١٢ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، عَنْ مالِكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبّانَ، عَنْ عَمِّهِ واسِعِ بْنِ حَبّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قال: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ البَيْتِ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - علَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الَمقْدِسِ لحِاجَتِهِ (١).
١٣ - حَدَّثَنا محَمَّد بْن بَشَّارٍ، حَدَّثَنا وَهْبٌ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنا أَبِي قال: سَمِعْتُ محَمَّدَ بْنَ إِسْحاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبانَ بْنِ صالِح، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال: نَهَى نَبِيُّ اللهِ - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعامٍ يَسْتَقْبِلُها (٢).
* * *
باب الرخصة في ذلك
[١٢] (ثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ) القعنبي، (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) الأنصاري المدَني التابعي، وكذَا شَيخه وشَيخ شيخه في الأوصاف الثلاثة لكن قيل إن لواسع رؤية فذكر لذلك في الصَحابة (٣)، (عَنْ مُحَمَدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهَملة، وتشديد الباء الموحدة بن مُنقذ بن عمرو الأنصاري كانت لهُ حلقة في مسجد رسول الله - ﷺ - وكان كثير الحَديث ويفتي (٤) مَاتَ سنة (٥) ١٢١، (عَنْ عَمِّهِ
_________________
(١) رواه البخاري (١٤٥، ١٤٨)، ومسلم (٢٦٦).
(٢) رواه الترمذي (٩)، وابن ماجة (٣٢٥)، وأحمد ٣/ ٣٦٠، وابن خزيمة (٥٨)، وابن حبان (١٤٢٠). وحسن إسناده الألباني في "صحيح أبي داود" (١٠).
(٣) انظر: "أسد الغابة" (٥٤٢٨)، و"الإصابة" (٩٠٩٤).
(٤) في (ص): وثقتي. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٥) سقط من (س).
[ ١ / ٣٤١ ]
وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة أيضًا وحَبان يحتمل الصَّرف ومنَعه نظرًا إلى اشتقاقه من حَبِنَ (١) بكسر الموحَّدَة إذا طرأ له السقي (٢) أو من حبَّ. وَحبان بن منقذ (٣) بن عمرو له ولأبيه صحبة، (عَنْ عَبْدِ اللِّه بْنِ عُمَرَ - ﵄ - قال: لَقَدِ ارْتَقَيتُ) أي صَعَدت (عَلَى ظَهْرِ البَيتِ) أي بيت لنا كما في رواية البخاري (٤) وفي روَايَة: على ظهر بيت حَفصة (٥). يَعني أخته.
(فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللِّه - ﷺ - عَلَى لَبِنَتَينِ) بفتح اللام وكسر الموَحدَّة وفتح النُون تثنية (٦) لَبِنَة، وهو ما يُصنعُ من الطين أو غيره للبناء قبل أن يحرق، وفيه ارتفاع الجالس لقضاء الحَاجَة على حجرين أو خشبتين ونحوهما؛ لئلا يرجع إليه شيء من رَشاش البَول أو غسَالة النجاسة، ولم أجد من ذكر هذا الأدب. ولابن خزيمة: فأشرفت على رسول الله - ﷺ - وهو على (٧) خلاف (٨).
وللحكيم الترمذي (٩) بسندٍ صحيح: في كَنيف بفتح الكاف وانتفى
_________________
(١) في (ص): حبب. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٢) في (ص): السفر. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٣) في (ص، ل): سعد. تحريف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٤) "صحيح البخاري" (١٤٥).
(٥) "صحيح البخاري" (١٤٨).
(٦) في (ص): تنبيه. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٧) سقط من (ص)، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٨) "صحيح ابن خزيمة" (٥٩).
(٩) "المنهيات" للحكيم الترمذي (ص ٣٦).
[ ١ / ٣٤٢ ]
بهذا (١) إيراد من قال ممَّن يرى الجواز مطلقًا: يحتَمل أن يكوُن رآهُ في الفضاء، وكونه على لبنتين لا يدُل على البناء؛ لاحتمال أن يكوُن جلس عليهما ليرتفع بهما عن الأرض، ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي - ﷺ - في تلك الحَالة، وإنما صَعَدَ على السَّطح لضرورة (٢) لهُ كما [في رواية] (٣) البيهقي: فحانت منهُ التفاتة. رواهُ من طريق نافع عن ابن عمر (٤). ولما اتفقت له رؤيته من غير قصد أحبَّ أن لا يخلي [ذلك عن] (٥) فائدة فحفظ هذا الحكم الشَرعي، ودلَّ ذَلك على شدَّة حِرْص الصَّحابة على تتبع أحوال (٦) النَّبي - ﷺ - لنتبعها.
(مُسْتَقْبِلَ) رواية البخاري: مُسْتَقبلًا (٧) (بَيتِ المَقْدِسِ) فيه لغَتَان مشهورتان فتح الميم وسكون القاف وكسر الدَال المخففة، وضم المِيم وفتح القاف والدال المشّددَة فعَلى لغَة التشديد مَعْناه: المطهر وعلى لغَة التخفيف لا يخلو إمَّا أن يكوُن مصدرًا أو مكانًا ومعناه بيت المكَان الذي جعلَ فيه الطهَارة أو: بيت مكان الطهَارة، وتطهيرُه إخلاؤه من الأصْنَام أو مِنَ الذنُوب ثم إنه من بَاب إضافة الموصُوف إلى صفته نحو مسْجد الجامع (لِحَاجَتِهِ) فيه استعمال الكنَاية عن
_________________
(١) في (ص، س، ل): بها. والمثبت من (د، ظ، م).
(٢) في (ص): لصدوره. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٣) في (ص): روى به. وفي (س): روى. وفي (ل): رواية. والمثبت من (د، ظ، م).
(٤) "السنن الكبرى" ١/ ٩٣.
(٥) في (ص): عن ذلك. والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٦) سقطت من: (ظ، م).
(٧) "صحيح البخاري" (١٤٥).
[ ١ / ٣٤٣ ]
الألفاظ (١) المستقبحة (٢).
قيل للشعبي: إن أبا هريرة يقول: لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها. وقال ابن عمر: رأيت رسُول الله - ﷺ - في كنيفه مُسْتقبل القبلة. وفي روَاية: مُستقبل بيت المقدس. فقال الشعبي: صدَق أبو هُريرة، وصدَق [ابن عمرَ، قول أبي هُريرة] (٣) في البرية، وقول ابن عمر في الكنف (٤) (٥).
[١٣] (ثَنَا مُحَمَدُ بْنُ بَشَّارِ) بن عُثمان العَبدي المعُروف ببُندار، قال: كتب عني الحديث خمسَة قرون، وسألوني الحديث وأنا ابن ثمان عشرة سَنة، فاستحييت أن أحدثهم بالمدينَة فأخرجتهم إلى البُستان (٦)، وأطعمتهمُ الرَّطبْ وحدَّثتهم (٧).
(قال: ثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ) بالجيم المفتوحة بن حَازم بن زَيد الأسدي (٨) البَصْري.
(ثَنَا أَبِي) جرير بن حَازم الأزدي (٩) رأي جنازة أبي الطفيل، ولما
_________________
(١) في (د): للألفاظ. تصحيف.
(٢) في (ص، س، ل): القبيحة. والمثبت من (د، ظ، م).
(٣) في (س): أبو عمر. تحريف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٤) في (ص): الكنيف. والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٥) انظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال ١/ ٢٣٨.
(٦) في (ظ، م): السفال. تحريف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٧) انظر: "تاريخ بغداد" ٢/ ١٠٢.
(٨) بسكون السين، يبدلها من الزاي، فهم الأزد. انظر: "الإكمال" لابن ماكولا ١/ ١٥٣.
(٩) من (د، م).
[ ١ / ٣٤٤ ]
اختلط حجبه (١) ابنه وَهْب توفي سنة ١٧٠ (٢).
(قال: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبَانَ) بالصرف وعدَمه، وعدَم الصَرف أفصَح، وهو (ابْنِ صَالِحٍ)، وثقه (٣) ابن معين وغيره (٤)، ولم يعرفه ابن حزم فقال: مجهُول (٥) وذهل (٦) ابن عبد البر فقال: ضعيف (٧).
(عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللِّه - ﵄ - قال: نَهَى رسول اللِّه - ﷺ - أَنْ نَسْتَقْبِلَ (٨) القِبْلَةَ بِبَوْلٍ) أو غائط رواية أحمد فيها زيادة وبيان وهي: نهانا رسول الله - ﷺ - أن نستقبل القبلة بفرُوجنا إذا هرقنا الماء، ثم رأيته قبل موته بعام يستقبل القبلةَ (٩). وزاد ابن حبان: ولا يستدبرها، ورواهُ الحَاكم، وابن خزيمة، والدَارقطني (١٠) وصَححه البخَاري فيما نقلهُ عنهُ الترمذي
_________________
(١) في (س): حجته. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٢) في الأصول الخطية: ١٧٥. خطأ، والمثبت من "تهذيب الكمال" ٤/ ٥٣٥، و"الكاشف" ١/ ١٨١.
(٣) في حاشية (د) كتب أمامها: من قوله: وثقه ابن معين، إلى قوله: ضعيف، في نسخة (ص) بخط شيخ الإسلام ابن حجر.
(٤) انظر: "تهذيب الكمال" ٢/ ١٠.
(٥) "المحلى" ١/ ١٩٨.
(٦) في (ص، س، ل): ذكر هذا. تحريف، والمثبت من (د، ظ، م).
(٧) "التمهيد" ١/ ٣١٢.
(٨) في (د): تُستقبل. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٩) "مسند أحمد" ٣/ ٣٦٠.
(١٠) "صحيح ابن خزيمة" (٥٨) من طريق محمد بن بشار به، "صحيح ابن حبان" (١٤٢٠)، و"سنن الدارقطني" ١/ ٥٨ - ٥٩، و"مستدرك الحاكم" ١/ ١٥٤، ثلاثتهم من طريق محمد بن إسحاق به.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وحسَّنهُ (١) هو والبزار، وصححهُ أيضًا ابن السكن وتوقف فيه النووي لعنعنة (٢) ابن إسحاق، وقد صرَّحَ المصنف وأحمد وغيرهما بالتحديث (٣).
(فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا). الحقُّ أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمهُ؛ بل هو محمول على أنه رآه في بناء ونحوه، أو يحمل على أنهُ فعَل ذلك لعُذر؛ وبهذين الاحتمالين يضعف الاحتجاج به؛ لأنها حكاية فعْل مثبت، والفعل المثبت لا عُموم لهُ بالنسبة إلى الأحوال التي يقع عليها العُموم؛ لاحتمال أن يقع على وجه واحد أو عليها جميعها، ومع الشك لا يثبت العُموم خلافًا لقومٍ (٤)، ومثلوا ذلك بقول الراوي: صلَّى داخل الكعَبة، فلا يعُم الفرض والنفل، والمعهوُد من حاله - ﷺ - قضاء الحاجة في البُنيان لمبالغته في التستر، ودعوى خُصُوص ذلك بالنبي - ﷺ - لا دليل عليها إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال؛ لأن الأصْل عدم الاختصاص. والله أعلم.
* * *
_________________
(١) انظر: "العلل الكبير" للترمذي (٥)، و"سنن الترمذي" (٩).
(٢) في (ص): بعنعنة. تصحيف، والمثبت من باقي النسخ الخطية.
(٣) انظر: "التلخيص الحبير" ١/ ١٨٢.
(٤) سقط من (د، ظ، م).
[ ١ / ٣٤٦ ]