٣ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، أَخْبَرَنا أَبُو التَّيَّاحِ، حَدَّثَنِي شَيْخٌ قال: لمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللهِ بْن عَبّاسٍ البَصْرَةَ فَكانَ يُحَدَّث عَنْ أَبِي مُوسَى، فَكَتَبَ عَبْدُ اللهِ إِلَى أَبِي مُوسَى يَسْأَلُهُ، عَنْ أَشْياءَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو مُوسَى إِنِّي كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ذاتَ يَوْمٍ فَأَرادَ أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدارٍ فَبالَ، ثمَّ قالَ - ﷺ -: "إِذا أَرادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدْ لِبَوْلِهِ مَوْضِعًا" (١).
* * *
باب الرجل يتبوأ لبوله
يتبوأ، أي: يتخذ مكانًا لِبَوْله، وأصله من الباءة وهي معطن الإبل الذي [تبوأ إليه] (٢) أي: ترجع.
[٣] (ثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقري (٣) التبوذكي بفتح المثناة فوق سمى بذلك؛ لأنه اشترى بِتَبُوذك دارًا فَنُسِبَ (٤) إليها، وقال: أنا مولى بني منقر، إنما نزل داري قوم (٥) من أهْل تبوذك فسموني تَبُوذَكِي. قال عباس: عددت (٦) ليحَيى بن معِين مَا كتَبنا عنه خَمسَة وثَلَاثين ألف حَديث (٧).
_________________
(١) رواه أحمد ٤/ ٣٩٦، ٣٩٩، ٤١٤، والحاكم ٣/ ٤٦٥ - ٤٦٦، والبيهقي ١/ ٩٣ - ٩٤. وضعفه الألباني في "ضعيف أبي داود" (١).
(٢) في (ص) تبؤله. وفي (س): يتبوأ ليه. والمثبت من (د، ظ، ل، م).
(٣) سقط من (ص، س، ل).
(٤) في (ص) دارًا ينسب. وفي (ظ، م): دار فنسب. وفي (ل): دار ينسب.
(٥) في (م): فقهاء.
(٦) في (ص، س، ل): عدد.
(٧) انظر: "تهذيب الكمال" (٢٩/ ٢٤، ٢٥).
[ ١ / ٣٠٩ ]
(ثَنَا حَمَّادٌ) بن سلمة بن دينار (١) أبو سَلمة الرباعي، واعلم أن كلما أطلق موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكِي عن حَماد [فالمرَاد به حَماد بن سَلمة، فإنه لا يروي إلا عنه، كما أن كلما أطلق سليمان بن حرب عن حَماد] (٢) [فهو] (٣) بن زيد (٤) كذا قالهُ محمد الذَهلي وغيره.
(أنا أَبُو التَّيَّاحِ) يزيد بن حميد البَصْري الضبعي من أنفسهم. قال: (حَدَّثَنِي شَيْخٌ) وَلم يُسَمه المصنف، (قال: لَمَّا قَدِمَ عَبْدُ اللِّه بْنُ عَبَّاسٍ) - ﷺ - (الْبَصْرَةَ) قرأ سورة البقرة ففسَّرها آية آية، وكان ينهى عن كتابة العِلم، وقال: إنما أضل من كان قبلكم الكتب (٥).
(فَكَانَ يُحَدَّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى) عَبْدُ اللهِ بن قيس الأشعري (فَكَتَبَ عبدُ الله) بنُ عبَّاس (إلى أبي مُوسَى) الأشعِري (يسألهُ عن أشياء) فيه: مكاتبة أهل العلم والحديث بما يحدث مِنَ المسائل المحتَاج إليها (فكتبَ إليَه أبُو مُوسَى - ﵁ - إِني) بِكَسْر الهمزة؛ لأن (٦) كتب في مَعنى القول (كنُتُ مَعَ رَسُول الله - ﷺ -) فيه: العمل بالمكاتبة وَالروَاية بها، وهو الصحيح المشهور بين أهل الحديث، وهو عندهم في المُسند الموصُول، وَهو قول كثير من المتقدمين والمتأخرين منهم: أيوب السختياني ومنصور والليث بن سَعْد، ومنَ الشافعيين (٧) أبو المظفر
_________________
(١) في (ص) سار. تحريف.
(٢) سقط من (س).
(٣) انظر: "سير أعلام النبلاء" ٧/ ٤٦٦.
(٤) ليست في الأصول، والمثبت من "سير أعلام النبلاء".
(٥) سقط من (س)، وفي (ظ): الكتاب.
(٦) زاد في (ص) الكتابة لأن. وزاد في (د، ل): الكتابة.
(٧) في (ص، س، ل): التابعين. وهو تحريف، والمثبت من (د، ظ، م).
[ ١ / ٣١٠ ]
السَّمعَاني (١)، وفي الصحيح أحاديث منها، وعندَ مُسلم حديث عَامِر بن سَعْد بن أبي وقاص: "كتبت إلى جَابر بن سمرة مع غلامي نافِع، أنْ أخبرني بشيء سِمَعتَه مِنَ رسُول الله - ﷺ - فكتب إليَّ (٢): سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يوْم الجمُعة عَشِيَّة رُجِم الأَسْلَمي .. " (٣) فذكر الحَديث، لكن شَرط الرواية بالكتابة (٤) أن يْعِرفَ المكتُوبُ إليه خَطَّ الكَاتِب (٥).
(ذَاتَ يَوْمٍ) [أي: يومًا. والذات زائدة] (٦) (فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِثًا) بكسر الميم وبعدها ثاء مثلثة؛ أي: من الأرض وهوَ ما لان وسَهُل، وَقد تسهل الميم بالسكون مثل الحلِف والحلْف (٧)، وفي صفته - ﷺ - دمث لَيَس بالجافي، أراد أنهُ كان (٨) لين الخلق في سُهولة، ومنه حديث ابن مَسْعُود: [إذا قرأت آل حم وقعت] (٩) في روضات [دمثات (١٠).
_________________
(١) انظر: "التقريب والتيسير" للنووي (ص ٦٤)، و"مقدمة ابن الصلاح" (ص ١٧٣ - ١٧٤).
(٢) في (س، ظ): إني.
(٣) "صحيح مسلم" (١٨٢٢) (١٠).
(٤) في (ظ، م): بالمكاتبة.
(٥) انظر: "التقريب والتيسير" للنووي (ص ٦٤)، و"مقدمة ابن الصلاح" (ص ١٧٤).
(٦) سقط من (ظ، م)، وفي (ص، ل): أي يومًا الباء زائدة. وفي (س): أي يومًا التأكد زائدة. وكلاهما خطأ، والمثبت من (د).
(٧) في (ص) الخلق والخلق. وفي (د): الخلف والخلف. وكلاهما تصحيف.
(٨) سقطت من (ص، س، ل).
(٩) في (ص، ل): وإذا قرأ قال وضعت. وفي (ظ، م): وإذا قرأ بآل حم وقعت. وفي (س): وإذا قرأ قال، ثم بياض بمقدار كلمة. وما أثبتناه من (د)، و"النهاية" لابن الأثير.
(١٠) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٠٩١٥) بلفظ: إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن.
[ ١ / ٣١١ ]
جَمْع دَمثة] (١).
(فِي أَصْلِ جِدَارٍ) أي: أسفله (فَبَالَ) ورواية أحمد: في أصل حائط (٢) (٣) يَعَني: جلس في موضع لين في أصْل جدار فَبَالَ، وَالجِدَار لم يكن مِلكًا لأحَد بل كان عَاديًّا، أي: كان للكُفار الماضِيَة، وإنما لا يجوز أن يكُون مِلْك مُسْلم؛ لأن البوَل يَضُر الجِدَار؛ لأن البوَل مَالح يجعَل التراب سَبخًا وَيجعَلهُ رخوًا، ولا يجُوز الإضرار بملك مُسْلم مِن غير إذن مَالِكه [وَلا يَجوُز هذا فإن (٤) اعتقادنا طَهَارة بَوله - ﷺ -] (٥) ويجُوز أن يَكون قعوده مُتراخيًا عن أسَاس الجِدَار؛ فلا يصبه البَول المضر له، أو يكون البَول رشاشًا خَفِيفًا لا يتَضرر به الحائط لقلته، وقد يسْتَدلّ به عَلىَ ما قَالهُ الأصُوليُّون مِنْ جَوَاز الانتفَاع بِملْك الغَير بما لا مفسَدَة فيه؛ لأنه انتفاع خَال عَن مَضرة المالك كالاستظلال بجدَار الغَير والاستناد إليه إذا كانَ قويًّا، والنظر في مرآة الإنسان دُون مسّ بغير إذنه، والاستضاءة من سِرَاجه (٦).
(ثم قال: - ﷺ - إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ) هكذا رواية الخطيب؛ أي إذا احتَاجَ
_________________
(١) في (س): دميات جمع دمية. تصحيف. وانظر: "النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (دمث).
(٢) أخرجه أحمد في "مسنده" (٤/ ٣٩٦) من طريق أبي التياح به بنحوه، وفيه: في جنب حائط. وفي (٤/ ٣٩٩) من طريق أبي التياح به بنحوه، وفيه: إلى جانب حائط.
(٣) سقط من (ظ، م)، وفي (ص، س، ل): فبال. والمثبت من (د).
(٤) في (د): وإن كان.
(٥) سقط من (ظ، م).
(٦) انظر: "الفصول في الأصول" للجصاص (٣/ ٢٥٠ - ٢٥١).
[ ١ / ٣١٢ ]
واحد منكم إلى (أن يبول فَلْيَرْتَدْ) أي: يطلب ويختار، افتعَال من راد يرود ريَادًا (١) (لبَوله مَوضعًا) والمعنى: ليَطلب موضعًا رخوًا [ليِّنًا لبوله، وهذا الأدب متفق على استحبابه، وهو أن يطلب أرضًا لينة لبوله من تراب أو رمل ونحوه] (٢) لئلا يرجع إليه الرشاش (٣)، وقد يُؤخذ منهُ أن رشاش البوْل الذي لا يشاهد بالبَصَر لا يعفى عنه.
قال الرافعي: وهو ظاهر مَذهَب الشَافعي لا في الثوب (٤) ولا في الماء القليل (٥). وصَحح النووي العفو عنهُ لتعذر الاحتراز وحصول الحرج" (٦).
* * *
_________________
(١) انظر: "لسان العرب" (رود).
(٢) سقط من (ص، س، ل).
(٣) انظر: "المجموع" للنووي (٢/ ٨٤).
(٤) في (ص) البول. تحريف.
(٥) "الشرح الكبير" للرافعي (١/ ٤٨ - ٤٩).
(٦) "المجموع" للنووي (١/ ١٢٧).
[ ١ / ٣١٣ ]