير على اليسار، والسير على اليمين، والسير في الاتجاه الفلاني، وفي السير يجب أن يقف إذا كانت الإشارة حمراء وما أشبه ذلك، كل هذا يجب أن ينفذ وجوبًا، فمثلًا إذا كانت الإشارة حمراء؛ وجب عليك الوقوف. لا تقل: ما أمرنا اله بذلك، ولاة الأمور نظموا لك هذا التنظيم وقالوا التزم به، فإذا تجاوزت فإنك عاص آثم؛ لأنك قلت لربك لا سمع ولا طاعة والعياذ بالله.
فإن الله يقول:: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) كذلك أيضًا في التقاطع، معروف أن الذي في الخط العام هو الذي له الحق أن يتجاوز، إذا كنت أنت في خط فرعي ووجدت إنسانًا مقبلًا من الخط العام فلا تتجاوز؛ لأن النظام يقتضي منع ذلك.
وهكذا أيضًا الأنظمة في الإمارة، والأنظمة في القضاء، وكل الأنظمة التي لا تخالف الشرع؛ فإنه يجب علينا أن نطيع ولاة الأمور فيها، وإلا أصبحت المسألة فوضى، وكل إنسان له رأي، وكل إنسان يحكم بما يريد، وأصبح ولاة الأمور لا قيمة لهم، بل هم أمراء بلا أمر، وقضاة بلا قضاء.
فالواجب على الإنسان أن يمتثل لأمر ولاة الأمور إلا فيما كان فيه معصية الله. فلو قالوا لنا مثلًا: لا تخرجوا إلى المساجد لا تصلوا الجمعة، لا تصلوا الجمعة والجماعة، قلنا لهم: لا سمع ولا طاعة. ولو قالوا: اظلموا الناس في شيء قلنا: لا سمع ولا طاعة. كل شيء أمر الله به أو
[ ٣ / ٦٥٤ ]
نهى عنه فإنه لا سمع ولا طاعة لهم فيه أبدًا.
كذلك لو قالوا مثلًا: احلقوا اللحى- مثل بعض الدول يأمرون رعيهتم بحلق اللحى ولا سيما جنودهم الذين عندهم- لو قالوا: احلقوا اللحى قلنا: لا سمع لكم ولا طاعة. وهم آثمون في قولهم لجنودهم مثلًا: احلقوا اللحى، وهم بذلك آثمون مضادون لله ورسوله، منابذون لله ورسوله.
كذلك لو قالوا مثلًا: انزلوا ثيابكم إلى أسفل من الكعبين، فإننا نقول: لا، لا سمع ولا طاعة؛ لأن هذا مما حرمه الله وتوعد عليه، فإذا أمرتمونا بمعصية فإننا لا نسمع لكم ولا نطيع؛ لأن لنا ولكم ربا حكمه فوق حكمنا وحكمكم.
إذًاَ أوامر ولاة الأمور تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يأمروا بما أمر الله به، فهنا تجب طاعتهم لوجهين:
الوجه الأول: أنه مما أمر الله به.
والوجه الثاني: أنه مما أمروا به كغيرهم من الناس؛ إذا أمرك شخص بالمعروف وهو واجب، فالواجب عليك أن تقوم به.
الثاني: أن يأمروا بمعصية الله، فهنا لا سمع لهم ولا طاعة مهما كان، وأنت إذا نالك عذاب منهم بسبب هذا فسيُعاقبون عليهم هم يوم القيامة.
الوجه الأول: لحق الله؛ لأن أمرهم بمعصية الله منابذة لله ﷿ لوجهين.
الوجه الثاني: لحقك أنت؛ لأنهم اعتدوا عليك، وأنت وهم كلكم
[ ٣ / ٦٥٥ ]
عبيد الله، ولا يحل لكم أن تعصوا الله.
الثالث: إذا أمروا بشيء ليس فيه أمر ولا نهي، فيجب عليك أن تطيعهم وجوبًا، فإن لم تفعل فأنت آثم، ولهم الحق أن يعزروك وأن يؤدبوك بما يرون من تعزير وتأديب؛ لأنك خالفت أمر الله في طاعتهم، ولهذا قال النبي ﵊ «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» .
ثم أشد من ذلك من لا يعتقد للإمام بيعة؛ من يقول: أنا ما بايعت الإمام، ولا له بيعة علىّ؛ لأن مضمون هذا الكلام أنه لا سمع له ولا طاعة له ولا ولاية، وهذا أيضًا من الأمر المنكر العظيم؛ فإن الرسول ﵊ أخبر أن من مات من غير بيعة وليس له إمام؛ فإنه يموت ميتة جاهلية، يعني ليست ميتة إسلامية؛ بل ميتة أهل الجهل والعياذ بالله، وسيجد جزاءه عند الله ﷿.
فالواجب أن يعتقد الإنسان أن له إمامًا، وأن له أميرًا يدين له بالطاعة في غير معصية الله، فإذا قال مثلًا: أنا لن أبايع، قلنا: البيعة لا تكون في رعاع الناس وعوام الناس، إنما تكون لأهل الحل والعقد.
ولهذا نقول: هل بايع كل الناس أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا؟ هل بايعهم كل الناس حتى الأطفال والعجوز والمرأة في خدرها؟ أبدًا لم يبايعوهم. ولم يأت أهل مكة يبايعون أبا بكر، ولا أهل الطائف ولا غيرهم، إنما بايعه أهل الحل والعقد في المدينة، وتمت البيعة بذلك.
وليست البيعة لازمة لكل واحد من الناس أن يجيء يبايع، ولا يمكن
[ ٣ / ٦٥٦ ]
لعوام الناس، ورعاع الناس تابعون لأهل الحل والعقد، فإذا تمت البيعة من أهل الحل والعقد؛ صار المُبايع إمامًا، وصار ولي أمر تجب طاعته في غير معصية الله، فمن مات وهو يعتقد أنه ليس له ولي أمر، وأنه ليست له بيعة، فإنه يموت ميتة جاهلية. نسأل الله العافية والحماية، والله الموفق.
٤/٦٦٦- وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «اسمعوا واطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كان رأسه زبيبة» رواه البخاري.
٥/٦٦٧- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «عليك السمع والطاعةُ في عسرِك ويُسرك ومنشطك ومكرهك وأثرهٍ عليك» رواهُ مسلم.
[الشَّرْحُ]
قال المؤلف رحمه الله تعالى في سياق الأحاديث الواردة في وجوب طاعة ولاة الأمور.
قال فيما نقله عن أنس بن مالك رضي اله عنه أن النبي ﷺ قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استُعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» .
اسمعوا وأطيعوا: يعني الزموا السمع والطاعة، السمع لمن؟ لولاة الأمور، حتى لو استعمل عليكم عبدٌ حبشٌّي.
والنبي ﷺ هنا يخاطب العرب يقول: ولو استعمل عليكم عبد
[ ٣ / ٦٥٧ ]
حبشي غيرعربي؛ عبد حبشي أصلًا وفرعًا وخلقة، كأن رأسه زبيبة؛ لأن شعر الحبشة ليس كشعر العرب؛ فالحبشة يكون في رؤوسهم حلق كأنها الزبيب، وهذا من باب المبالغة في كون هذا العامل عبدًا حبشيًا أصلًا وفرعًا، هذا يشمل قوله: «وإن استُعمل» فيشمل الأمير الذي هو أمير السلطان، وكذلك السلطان.
فلو فُرض أن سلطانًا غلب الناس واستولى وسيطر وليس من العرب؛ بل كان عبدًا حبشيًا فإن علينا أن نسمع ونطيع؛ لأن العلة واحدة وهي أنه إن لم نسمع ونطع حصلت الفوضى، وزال النظام، وزال الأمن، وحل الخوف. فالمهم أن علينا أن نسمع ونطيع لولاة أمورنا إلا إذا أمروا بمعصية.
وكذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرةٍ عليك» السمع والطاعة لولاة الأمور في المنشط والمكره في المنشط: يعني في الأمر الذي إذا أمرك به نشطت عليه، لأنه يوافق هواك، وفي المكره: في الأمر الذي أمروك به لم تكن نشيطًا فيه؟؛ لأنك تكرهه، اسمع في هذا وهذا، وفي العسر واليسر، حتى إن كنت غنيًا فأمروك فاسمع ولا تستكبر لأنك غني، وإذا كنت فقيرًا فاسمع ولا تقل لا أسمع وهم أغنياء وأنا فقير.
اسمع وأطع في أي حال من الأحوال، حتى في الأثرة؛ يعني إذا استأثر ولاة الأمور على الشعب، فعليهم أيضًا السمع والطاعة في غير معصية الله ﷿.
[ ٣ / ٦٥٨ ]
فلو أن ولاة الأمور سكنوا القصور الفخمة، ركبوا السيارات المريحة، ولبسوا أحسن الثياب، وتزوجوا وصار عندهم الإماء، وتنعموا في الدنيا أكبر تنعم، والناس سواهم في بؤس وشقاء وجوع، فعليهم السمع والطاعة؛ لأننا لنا شيء والولاة لهم شيء آخر.
فنحن علينا السمع والطاعة، وعلى الولاة النصح لنا، وأن يسيروا بنا على هدي رسول الله ﷺ، لكن لا نقول إذا استأثروا علينا وكانت لهم القصور الفخمة، والسيارات المريحة، والثياب الجميلة، وما أشبه ذلك، لا نقول: والله لا يمكن أن نسمع وهم في قصورهم وسياراتهم ونحن في بؤس وحاجة، والواحد منا لا يجد السكن وما أشبه ذلك. هذا حرامٌ علينا، يجب أن نسمع ونطيع حتى في حال الأثرة.
وقد قال النبي ﵊ لأصحابه للأنصار ﵃: «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض» يقول للأنصار ذلك منذ ألف وأربعمائة سنة: ستلقون بعدي أثرة من ذاك الوقت والولاة يستأثرون على الرعية، ومع هذا يقول: «اصبروا حتى تقلوني على الحوض» . فليس استئثار ولاة الأمور بما يستأثرون به مانعًا من السمع والطاعة لهم، الواجب السمع والطاعة في كل ما أمروا به ما لم يأمروا بمعصية وقد سبق لنا أن ولاة الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
[ ٣ / ٦٥٩ ]
الأول: ما أمر الله به فهذا يجب طاعتهم فيه لوجهين: لأمر الله به، ولأمرهم به.
والثاني: ما حرم الله فلا يجوز السمع والطاعة لهم حتى لو أمروه.
والثالث: ما ليس فيه أمر ولا نهي من الله فتجب علينا طاعتهم فيه؛ لأن الرسول ﷺ لم يمنع من طاعتهم إلا إذا أمروا المعصية.
نسأل الله أن يصلحنا جميعًا رعية ورعاة وأن يهب لنا منه رحمه إنه هو الوهاب.
* * *
٦/٦٦٨- وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ، فنزلنا منزلًا، فمنا من يصلح خباءه، ومنا من ينتضل، ومنا من هو في جشره، إذا نادى منادي رسول الله ﷺ: الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: إنه لم يكن نبيٌ قبلي إلا كان حقًا عليه أن يدل أمتهُ على خير ما يعلمهُ لهم، وينذرهم شر ما يعلمهُ لهم، وإن أمتك هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصبُ آخرها بلاءٌ وأمورُ تنكرونها وتجيءُ فتنٌ يرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنةُ فيقول المؤمن: هذه مهلكتي: ثم تنكشفُ؛ وتجيءُ الفتنةُ فيقول المؤمنُ: هذه هذهِ، فمن أحب أن يزحزح عن النار، ويدخل الجنة، فلتأته منيتُه وهو يؤمن بالله واليوم الأخر وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه.
ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليُطعهُ إن استطاع؛ فإن
[ ٣ / ٦٦٠ ]
جاء آخرُ ينازعه، فاضربوا عنق الآخر» رواهُ مسلم.
قوُله: «ينتضل» أي: يُسابق بالرمي بالنبل والنشاب «والجشر» بفتح الجيم والشين المعجمة وبالراء: وهي الدواب التي ترعى وتبيتُ مكانها. وقوله: «يرقق بعضها بعضا» أي: يُصير بعضها رقيقًا، أي خفيفًا لعظم ما بعدهُ، فالثاني يرققُ الأول، وقيل: معناهُ: يشوق بعضها إلى بعض بتحسينها وتسويلها، وقيل: يشبهُ بعضها بعضًا.
[الشَّرْحُ]
هذا الحديث الذي ذكره المؤلف ﵀ في كتاب رياض الصالحين في باب وجوب طاعة ولاة الأمور. وعن ابن عمرو ﵄ قال كنا مع النبي ﷺ في سفر فنزلنا منزلًا، فنزل الناس فتفرقوا، منهم من كان يصلح خباءه، ومنهم من ينتضلُ، ومنهم من هو في جشرِه. كعادة أن الناس إذا نزلوا وهم سفر كلٌّ يشتغل بما يرى أنه لابد من الاشتغال فيه.
فنادى منادي رسول الله ﷺ يقول: الصلاة جامعة، وهذا النداء يُنادى به لصلاة الكسوف، وينادى به إذا أراد الإمام أو الأمير أن يجتمع بالناس، بدلًا من أن يقول: يا أيها الناس هلمّوا إلى المكان الفلاني، يقول: الصلاة جامعة حتى يجتمع الناس.
فاجتمع الناس؟، فخطبهم النبي ﵊، وأخبرهم أنه ما
[ ٣ / ٦٦١ ]
نبي بعثه الله إلا دلَّ أمته على خير ما يعلمه لهم، وأنذرهم عن شر ما يعلمه لهم؛ كلٌّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كان منهم النصيحة لأقوامهم، يعلمونهم الخير ويدلونهم عليه ويحثونهم عليه، ويبينون الشر ويحذرونهم منه.
وهكذا يجب على أهل العلم وطلبة العلم أن يبينوا للناس الخير ويحثوهم عليه، ويبينوا الشر ويحذروهم منه؛ لأن علماء هذا الأمة ورثة الأنبياء، فإن النبي ﷺ ليس بعده نبي، ختمت النبوة به، فلم يبق إلا العلماء الذي يتلقون شرعه ودينه، فيجب عليهم ما يحب على الأنبياء من بيان الخير والحث عليه ودلالة الناس إليه، وبيان الشر والتحذير منه.
ثم أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة- يعني أمة محمد- جعل الله عافيتها في أولها، يعني أن أول الأمة في عافية ليس فيها فتن، ففي عهد النبي ﵊ لم تكن هناك فتن، وكذلك في عهد أبي بكر وعمر ﵄.
وحين قتل عمر ﵁ قتله غلام المغيرة؛ غلام يُقال له أبو لؤلؤة، وهو مجوسي خبيث، كان في قلبه غل على أمير المؤمنين عمر، فلما تقدم لصلاة الصبح ضربه بخنجر له رأسان، وقيل إنه كان مسمومًا، فضربه حتى قدَّ بطنه ﵁، وحُمل فبقي ثلاثة أيام ثم مات ﵁.
ثم إن هذا الرجل الخبيث هرب، فلحقه الناس فقتل ثلاثة عشر رجلًا؛ لأن الخنجر الذي معه مقبضه في الوسط وله رأسان، فهو يضرب الناس
[ ٣ / ٦٦٢ ]
يمينًا وشمالًا، حتى ألقى عليه أحد الصحابة بساطًا فغمه فقتل نفسه والعياذ بالله.
ومن هذا الوقت بدأت الفتنة ترفع رأسها، وأخبر النبي ﵊ في هذا الحديث أنه تأتي فتن يرقق بعضها بعضًا، أي أن بعضها يجعل ما قبله رقيقًا وسهلًا، لأن الثانية أعظم من الأولى، كل واحدة أعظم من الأخرى فترقق ما قبلها، ولهذا قال: «يرقق بعضها بعضًا» فتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، لأنه يستعظمها عند بداية إتيانها فيقول: من هنا نهلك.
ثم تأتي الأخرى فترقق الأولى وتكون الأولى سهلة بالنسبة إليها، فيقول المؤمن: هذه هذه، يعني هذه التي فيها البلاء كل البلاء، ولكن نسأل الله أن «أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال» .
ثم قال النبي ﵊: " فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر" نسأل الله أن يميتنا وإياكم على ذلك؛ من كان يحب أن يزحزح عن الناس ويدخل الجنة- وكلنا يحب أن يزحزح عن النار ينجو منها ويدخل الجنة- فلتأته منيته وهو يؤمن
[ ٣ / ٦٦٣ ]
بالله واليوم الآخر.
«وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» يعني يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فينصح للناس كما ينصح لنفسه، ويكره للناس ما يكره لنفسه، فيكون هذا قائمًا بحق الله، مؤمنًا بالله واليوم الآخر، وقائمًا بحق الناس، لا يعامل الناس إلا بما يحب أن يعاملوه به، فلا يكذب عليهم، ولا يغشهم، ولا يخدعهم، ولا يحب لهم الشر، يعني يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه به، فإذا جاء يسأل مثلًا هل هذا حرام أم حلال؟ قلنا له: هل تحب أن يعاملك الناس بهذا؟ إذا قال: لا قلنا له: اتركه سواء كان حلالًا أم حرامًا
ما دمت لا تحب أن يعاملك الناس به فلا تعامل الناس به، واجعل هذا ميزانًا بينك وبين الناس في معاملتهم؛ لا تأت الناس إلا ما تحب أن يؤتى إليك؛ فتعاملهم باللطف كما تحب أن يعاملوك باللطف واللين، بحسن الكلام، بحسن المنطق، بالبيان باليسر كما تحب أن يفعلوا بك هذا، هذا الذي يزحزح عن النار ويدخل الجنة. نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم منهم.
* * *
٧/٦٦٩- وعن أبي هنيدة وائل بن حجر ﵁ قال: سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله "، ارأيت إن قامت علينا أمراء يسألونا حقهم، ويمنعونا حقنا، فما تأمرنا؟ فأَعرضَ عنه، ثم سأله، فقال رسول الله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حُملوا، وعليكم ما حملتم» رواهُ
[ ٣ / ٦٦٤ ]
مسلم.
٨/٦٧٠- وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم «إنها ستكون بعدي أثرةٌ، وأمور تنكرونها!» قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: " تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» متفق عليه.
١٠/٦٧٢- وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من كره من أميره شيئًا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرًا مات ميتةً جاهلية» متفقٌ عليه.
[الشَّرْحُ]
هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف في كتابه رياض الصالحين في باب «طاعة ولي الأمر» فيها دليلٌ على أمور:
أولًا: حديث وائل بن حجر أن النبي ﷺ سُئل عن أمراء يسألون حقهم الذي لهم، ويمنعون الحق الذي عليهم؛ سُئل عن هؤلاء الأمراء ماذا نصنع معهم؟، والأمراء هنا يشمل الأمراء الذين هم دون السلطان الأعظم، ويشمل السلطان الأعظم أيضًا لأنه أمير، وما من أمير إلا فوقه أمير حتى
[ ٣ / ٦٦٥ ]
ينتهي الحكم إلى الله ﷿.
سُئل عن هؤلاء الأمراء، أمراء يطلبون حقهم من السمع والطاعة لهم، ومساعدتهم في الجهاد، ومساعدتهم في الأمور التي يحتاجون إلى المساعدة فيها، ولكنهم يمنعون الحق الذي عليهم؛ لا يؤدون إلى الناس حقهم، ويظلمونهم ويستأثرون عليهم، فأعرض النبي ﷺ عنه، كأنه ﵊ كره هذه المسائل، وكره أن يفتح هذا الباب، ولكن أعاد السائل عليه ذلك.
فأمر النبي ﷺ أن نؤدي لهم حقهم، وأن عليهم ما حُملوا وعلينا ما حُملنا، فنحن حُملنا السمع والطاعة، وهم حُمِّلوا أن يحكموا فينا بالعدل وألا يظلموا أحدًا، وأن يقيموا حدود الله على عباده الله، وأن يقيموا شريعة الله في أرض الله، وأن يجاهدوا أعداء الله، هذا الذي يجب عليهم، فإن قاموا به؛ فهذا هو المطلوب، وإن لم يقوموا به فإننا لا نقول لهم: أنتم لم تؤدوا الحق الذي عليهم فلا نؤدي حقكم الذي لكم، هذا حرام، يجب أن نؤدي الحق الذي علينا، فنسمع ونطيع، ونخرج معهم في الجهاد، ونصلي وراءهم في الجمع والأعياد وغير ذلك، ونسأل الله الحق الذي لنا.
وهذا الذي دلّ عليه هذا الحديث وما أقره المؤلف ﵀ هو مذهب أهل السنة والجماعة، مذهب السلف الصالح؛ السمع والطاعة للأمراء وعدم عصيانهم فيما تجب طاعتهم فيه، وعدم إثارة الضغائن عليهم، وعدم إثارة الأحقاد عليهم، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة.
[ ٣ / ٦٦٦ ]
حتى أن الإمام أحمد ﵀ يضربه السلطان، يضربه ويجره بالبغال، يُضرب بالسياط حتى يغمى عليه في الأسواق، وهو إمام أهل السنة ﵀ ورضي عنه، ومع ذلك يدعو للسلطان ويسميه أمير المؤمنين، حتى إنهم منعوه ذات يوم، قالوا له لا تحدث الناس، فسمع وأطاع ولم يحدث الناس جهرًا، بدأ يخرج يمينًا وشمالًا ثم يأتيه أصحابه يحدثهم بالحديث.
كل هذا من أجل ألا ينابذ السلطان؛ لأنه سبق لنا أنهم قالوا: يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ لما قال: «خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وشر أئمتكم الذي تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قالوا: أفلا ننابذهم. قال " لا ما أقاموا فيكم الصلاة". مرتين فما داموا يصلون فإننا لا ننابذهم، بل نسمع ونطيع ونقوم بالحق الذي علينا وهم عليهم ما حُمّلوا.
وفي آخر الأحاديث قال النبي ﷺ «من رأى من أميره شيئًا يكره فليصبر» ليصبر وليتحمل ولا ينابذه ولا يتكلم «فإن من خرج عن الجماعة مات ميتة جاهلية» يعني ليس ميتة الإسلام والعياذ بالله.
وهذا يحتمل معنيين:
الأول: يحتمل أنه يموت ميتة جاهلية بمعنى أنه يزاغ قلبه والعياذ بالله، حتى تكون هذه المعصية سببًا لردته.
[ ٣ / ٦٦٧ ]
الثاني: ويحتمل المعنى الآخر أنه يموت ميتة جاهلية؛ لأن أهل الجاهلية ليس لهم إمام وليس لهم أمير؛ بل لهم رؤساء وزعماء لكن ليس لهم ولاية كولاية الإسلام، فيكون هذا مات ميتة جاهلية.
والحاصل أن الواجب أن نسمع ونطيع لولاة الأمر إلا في حال واحدة فإننا لا نطيعهم؛ إذا أمرونا بمعصية الخالق فإننا لا نطيعهم. لو قالوا: احلقوا لحاكم قلنا: لا سمع ولا طاعة، ولو قالوا: نزلوا ثيابكم أو سراويلكم إلى أسفل الكعبين، قلنا لا سمع ولا طاعة؛ لأن هذه معصية. لو قالوا لا تقيموا الصلاة جماعة، قلنا لا سمع ولا طاعة. لو قالوا: لا تصوموا رمضان، قلنا: لا سمع ولا طاعة، كل معصية لا نطيعهم فيها مهما كان أما إذا أمروا بشيء ليس معصية وجب علينا أن نطيع.
ثانيًا: لا يجوز لنا أن ننابذ ولاة الأمور.
ثالثًا: لا يجوز لنا أن نتكلم بين العامة فيما يثير الضغائن على ولاة الأمور، وفيما يسبب البغضاء لهم؛ لأن في هذا مفسدة كبيرة. قد يتراءى للإنسان أن هذه غيرة، وأن هذا صدع بالحق؛ والصدع بالحق لا يكون من وراء حجاب، الصدع بالحق أن يكون ولي الأمر أمامك وتقول له: أنت فعلت كذا وهذا لا يجوز، تركت هذا، وهذا واجب.
أما أن تتحدث من وراء حجاب في سب ولي الأمر والتشهير به، فهذا ليس من الصدع بالحق؛ بل هذا من الفساد، هذا مما يوجب إيغار الصدور وكراهة ولاة الأمور والتمرد عليهم، وربما يفضي إلى ما هو أكبر إلى الخروج عليهم ونبذ بيعتهم والعياذ بالله.
[ ٣ / ٦٦٨ ]
وكل هذه أمور يجب أن نتفطن لها، ويجب أن نسير فيها على ما سار عليه أهل السنة والجماعة، من أراد أن يعرف ذلك فليقرأ كتب السنة المؤلفة في هذا؛ يجد كيف يعظم أئمة أهل العلم من هذه الأمة، كيف يعظمون ولاة الأمور، وكيف يقومون بما أمر به الرسول ﵊ من ترك المنابذة، ومن السمع والطاعة في غير المعصية.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في آخر كتاب العقيدة الواسطية- وهي عقيدة مختصرة ولكن حجمها كبير جدًا في المعنى- ذكر أن من هدي أهل السنة والجماعة وطريقتهم، أنهم يدينون بالولاء لولاة الأمور، وأنهم يرون إقامة الحج والجهاد والأعياد والجمع مع الأمراء، أبرارًا كانوا أو فجارًا، حتى لو كان ولي الأمر فاجرًا فإن أهل السنة والجماعة يرون إقامة الجهاد معه وإقامة الحج وإقامة الجمع وإقامة الأعياد.
إلا إذا رأينا كفرًا بواحًا صريحًا عندنا فيه من الله برهانٌ والعياذ بالله فهنا يجب علينا ما استطعنا أن نزيل هذا الحاكم، وأن نستبدله بخير منه، أما مجرد المعاصي والاستئثار وغيرها؛ فإن أهل السنة والجماعة يرون أن ولي الأمر له الولاية حتى مع هذه الأمور كلها، وأن له السمع والطاعة، وأنه لا تجوز منابذته ولا إيغار الصدور عليه، ولا غير ذلك مما يكون فسادة أعظم وأعظم.
والشر ليس يُدفع بالشر؛ ادفع بالشر الخير، أما أن تدفع الشر بشر، فإن كان مثله فلا فائدة، وإن كان أشر منه كما هو الغالب في مثل هذه
[ ٣ / ٦٦٩ ]
الأمور، فإن ذلك مفسدة كبيرة. نسأل الله أن يهدي ولاة أمورنا وأن يهدي رعيتنا لما يلزمها، وأن يوفق كلًاّ منهم لقيام بما يجب عليه.
* * *
٩/٦٧١- وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني» متفقٌ عليه.
١١/٦٧٣- وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: «من أهان السلطان أهانهُ اللهُ» رواه الترمذي. وقال: حديثٌ حسنٌ.
وفي الباب أحاديث كثيرة في الصحيح، وقد سبق بعضها في أبواب.
[الشَّرْحُ]
هذان الحديثان بقية باب وجوب طاعة ولاة الأمور في غير معصية الله، فعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني"
ففي هذا الحديث بين النبي ﷺ أن طاعته من طاعة الله. قال الله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه) (النساء: ٨٠) والنبي عليه الصلاة
[ ٣ / ٦٧٠ ]
والسلام لا يأمر إلا بالوحي؛ إلا بالشرع الذي شرعه الله تعالى له ولأمته، فإذا أمر بشيء؛ فهو شرع الله ﷾، فمن أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله.
الأمير إذا أطاعه الإنسان فقد أطاع الرسول؛ لأن النبي ﷺ أمر في أكثر من حديث، وأمر بطاعة ولي الأمر، وقال: «وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» ووقال: «اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة» . وقال: " على المسلم السمع والطاعة في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه".
والأحاديث في هذا كثيرة، فقد أمر بطاعة ولي الأمر، فإذا أطعت ولي الأمر فقد أطعت الرسول ﵊، وإذا أطعت الرسول فقد أطعت الله.
وهذا الحديث وما سبقه وما لم يذكره المؤلف كلها تدل على وجوب طاعة ولاة الأمور إلا في معصية الله، لما في طاعتهم من الخير والأمن والاستقرار وعدم الفوضى وعدم اتباع الهوى. أما إذا عصي ولاة الأمور في أمر تلزم طاعتهم فيه؛ فإنه تحصل الفوضى، ويحصل إعجاب كل ذي رأي برأيه، ويزول الأمن، وتفسد
[ ٣ / ٦٧١ ]
الأمور، وتكثر الفتن، فلهذا يجب علينا نحن أن نسمع ونطيع لولاة أمورنا إلا إذا أمرونا بمعصية؛ فإذا أمرونا بمعصية الله فربنا وربهم الله له الحكم، ولا نطيعهم فيها؛ بل نقول لهم: أنتم يجب عليكم أن تتجنبوا معصية الله، فكيف تأمروننا بها؟ فلا نسمع لكم ولا نطيع.
وقد سبق لنا أن قلنا: إن ما أمر به ولاة الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يكون الله قد أمر به، مثل أن يأمرونا بإقامة الجماعة في المساجد، وأن يأمرونا بفعل الخير وترك المنكر، وما أشبه ذلك، فهذا واجب من وجهين: أولًا: أنه واجب أصلًا. الثاني: أنه أمر به ولاة الأمور.
القسم الثاني: أن يأمرونا بمعصية الله، فهذا لا يجوز لنا طاعتهم فيها مهما كان، مثل أن يقولوا: لا تصلوا جماعة، أحلقوا لِحاكم، أنزلوا ثيابكم إلى أسفل، اظلموا المسلمين بأخذ المال أو الضرب أو ما أشبه ذلك، فهذا أمرٌ لا يطاع ولا يحل لنا طاعتهم فيه، لكن علينا أن نناصحهم وأن نقول: اتقوا الله، هذا أمر لا يجوز، لا يحل لكم أن تأمروا عباد الله بعصية الله.
القسم الثالث: أن يأمرونا بأمر ليس فيه أمر من الله ورسوله بذاته، وليس فيه نهي بذاته، فيجب علينا طاعتهم فيه؛ كالأنظمة التي يستنونها وهي لا تخالف الشرع، فإن الواجب علينا طاعتهم فيهما واتباع هذه الأنظمة وهذا التقسيم، فإذا فعل الناس ذلك؛ فإنهم سيجدون الأمن والاستقرار والراحة والطمأنينة، ويحبون ولاة أمورهم، ويحبهم ولاة
[ ٣ / ٦٧٢ ]
أمورهم.
ثم ذكر المؤلف آخر حديث في هذا الباب؛ حديث أبي بكرة أن الرسول ﷺ قال: «من أهان السلطان أهانه الله» وإهانة السلطان لها عدة صورة:
منها: أن يسخر بأوامر السلطان، فإذا أمر بشيء قال: انظروا ماذا يقول؟
ومنها: إذا فعل السلطان شيئًا لا يراه هذا الإنسان. قال: انظروا، انظروا ماذا يفعل؟ يريد أن يهون أمر السلطان على الناس؛ لأنه إذا هون أمر السلطان على الناس استهانوا به، ولم يمتثلوا أمره، ولم يجتنبوا نهيه.
ولهذا فإن الذي يهين السلطان بنشر معايبه بين الناس وذمه والتشنيع عليه والتشهير به يكون عرضة لأن يهينه الله ﷿؛ لأنه إذا أهان السلطان بمثل هذه الأمور؛ تمرد الناس عليه فعصوه، وحينئذٍ يكون هذا سبب شر فيهينه الله ﷿.
فإن أهانه في الدنيا فقد أدرك عقوبته، وإن لم يهنه في الدنيا فإنه يستحق أن يهان في الآخرة والعياذ بالله؛ لأن كلام الرسول ﷺ حق: «من أهان السلطان أهانه الله»، ومن أعان السلطان أعانه الله؛ لأنه أعان على خير وعلى بر، فإذا بينت للناس ما يجب عليهم للسطان وأعنتهم على طاعته في غير معصية فهذا خيرٌ كثيرٌ، بشرط أن يكون إعانة على البر والتقوى وعلى الخير، نسأل الله لنا ولكم الحماية عما يغضب وجها، والتوفيق لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *
[ ٣ / ٦٧٣ ]
انتهى المجلد الثالث بحمد الله وتوفيقه
ويليه المجلد الرابع إن شاء الله تعالى
وأوله، باب النهي عن سؤال الإمارة
[ ٣ / ٦٧٤ ]