١٨٥٦ - حَدَّثَنا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ، عَنْ خالِدٍ الطَّحّانِ، عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ، عَنْ أَبي قِلابَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِهِ زَمَنَ الحُديْبِيَةِ فَقَالَ: "قَدْ آذاكَ هَوامُّ رَأْسِكَ". قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ النَّبي - ﷺ -: "احْلِقْ ثُمَّ اذْبَحْ شاةً نُسُكًا أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ أَوْ أَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَساكِينَ" (١).
١٨٥٧ - حَدَّثَنا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنا حَمّادٌ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبي، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لَهُ: "إِنْ شِئْتَ فانْسُكْ نَسِيكَةً وَإِنْ شِئْتَ فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ وَإِنْ شِئْتَ فَأَطْعِمْ ثَلَاثَةَ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ لِسِتَّةِ مَساكِينَ" (٢).
١٨٥٨ - حَدَّثَنا ابن المُثَنَّى، حَدَّثَنا عَبْدُ الوَهّابِ ح وَحَدَّثَنا نَصْرُ بْنُ عَليٍّ، حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُريْعٍ - وهذا لَفْظُ ابن المُثَنَّى- عَنْ دَاوُدَ، عَنْ عامِرٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِهِ زَمَنَ الحُديْبِيَةِ فَذَكَرَ القِصَّةَ فَقَالَ: "أَمَعَكَ دَمٌ". قَالَ لا. قَالَ: "فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بثَلَاثَةِ آصُعٍ مِنْ تَمْرٍ عَلَى سِتَّةِ مَساكِينَ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينيْنِ صاعٌ" (٣).
١٨٥٩ - حَدَّثَنا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنا اللّيْثُ، عَنْ نافِعٍ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصارِ أَخْبَرَهُ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - وَكَانَ قَدْ أَصابَهُ في رَأْسِهِ أَذى فَحَلَقَ، فَأَمَرَهُ النَّبي - ﷺ - أَنْ يُهْدي هَدْيًا بَقَرَةً (٤).
_________________
(١) رواه البخاري (١٨١٤، ١٨١٦، ٤١٩٠، ٤٥١٧، ٥٦٦٥، ٥٧٠٣)، ومسلم (١٢٠١). وانظر ما سيأتي بالأرقام (١٨٥٧ - ١٨٦١).
(٢) انظر السابق.
(٣) انظر سابقيه.
(٤) انظر ما سلف برقم (١٨٥٦).
[ ٨ / ٤٦٠ ]
١٨٦٠ - حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنا يَعْقُوبُ حَدَّثَني أبِي عَنِ ابن إِسْحاقَ حَدَّثَني أَبانُ - يَعْني ابن صالِحٍ - عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: أَصابَني هَوامُّ في رَأْسي وَأَنا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عامَ الحُديْبِيَةِ حَتَّى تَخَوَّفْتُ عَلَى بَصَري فَأَنْزَلَ اللهُ - ﷾ -: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآيَةَ فَدَعانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ لي: "احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أيّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَساكِينَ فَرَقًا مِنْ زَبِيبٍ أَوِ انْسُكْ شاةً".
فَحَلَقْتُ رَأْسي ثُمَّ نَسَكْتُ (١).
١٨٦١ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ القَعْنَبيُّ، عَنْ مالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ مالِكٍ الجَزَري عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي ليْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ في هذِه القِصَّةِ زادَ: "أي ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ" (٢).
* * *
باب الفدية
[١٨٥٦] (وهب بن بقية) بفتح الباء الموحدة وكسر القاف وتشديد المثناة تحت (٣) (أبي قلابة) عبد الله بن [زيد الجرمي] (٤) (كعب بن عجرة) الأنصاري، مات سنة ٥٢.
(أن رسول الله - ﷺ - مر به) وهو يوقد تحت قدر له (زمن الحديبية فقال: قد آذاك) يحتمل أن تكون (قد) للاستفهام كما أن هل للاستفهام جاءت بمعنى قد في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ والشيء
_________________
(١) انظر ما سلف برقم (١٨٥٦).
(٢) انظر ما سلف برقم (١٨٥٦).
(٣) سقط من (م).
(٤) في (ر): حزم الحري.
[ ٨ / ٤٦١ ]
يحمل على نظيره، ويدل على أن (قد) للاستفهام رواية الجمهور: "أيؤذيك هوام رأسك؟ " والاستفهام هنا سؤال لتحقيق العلة التي يترتب عليها الحكم الشرعي (هوام رأسك) بتشديد الميم وهو القمل فهو هوام الإنسان المختصة بجسده.
(قال: نعم) فلما أخبره بوجود المشقة عليه رتب عليه الحكم بالتخفيف (١).
(فقال النبي - ﷺ -: احلق رأسك) أباح له حلق رأسه ثم أعلمه بما يترتب على ذلك من الفدية.
قال ابن التين في "شرح البخاري" يحتمل أن يكون "احلق" على الندب، ويحتمل الإباحة، قال: وهذا يدل على أن إزالة القمل عن الرأس ممنوع وتجب به الفدية [وكذلك الجسد عند مالك. وقال الشافعي: أخذ القمل من الجسد مباح، وفي أخذها من الرأس الفدية (٢)] (٣)؛ لأجل ترفهه لا لأجل القملة (٤) (٥).
وقال النووي في "شرح المهذب": يكره أن يفلي رأسه ولحيته، فإن فلى وقتل قملة تصدق ولو بلقمة، نص عليه الشافعي، وهذا التصدق مستحب وليس بواجب (٦) صرح به جماهير الأصحاب؛ لأنها ليست
_________________
(١) زاد في (م): في قوله.
(٢) "الأم" ٢/ ٣٠٨.
(٣) سقط من (م).
(٤) "عمدة القاري" ١٠/ ٢٢٢.
(٥) في (م): العلة.
(٦) "المجموع" ٧/ ٣١٧.
[ ٨ / ٤٦٢ ]
مأكولة فأشبهت الحشرات والسباع التي لا تؤكل. وفي وجه أن هذا التصدق واجب؛ لأنه يتضمن إزالة الأذى عن الرأس، ولو ظهر القمل في بدنه وثيابه فله إزالته ولا فدية بلا خلاف لا واجبة ولا مستحبة بخلاف قمل الرأس؛ لأنه يتضمن إزالة الأذى من الرأس، فقد ورد فيه النص، والصئبان لها حكم القمل، انتهى.
(ثم اذبح) هذا ظاهر في أن الذبح لا يجزئ قبل الحلق؛ لأن (ثم) للترتيب، وقال الأوزاعي (١) في المحرم يصيبه الأذى في رأسه أنه يجزئه أن يكفر بالفدية قبل الحلق (٢).
قال القرطبي: فعلى هذا يكون معنى الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣) إن أراد أن يحلق، ومن قدر فحلق ففدية فلا يفتدي حتى يحلق (٤) وهذا قول الجمهور.
(شاة) قال ابن عبد البر: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسرًا فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء، وأما الصوم والإطعام (٥) فاختلفوا فيه (٦) (٧).
(نسكًا) جمع نسيكة وهي الذبيحة ينسكها العبد لله، والنسك أيضًا
_________________
(١) في (ر): الأذرعي.
(٢) انظر: "الاستذكار" ٥/ ١٩٧.
(٣) البقرة: ١٩٦.
(٤) "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٣٨٣.
(٥) من (م).
(٦) "التمهيد" ٢/ ٢٣٧.
(٧) من (م).
[ ٨ / ٤٦٣ ]
العبادة، [ومنه قوله] (١) تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ (٢) أي: متعبداتنا، وقيل: إن أصل النسك في اللغة العمل، ومنه نسك ثوبه إذا غسله، فكأن الناسك غسل نفسه من [أدران الذنب في العبادة] (٣)، وقيل: النسك سبائك الفضة كل نسيكة فيها سبيكة، فكأن العابد خلص نفسه من دنس الآثام وسبكها.
(أو صم ثلاثة أيام) هذا قول الجمهور، وهو تفسير للصيام في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ وجاء عن الحسن وعكرمة ونافع أنهم قالوا: الصوم في فدية الأذى عشرة أيام (٤)، ولم يقل بهذا أحدٌ من فقهاء الأمصار ولا أئمة الحديث، ويندب تتابع الثلاثة أيام مبادرة إلى أداء الواجب، وفي قول مخرج من (٥) كفارة اليمين (٦) وجوب التتابع.
(أو أطعم) بفتح الهمزة (ثلاثة آصع) بمد الهمزة وضم الصاد جمع صاع صدقة، وفي هذا رد على ابن مكي فيما قاله في لحن العوام أن آصع لحن، وأن الصواب أصوع مثل دار وأدور، وشبه ذلك، قال القاضي حسين: أعطي كل مسكين في هذِه الكفارة مدَّين وفي سائر الكفارات جعل صوم كل يوم في مقابله طعام مسكين.
(من تمر) ذكر التمر لأنه غالب قوتهم (على ستة مساكين) لكل
_________________
(١) في (ر): قال.
(٢) البقرة: ١٢٨.
(٣) في (م): أرذال الذنوب بالعبادة.
(٤) انظر: "الاستذكار" ٤/ ٣٨٥.
(٥) في (ر): بين.
(٦) زاد بعدها في (ر): من.
[ ٨ / ٤٦٤ ]
مسكين نصف صاع وهو مدان، سواء أطعم حنطة أو شعيرًا أو تمرًا أو زبيبًا، وذهب أبو حنيفة [وسفيان الثوري] (١) إلى أنه إن (٢) تصدق بالبر أطعم لكل مسكين نصف صاع، وإن تصدق بتمر أو زبيب [أو شعير] (٣) أطعم كل واحد صاعًا (٤) وهذا خلاف نص الحديث: (ثلاثة آصع من تمر). ولا يجزئ أن يغدي المساكين ويعشيهم في كفارة الأذى حتى يعطي كل مسكين مدين بمد النبي - ﷺ -، وهما رطلان وثلثا رطل، وبذلك قال مالك والشافعي (٥) والثوري ومحمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: يجزئه أن يغديهم ويعشيهم عن كل يوم.
[١٨٥٧] (وعن كعب بن عجرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: إن شئت فانسك) بضم السين على المشهور، وجوز الكسر (نسيكة) بفتح النون وكسر السين، أي: شاة، وشرطها أن تجزئ في الأضحية، ويقال في الشاة وغيرها مما يجزئ في الأضحية نسيكة (وإن شئت فصم ثلاثة أيام) يندب تتابعها كما تقدم.
(وإن [شئت فأطعم] (٦) ثلاثة آصع) جمع صاع (٧) وفيه لغتان التذكير والتأنيث، وهو مكيال يسع خمسة أرطال وثلثًا بالبغدادي. وقال أبو
_________________
(١) من (م).
(٢) و(٣) سقط من (م).
(٣) انظر: "المبسوط" ٣/ ١٢٥، ٤/ ٨٤ بمعناه، "الاستذكار" ٤/ ٣٨٥، و"شرح مسلم" للنووي ٨/ ١٢١.
(٤) "المدونة" ٢/ ٣٢٣، و"الأم" ٢/ ٣١٠.
(٥) في النسخ: تصدق. والمثبت من مطبوع "السنن".
(٦) في (ر): أصع.
[ ٨ / ٤٦٥ ]
حنيفة: يسع ثمانية أرطال (١).
(من تمر لستة مساكين) فيجب أن يعطي كل مسكين نصف صاع، هذا هو الصحيح الذي قطع به الأصحاب، وحكى الرافعي وجهًا عن حكاية صاحب "العدة" أنه لا يتقدر نصيب كل مسكين، بل يجوز المفاضلة، وهو وجه (٢) ضعيف (٣).
واعلم أن هذا الحديث ليس فيه ذكر الأذى الذي حصل لكعب حتى أمره بحلق شعره، فقد يحتج به على أبي حنيفة في قوله: إن التخيير لا يكون إلا لمن به أذى [أما من لم يكن به أذى] (٤) فيجب عليه الدم إذا حلق، ولا يجزئه صيام ولا صدقة إلا إذا عجز عن الفدية بالدم (٥). وما نقلته عن أبي حنيفة فهو الذي ذكره النووي (٦) في "شرح المهذب" وابن الصباغ في "الشامل" وغيرهما يدخل كلام أحدهما في الآخر أن مذهب الشافعي أن فدية الحلق للأذى على التخيير بين شاة وصوم ثلاثة أيام وإطعام ثلاثة آصع لستة مساكين، سواء حلقه للأذى أو لغيره فإن عليه الكفارة أيضًا على التخيير.
وقال أبو حنيفة: إن حلقه لعذر فهو مخير كما قلنا، وإن حلقه لغير عذر تعينت الفدية بالدم ولا يجوز التخيير، ودليلنا أن كل كفارة ثبت فيها
_________________
(١) "المبسوط" ٣/ ٩٨.
(٢) في (م): شاذ.
(٣) "الشرح الكبير" ٣/ ٥٤١.
(٤) من (م).
(٥) "المبسوط" ٤/ ٨٤.
(٦) في (م): الثوري.
[ ٨ / ٤٦٦ ]
التخيير إذا كان سببها مباحًا ثبت فيها التخيير إذا كان سببها حرامًا ككفارة اليمين والقتل وجزاء الصيد وهو أن يقتل الصيد للضرورة إلى أكله فيكون ذلك مباحًا ويقتله أيضًا لغير ضرورة إلى أكله فيكون حرامًا، والكفارات سواء، واحتج أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) فأثبت التخيير عند العذر من الأذى، فدل على أن لا تخيير مع عدمه، وأجاب (٢) أصحابنا بأن هذا تمسك بدليل الخطاب [وهو لا يقول (٣) به] (٤) ونحن نقول به، إلا أن الأحاديث الصحيحة من السنة تقدم عليه (٥). واحتج أبو حنيفة أيضًا بأن التخيير ثبت بالنص والإجماع في كفارة الأذى (٦) فلا يجوز إثباته في غيرها بالقياس عليها؛ لأن الكفارة لا تثبت قياسًا (٧) عنده، وأجاب أصحابنا بأنا لا نسلم أن الكفارات لا تثبت بالقياس، وإنما ذكرت هذا لأن الخطابي - ﵁ - نقل عن الشافعي خلاف هذا (٨) وتابعه القرطبي ولم يظهر لي ذلك؛ فإنه إمام جليل محقق.
[١٨٥٨] (وعن كعب بن عجرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - مر به) وهو محرم
_________________
(١) البقرة: ١٩٦.
(٢) من (م).
(٣) في (م): يقوى.
(٤) في "المجموع": وهم لا يقولون به.
(٥) "المجموع" ٧/ ٣٧٦.
(٦) زاد في (م): وغيرها.
(٧) في (م): فيها شيئًا.
(٨) "مختصر سنن أبي داود" المطبوع معه "معالم السنن" ٢/ ٣٦٦.
[ ٨ / ٤٦٧ ]
(زمن الحديبية) وقد قمل رأسه ولحيته (فذكر القصة) المذكورة (وقال: أمعك دم؟ قال: لا) رواية مسلم: قال: ما أقدر عليه.
(قال: فصم (١) ثلاثة أيام، أو تصدق) رواية (٢) مسلم: "أطعم" (بثلاثة آصع (٣) من التمر) جمع صاع كما ثبت هذا الجمع في هذا الحديث وفي أحاديث أخر مشهورة وفي كتب اللغة، ولا خلاف في جوازه، وما حكي عن ابن مكي فغلط منه؛ لأن صاع جمعه على أصوع من باب المقلوب؛ لأن فاء الكلمة في أصوع صاد وعينها واو فقلبت الواو همزة ونقلت إلى موضع الفاء ثم قلبت (٤) الهمزة ألفًا حين اجتمعت هي وهمزة الجمع فصارت آصعًا ووزنه أفعل، وكذا القول في آدر ([على ستة مساكين) نسخة:] (٥) بين ستة مساكين (بين كل مسكينين صاع) فإن قيل: هذِه الرواية تدل على الترتيب. فأجاب النووي: ليس المراد به أن الصوم لا يجزئ إلا لعادم الهدي، بل هو محمول على أنه سأل عن النسك، فإن وجده فأخبره بأنه مخير بين الدم وبين الإطعام وبين (٦) الصيام، وإن عدمه فهو مخير بين الصيام والإطعام (٧).
[١٨٥٩] (عن نافع: أن رجلًا من الأنصار) وهو عبد الرحمن بن أبي
_________________
(١) في (ر): صم.
(٢) في (م): رواه.
(٣) زاد بعدها في (م): على ستة مساكين.
(٤) في (ر): نقلت.
(٥) سقط من (م).
(٦) سقط من (م).
(٧) "شرح النووي" ٨/ ١٢١.
[ ٨ / ٤٦٨ ]
ليلى (أخبره عن كعب بن عجرة وكان قد أصابه في رأسه أذى) من مرض أو قمل أو الأذى من غير الشعر كالقروح برأسه أو صداع برأسه أو اشتد الحر عليه لكثرة شعره (فحلق) رأسه (فأمره رسول الله - ﷺ - أن يهدي هديًا) بضم الياء من يهدي، والهدي شاة تجزئ في الأضحية، وعند المالكية أن الفدية بدنة (بقرة) عارض هذِه الرواية رواية [أصح منها] (١) وهو أن الذي أمر به كعب وفعله إنما هو شاة؛ لما روى سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي هريرة: أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى أصابه، وقد يجمع بين الثلاثة روايات بأنه سأله: أمعك دم شاة؟ قال: لا، بل هي (٢) بقرة. قال له: اذبح شاة. رفقًا به، فلم يخالفه، بل ذبح أرفع منها وهي البقرة، ولعله استأذنه فقال: [أذبح بقرة أعلى منها؟ فقال:] (٣) اذبح بقرة، كما قالوا في الزكاة: لو أخرج (٤) بعيرًا عن خمس من الإبل أجزأ، أو شاة صفتها صفة الأضحية.
[١٨٦٠] (الحكم) بفتح المهملة والكاف (بن عتيبة) بضم المهملة وفتح المثناة فوق مصغر ابن النهاس الكوفي، مذكور في الصحيحين (عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة - ﵁ - قال: أصابني هوام) جمع هامة، ولا يقع هذا الاسم إلا على المجوف من الأجناس، والمراد بها القمل؛ لأنها تهم على الرأس أي (٥) تدب (في شعر رأسي وأنا مع
_________________
(١) في (ر): احتج بها.
(٢) في (م): معي.
(٣) في (م): له.
(٤) في (ر): أخذ.
(٥) سقط من (م).
[ ٨ / ٤٦٩ ]
رسول الله - ﷺ - عام الحديبية) بالتخفيف (حتى تخوفت على بصري) من كثرة الوجع أو الأذى، وهو مبالغة في كثرة القمل.
(فأنزل الله - ﷿ -) في الفدية (﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾) قال ابن عباس: أي برأسه قروح (﴿أَوْ بِهِ أَذًى﴾) أي: تأذى (﴿مِنْ﴾) قمل (﴿رَأْسِهِ﴾ الآية، قال: فدعاني رسول الله - ﷺ - فقال لي: احلق رأسك) الأمر للندب أو الإباحة كما تقدم (ثم صم ثلاثة أيام) تعيين وتبيين لمقدار الصوم المجمل في الآية وأبعد من قال من المتقدمين أن الصوم عشرة أيام؛ لمخالفة هذا.
(أو أطعم ستة مساكين فرقًا) بفتح الفاء والراء، وقد تسكن الراء وهو ثلاثة آصع، والتوفيق بينه وبين الرواية المتقدمة: كل مسكين نصف صاع ظاهر على مذهب الشافعي، فإن عنده الصاع أربعة أمداد (١). والمد رطل وثلث لثلاثة (٢) آصع هو ستة عشر رطلًا، وهو الفرق (من زبيب) فيه رد على ما قال الثوري (٣): إن تصدق بالبر فنصف صاع، وإن تصدق بتمر أو زبيب فصاع (٤) (أو انسك شاة) قال الشافعي: الإطعام ودم الفدية لا يكونان إلا لمساكين الحرم والصوم حيث شاء لأن الصيام لا منفعة فيه لأهل الحرم كما قال تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ رفقًا بالمساكين؛
_________________
(١) "الأم" ٢/ ٤٠.
(٢) في (م): فثلاثة.
(٣) في (م): النووي.
(٤) في النسخ: فنصف صاع. والمثبت الصواب. وانظر: "الاستذكار" ٤/ ٣٨٥، "شرح مسلم" للنووي ٨/ ١٢١.
[ ٨ / ٤٧٠ ]
لأنهم جيران بيته (١).
وقال مالك: يفعل ذلك حيث شاء (٢).
قال القرطبي: وفي الآية أوضح الدلالة على ذلك؛ فإنه تعالى لما قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ لم يقل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيثما فعل أجزأ، فسماه نسكًا ولم يسمه هديًا، فلا يلزمنا أن نرده قياسًا على الهدي، وأيضًا فالنبي - ﷺ - لما أمر كعبًا بالفدية ما كان في الحرم فصح أن ذلك كله يكون خارج الحرم، وقد روي ذلك عن الشافعي في وجه بعيد (٣) (فحلقت رأسي، ثم نسكت) "أي": ذبحت الفدية لله تعالى.
وفي بعض طرق هذا الحديث "أيَّ" بالتشديد والنصب (ذلك فعلت أجزأ عنك) هذا صريح في التخيير الدال على الإباحة.
[١٨٦١] (عبد الكريم بن مالك الجزري) بفتح الجيم والزاي (مولى عثمان بن عفان) وهو ابن عم خصيف (٤) أصله من إصطخر، مات سنة ١٢٧.
_________________
(١) "الأم" ٢/ ٢٨٨، وانظر "الحاوي الكبير" ٤/ ٣٠٢.
(٢) انظر: "الاستذكار" ١٣/ ٣٠٧.
(٣) "الجامع لأحكام القرآن" ٢/ ٣٨٦.
(٤) في (م): حصيد.
[ ٨ / ٤٧١ ]