١٨١٢ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ". قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ في تَلْبِيَتِهِ: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ والخَيْرُ بِيَدَيْكَ والرَّغْباءُ إِلَيْكَ والعَمَلُ" (١).
١٨١٣ - حَدَّثَنا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرٌ، حَدَّثَنا أَبِي عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ ابن عُمَرَ قَالَ: والنَّاسُ يَزِيدُونَ: "ذا المَعارِجِ". وَنَحْوَهُ مِنَ الكَلامِ والنَّبي - ﷺ - يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهْمْ شَيْئًا (٢).
١٨١٤ - حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الأَنْصَاري، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ - ﷺ - فَأَمَرَني أَنْ آمُرَ أَصْحابي وَمَنْ مَعي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْواتَهُمْ بِالإِهْلالِ - أَوْ قَالَ - بِالتَّلْبِيَةِ". يُرِيدُ أَحَدَهُما (٣).
* * *
_________________
(١) رواه البخاري (١٥٤٩، ٥٩١٥)، ومسلم (١١٨٤).
(٢) رواه ابن ماجه (٢٩١٩). وسيأتي مطولا برقم (١٩٠٥). وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١٥٩١).
(٣) رواه الترمذي (٨٢٩)، والنسائي ٥/ ١٦٢، وابن ماجه (٢٩٢٢)، وأحمد ٤/ ٥٥، ٥٦، وابن خزيمة (٢٦٢٥، ٢٦٢٧)، وابن حبان (٣٨٠٢). وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (١٥٩٢).
[ ٨ / ٣٨٣ ]
باب كيف التلبية
[١٨١٢] ([حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع] (١) عن ابن عمر: أن تلبية رسول الله - ﷺ -) يريد التي كان يواظب عليها، ولولا ذلك ما اختصت بالنسبة إليه، وذلك منه - ﵇ - على معنى الاختيار لا على معنى الوجوب، ولذلك زاد فيها في رواية ابن عمر، ونقص هذا في رواية عائشة.
(لبيك اللهم لبيك، لبيك) مأخوذ (٢) من قولهم: لب بالمكان وألب به إذا أقام به ولزمه، كأنه يقول: ها أنا مقيم على عبادتك ملازم لها، وهو منصوب على المصدر، وهو [لفظ مثنًى] (٣) مكرر، يعني: كأنهم أرادوا إجابة بعد إجابة على سبيل التأكيد، كما قالوا: حنانيك، أي: رحمة بعد رحمة، وأصل الفعل منها لبب بتشديد الباء الأولى فاستثقلوا ثلاث باءات فأبدلوا الثالثة ياء كما قالوا: تظنيت من الظن والأصل: تظننت، وأصل الألف باء لكن قلبت مع الضمير ياء مثل: عليك ولديك، وقيل: معناها: تجاهي وقصدي من قولهم: داري تلب (٤) دارك. أي: تواجهها.
وقيل: معناه: محبتي لك، من قولهم: امرأة لبة. إذا كانت محبة لولدها، وقيل: معناه: إخلاصي لك، من قولهم: حسب لباب، إذا كان خالصًا، ومنه لب الطعام ولبابه، فهذِه أربعة أقوال، قال جماعة
_________________
(١) من مطبوع "السنن".
(٢) سقط من (م).
(٣) في الأصل: مثنى لفظ. والمثبت كما في "فتح الباري" ٣/ ٤٠٩، قال: هو لفظ مثنى عند سيبويه.
(٤) في (م): تجاه.
[ ٨ / ٣٨٤ ]
من العلماء: معنى التلبية إجابة نداء إبراهيم - ﵇ - حين نادى بالحج حين فرغ من بناء البيت، قيل له: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يبلغ صوتي قال: أذن وعلي البلاغ. فنادى إبراهيم: أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج. قال: فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترى الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون (١)، قيل: أجابوه من أصلاب الرجال وأرحام النساء فمن أجابه مرة حج مرة، ومن أجابه مرتين حج مرتين وهلم جرًّا (٢).
ويقف على "لبيك" كما يبتدئ بها ثم يقول: (لبيك) يبتدئ بها أيضًا (لا شريك) قال صاحب "أسرار الحج" مبني على الفتح لاستغراق نفي الشريك (لك لبيك) ويقف عليها أيضًا (إن الحمد) بكسر الهمزة وفتحها وجهان مشهوران لأهل اللغة والحديث والكسر أجود؛ لأن الكسر على معنى الابتداء والاستئناف وهو أعم؛ لأن تقديره: إن الحمد لله على كل حال، ومن فتح ذهب إلى أن التقدير: من أجل أنك مستحق للحمد والنعمة، أو لأن الحمد لك والنعمة، فعملت فيها لبيك بواسطة (٣) لام الجر السببية ثم حذف حرف الجر لدلالة الكلام عليه.
(والنعمة لك) النعمة - بكسر النون - الإحسان والعطاء، أي: النعمة منك والحمد لك، ومن ورود اللام بمعنى "من" قولهم: سمعت له
_________________
(١) في (م): يلبوه. ورواه ابن أبي شيبة (٣٢٤٧٨)، وعزاه في "الفتح" ٣/ ٤٠٩ إلى "مسند أحمد بن منيع" وابن أبي حاتم.
(٢) "أخبار مكة" للفاكهي ١/ ٤٤٥ من حديث أبي هريرة، وصحح ابن حجر في "الفتح" ٦/ ٤٠٦ إسنادا عن ابن عباس بنحوه معزوا للفاكهي أيضًا.
(٣) من (م).
[ ٨ / ٣٨٥ ]
صراخًا، أي: منه، والمشهور نصب النعمة، قال القاضي: ويجوز رفعها على الابتداء ويكون الخبر [محذوفًا. قال ابن الأنباري: وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا تقديره: إن الحمد لك] (١) والنعمة مستقرة لك (٢).
(والملك) قال ابن الرفعة: يستحب أن يقف وقفة لطيفة عند قوله: والملك. ثم يقول: (لا شريك لك) قال الأصحاب: يستحب أن يأتي بالتلبية نسقًا لا يتخللها كلام وإن سلم عليه رد السلام؛ لأنها سنة والرد فرض، لكن يكره ابتداء السلام عليه حال التلبية، وقال صاحب "الطراز" من المالكية: إن من سنن التلبية أن تكون نسقًا لا يتخللها (٣) كلام غيرها كالأذان.
وإن سلم عليه قال مالك: لا يرد عليه حتى يفرغ من تلبيته (٤) فيرد عليه بعد ذلك (٥)، قال السروجي في "الغاية": يقول في الحج إذا أحرم به: اللهم إني أريد الحج فيسره لي (٦) وتقبله مني وأعني عليه وبارك لي فيه لبيك اللهم بحج.
(قال: وكان عبد الله بن عمر) ﵄ (يزيد فيهما: لبيك لبيك لبيك وسعديك) قال القاضي: إعراب سعديك وتثنيتها (٧) كما
_________________
(١) في (ر): ممن وفا تقديره.
(٢) "شرح النووي" ٨/ ٨٨.
(٣) من (م).
(٤) "المدونة" ١/ ١٥٨.
(٥) "مواهب الجليل" ٣/ ١٠٦.
(٦) من (م).
(٧) في النسخ: تنبيها، والمثبت من "إكمال المعلم".
[ ٨ / ٣٨٦ ]
سبق في لبيك ومعناه: مساعدة لك وإلى طاعتك بعد مساعدة (١) (والخير بيديك) أي: الخير كله بيد الله تعالى ومن فعله (والرغباء (٢) إليك والعمل) قال المازري: يروى بفتح الراء (٣) والمد وبضم الراء والقصر، ونظيره العلياء والعليا والنعماء والنعمى (٤).
ومعناه هنا الطلب والمسألة إلى من بيده الخير والرغبة إليه (٥)، والمراد بالعمل أعمال الطاعات، أي: لا تعمل إلا لله.
[١٨١٣] ([حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا جعفر، حدثنا أبي] (٦) عن جابر - ﵁ - قال: أهل رسول الله فذكر التلبية بمثل حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -) في الحديث المتقدم، وزاد فيه: (والناس) الملبون (يزيدون: ذا المعارج ونحوه من الكلام) والمعارج: المراقي والدرج، وهذا اللفظ من صفات الله، قال عز من قائل: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ (٧)، والمراد بها المراقي (٨) مصاعد السماء ومراقيها، أي (٩): هو مالكها سبحانه (والنبي - ﷺ - يسمع ما زادوه فلا
_________________
(١) "إكمال المعلم" ٤/ ١٧٨، وفيه: معناها: ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة.
(٢) في (م): الدعاء.
(٣) في (م): الدال.
(٤) "المعلم" ١/ ٣٣٠.
(٥) "شرح النووي" ٨/ ٨٨.
(٦) من مطبوع "السنن".
(٧) المعارج: ٣.
(٨) سقط من (م).
(٩) في (م): الذي.
[ ٨ / ٣٨٧ ]
يقول لهم شيئًا) فتكون زيادتها من السنة؛ لأن تقريراته (١) - ﷺ - نظير أفعاله وأقواله؛ إذ لا يقر على باطل.
[١٨١٤] ([حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام] (٢) عن خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه) السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري، قال الترمذي: حديث خلاد عن أبيه حديث حسن صحيح، وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن النبي - ﷺ - قال: ولا يصح، والصحيح هو [خلاد بن السائب] (٣) عن أبيه (٤).
(أن رسول الله قال: أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي) يحتمل أن يكون المراد بقوله: "من معي" المنافقين الذين كانوا معه وأطلعه الله عليهم، ويحتمل أن يكون هذا شك من الراوي؛ فإن أكثر الروايات ليس فيها: "ومن معي" (أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) يعني: بالتلبية؛ فإن رواية أحمد: "أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال [أو قال: بالتلبية" (٥) ولفظ النسائي: "أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية" (٦) ولفظ
_________________
(١) في (م): تقريره.
(٢) من مطبوع "السنن".
(٣) في النسخ الخطية: السائب بن يزيد. والمثبت من "سنن الترمذي".
(٤) "سنن الترمذي" ٣/ ١٩٢.
(٥) "مسند أحمد" ٤/ ٥٦ من طريق ابن جريج، وروح، ولفظه: بالتلبية والإهلال. قال: ولا أدري أينا وَهَلَ أنا أو عبد الله أو خلاد في الإهلال أو التلبية.
(٦) "سنن النسائي" ٥/ ١٦٢.
[ ٨ / ٣٨٨ ]
الترمذي: "أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال] (١) أو التلبية" (٢) على طريق الشك كما تقدم في رواية أحمد، وقد صرح بذلك أبو داود حيث قال: "بالإهلال".
(أو بالتلبية يريد أحدهما) يعني: التلبية [وحاصله أن هذا الحديث استدل به على استحباب رفع الصوت للرجل بالتلبية بحيث لا يضر نفسه لأن معنى التلبية] (٣) معنى الأذان الذي لا يسمعه جن ولا إنس [ولا شيء] (٤) إلا شهد له يوم القيامة.
وخرج بقوله: "أصحابي" النساء؛ فإن المرأة لا تجهر بها صوتها، بل تقتصر على إسماع نفسها، قال الروياني: فإن رفعت صوتها لم يحرم؛ لأنه ليس بعورة (٥) على الصحيح، وإذا قلنا أن رفع صوتها لا يحرم فقد صرح الدارمي (٦) والقاضي أبو الطيب وغيرهما أنه يكره. قال ابن الرفعة: كراهة تنزيه لا تحريم؛ فإن صوتها ليس بعورة. قال سند المالكي: يكره رفع صوتها لخوف الافتتان، لا لكونه عورة.
قال الشافعي في "الأم" بعد رواية الحديث في الأمر برفع الصوت: فأمرهم أن يرفعوا جهدهم (٧) ما لم يبلغ (٨) ذلك أن يقطع أصواتهم،
_________________
(١) سقط من (م).
(٢) "سنن الترمذي" (٨٢٩)، وفي مطبوعه: بالإهلال والتلبية.
(٣) و(٤) من (م).
(٤) "بحر المذهب" ٥/ ٩٦.
(٥) في النسخ الخطية: الروياني. والمثبت من "المجموع" للنووي ٧/ ٢٤٥.
(٦) في (م): جهدا.
(٧) في (م): يعلم.
[ ٨ / ٣٨٩ ]
فإنا (١) نكره قطع (٢) أصواتهم (٣).
واستدل داود بهذا الحديث على وجوب رفع الصوت بالتلبية والجمهور أنه دليل للاستحباب لا للوجوب، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد الإحرام إلا بالنية مع التلبية أو مع سوق الهدي (٤) لهذا الحديث المذكور.
_________________
(١) في "الأم": فكأنا.
(٢) في (م): أن تقطع.
(٣) "الأم" ٢/ ٢٣٢.
(٤) "النتف" ١/ ٢٠٧، "المبسوط" ٤/ ١٥٣، ٢٠٨.
[ ٨ / ٣٩٠ ]