كل من طالع ترجمة المصنف ﵀ وطلبه للعلم يرى حرصه على الإلمام بصنوف مختلفة من المعرفة خاصة اللغة وعلومها إلى جانب الفقه والحديث والتفسير، ومما يدل على اهتمامه باللغة تكدس هذا الشرح الذي بين أيدينا بكثير من هذِه المظاهر؛ كضبط أسماء الرجال بالكلمات، وشرح غريب ألفاظ الحديث، وضبط ما يحتاج منها إلى ضبط، وبيان الوجوه الإعرابية فيها، واستدعاء الشواهد النحوية في المسائل التي تعرض له. ومن أبرز ما تناوله ابن رسلان بالضبط والشرح غريبُ الحديث، حيث قام بشرحها وتفصيلها شرحا وافيا بالكلمات ليتضح المعجم من المهمل، والمهموز من المسهل، معتمدا في ذلك على كتب اللغة كـ"العين" للخليل، و"صحاح الجوهري"، و"تهذيب اللغة" للأزهري، وغيرها، وكتب غريب الحديث كـ"غريب أبي عبيد" وابن قتيبة، والخطابي، و"النهاية" لابن الأثير، وغيرها، ومن أمثلة ذلك:
حديث (٣٥٧٣): قال في "النهاية": انتزى هو افتعل من النزو، وهو الوثوب، وانتزى على حقي، أي: وثب عليه وأخذه، وقد يكون في الأجسام والمعاني، ومن وَرْدِهِ في الأجسام حديث علي: يأمرنا أن لا ننزي الحمر على الخيل.
حديث (٣٥٧٣): (فأصاب) وجه الحكم، وهو أن يحكم بالحق لمستحقه في نفس الأمر عند الله تعالى.
حديث (٣٥٧٧): (مه) اسم مبني على السكون، معناه هنا الزجر عن المسارعة إلى الإفتاء والحكم، وأمره بالسكوت عن ذلك مهما استطاع والتثبت فيه.
[ ١ / ٢٤٩ ]
حديث (٣٥٨٠): الرشوة مثلثة الراء والأرجح الكسر، وهي: ما يعطي الحاكم ليحكم.
حديث (٣٥٨١): (مخيطًا) بكسر الميم. . فالخياط: الخيط الذي يخيط به، والمخيط: الإبرة والمسلة ونحوهما.
حديث (٣٥٨١): (فهو غل) وهو الحديدة التي تجمع بها يد الأسير إلى عنقه.
وغير ذلك من الأمثلة والمواضع التي اكتظ بها الشرح وامتلأ، مما يصعب حصرها.
ومن جملة الاهتمام باللغة أيضًا ضبطه لأسماء الأماكن والبلدان والمواضع عازيا أقواله إلى الكتب التي عُنيت بضبط أسماء الأماكن والبلدان كـ"معجم البلدان" لياقوت الحموي، و"معجم ما استعجم" لأبي عبيد البكري، وغيرهما، ومن أمثلة ذلك:
حديث (٣٥٧٣): (كندة) قال البكري: وضع على لفظ القبيلة اليمانية.
وهو في ديار بني ذبيان، وقيل: إنه من بلاد تيماء.
حديث (٣٧٩٢): (كان بالصفاح) بكسر الصاد المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف جاء مهملة، موضع بين حنين وأنصاب الحرم يسرة الداخل إلى مكة.
ولم يُغفِل ابن رسلان المسائل النحوية فقام بشرحها واستدعاء الشواهد القرآنية والشعرية وكلام العرب؛ لتبيين وجوه الإعراب المختلفة فيها، ولم يقتصر في الشواهد القرآنية على المتواتر من مظانها كـ"السبعة" لابن مجاهد، و"الحجة" لأبي علي الفارسي، لكن تخطى ذلك إلى القراءات الشاذة المنقولة من كتب الشواذ كـ"شواذ القراءة" لابن خالويه،
[ ١ / ٢٥٠ ]
"المحتسب" لابن جني، وأما الشواهد الشعرية وكلام العرب فمن كتب النحو كـ"العين" للخليل، و"كتاب سيبويه"، وغيرهما، ومثال ذلك:
حديث (٣٥٧٧) أنشد الخليل:
ألا رجلا جزاه الله خيرًا يدل على محصلة تبيت
حديث (٣٥٨١): (فما) الفاء بمعنى (إلى)، كما قال الكسائي في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.
حديث (٣٥٨٣): شاهد على اقتران (أن) بخبر (لعل) حملًا لها على (عسى)، كقول الشاعر:
لعلك يومًا أن تلم ملمة عليك من اللائي يدعنك أجدعا
حديث (٣٥٨٤): (فاقتسما) يحتمل زيادة [الفاء] فقد قيد الفراء والأعلم جواز زيادتها أن تكون داخلة على أمر أو نهي، وحمل عليه:
لا تجزعي إن منفسًا أهلكته فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
حديث (٣٧٣١):
ولا أقول لقدر القوم قد غليت ولا أقول لباب الدار مغلوق
حديث (٣٧٦٨): كان رسول الله -ﷺ- جالسًا ورجل) رفع على الابتداء، وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه أول جملة حالية، كقول الشاعر:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا محياك أخفى ضؤوه كل شارق
[ ١ / ٢٥١ ]
ومثل ابن مالك بقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾ (١) ولا دليل فيه؛ لأن النكرة موصوفة فيه بصفة مقدرة، تقديره: وطائفة من غيركم.
حديث (٤٩٨٦): (لعلي أصلي فأستريح) بالنصب جواب (لعل) كقوله تعالى: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ﴾ ومن ذلك أيضًا:
استخدم ابن رسلان إعراب الكلمات كأداة لبسط وشرح المعنى المراد من الحديث، ومن أمثلة إعراباته في هذا الشرح:
حديث (٣٥٨٣): (ألحن) بالنصب خبر (كان).
حديث (٣٥٨٣): (فأقضي له على نحو) بالتنوين.
حديث (٣٥٨٤): (أتى رسول) بالنصب مفعول مقدم.
حديث (٣٥٨٤): (في مواريث) غير منصرف.
حديث (٣٦٦٩): (إليه الجد) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أحد الثلاثة الجد، والجملة الأسمية خبر (ثلاث).
حديث (٤٠٤٠): فأعطى رسول الله -ﷺ- عمر بن الخطاب منها حلة) مفعول ثان.
حديث (٤٠٦٣): (قال: أتيت النبي -ﷺ- في ثوب) بالتنوين (دون) بضم الدال وتنوين النون.
حديث (٥٠٩٤): (أن أضل) بفتح الهمزة وكسر الضاد؛ أي: أضل غيري (أو أضل) بفتح الضاد مع ضم الهمزة، أي: يضلني غيري.
حديث (٤٩٨٩): (إياكم والكذب) بالنصب على التحذير، وبفتح
_________________
(١) آل عمران: ١٥٤. وانظر "أوضح المسالك" لابن هشام ١/ ٢٠٣.
[ ١ / ٢٥٢ ]
الكاف وكسر الذال، ويجوز التخفيف بكسر الكاف وسكون الذال.
* * *