ذكرنا في القسم الأول أهم الشروح التي شرحت سنن أبي داود وبينَّا مناهجها وخصائصها وما تميزت به عن الشروح الأخرى، ونتناول في هذا المطلب إن شاء الله أهم ما يميز شرح ابن رسلان للسنن عن الشروح الأخرى السابقة عليه:
أولًا: معالم "السنن" للإمام الخطابي (ت ٣٨٠ هـ):
وهو من أقدم شروح السنن، وقد اعتمد ﵀ في شرحه رواية ابن داسه للسنن، نحى فيه الخطابي طريق الإيجاز فاقتصر على شرح ما يستغلق من ألفاظ، والإشارة لبعض المسائل الفقهية والآراء، وقد سكت عن كثير من الأحاديث أثناء الشرح، وربما ذلك راجع لسهولة ألفاظ الأحاديث، وعدم وجود ما يشكل فيها، أو تناول ما فيه في الأحاديث التي قبله. وبالجملة فقد اختص الخطابي ﵀ في شرحه بجزالة الأسلوب ودقة الاستنباط واستخراج الدلالات، وقد أولى الغريب وما استغلق من الألفاظ عناية كبيرة.
أما ابن رسلان فقد كتب شرحه قبل (٨٤٤ هـ) ولم يعتمد في شرحه على
[ ١ / ٢١٠ ]
رواية واحدة، ولا شك أنه استفاد ونقل من شرح الخطابي، إلا أنه استفاض في النقل عن الخطابي ﵀ وتناول معظم ما يحتاجه القارئ في شرح الحديث من لغة وشرح غريب، وإعراب، وضبط لأسماء الرجال، ولمتن الحديث، وإبراز اللطائف، واستنباط الأحكام الفقهية، وبيان درجة الحديث، واختلاف النسخ. .، وغير ذلك. وبالرغم من أنه أحاط بجوانب حديثية ولغوية وفقهية وتربوية كثيرة، إلا أنه كان كلًّا على من كان قبله، ولم يأت بشيء من زنده غالبًا.
ثانيًا: تهذيب سنن أبي داود للمنذري (ت ٦٥٦ هـ):
كتبه ﵀ معتمدًا على رواية اللؤلؤي، وقد أحسن في اختصاره وتهذيبه وعزو أحاديثه وإيضاح علله، إلا أنه لم يتناول جميع الأحاديث بالشرح. وقد استفاد منه المصنف ﵀ في شرحه.
ثالثًا: تهذيب الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ):
وهو أشبه ما يكون بحاشية على تهذيب سنن أبي داود للمنذري، اقتصر في أكثر مباحثه على بعض الإشكالات في بعض المتون، وبيان علل لم يذكرها المنذري ولا غيره، وزيادة تصحيح أحاديث لم يصححها، وأشار إلى أحاديث صالحة في بعض الأبواب، وله تعليقات وتحقيقات نفيسة في مسائل من الفقه قلما نجدها في غيره، وقد بسط الكلام على بعض المسائل، وتوسّع في بحثها، وذكر مذاهب العلماء في المسألة، وأدلة كل فريق، وبيان الراجح من ذلك، وهذا كثير جدًّا في كتابه.
وقد استفاد منه المصنف ﵀ في شرحه.
رابعًا: شرح البدر محمود بن أحمد العيني (ت ٨٥٥ هـ):
عاصر العيني ﵀ ابن رسلان، وقد تفوق عليه في شرحه بظهور
[ ١ / ٢١١ ]
الصنعة الحديثية فيه وعنايته بالأسانيد، ولكنه لم يتمه، كتب منه إلى باب في الشحّ وهو آخر أبواب كتاب الزكاة.
وفاقه ابن رسلان في شرحه بتناوله شرح جميع كتاب السنن، وعنايته بالجانب البلاغي والإعراب، حيث كان حظهما في شرح العيني ضعيف، كما أنه كان أكثر تأصيلًا للجانب الفقهي من العيني. هذا إلى اختصاص شرح ابن رسلان وتميزه في الجانب الاجتماعي ولطائف السلوك والآداب.
ويظهر لنا بذلك تفوق ابن رسلان ﵀ في شرحه على الشروح التي قبله وتميزه بالإحاطة والشمول وتناوله بالشرح لجميع أحاديث السنن، ولذلك كان من المراجع الهامة لمن جاء بعده، وقد استفاد منه الكثيرون بعده، وهو ما سنتناوله في المطلب التالي.