اشتهر أبو داود ﵀ بحفظه وضبطه وجلالته، مما جعل "سننه" تنال المرتبة الأولى في كتب السنن، ويزيد ذلك كثرة ما اشتملت عليه من أحاديث أحكام، ولا شك أن أي شارح لها سيتعرض للجانب الفقهي، ونظرًا لبروز المصنف ﵀ في الفقه وخاصة المذهب الشافعي فقد كان الجانب الفقهي في شرح ابن رسلان بارزًا، ولم يتوان في حشد الأدلة أو الشواهد عند الاحتجاج للشافعية وترجيح مذهبهم، كما توسع في ذكر فروع المذهب دون غيرهم من المذاهب الأخرى، وانتصر لهم، ونوَّه على قواعدهم الأصولية والفقهية التي يستندون إليها عند الترجيح.
[ ١ / ٢٤٦ ]
ويمكن أن نرصد ملامح منهج المصنف في هذا الجانب في النقاط التالية:
١ - اهتمامه ببيان أهم الأحكام المستنبطة من الأحاديث المشروحة سواء كانت تلك الأحكام من استنباطه أو من استنباط غيره فيعزوها إلى قائلها، وكثيرًا ما يذكر الحكم المستنبط ولا ينسبه لأحد.
وربما ذكر أحكامًا لا علاقة لها بالباب، من ذلك ما ذكره في الحديث رقم [١٩٦] في قصة إصابة الأنصاري بالسهم وهو يحرس النبي - ﷺ - وأصحابه، وفيه أنه كان يصلي، فقال الشارح: فيه دليل على أن للخفير خفير السوق، أو الدرب أو غيرهما أن يصلي، ويستحق في حال صلاته قسط الأجرة في مقابله، فإن المصلي يحرس، وإذا جازت له الصلاة فالقراءة والذكر والدرس من باب الأولى. اهـ.
٢ - الاهتمام بذكر الأدلة وقد صرح في الحديث رقم [١٦١] أن ما يظهر للآدمي من آراء لا تعتضد على نص من كتاب أو سنة أو إجماع لا يعتبر بها في الشريعة.
ومما يجدر الإشارة إليه أن المصنف ليس بطويل النفس في الاحتجاج بل قصاراه إيراد الدليل والدليلين، ونادرًا ما يتعداهما.
وأحيانا يؤول أدلة المخالف مبينا وجه الدلالة في النص المسوق، أو يبين تأويلات المخالفين ثم يرد عليها، ونادرًا ما يرجح وجها مخالفا لجمهور الشافعية.
٣ - اهتم المصنف بابن حبان رواية ودراية، فأما الروايات التي ساقها من طريقه فكثيرة لا حصر لها، وأما الدراية فهو مستكثر من إيراد تراجم أبوابه الفقهية مستدلا بها، وقد عرف ابن حبان باعتناقه مذهب الشافعي
[ ١ / ٢٤٧ ]
ودافع عنه (١).
٤ - اهتم المصنف ﵀ بنقل أهم آراء الفقهاء المتعلقة بالأحاديث المشروحة، ولم يتقيّد بعصر معين، بل ذكر أقوال الصحابة ومن بعدهم إلى عصره، وكذا لم ينحصر في مذهب إمام معين وإن كانت عنايته بمذهب الشافعي وأقوال الفقهاء الشافعية أكبر.
٥ - توثيقه الآراء المنقولة من مصادرها الأصلية كثيرًا وقد أكثر النقل من الأصل، و"مختصر الطحاوي" في المذهب الحنفي، و"المدونة" و"الإستذكار" و"المنتقى" في المذهب المالكي، و"الأم" و"مختصر المزني" و"مختصر البويطي" و"الأوسط " و"الحاوي" و"المجموع" في المذهب الشافعي. و"مسائل الإمام أحمد" لابنه عبد الله ولأبي داود، و"المغني" في المذهب الحنبلي.
والأكثر عند نقله لآراء المذاهب الأخرى أن ينقل من "الاستذكار" و"الأوسط" و"المجموع" و"المغني" و"المحلى".
٦ - عند عرضه للأقوال والآراء تارة ينسبها لأصحابها وتارة يبهمها، وقد تباين موقفه من النصوص التي ساقها فجاءت على صور مختلفة، فتارة يسوقها ساكتًا عنها، وتارة يسوقها محتجا لها، ويرد ذلك الاحتجاج إما اجتهادًا منه، أو نقلا عن أحد الأئمة.
٧ - لا يلتزم الشارح ﵀ ببيان القول الراجح عنده، فكثيرًا ما يذكر الخلاف دون ترجيح، وفي أحيان أخرى يبين القول الراجح عنده إما بنقل كلام من صححه ورجحه، أو بنصه على صحة القول أو رجحانه.
_________________
(١) انظر: "طبقات الشافعية" لابن كثير (ص ٢٩٠).
[ ١ / ٢٤٨ ]