يُعَد الإمام أبو داود رحمه الله تعالى من الجوَّالين في طلب الحديث، الرحالين فيه. قال الخطيب: أحد مَنْ رحَل وطوَّف، وجمَع وصنَّف، وكتب عن العراقيين، والخراسانيين، والشاميين، والمصريين، والجزريين (١).
وقال ابن نقطة: طاف البلاد، وصنف الكتاب، وكان إماما من أئمة أهل النقل (٢).
وقد افتتح الإمام أبو داود حياته بالطلب في بلده سجستان.
ثم طاف البلاد المجاورة لها فدخل خراسان حيث سمع إسحاق بن راهويه (٣)، وتوجَّه إلى قاعدتها نيسابور فروى بها عن إسحاق بن منصور الكوسج (٤)، وكتب ببلخ (٥)، وببغلان (٦) عن قتيبة بن سعيد.
ونزل هَراة واستوطنها مدة، وأخذ عن شيوخ بلدها (٧).
ثم ورد الري (٨) فروى عن إبراهيم بن موسى الرازي الثقة الحافظ.
ثم وافى العراق، فدخل بغداد سنة (٢٢٠ هـ) فإذا بالناس يصلون على عفان بن مسلم فصلى عليه معهم (٩).
_________________
(١) "تاريخ بغداد" ٩/ ٥٥.
(٢) "التقييد" ٢/ ٥.
(٣) انظر: "السير" ١٣/ ٢٠٥.
(٤) السابق ١٣/ ٢١٨.
(٥) السابق ١٣/ ٢٠٥.
(٦) انظر: "تهذيب الكمال" ١١/ ٣٦٦.
(٧) انظر: "تاريخ دمشق" ٧/ ٥٤٧، "تهذيب الكمال" ١١/ ٣٦٦.
(٨) انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" ٢/ ٢٢٦.
(٩) انظر: "تاريخ بغداد" ٩/ ٥٦.
[ ١ / ١٠٦ ]
ومن أشهر من كان بها الإمام أحمد فأقبل إليه أبو داود ولازمه، وتفقه به، وتأثر به اقتداء وسلوكا حتى غدا يشبه به في هديه ودله وسمته (١).
ثم انحدر إلى البصرة فإذا الناس يقولون: أمس مات عثمان المؤذن (٢). ولكنه سمع من جماعة، ذُكِرَ منهم: مسلم بن إبراهيم، وعبد الله بن رجاء، وأبو الوليد الطيالسي، وموسى بن إسماعيل، وطبقتهم (٣).
ثم حلَّ بالكوفة (٤) سنة (٢٢١ هـ) فمضى مع عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم يسمع منه وسمع من جماعة منهم: الحسن بن الربيع البوراني، وأحمد بن يونس اليربوعي (٥)، وأبي بكر وعثمان ابنا أبي شيبة (٦). ونزل أيضًا حرَّان (٧) وروى بها عن أبي جعفر النفيلي، وأحمد بن أبي شعيب.
ثم ورد الشام فدخل عدة مدن بها: أولها: دمشق (٨) حيث روى عن خطيبها هشام بن عمار، وهشام بن خالد الأزرق، كما كتب عن أبي النضر إسحاق بن إبراهيم الفراديسي، وقال عنه: ما رأيت بدمشق مثله، كان كثير البكاء، كتبت عنه سنة اثنتين وعشرين (٩).
_________________
(١) انظر: "تذكرة الحفاظ" ٢/ ٥٩٢.
(٢) انظر: "التقييد" ٢/ ٨.
(٣) انظر: "السير" ١٣/ ٢٠٤.
(٤) انظر: "تهذيب الكمال" ١١/ ٣٦٣.
(٥) انظر: "السير" ١٣/ ٢٠٤.
(٦) انظر: "الوافي بالوفيات" ١٥/ ٣٥٣.
(٧) انظر: "السير" ١٣/ ٢٠٤.
(٨) انظر: "الوافي بالوفيات" ١٥/ ٣٥٣.
(٩) انظر: "تهذيب الكمال" ١١/ ٣٦٦.
[ ١ / ١٠٧ ]
وثانيها: حمص (١)، فأخذ عن حيوة بن شريح الحضرمي الحمصي، ويزيد بن عبد ربه مؤذنها.
وثالثها: حلب حيث جلس إلى الطلب عند أبي توبة الربيع بن نافع (٢).
ومشى إلى الثغور (٣) وتوغل إلى طَرَسُوس (٤) فكتب المسند بها.
وذكر الحاكم أنه سمع بالحجاز (٥)، وأمَّا مكة المكرمة فقد روى فيها عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، واعتمده في الرواية عن مالك، وكذا روى عن سليمان بن حرب (٦).
ثم عاد أبو داود السجستاني إلى بلده سجستان (٧)، وهناك وُلدَ له ابنه عبد الله، وذلك سنة (٢٣٠ هـ) (٨)، ورحل به إلى خراسان (٩)، وهناك رأى ابن أبي داود جنازة إسحاق بن راهويه سنة (٢٣٨ هـ)، وأول ما كتب كان عام (٢٤١ هـ) بطوس عن محمد بن أسلم الطوسي فسُرَّ أبوه لذلك، وقال له: أول ما كتبت كتبت عن رجل صالح (١٠). ثم أستقر أبو داود ببغداد وبها صنَّف كتابه "السنن" وعرضه على الإمام أحمد فاستحسنه وأجازه (١١).
_________________
(١) انظر: "السير" ١٣/ ٢٠٤.
(٢) انظر: "السير" ١٣/ ٢٠٤.
(٣) انظر: "طبقات الحفاظ" ٢/ ٢٩١.
(٤) انظر: "مقدمة أبي طاهر السلفي" ٨/ ١٤٩.
(٥) انظر: "الأسماء واللغات" ٢/ ٢٣٥.
(٦) انظر: "السير" ١٣/ ٢٠٤.
(٧) انظر: "السير" ١٣/ ٢١٨.
(٨) السابق ١٣/ ٢٢٢.
(٩) انظر: "تهذيب الكمال" ١١/ ٣٦٦.
(١٠) انظر: "تاريخ بغداد" ٩/ ٤٦٥.
(١١) انظر: "طبقات الحنابلة" ١/ ١٦٠.
[ ١ / ١٠٨ ]